الباحث : الشيخ د. مرتضى فرج
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 39
السنة : صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 56
الملخّص
يستهدفُ هذا البحث تحديدَ الدَّورَ الأساس الذي قامَ بهِ أئمَّةُ أهلِ البيت%، وبالتَّحديد الإمام جعفر الصَّادقA، في هندسةِ علاقةِ أتباعِهِم مع الآخر وفيما بينهم. ويقومُ على فرضيَّةِ أنَّ أوراقَ العلاقات الاجتماعيَّة اختلطَتْ بالتَّدريجِ بعد وفاةِ النَّبيِّJ، في ظلِّ الفوضى السِّياسيَّة التي وقعَتْ في العالَمِ الإسلامي، فضاعت المعالِم والقِيَم والمبادئ، خصوصًا بعد فاجعةِ كربلاء، فقامَ أئمَّةُ أهلِ البيت% - ضمْن سعْيِهِم لتحديدِ معالِمِ مدرسَتِهِم - بهندسةِ علاقاتِ أتباعِهِم مع السُّلْطةِ السِّياسيَّةِ الجائرة، وبقيَّةِ مكوِّناتِ المجتمع الإسلامي، وفيما بينهم أيضًا، في ضوءِ تعاليمِ القرآنِ الكريم وسُنَّةِ النَّبيِّJ، في ظِلِّ أوضاعٍ اجتماعيَّةٍ وسياسيَّةٍ بالغة التَّعقيد.
الكلمات المفتاحية:
الامام الصادق - العلاقات الاجتماعية- الولاية – المؤمنين – الظالم.
هندسة العلاقات في صدْر الإسلام
الباحثُ في تاريخِ صدْرِ الإسلام، يجدُ أنَّ القرآنَ الكريمَ أعادَ هندسةَ علاقات المسلمين، في ضوءِ المُستجدَّات التي طرأَتْ بعد هجرةِ النَّبيِّJ إلى المدينة. فقد ظَهَرَ من الأوسِ والخزْرج مكوِّنٌ جديد، سُمِّيَ بـ (الأنصار)، وجاءَ من مكَّةَ مكوِّنٌ جديد، سُمِّيَ بـ (المهاجرين)، ومثَّلَتْ هاتانِ الفئتان معًا مجموعةَ (السَّابقينَ الأوَّلين) الذين آخى فيما بينهم النَّبيُّJ. كما تبلورَتْ فئةٌ جديدةٌ في المدينةِ وأطرافِها تتظاهَرُ بالإسلامِ دونَ أنْ تُؤمِنَ به حقًَّا، سُمِّيَتْ بـ (المنافقين)، بالإضافةِ إلى أولئك (الذين في قُلُوبِهِم مرض)؛ وهم فئةٌ مُندسَّةٌ بين جميعِ الفئاتِ السَّابقة. وقد شهدَ القرآنُ الكريُم بأنَّ التآلُفَ الذي تحقَّقَ بين السَّابقينَ الأوَّلينَ من المهاجرينَ والأنصار، يُعدّ إنجازًا عظيمًا، فقال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[1] .
لكنِ المهاجرونَ كانوا يُواجهونَ تحدِّيًا واختبارًا، يتمثَّلُ في الصِّراعِ الذي عاشوهُ في نُفُوسِهِم، بين ولائِهِم للإسلامِ وولائِهِم لأرْحامِهِم من كُفَّارِ قُريش. وكان الأنصارُ في المقابل يُواجهونَ تحدِّيًا واختبارًا آخر، يتمثَّلُ في الصِّراعِ الذي عاشوهُ في نُفُوسِهِم، بين ولائِهِم للإسلامِ وولائِهِم السَّابق لبعْضِ يهودِ المدينةِ ومَلَئِها من المنافقين؛ لذا جاءَ القرآنُ الكريمُ يُهندِسُ علاقةَ المسلمينَ بالآخر، على أساسِ التَّولِّي والتَّبرِّي؛ فصَدَعَ مُحذِّرًا المهاجرين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾[2] . وخاطَبَ نبيَّهُJ قائلًا: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾[3] .
وطلَبَ القرآنُ الكريمُ من المهاجرينَ والأنصارِ على السَّواء أنْ يُنظِّموا صفوفهم ويتكاتفوا معًا ضدَّ قُريش الكافرة، واليهود المعاندين، والأعراب الجهلة، والمنافقين المخادعين، الذين يُنسِّقونَ فيما بينهم للقضاءِ على المسلمين بوصفِهِم العدُوَّ المشترك لهُم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.....وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾[4] وفي آيةٍ أخرى تحدَّثَ كذلكَ عن النَّصارى المعاندين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾[5] .
إذًا هندسةُ العلاقات في صدرِ الإسلام، وبالتَّحديد بعد هجرةِ النَّبيِّJ إلى المدينة، باتَتْ واضحة؛ حدَّدَها القرآنُ الكريمُ وأنْزَلَها النَّبيُّJ على أرضِ الواقع مُبيِّنًا كيفيَّةِ تطبيق الوصايا والتَّعاليم القُرآنيَّة؛ فالمطلوبُ أنْ يُكوِّنَ المسلمونَ كتلةً واحدةً متماسكةً منسجمةً فيما بين مكوِّناتها، ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾[6] ، ليُواجهوا أعداءَ الدَّاخلِ والخارج؛ أعداءَ الدَّاخل الذين يتمثَّلونَ في اليهودِ والمنافقين ومرْضى القلوب، وأعداءَ الخارج الذين يتمثَّلونَ في قُريش والأعراب المشركين والنَّصارى المعاندين. وحثَّ في الوقتِ نفسِهِ على التَّعاطي الحَسَن مع غيرِ الأعداء من أتباعِ الأديان والمِلَلِ الأخرى، فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[7] .
هندسة العلاقات بعد النَّبيِّJ
بعد وفاةِ النَّبيِّJ (من 11- 35 هـ) اختلطَتْ الأوراق؛ فقد وثَبَ وُجهاءُ المهاجرين إلى مرْكزِ صُنْعِ القرار، واستَأْثروا بالسُّلْطةِ السِّياسيَّة، واستعانوا بالطُّلقاءِ ومرْضى القُلُوب، وأُقصِيَ بنو هاشم والأنصار، وتمَّ التَّطبيعُ مع المؤلَّفةِ قلوبهم وإلغاء هذا السَّهْم المُقرَّر لهُم من الزَّكاة، وذابَ المنافقون في المجتمع بنحو لمْ نعُد نسْمَع لهُم ذكرًا. ولمْ يستلِم أميرُ المؤمنين الإمامُ عليّA الخلافةَ (في 35 هـ) إلَّا وكان مضطرًّا للدُّخولِ في معارِكِ التَّأويل، كما دخَلَ النَّبيُّJ من قبلِهِ في معارِكِ التَّنزيل[8] .
ودخَلَ المسلمونَ بعد شهادةِ أميرِ المؤمنين (40 هـ) نفقًا مُظْلمًا؛ حيثُ اضطُرَّ الإمامُ الْحَسَنُA إلى عقْدِ الصُّلْح (في 41 هـ)، ثمَّ اضطُرَّ الإمامُ الْحُسَيْنُA للنَّهضةِ عندما وَجَدَ أنَّ الإسلامَ كاد أنْ يُمْحى أثرُهُ، حتَّى استشهَدَ في كرْبلاء (في 61 هـ) في فاجعةٍ أليمةٍ مثَّلَتْ منعطفًا أساسيًَّا في تاريخِ المسلمين. واضطرَبَ العالَمُ الإسلامي بعد ذلك أيَّما اضطراب، فوقعَتْ الحَرَّةُ واستُبيحَت المدينةُ (في 63 هـ)، وحُوصِرَت مكَّة ورُمِيَ البيْتُ الحرامُ بالمنجنيق (في 64 هـ، وأُخرى في 73 هـ)، وقامت ثورةُ المُختار الثَّقفي في العراق (66- 67 هـ). ولمْ تستقر الأمور في الظَّاهرِ إلَّا في أواخِرِ حياةِ الإمام زين العابدينA، أي مع العقْدِ الأخير من القرْنِ الأوَّل الهجري. وظلَّتْ النَّارُ تحتَ الرَّماد، في انتظارِ الانقلابِ العبَّاسي على الحكمِ الأُموي، مع بداياتِ القرْن الثَّاني الهجري. هذا الانقلاب الذي نجَحَ في خِداعِ النَّاس واستثمارِ تعاطُفِهِم مع مظلوميَّةِ أهلِ البيت%.
إذًا بعد وفاةِ النَّبيِّJ، وحتى بُعيد فاجعة كربلاء (إي إلى نهايةِ القرْن الأوَّل الهجري)، لم يكنْ من الممكن هندسةُ العلاقات بنحوٍ دقيقٍ بحيث تتمايز الصُّفوف؛ لأنَّ الأوراقَ كانت مختلطةً، وكان النَّاسُ يموجونَ في الفِتَن، وكان أئمَّةُ أهلِ البيت% في انتظارِ السُّكون والهدوء ليبدؤوا دورَهُم التَّرْبوي لهذه الأمَّة. وهذا ما تحقَّقَ في زمنِ الإمام محمَّد الباقرA والإمام جعفر الصَّادقA، أي في منتصفِ القرْن الثَّاني الهجري، وبالتَّحديد من 95 هـ (بداية إمامةِ الباقر) إلى 148هـ (نهاية إمامةِ الصَّادق).
هندسة العلاقات بعد فاجعة كربلاء
مع إمامةِ الإمام محمَّد الباقرA ثمَّ الإمام جعفر الصَّادقA، كانت الدَّولةُ الأُمويَّةُ تعيشُ زلزالًا داخليًَّا أطاحَ بها في النِّهاية، وكانت الدَّولةُ العبَّاسيَّةُ في بدايةِ نشأَتِها. وتبلْورَ واقعٌ جديدٌ في العالَمِ الإسلامي، وكان أتباعُ أهلِ البيت% يبْحثونَ عن منهجٍ لتطبيقِ معالِمِ الإسلام على الواقع، ليعرفوا كيف يتعاطونَ مع المُكوِّناتِ الجديدةِ التي نشأَتْ في مجتمعاتِهِم.
فالعالَمُ الإسلامي لم يعُد فيه مهاجرونَ وأنصار، وخصومُ الأمسِ تجاوزَهُم الزَّمن، وتحدِّياتُ الأمس تلاشَتْ وظهرت تحدِّيات جديدة. وكان لا بدَّ أنْ يُقيَّضَ لمفاهيمِ القرآن مهندسًا ربَّانيًَّا يُنزِلُها على أرضِ الواقع تطبيقًا وتجسيدًا، ليعرِفَ أتباعُ مدرسةِ أهلِ البيت% كيف يتعاطونَ مع النَّاس: هل يصْطدمونَ بالسُّلْطةِ السِّياسيَّةِ - كما فعَلَ الشَّهيد زيدُ بنُ عليّ (في 122 هـ) - ودماءُ الغضَبِ تغلي في عُروقِهِم منها؟ أمْ يُطبِّعونَ العلاقةَ معها ويذوبونَ فيها تبعًا لمصالِحِهِم الدُّنيويَّة وهي التي سفكَتْ دَمَ الْحُسَيْنA في كرْبلاء؟ أمْ يَنْأَوْنَ بأَنْفُسِهِم عنها زُهْدًا وتنزُّهًا وتورُّعًا؟ ومن ناحيةٍ أخرى، كيف يتعاطونَ مع عامَّةِ المسلمين؟ هل يُكفِّرونَهُم كما فعَلَ الخوارج؟ أمْ يذوبونَ فيهم وهم الذين هَجَروا إمامةَ أهلِ البيت% جَهْلًا أو عِنادًا؟ أمْ يتعايشونَ معَهُم رغمَ الاختلاف العَقَدي؟ ومن ناحيةٍ ثالثة، كيف يتعاطونَ مع المؤمنينَ بإمامةِ أهلِ البيت%؟ خصوصًا أنَّ هؤلاء أطيافٌ مختلفة؛ بعضُهُم تورَّطَ بالغُلُو، وآخرونَ بالتَّقصير؟!
هذه المقالةُ تستهدفُ إبراز ما قامَ بهِ الإمامُ جعفرُ الصَّادقA في هندسةِ علاقاتِ أتباعِ أهل البيت% مع الآخر، في ضوءِ تعاليمِ القرآنِ الكريم.
وسأقتصِرُ على تقسيمِ (الآخر) إلى ثلاثةِ أقسام، ستُبحث في ثلاثةِ محاور:
1- القسْم الأوَّل يتعلَّقُ بأَهْلِ الجَوْرِ والظُّلم (وكان يُمثِّلُهُم آنذاك خُلفاءُ بني أُميَّة ثمَّ بني العبَّاس): وكان الطَّابعُ العامُّ في التَّعاطي مع هذا القسْمِ هو التَّحذير من صيرورةِ أتباعِ مدرسةِ أهلِ البيت% من أعوانِ أهلِ الجَوْرِ والظُّلْم، أو من العاملين معهم إلَّا بقدرِ ما تقتضيهِ الضَّرورةُ الاجتماعيَّةُ والسِّياسيَّة.
2- القسْم الثَّاني يتعلَّقُ بعامَّةِ المسلمين: وكان الطَّابعُ العامُّ في التَّعاطي مع هذا القسْمِ الحَثَّ على التَّعايُش والاندماج والانفتاح عليهم بأخلاقٍ قُرآنيَّةٍ رفيعة.
3- القسْم الثَّالث يتعلَّقُ بأُولئكَ الذين يُؤمنونَ بولايةِ أهلِ البيت%: وكان الطَّابعُ العامُّ في التَّعاطي مع هذا القسْمِ هو الاندكاك والتَّفاني في ولايةِ المؤمن، محبَّةً ونُصْرةً وتكافُلًا وطاعةً، حتى يُشكِّلوا فيما بينهم مجموعةً صالحةً صلْبةً متماسكة في الواقع، متفرِّقة في الظَّاهر، غير منكفئة على ذاتِها، بل منفتحة على بقيَّةِ مُكوِّنات المجتمع الإسلامي، مع أخذِ مسافةٍ واضحةٍ من أهلِ الجَوْرِ والظُّلم، ومع التَّحذيرِ المُستمرِّ من اندساسِ أهلِ الغُلُوِّ فيما بينهم.
منهجُ هذه المقالة، هو انتزاعُ هذا التَّصوُّر العامّ - لهندسةِ أهلِ البيت% لعلاقاتِ أتباعِهِم - من الرِّواياتِ المرْويَّةِ عنهم في أكثرِ كُتُبِ الحديثِ اعتبارًا، التي تُوضِّحُ أنَّ هناك خيطًا مشتركًا مستمرًَّا كان في سيرَتِهِم وتعاليمِهِم%، ملخّصه: توصيةُ أتباعِهِم بالنَّأْيِ بأنْفُسِهِم عن أهلِ الجَوْرِ والظُّلْم، والتَّعايُش والانفتاح على إخوانِهِم من عامَّةِ المسلمين، وبناءُ علاقاتٍ صلْبةٍ متينةٍ خفيَّةٍ مع إخوانِهِم المؤمنين الذين يُشاركونَهُمُ الإيمانَ بإمامةِ أهلِ البيت%، مع الحذَرِ الشَّديدِ من اندساسِ الغُلاة.
المحور الأول: هندسة علاقة الأتباع بأهلِ الجَوْرِ والظُّلْم
الهدَفُ من هذا المحور، التَّعرُّف على هندسةِ أئمَّةِ أهلِ البيت% لعلاقاتِ أتْباعِهِم مع أهلِ الجَوْرِ والظُّلم، والطَّابعِ العامِّ في التَّعاطي مع هؤلاء، هو النَّأْيُ بالنَّفْسِ إلَّا بقدَرِ ما تقتضيهِ الضَّرورة.
الموقفُ من طُغاةِ بني أُميَّة وبني العبَّاس، كان منسجمًا تمامًا مع تعاليمِ القرآنِ الكريم، حيثُ قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾[9] .
ويمكنُ فرْزُ الرِّوايات المرْويَّة عن الإمام جعفر الصَّادقA بشأْنِ هذا المحور إلى عشْرةِ طوائف وعناوين هي:
1. حُكْمُ إعانةِ الظَّالم في ظُلْمِهِ.
2. خطورةُ الانتساب إلى الظَّالم.
3. التَّحذيرُ من إيصالِ أخبارِ المؤمنين إلى الظَّالم.
4. ضرورةُ اجتناب التَّحاكُم إلى الطَّاغوت.
5. في حُرْمةِ قبول ولايةِ الظَّالم.
6. في عواقبِ قبول ولايةِ الظَّالم.
7. في جوازِ قبول الوظيفة العاديَّة من الظَّالم.
8. في موارِدِ جواز قبول الولاية من الظَّالم.
9. حُكْمُ القتال مع الظَّالم،
10. في عقابِ الأعمال.
الطَّائفة الأولى: حُكْمُ إعانةِ الظَّالِمِ في ظُلْمِهِ
1. روى الكُليني بسَنَدٍ صحيحٍ عن عليِّ بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ قَالَ :دَخَلْتُ عَلى أَبِي عَبْدِ اللهِA، فَاسْتَقْبَلَنِي زُرَارَةُ خَارِجًا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِA: «يَا وَلِيدُ، أَمَا تَعْجَبُ مِنْ زُرَارَةَ سَأَلَنِي عَنْ أَعْمَالِ هؤُلَاءِ؟ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ يُرِيدُ؟ أَيُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: لَا، فَيَرْوِيَ ذلِكَ عَنِّي؟». ثُمَّ قَالَ: «يَا وَلِيدُ، مَتى كَانَتِ الشِّيعَةُ تَسْأَلُ عَنْ أَعْمَالِهِمْ؟ إِنَّمَا كَانَتِ الشِّيعَةُ تَقُولُ: يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ؟ وَيُشْرَبُ مِنْ شَرَابِهِمْ؟ وَيُسْتَظَلُّ بِظِلِّهِمْ؟ مَتى كَانَتِ الشِّيعَةُ تَسْأَلُ عَنْ هذَا؟!»[10]
تعليق: من الواضِحِ أنَّ الإمامَ جعفر الصَّادقَA كان يشتكي للوليدِ بنِ صبيح من أنَّ سُؤالَ زُرارة كاشفٌ عن عرَضٍ خطيرٍ في الشِّيعة، وهو انخفاضُ حِدَّةِ حساسيَّتِهِم من أهلِ الجَوْرِ والظُّلْم، بحيث سمحوا لأَنْفُسِهِم بالتَّفكيرِ في العمَلِ معَهُم، في حين أنَّهُم كانوا في السَّابِقِ يستشكلونَ حتى في طعامِهِم وشرابِهِم، بل حتى في الاستظلالِ بظِلِّهم، وأنَّ بيانَ هذا الأمرِ الواضح قد يُعرِّضُهُA للمخاطِرِ السِّياسيَّة «أَيُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: لَا، فَيَرْوِيَ ذلِكَ عَنِّي؟».
2. روى الكُليني بسَنَدٍ معتبرٍ عن ابنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ بَشِيرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِA إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَقَالَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللهُ، إِنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَ الرَّجُلَ مِنَّا الضَّيْقُ أَوِ الشِّدَّةُ، فَيُدْعى إِلَى الْبِنَاءِ يَبْنِيهِ، أَوِ النَّهَرِ يَكْرِيهِ، أَوِ الْمُسَنَّاةِ =(سدّ) يُصْلِحُهَا، فَمَا تَقُولُ فِي ذلِكَ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِA: «مَا أُحِبُّ أَنِّي عَقَدْتُ لَهُمْ عُقْدَةً، أَوْ وَكَيْتُ لَهُمْ وِكَاءً =(ما يُشَدُّ به رأسُ القِرْبة)، وَإِنَّ لِي مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا =(أرض ذات أحجار سود، تثنية اللَّابة أي الحرَّة، في المدينة)، لَا، وَلَا مَدَّةً بِقَلَمٍ؛ إِنَّ أَعْوَانَ الظَّلَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي سُرَادِقٍ =(خيمة) مِنْ نَارٍ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ الْعِبَادِ»[11] .
تعليق: تحذيرُ الإمامِ جعفر الصَّادقA من إعانةِ الظَّلَمة ينطوي على جانبٍ ترْبويٍّ بالغ الأهميَّة، فهوA يُحذِّرُ من الاستخفافِ بإعانةِ أهلِ الجَوْرِ ولو بالأمورِ العاديَّة، مهما كان المقابل المالي مُغْرِيًا «مَا أُحِبُّ أَنِّي عَقَدْتُ لَهُمْ عُقْدَةً، أَوْ وَكَيْتُ لَهُمْ وِكَاءً، وَإِنَّ لِي مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا، وَلَا مَدَّةً بِقَلَمٍ».
3. روى الصَّدوق في ثوابِ الأعمالِ وعقابِ الأعمال بسندٍ معتبرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنِ السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِA قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِJ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُهُمْ، وَمَنْ لاط [لَاقَ] لَهُمْ دَوَاةً، وَرَبَطَ كِيسًا، أَوْ مَدَّ لَهُمْ مرَّةً [مَدَّةَ] قَلَمٍ؟! فَاحْشُرُوهُمْ مَعَهُمْ =( احشروا أعوانَ الظَّلمة مع الظَّلمة) »[12] .
تعليق: الإمامُ جعفر الصَّادقُA في هذه الرِّوايةِ يستمِدُّ تعاليمَهُ من جدِّهِ المصْطفىJ، مُبيِّنًا عواقب إعانة الظَّلَمة الأُخرويَّة.
4. روى الكليني عن عليِّ بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: « قَالَ رَسُولُ اللهِJ: مَنْ أَرْضى سُلْطَانًا بِسَخَطِ اللهِ، خَرَجَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ»[13] .
تعليق: مرَّة أخرى، الإمامُ جعفر الصَّادقُA يستمدُّ تعاليمَهُ التَّرْبويَّة من جدِّهِ المصْطفىJ، مُبيِّنًا العواقب الخطيرة لإرضاءِ السُّلْطان على حسابِ رضا الله (عزَّ وجلَّ).
الطَّائفة الثَّانية: خطورةُ الانتسابِ إلى الظَّالِم
1. روى الكُليني عن عليِّ بنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ :كَانَ لِي صَدِيقٌ مِنْ كُتَّابِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ لِي: اسْتَأْذِنْ لِي عَلى أَبِي عَبْدِ اللهِA، فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ سَلَّمَ وَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنِّي كُنْتُ فِي دِيوَانِ هؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَأَصَبْتُ مِنْ دُنْيَاهُمْ مَالًا كَثِيرًا، وَأَغْمَضْتُ فِي مَطَالِبِهِ .فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِA: «لَوْلَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ، وَيَجْبِي لَهُمُ الْفَيْءَ، وَيُقَاتِلُ عَنْهُمْ، وَيَشْهَدُ جَمَاعَتَهُمْ، لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا، وَلَوْ تَرَكَهُمُ النَّاسُ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ، مَا وَجَدُوا شَيْئًا إِلاَّ مَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ». قَالَ: فَقَالَ الْفَتى: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَهَلْ لِي مَخْرَجٌ مِنْهُ؟ قَالَ: «إِنْ قُلْتُ لَكَ تَفْعَلُ؟» قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ لَهُ: «فَاخْرُجْ مِنْ جَمِيعِ مَا اكْتَسَبْتَ فِي دِيوَانِهِمْ، فَمَنْ عَرَفْتَ مِنْهُمْ رَدَدْتَ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ تَصَدَّقْتَ بِهِ، وَأَنَا أَضْمَنُ لَكَ عَلَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ الْجَنَّةَ». قَالَ: فَأَطْرَقَ الْفَتى طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ: فَرَجَعَ الْفَتى مَعَنَا إِلَى الْكُوفَةِ، فَمَا تَرَكَ شَيْئًا عَلى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ حَتّى ثِيَابِهِ الَّتِي كَانَتْ عَلى بَدَنِهِ، قَالَ: فَقَسَمْتُ لَهُ قِسْمَةً، وَاشْتَرَيْنَا لَهُ ثِيَابًا، وَبَعَثْنَا إِلَيْهِ بِنَفَقَةٍ. قَالَ: فَمَا أَتى عَلَيْهِ إِلاَّ أَشْهُرٌ قَلَائِلُ حَتّى مَرِضَ، فَكُنَّا نَعُودُهُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَهُوَ فِي السَّوْقِ، قَالَ: فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عَلِيُّ، وَفى لِي وَاللهِ صَاحِبُكَ. قَالَ: ثُمَّ مَاتَ، فَتَوَلَّيْنَا أَمْرَهُ، فَخَرَجْتُ حَتّى دَخَلْتُ عَلى أَبِي عَبْدِ اللهِA، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ، قَالَ: «يَا عَلِيُّ، وَفَيْنَا ـ وَاللهِ ـ لِصَاحِبِكَ». قَالَ: فَقُلْتُ: صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ، هكَذَا ـ وَاللهِ ـ قَالَ لِي عِنْدَ مَوْتِه[14]ِ .
تعليق: هذه الرِّوايةُ الرَّائعةُ تُبيِّنُ كيفَ أنَّ الإمامَ جعفرَ الصَّادقA أخَذَ بيَدِ كاتِبِ بني أُميَّة نحو التَّوبة إلى اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وكيف حثَّ هذا الفتى على التخلُّصِ من عواقبِ الانتساب للظَّالمين، حتى على مستوى الثِّياب، وكيف ضَمِنَ له البشارةَ بالجنَّةِ في لحظاتِ الاحتضار، ثمَّ وفى له بذلك. ويا لها من خاتمةٍ حَسَنة.
2. روى الكليني عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِA: فُلَانٌ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَقَالَ: «وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ».
قُلْتُ: يَسْأَلُونَكَ الدُّعَاءَ.
فَقَالَ: «وَمَا لَهُمْ؟».
قُلْتُ: حَبَسَهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ.
فَقَالَ: «وَمَا لَهُمْ، وَمَا لَهُ؟».
قُلْتُ: اسْتَعْمَلَهُمْ، فَحَبَسَهُمْ.
فَقَالَ: «وَمَا لَهُمْ وَمَا لَهُ؟ أَلَمْ أَنْهَهُمْ، أَلَمْ أَنْهَهُمْ، أَلَمْ أَنْهَهُمْ؟ هُمُ النَّارُ، هُمُ النَّارُ، هُمُ النَّارُ =(ربَّما إشارة لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾»[15] .
قَالَ ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ اجْدَعْ عَنْهُمْ سُلْطَانَهُمْ».
قَالَ: فَانْصَرَفْتُ مِنْ مَكَّةَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُمْ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أُخْرِجُوا بَعْدَ هذَا الْكَلَامِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
تعليق: هذه الرِّوايةُ تُبيِّنُ كيفَ أنَّ الإمامَ جعفرَ الصَّادقA فُوجِئَ بانتهاكِ بعضِ أصحابِهِ وصاياهُ بتجنُّبِ أهلِ الجَوْرِ والظُّلْمِ من بني العبَّاس، وكيف أنَّ عاقبةَ ذلك الدُّنيويَّة تمثَّلَتْ بسَجْنِ أبي جعفر المنصور لهؤلاءِ بعدما استعمَلَهُم، وكيفَ أنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) استجابَ دعاءَهُA بالفرَجِ لهُم في غُضونِ ثلاثةِ أيَّام[16].
3. روى الكُليني عن عدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُذَافِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ :قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِA: «يَا عُذَافِرُ، نُبِّئْتُ أَنَّكَ تُعَامِلُ أَبَا أَيُّوبَ وَالرَّبِيعَ، فَمَا حَالُكَ إِذَا نُودِيَ بِكَ فِي أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ؟» قَالَ: فَوَجَمَ أَبِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِA لَمَّا رَأى مَا أَصَابَهُ: «أَيْ عُذَافِرُ، إِنَّمَا خَوَّفْتُكَ بِمَا خَوَّفَنِي اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ بِهِ». قَالَ مُحَمَّدٌ: فَقَدِمَ أَبِي، فَلَمْ يَزَلْ مَغْمُومًا مَكْرُوبًا حَتّى مَاتَ [17].
تعليق: يبدو أنَّ المقصودَ بـ (أبي أيوب): سُليمان بن أبي سُليمان الخوزي (نسبةً لـ خوزستان)، المعروف بـ (أبي أيُّوب المورياني)، كان وزيرًا لأبي جعفر المنصور بعد خالد بن برْمك (جَدُّ البرامكة). ويبدو أنَّ المقصودَ بـ (الرَّبيع): الفضْل بن الرَّبيع، وهو من أشْهَرِ وزراء بني العبَّاس، وكانت له يَدٌ في نكبةِ البرامكة، ثمَّ صارَ وزيرًا لهارون والأمين. والإمامُ جعفرُ الصَّادقA - بشهادةِ محمَّد بن عُذافِر - حذَّرَ عُذافِر من الانتسابِ للظَّلَمةِ، حتى لا يُنادي بهِ يومَ القيامةِ ضمْنَ أعوانِ الظَّلَمة. وقد صوَّرَ لنا محمَّدُ بنُ عُذافِر تأثيرَ هذه الموعظة على أبيهِ، ورِفْق الإمام الصَّادقA به، ثمَّ كيفَ أنَّ عُذافر ماتَ مغمومًا مكروبًا من تأثيرِ هذه الموعظة. وفي هذا درْسٌ ترْبويٌّ عظيمٌ جدًَّا لا يخفى على أُولي الألباب.
الطَّائفة الثَّالثة: التَّحذيرُ من إيصالِ أخبارِ المؤمنين إلى الظَّالم
1. روى الكليني عن يُونُسُ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ : «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA ـ وَتَلَا هذِهِ الْآيَةَ: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ـ قَالَ: وَاللهِ، مَا قَتَلُوهُمْ بِأَيْدِيهِمْ، وَلَا ضَرَبُوهُمْ بِأَسْيَافِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ سَمِعُوا أَحَادِيثَهُمْ، فَأَذَاعُوهَا فَأُخِذُوا عَلَيْهَا، فَقُتِلُوا، فَصَارَ قَتْلًا وَاعْتِدَاءً وَمَعْصِيَةً»[18] .
تعليق: الإمامُ جعفرُ الصَّادقA، يُفسِّرُ هذه الآيةَ الكريمةَ بأنَّ نِسْبةَ القتْلِ لبني إسرائيل، لا تعني المباشرة بقتْلِ الأنبياء باليَدِ والسَّيْف، وإنمَّا بإذاعةِ أحاديثِهِم ونقْلِها إلى الطُّغاة، الأمر الذي تسبَّبَ بقتْلِهِم، فنُسِبَ ذلك القتْلُ إليهِم أيضًا. وهذه معلومةٌ تاريخيَّةٌ بالغةُ الأهميَّة.
2. روى الكليني عن يُونُسُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «مَا قَتَلَنَا مَنْ أَذَاعَ حَدِيثَنَا قَتْلَ خَطَأٍ، وَلكِنْ قَتَلَنَا قَتْلَ عَمْدٍ»[19] .
تعليق: الإمامُ جعفرُ الصَّادقA، يُحذِّرُ من أنَّ إيصالَ أحاديثِهِم إلى الطُّغاة قد يتسبَّبُ بقتْلِهِم، وهذا القتْلُ لا يُعدُّ قتلًا بالخطأِ، وإنَّما هو قتلٌ عَمْدِيٌّ؛ لأنَّ أيَّ مُكلَّفٍ لديهِ قدْرٌ من الرُّشْد يعي بأنَّ نقْلَ بعضِ الأحاديث قد تُورِدهُم% المهالِك؛ لذا حذَّروا% بأنَّ من يقوم بذلك لنْ يُقبل منه سَوْقُ الأعذار، بأنَّه قد أخطأَ في تقديرِ الموقف. ورغمَ هذه التَّحذيرات، فإنَّ استهتارَ بعض الأتباع كثيرًا ما جعَلَ أئمَّة أهل البيت% يدْفعونَ الأثمانَ الباهظة، تضييقًا وسِجْنًا ودَمًَا.
3. روى الكليني عن عليِّ بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْخَفَّافِ، عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «مَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا بِسُلْطَانٍ لِيُصِيبَهُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ فَلَمْ يُصِبْهُ، فَهُوَ فِي النَّارِ؛ وَمَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا بِسُلْطَانٍ لِيُصِيبَهُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ فَأَصَابَهُ، فَهُوَ مَعَ فِرْعَوْنَ وَآلِ فِرْعَوْنَ فِي النَّارِ»[20] .
تعليق: يُحذِّرُ الإمامُ جعفرُ الصَّادقُA في هذه الرِّوايةِ، من الاستقواءِ بالسُّلْطانِ لترويعِ المؤمن، سواءٌ أصابَ المؤمن منه مكروهٌ أو لمْ يُصِبْهُ. فإنْ أصابَهُ منه مكروهٌ، فإنَّ المستقوي بالسُّلْطانِ سيُحشَرُ مع فرعون؛ الذي ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾[21] .
4. روى الكليني عن عليِّ بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «مَنْ أَعَانَ عَلى مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَتِي»[22] .
تعليق: في هذه الرِّوايةِ يبيّنُ الإمامُ جعفرُ الصَّادقُA محذّرًا من أنَّ من يُعين ظالِمًا على مؤمنٍ، ولو بجُزْءٍ من كلمة، أي أقلّ من كلمةٍ واحدة، فسيُقدَّر له يومَ القيامةِ أنْ يكونَ من الآيسينَ من رحمةِ الله. أعاذَنا اللهُ من ذلك.
الطَّائفة الرَّابعة: ضرورةُ اجتناب التَّحاكُم إلى الطَّاغوت
وهذا المبدأُ قُرْآنيٌّ بالأساس؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾[23] .
1. روى الكليني عن محمَّدِ بنِ يَحْيى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ حَمْزَةَ الْغَنَوِيِّ، عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ :عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخٍ لَهُ مُمَارَاةٌ فِي حَقٍّ، فَدَعَاهُ إِلى رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَأَبى إِلاَّ أَنْ يُرَافِعَهُ إِلى هؤُلَاءِ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾»[24] .
تعليق: يُحذِّرُ الإمامُ جعفرُ الصَّادقA، أتباعَهُ من التَّحاكُمِ إلى الطَّاغوت عند وقوعِ الخصومةِ فيما بينهم، مع إمكانِ الرُّجوع إلى حَكَمٍ من المؤمنين، ويستشهدُ في ذلك بالآيةِ الكريمة المذكورة .
2. روى الكليني عن الحسينِ بنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ =(سالم بن مُكرَم الجمَّال)، قَالَ :قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِA: «إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِلى أَهْلِ الْجَوْرِ، وَلكِنِ انْظُرُوا إِلى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ قَضَائِنَا، فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِيًا، فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ»[25] .
تعليق: الإمامُ جعفرُ الصَّادقA، يُحذِّرُ أتباعَهُ عند وقوعِ الخصومةِ فيما بينهم من التَّحاكُمِ إلى أهلِ الجَوْر، مع إمكانِ الرُّجوع إلى حَكَمٍ من المؤمنينَ الفُقهاء، ثمَّ أعلَنَA عن تنْصيبِهِ للمؤمنينَ الفُقهاء حُكَّامًا على المؤمنين ليتحاكموا إليهم «فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِيًا فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ».
3. روى الكليني عن محمَّدِ بنِ يَحْيى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِJ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ، فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ أَوْ إِلَى الْقُضَاةِ: أَيَحِلُّ ذلِكَ؟ فَقَالَ: «مَنْ تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ، فَحَكَمَ لَهُ، فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتًا وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ ثَابِتًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ وَقَدْ أَمَرَ اللهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ. قُلْتُ: كَيْفَ يَصْنَعَانِ؟ قَالَ: انْظُرُوا إِلى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ رَوى حَدِيثَنَا، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَارْضَوْا بِهِ حَكَمًا، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا، فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ، فَإِنَّمَا بِحُكْمِ اللهِ اسْتَخَفَّ، وَعَلَيْنَا رَدَّ، وَالرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللهِ، وَهُوَ عَلى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللهِ»[26] .
تعليق: الإمامُ جعفرُ الصَّادقA، يُحذِّرُ أتباعَهُ عند وقوعِ الخصومةِ فيما بينهم من التَّحاكُمِ إلى أهلِ الجَوْر، وأنَّ ما يأخُذهُ جرَّاء ذلك إنَّما هو سُحْتٌ وإنْ كان مُحِقًَّا، ثمَّ أعلَنَA عن تنْصيبِهِ للمؤمنينَ الفُقهاء حُكَّامًا على المؤمنين ليتحاكموا إليهم، وحذَّرَ من الاستخفافِ بحُكمِهِم (لكونِهِم فاقدينَ عادةً للسُّلْطةِ القاهرةِ العاملةِ على تنفيذِ الحكم) «فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا، فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ، فَإِنَّمَا بِحُكْمِ اللهِ اسْتَخَفَّ وَعَلَيْنَا رَدَّ».
الطَّائفة الخامسة: في حُرْمةِ قبول ولايةِ الظَّالِم
1. جاء في تفسير القُمِّي بسندٍ مُوثَّق قال: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ، حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِA عَنْ قَوْمٍ مِنَ الشِّيعَةِ يَدْخُلُونَ فِي أَعْمَالِ السُّلْطَانِ، وَيَعْمَلُونَ لَهُمْ، وَيُحِبُّونَهُمْ وَيُوَالُونَهُمْ، قَالَ: «لَيْسَ هُمْ مِنَ الشِّيعَةِ، وَلَكِنَّهُمْ مِنْ أُولَئِكَ - ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِA هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾»[27] .
تعليق: الإمام جعفرُ الصَّادقA يُؤكِّدُ للرَّجُلِ السَّائل بأنَّ من يقبل بأنْ يكونَ جُزْءًا من منظومةِ الفساد المتمثِّلة بسلاطينِ الجَوْرِ وأعوانِهِم، فيتحمَّل مسؤوليَّات كبيرة في الوزارةِ أو الجيْشِ أو جبايةِ الأموال أو الكتابة في ديوانِهِم، ثمَّ يتلازم ذلك مع حُبِّهِم وموالاتِهِم، لا يمكن أنْ يكونَ من الشِّيعةِ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ وإنْ زعَمَ ذلك.
الطَّائفة السَّادسة: في عواقِبِ قبول ولايةِ الظَّالِم
1. روى الكليني بسندٍ صحيحٍ عن عليِّ بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ زُرْبِيٍّ قَالَ: «أَخْبَرَنِي مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِA قَالَ: كُنْتُ بِالْكُوفَةِ، فَقَدِمَ أَبُو عَبْدِ اللهِA الْحِيرَةَ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَوْ كَلَّمْتَ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ أَوْ بَعْضَ هؤُلَاءِ، فَأَدْخُلَ فِي بَعْضِ هذِهِ الْوِلَايَاتِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ إِلى مَنْزِلِي، فَتَفَكَّرْتُ، فَقُلْتُ: مَا أَحْسَبُهُ مَنَعَنِي إِلّا مَخَافَةَ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أَجُورَ، وَاللهِ لآتِيَنَّهُ، وَلَأُعْطِيَنَّهُ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَالْأَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ أَلّا أَظْلِمَ أَحَدًا وَلَا أَجُورَ، وَلَأَعْدِلَنَّ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنِّي فَكَّرْتُ فِي إِبَائِكَ عَلَيَّ، فَظَنَنْتُ أَنَّكَ إِنَّمَا مَنَعْتَنِي وَكَرِهْتَ ذلِكَ مَخَافَةَ أَنْ أَجُورَ أَوْ أَظْلِمَ، وَإِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ، وَكُلَّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ، وَعَلَيَّ وَعَلَيَّ إِنْ ظَلَمْتُ أَحَدًا، أَوْ جُرْتُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ أَعْدِلْ .قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْأَيْمَانَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: تَنَاوُلُ السَّمَاءِ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مِنْ ذلِكَ»[28] .
تعليق: المقصودُ بـ (دواد بن عليّ): أبو سُليمان دواد بن عليّ بن عبد الله بن العبَّاس (عمِّ النَّبيِّ)، الذي كان واليًا على المدينةِ ومكَّة، وعمًَّا للسَّفَّاحِ والمنصور، ومن ثمَّ كانت لديه صلاحياتٌ كبيرة، ويحظى بمكانةٍ عند الخليفةِ العبَّاسي. وهذا المولى لعليِّ بنِ الْحُسَيْنِA انتهَزَ فُرْصةَ قُدُوم الإمام جعفر الصَّادقA إلى الكوفة، ليُكلِّمَهُ ويطلُبَ منه أنْ يكونَ شفيعًا له عند داود بنِ عليّ إذا عادَA إلى المدينةِ، أو يُكلِّمَ من يراهُ مناسبًا، ليتولَّى منصبًا في الدَّولةِ العبَّاسيَّة. وعندما رفَضَ الإمامُA، توهَّمَ الطَّالبُ بأنَّ سبَبَ رفضِ الإمامA هو خوفُهُ من أنْ يتورَّطَ الطَّالبُ بالظُّلْم، فأقسَمَ لَهُ الأيمانَ المُغلَّظة بأنَّه لنْ يظلِم، وبعدما أعادَ عليه الإيمان، أجابَهُA بأنَّ جمْعَهُ بين المنصبِ وعدَمِ الظُّلم سيكونُ في عِدادِ المستحيلات، أو قبولَهُA بالشَّفاعةِ في عِدادِ المستحيلات (والأوَّلُ أظْهَر).
الطَّائفة السَّابعة: في جوازِ قبول الوظيفة العاديَّة من الظَّالِم
1. روى الشَّيخ في التَّهذيب بسندٍ صحيحٍ عن الْحُسَيْنِ بنِ سعيد، عن ابْنِ أبي عُمَيْر، عن حمَّاد، عن الحلَبي قال: «سُئِلَ أبو عبد اللهA عن رجُلٍ مُسْلِمٍ وهو في ديوانِ هؤلاءِ، وهو يُحِبُّ آلَ محمَّدٍA، ويخْرُجُ مع هؤلاءِ وفي بَعْثِهِم، فيُقْتَلُ تحتَ رايَتِهِم؟! قال: يَبْعَثُهُ اللهُ على نيَّتِهِ. قال: وسأَلْتُهُ عن رجُلٍ مسْكينٍ دخَلَ معَهُم رجاءَ أنْ يُصيبَ معَهُم شيئًا يُغنيهِ اللهُ بهِ، فماتَ في بعْثِهِم؟ قال: هو بمنزلةِ الأجير، إنَّهُ إنَّما يُعْطي اللهُ العِبادَ على نيَّاتِهِم»[29] .
تعليق: الرِّوايةُ تتحدَّثُ عن سُؤالٍ وُجِّهَ للإمامِ جعفرِ الصَّادقA يتعلَّقُ برجُلٍ مُسْلِمٍ مُسْتضعف، مُحِبٍّ لأهلِ البيتA، لكنَّه اضطُرَّ بنحوٍ أو آخر للقتالِ تحتَ رايةِ أهلِ الجَوْر، حتى يأخُذَ شيئًا يقتاتُ به في حياتِهِ، فقُتِلَ أو ماتَ تحتَ رايتِهِم، فما حُكمُهُ؟ فأجابَA بأنَّه بمنزلةِ الأجير، ومصيرُهُ الأُخروي متعلِّقٌ بنيَّتِهِ، فلا يمكنُ إصدارُ أحكامٍ عامة؛ لأنَّ الأمرَ مرْهونٌ بعقلِهِ ودرجةِ وعيِهِ، وكذلك بدرجةِ اضطرارِهِ.
2. روى الشَّيخُ في التَّهذيبِ بسندٍ موثَّقٍ عن الحسَنِ بنِ محبوب، عن أحمَدِ بنِ الحسَنِ بنِ عليّ، عن عمْرو بنِ سعيد، عن مُصدِّق بنِ صدَقة، عن عمَّار، عن أبي عبد اللهA: «سُئِلَ عن عمَلِ السُّلْطانِ يخرُجُ فيهِ الرَّجُل؟ قال: لا، إلَّا أنْ لا يقدِر على شيءٍ، ولا يأكُل ولا يشْرب، ولا يقدِر على حيلةٍ. فإنْ فعَلَ فصارَ في يدِهِ شيءٌ فليَبْعَث بخُمسِهِ إلى أهلِ البيْت»[30] .
تعليق: الرِّوايةُ تتحدَّثُ عن سُؤالٍ وُجِّهَ للإمامِ جعفرِ الصَّادقA يتعلَّقُ برجُلٍ خرَجَ بعمَلِ السُّلْطان، فأجابَA بالنَّهي عن ذلك، ثمَّ استثنى حالةَ الإكراهِ والاضطرار، ومع ذلك عليه أنْ يُخمِّسَ ما يقع في يدِهِ.
3. جاء في مستدرك الوسائل للنوري عن المجموعِ الرَّائق عن صفوانِ بنِ مهران: «كنْتُ عنْدَ أبي عبد اللهA، إذْ دخَلَ عليه رجُلٌ من الشِّيعةِ، فشكا إليهِ الحاجةَ، فقال: ما يمنَعُكَ من التعرُّضِ للسُّلْطانِ فتَدْخُلُ في بعْضِ أعمالِهِ؟ فقال: إنَّكُم حرَّمتموهُ علينا. فقال: خبِّرني عن [حقِّ] السُّلْطانِ لنا أو لَهُم؟ قال: بل لَكُم. قال: أهُمُ الدَّاخلونَ علينا أمْ نحنُ الدَّاخلونَ عليْهِم؟ قال: بل هُمُ الدَّاخلونَ عليْكُم؟ قال: فإنَّما هُم قومٌ اضطرُّوكُم فدخَلْتُم في بعْضِ حقِّكُم. فقال: إنَّ لهُم سيرةً وأحكامًا. فقالA: أليْسَ قد أجرى لهُمُ النَّاسُ على ذلك؟ قال: بلى. قال: أجرُوهُم عليْهِم في ديوانِهِم، وإيَّاكُم وظُلْمَ مؤمِنٍ»[31] .
تعليق: هذه الرِّواية تتحدَّثُ عن حِوارٍ بين رجُلٍ شيعيٍّ والإمام جعفرِ الصَّادقA؛ الرَّجُلُ اشتكي للإمامِA الفقْرَ والحاجةَ، فدعاهُA طالما أنَّه في حالةِ اضطرار للاستفادةِ من الفُرَصِ والوظائفِ التي يُتيحُها السُّلْطان، فرَدَّ الرَّجُلُ متعجِّبًا بما هو مُرْتكزٌ في أذهانِ الشِّيعة (المُعبِّر عن مدْرسةِ أهلِ البيت التَّرْبويَّة)، وهو حُرْمةُ الدُّخول في عمَلِ السُّلْطان، فأجابَهُA بأنَّ السُّلْطانَ هو المغتصبُ لحُقوقِ أهلِ البيتِ% والنَّاس وليس العكس؛ فهذه الفُرَصُ والوظائفُ العامَّةُ إنَّما هي من حقوقِ أهلِ البيتِ% والنَّاس، ومع ذلك فعلى الدَّاخلِ بعمَلِ السُّلْطان الاحتراز من ظُلْمِ المؤمن.
الطَّائفة الثَّامنة: في موارِدِ جواز قبول الولاية من الظَّالِم
الأصلُ القُرْآني هو حرمةُ الرُّكون إلى الطُّغاةِ. لكن في بعضِ الأحيان، قد يكونُ في الاقترابِ منهم والانتساب إليهم فائدة تتعلَّقُ بهدايَتِهِم وتذكيرِهِم أو أو صدِّهِم عن ارتكابِ الجرائم والموبقات أو التَّخفيف من ظُلْمِهِم أو قضاء حوائجِ المؤمنين، وغيرِها من المقاصد. فلا بدَّ من الموازنةِ بين الأهمِّ والمهم. وهناك نموذجٌ قُرْآنيٌّ ممدوحٌ في القرآن، صار مثلًا في الشَّجاعةِ والجُرْأةِ مع التَّقيَّة، وهو مؤمنُ آلِ فرعون.
وأئمَّةُ أهل البيت% ساروا على هذا النَّهْجِ القرآني، في السَّماحِ بذلك في نطاقٍ ضيِّق، ولحالاتٍ خاصَّة، عُرِفَتْ بالشَّجاعةِ والحكمةِ والتَّقوى. لاحظ على سبيلِ المثال الرِّواياتِ الآتية:
1. روى الصَّدوق في الأمالي بسندٍ صحيحٍ: حدَّثنا محمَّدُ بنُ الحسَن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ الحسَن الصَّفَّار، عن الحسَنِ بنِ موسى الخشَّاب، عن عليِّ بنِ النُّعمان، عن عبدِ اللهِ بنِ مسْكان، عن زيْدِ الشحَّام، قال: «سمِعْتُ الصَّادِقَ جعْفَرَ بنَ محمَّدٍA يقول: من تولَّى أمْرًا من أُمورِ النَّاس فعَدَلَ وفتَحَ بابَهُ ورَفَعَ سِتْرَهُ ونظَرَ في أُمورِ النَّاس، كان حقًَّا على اللهِ (عزَّ وجلَّ) أنْ يُؤمِنَ روْعَتَهُ يومَ القيامةِ ويُدْخِلهُ الجنَّة»[32] .
تعليق: وهذا يعني أنَّ النَّأْيَ بالنَّفْسِ عن تولِّي أمورِ النَّاس لمْ يمثِّل عُقْدةً عند أهلِ البيت%، وإنَّما حذَّروا من الاقترابِ من سلاطينِ الجَوْر لمخاطرِ ذلك. في المقابل، أكَّدوا على أنَّ القيامَ بأُمورِ النَّاس بعدْلٍ وتواضُعٍ وقضاءَ حاجاتِهِم، من أفضَلِ القُرُبات المُؤمِّنة للرَّوعةِ والمُدْخلة للجنَّة.
2. روى الكليني عن محمَّدِ بنِ يَحْيى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسى، عَنْ مِهْرَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ : عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا مِنْ جَبَّارٍ إِلاَّ وَمَعَهُ مُؤْمِنٌ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ أَقَلُّهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ. يَعْنِي أَقَلَّ الْمُؤْمِنِينَ حَظًّا؛ لِصُحْبَةِ الْجَبَّارِ»[33] .
تعليق: الإمامُ جعفرُ الصَّادقA يتحدَّثُ عن صنْفٍ من المؤمنين يُقيِّضُهُم اللهُ (عزَّ وجلَّ)، ليكونوا مع الطُّغاةِ، حتى يدْرؤا الشُّرورَ الصَّادرة منهم بحقِّ المؤمنين. لكن حتى لا يطْمع المؤمنونَ بهذا الموقع، الذي لا يليقُ إلَّا بأهلِهِ، قالA بأنَّ هذا الصَّنفَ الذي يكونُ مع الطُّغاةِ هو أقلُّ المؤمنين حظًَّا في الآخرة.
الطَّائفة التَّاسعة: حُكْمُ القتالِ مع الظَّالمِ:
هل يجوزُ القتالُ تحتَ راية الحاكمِ الجائر؟ فهناك مُغْرياتٌ كثيرةٌ آنذاك للقتالِ تحتَ رايتِهِ؛ فثمَّةَ فتوح فيها مغانم كثيرة؛ أموالٌ وعبيدٌ وإماءٌ ومكتسباتٌ يحلُمُ بها كلُّ أهلِ الدُّنيا. فهل يجوزُ القيامُ بذلك؟ لمدرسةِ أهلِ البيت% موقفٌ واضحٌ وحازمٌ في ذلك. إليكَ الرِّوايات الحاكية عن هذا الموقف.
1. روى الكُليني عن محمَّدِ بنِ الْحَسَنِ الطَّائِيُّ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سُوَيْدٍ القَلاَّءِ، عَنْ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ :عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «قُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: إِنَّ الْقِتَالَ مَعَ غَيْرِ الْإِمَامِ الْمَفْرُوضِ طَاعَتُهُ حَرَامٌ، مِثْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، فَقُلْتَ لِي: هُوَ كَذلِكَ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِA: هُوَ كَذلِكَ، هُوَ كَذلِكَ»[34] .
تعليق: هنا بشيرُ الدَّهَّان يُخبِرُ الإمامَ جعفرَ الصَّادقA عن رُؤيا رآها في المنام، يقولُ له فيها الإمامُA إنَّ «الْقِتَالَ مَعَ غَيْرِ الْإِمَامِ الْمَفْرُوضِ طَاعَتُهُ حَرَامٌ»، وإنَّه بمنزلةِ أكلِ المَيْتة والدَّم ولحْم الخنزير، وإنَّهA أجابَ في الرُّؤيا: هو كذلك. فأجابَهُA في الواقع: هو كذلك، هو كذلك.
2. روى الكُليني عن العَيْصِ بنِ القاسم - بسندٍ تام - قال: سمِعْتُ أبا عبد اللهA يقول: «عليكُم بتقوى الله، وَحْدَهُ لا شريكَ لهُ، وانظُروا لأنْفُسِكم، فواللهِ إنَّ الرَّجُلَ ليكونُ لَهُ الغَنَمُ فيها الرّاعي، فإذا وجَدَ رَجُلًا هو أعلَمُ بغَنَمِهِ من الذي هو فيها، يُخرِجُهُ ويجيءُ بذلِكَ الرَّجُل الذي هو أعلَمُ بغنَمِهِ من الذي كانَ فيها، واللهِ لو كانت لأحدِكُم نَفْسانِ، يُقاتِلُ بواحدةٍ يُجرِّبُ بها، ثمَّ كانَت الأُخرى باقيةً، يعمَلُ على ما قد استبانَ لها، ولكن لهُ نفْسٌ واحِدةٌ، إذا ذهبَتْ فقد واللهِ ذهبَتْ التَّوبةُ، فأنْتُم أحقُّ أنْ تختاروا لأنْفُسِكم، إنْ أتاكُم آتٍ منَّا، فانظُروا على أيِّ شيءٍ تخرُجُون؟
ولا تقولوا خرَجَ زيْدٌ، فإنَّ زيْدًا كانَ عالِمًا، وكانَ صَدُوقًا، ولمْ يدْعُكُم إلى نفْسِهِ، وإنَّما دعاكُم إلى الرِّضا من آلِ محمَّدٍJ، ولو ظَهَرَ لوفى بما دَعاكُم إليهِ، إنَّما خرَجَ إلى سُلْطانِ مجتمعٍ ينْقُضُهُ.
فالخارِجُ مِنَّا اليومَ إلى أيِّ شيءٍ يدْعوكُم؟ إلى الرِّضا من آلِ محمَّدٍJ؟ فنحنُ نشْهَدُ أنَّا لسْنا نرْضى بهِ، وهو يَعصينا اليوم، وليسَ معهُ أحَد، وهو إذا كانت الرَّاياتُ والألويةُ أجدَرَ أنْ لا يسْمَعَ منّا إلَّا من اجتمَعَتْ بنو فاطمة معَهُ، فواللهِ ما صاحِبُكُم إلَّا من اجتمعوا عليهِ، إذا كانَ رَجَب فأَقْبِلوا على اسْمِ الله، وإنْ أحبَبْتُم أنْ تتأخَّروا إلى شَعبانَ فلا ضيْرَ، وإنْ أحبَبْتُم أنْ تصوموا في أهاليكُم، فلعلَّ ذلِكَ يكونُ أقوى لكُم، وكفاكُم بالسُّفياني علامة»[35] .
تعليق: في هذه الرِّوايةِ يُحاولُ الإمامُ جعفرُ الصَّادقA كبْحَ جِماح الشَّيعة الذين كانوا يندفعونَ بحماسةٍ خلْفَ بعض الرَّايات العبَّاسيَّة، وبعض ثورات آلِ الْحَسَن، التي كانت تدْعوهم إلى رفْعِ الظُّلْم عن أهلِ البيت% «والرِّضا من آلِ محمَّدٍJ »، فكانوا يتفاعلونَ معها، مستشهدينَ بالنَّهضةِ التي قامَ بها زيدُ بنُ عليّ ضِدَّ الحُكم الأموي. والإمامُA يُؤكِّدُ لهُم بأنَّ زيدًا كان «كانَ عالِمًا، وكانَ صَدُوقًا، ولمْ يدْعُكُم إلى نفْسِهِ، وإنَّما دعاكُم إلى الرِّضا من آلِ محمَّدٍJ، ولو ظَهَرَ لوفى بما دَعاكُم إليهِ»، لكن هذه الرَّايات المرْفوعة اليوم غير صادقة، والقتالُ تحتَ رايتِها غيرُ مرْضيٍّ عند أهلِ البيت%، وعليهم انتظار راية القائم من آلِ محمَّدA.
الطَّائفة العاشرة: في عِقابِ الأعمال
في النِّهايةِ هناك سلْسلةٌ من الرِّوايات تتحدَّثُ عن عقابِ الارتباط بسلاطينِ الجَوْر في الدُّنيا والآخرة، كلُّها تصُبُّ لصالِحِ النَّأْي بالنَّفْسِ عنهم. إليكَ بعضَها:
1. روى الصَّدوق في ثوابِ الأعمال وعقابِ الأعمال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ قَالَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ حَدِيدٍ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِA قَالَ: «صُونُوا دِينَكُمْ بِالْوَرَعِ وَقُوَّةِ التُّقَى وَالِاسْتِغْنَاءِ بِاللَّهِ عَنْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنَ السُّلْطَانِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ خَضَعَ لِصَاحِبِ سُلْطَانٍ أَوْ مَنْ يُخَالِفُهُ عَلَى دِينِهِ طَالِبًا لِمَا فِي يَدَيْهِ، أَخْمَلَهُ اللَّهُ وَمَقَتَهُ وَوَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ هُوَ غَلَبَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاهُ وَصَارَ فِي يَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، نَزَعَ اللَّهُ الْبَرَكَةَ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْجِرْهُ عَلَى شَيْءٍ يُنْفِقُهُ فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا عِتْقٍ»[36] .
تعليق: إذن عقابُ من يخضَع للسُّلْطانِ الجائر وينساق خلفَهُ، هو خُمُولُ الذِّكرِ والمَقْت والخِذْلانِ الإلهي، ونزْع البركة، والحِرْمان من الأجرِ في النَّفقة.
2. روى الصَّدوق في ثوابِ الأعمالِ وعقابِ الأعمال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنِ السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِA قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِJ: «مَا اقْتَرَبَ عَبْدٌ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا تَبَاعَدَ مِنَ اللَّهِ، وَلَا كَثُرَ مَالُهُ إِلَّا اشْتَدَّ حِسَابُهُ، وَلَا كَثُرَ تَبِعَتُهُ إِلَّا كَثُرَتْ شَيَاطِينُهُ».
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِJ: «إِيَّاكُمْ وَأَبْوَابَ السُّلْطَانِ وَحَوَاشِيَهَا، فَإِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنْ أَبْوَابِ السُّلْطَانِ وَحَوَاشِيهَا أَبْعَدُكُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ آثَرَ السُّلْطَانَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ الْوَرَعَ وَجَعَلَهُ حَيْرَانَ»[37] .
تعليق: الرِّوايةُ الأولى تتحدَّثُ عن معادلةٍ لا بدَّ أنْ تُوضَعَ في الحُسْبان، وهي أنَّه (مَا اقْتَرَبَ عَبْدٌ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا تَبَاعَدَ مِنَ اللَّهِ). والرِّوايةُ الثَّانية تتحدَّثُ عن المعادلةِ نفْسِها بصيغةٍ أخرى، (فَإِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنْ أَبْوَابِ السُّلْطَانِ وَحَوَاشِيهَا أَبْعَدُكُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى). أمَّا عقابُهُ، فهو أنْ يُسْلَبَ الورع، ويُبْتلى بالحيرة.
المحور الثَّاني: هندسة علاقة أتباعهم مع عامَّةِ المسلمين
بعد أنْ عرفنا موقف أهل البيت% من سلاطين الجَوْر، وكيف ربَّوا أتباعَهُم على ذلك، يثورُ السُّؤالُ التَّالي في الذِّهن: إذن ماذا عن عامَّةِ المسلمين؟ هل تكليفُ أتباع أئمَّةِ أهلِ البيت% أنْ ينأَوا بأنْفُسِهِم عن العامَّةِ كما فعلوا مع سلاطينِ الجَوْر؟ أمْ يتعايشون معَهُم وينفتحون عليهم؟ إليكَ الرِّوايات التي تُجيبُ عن هذا السُّؤال:
1. روى الكليني بسندٍ معتبرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ (البَجَلي) قَالَ :قُلْتُ لَهُ: «كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، وَبَيْنَ خُلَطَائِنَا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَيْسُوا عَلى أَمْرِنَا؟ قَالَ: تَنْظُرُونَ إِلى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ؛ فَوَاللهِ، إِنَّهُمْ لَيَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ، وَيَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ، وَيُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَيُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ»[38] .
تعليق: معاويةُ بنُ وهب من أصحابِ الإمام جعفرِ الصَّادقA، ويبدو أنَّ المسؤولَ هنا هو الإمامُ الصَّادقA، وموضوعُ السُّؤالِ واضحٌ؛ وهو كيفيَّةُ التَّعاطي مع عامَّةِ المسلمين ممَّن لا يُؤمِنُ بإمامةِ أهلِ البيت%؛ (مِمَّنْ لَيْسُوا عَلى أَمْرِنَا). والجوابُ كذلك واضحٌ؛ فالإمامُA يُطالبُ شيعتَهُ بالاقتداءِ بهم، «تَنْظُرُونَ إِلى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ بِهِمْ فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ»، لكن ماذا يصنَعُ الأئمَّةA؟ إنَّهُم يتعايشونَ معهُم بأخلاقٍ ربَّانيَّةٍ رفيعة، منفتحونَ عليهم؛ «يَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ، وَيَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ، وَيُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَيُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ».
2. روى الكُليني بسندٍ صحيح عَنْ هِشَامٍ الْكِنْدِيِّ قَالَ :سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِA يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا عَمَلًا يُعَيِّرُونَّا بِهِ؛ فَإِنَّ وَلَدَ السَّوْءِ يُعَيَّرُ وَالِدُهُ بِعَمَلِهِ، كُونُوا لِمَنِ انْقَطَعْتُمْ إِلَيْهِ زَيْنًا، وَلَا تَكُونُوا عَلَيْهِ شَيْنًا، صَلُّوا فِي عَشَائِرِهِمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَلَا يَسْبِقُونَكُمْ إِلى شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ، فَأَنْتُمْ أَوْلى بِهِ مِنْهُمْ، وَاللهِ مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْخَبْءِ. قُلْتُ: وَمَا الْخَبْءُ؟ قَالَ: التَّقِيَّةُ»[39] .
تعليق: الإمامُ جعفرُ الصَّادقA يُحذِّرُ هنا شيعتَهُ «إِيَّاكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا عَمَلًا يُعَيِّرُونَّا بِهِ»؛ فشيعتُهُ محسوبون عليهِم، ينعكسُ سلوكُهُم عليهِم، «كُونُوا لِمَنِ انْقَطَعْتُمْ إِلَيْهِ زَيْنًا، وَلَا تَكُونُوا عَلَيْهِ شَيْنًا»، لكن كيف يكونونَ كذلك؟ يشْرَحُA ذلك بذكرِ أمثلة؛ «صَلُّوا فِي عَشَائِرِهِمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ»، فالشِّيعةُ أولى بعمَلِ الخيْرِ من الآخرين، وما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضَلَ من التَّقيَّةِ المُداراتيَّة، الممزوجة بالرِّفْق، الذي ما وُضِعَ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، وما رُفِعَ عن شيءٍ إلَّا شانَهُ.
3. روى الكليني بسندٍ معتبرٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ :قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِA: «اقْرَأْ عَلى مَنْ تَرى أَنَّهُ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ وَيَأْخُذُ بِقَوْلِيَ السَّلَامَ، وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، وَالْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ، وَالِاجْتِهَادِ لِلّهِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَطُولِ السُّجُودِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ؛ فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌJ، أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلَيْهَا، بَرًّا أَوْ فَاجِرًا، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِJ كَانَ يَأْمُرُ بِأَدَاءِ الْخَيْطِ وَالْمِخْيَطِ؛ صِلُوا عَشَائِرَكُمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَأَدُّوا حُقُوقَهُمْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ، وَصَدَقَ الْحَدِيثَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ: هذَا جَعْفَرِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذلِكَ، وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَقِيلَ: هذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ؛ وَإِذَا كَانَ عَلى غَيْرِ ذلِكَ، دَخَلَ عَلَيَّ بَلَاؤُهُ وَعَارُهُ، وَقِيلَ: هذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ؛ فَوَ اللهِ، لَحَدَّثَنِي أَبِيA أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَكُونُ فِي الْقَبِيلَةِ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّA، فَيَكُونُ زَيْنَهَا: آدَاهُمْ لِلْأَمَانَةِ، وَأَقْضَاهُمْ لِلْحُقُوقِ، وَأَصْدَقَهُمْ لِلْحَدِيثِ، إِلَيْهِ وَصَايَاهُمْ وَوَدَائِعُهُمْ، تُسْأَلُ الْعَشِيرَةُ عَنْهُ، فَتَقُولُ: مَنْ مِثْلُ فُلَانٍ؟ إِنَّهُ لَآدَانَا لِلْأَمَانَةِ، وَأَصْدَقُنَا لِلْحَدِيثِ»[40] .
تعليق: زيدُ الشَّحَّام (أبو أسامة) من ثِقاتِ الكوفة، عندما زارَ الإمامَ جعفرَ الصَّادقA في المدينةِ، حمَّلَهُ رسالةً إلى الشِّيعةِ في الكوفة، وبالتَّحديد إلى من يلْتزِم بتعاليمِهِ «اقْرَأْ عَلى مَنْ تَرى أَنَّهُ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ وَيَأْخُذُ بِقَوْلِيَ السَّلَامَ»، وبعد أنْ أوصاهُم بالتَّقوى والورَعِ والاجتهاد والصِّدْقِ والأمانةِ والسُّجودِ والجِوَار، نبَّهَهُم إلى انعكاسِ سُلُوكِهِم عند عامَّةِ المسلمينَ عليه، فإمَّا أنْ يكونوا عليه زينًا أو يكونوا عليه شَيْنًا؛ «فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ، وَصَدَقَ الْحَدِيثَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ: هذَا جَعْفَرِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذلِكَ، وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَقِيلَ: هذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ؛ وَإِذَا كَانَ عَلى غَيْرِ ذلِكَ، دَخَلَ عَلَيَّ بَلَاؤُهُ وَعَارُهُ، وَقِيلَ: هذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ».
4. روى الكليني بسند صحيح عن هِشامِ بنِ سالِم عن أبي عبد اللهA قال: «ما أيْسَرَ ما رَضِيَ بِهِ النَّاسُ عنْكُم، كُفُّوا ألْسِنَتَكُمْ عنْهُم»[41]
تعليق: هنا يقولُ الإمامُ جعفرُ الصَّادقA لشيعَتِهِ، ومنْهُم هشامُ بنُ سالم، بأنَّ مطالِبَ القومِ منكم متواضعة، وهي أنْ تكُفُّوا ألسنَتَكُم عنْهُم؛ فلا تقوموا فاستفزازِهِم بالإساءةِ إلى رُموزِهِم. إذن متطلَّبات التَّعايش ليست تعجيزيَّة؛ إنَّها تتلخَّصُ بالاندماجِ الأخلاقي معهم؛ والرِّفقِ الذي يستلزمُ عدمَ استفزازِهِم باللِّسان بقدَرِ الوسْعِ والطَّاقة.
5. روى الكليني بسندٍ صحيحٍ عن عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنِ الْحَلَبِيِّ :عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «مَنْ صَلّى مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، كَانَ كَمَنْ صَلّى خَلْفَ رَسُولِ اللهِJ »[42] .
تعليق: الإمام جعفرُ الصَّادقA يعلَمُ أنَّ شيعتَهُ يتفادونَ الاشتراكَ مع عامَّةِ المسلمين في صلاةِ الجماعة؛ لذا تراهُA يحُثُّهُم على ذلك، بل يحُثُّهُم على التَّسابُقِ إلى الصَّفِّ الأوَّل؛ فمَنْ خالَفَ هواهُ، واشترَكَ معَهُم في صلاةِ الجماعة لتحقيقِ هذا التَّعايُش الاجتماعي، «كَانَ كَمَنْ صَلّى خَلْفَ رَسُولِ اللهِJ ».
6. روى الكليني عَنْ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيِّ قَالَ :سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِA يَقُولُ: «عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ وَالِاجْتِهَادِ، وَاشْهَدُوا الْجَنَائِزَ، وَعُودُوا الْمَرْضى، وَاحْضُرُوا مَعَ قَوْمِكُمْ مَسَاجِدَكُمْ، وَأَحِبُّوا لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّونَ لِأَنْفُسِكُمْ، أَمَا يَسْتَحْيِي الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَنْ يَعْرِفَ جَارُهُ حَقَّهُ، وَلَايَعْرِفَ حَقَّ جَارِهِ؟».
تعليق: الإمام جعفرُ الصَّادقA يُخاطِبُ شيعتَهُ، منهم حبيبُ الخثْعَمي، ويُوصيهم بوصايا أخلاقيَّة، ثمَّ يختِمُ وصاياهُ بقولِهِ: «أَحِبُّوا لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّونَ لِأَنْفُسِكُمْ، أَمَا يَسْتَحْيِي الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَنْ يَعْرِفَ جَارُهُ حَقَّهُ، وَلَايَعْرِفَ حَقَّ جَارِهِ؟». حقًا إنَّه لمِنَ المعيبِ، أنْ يعرِفَ الجار حقَّ جارِهِ الشِّيعي، ولا يعرفُ الشِّيعيُّ حقَّ جارِهِ.
7. روى الكليني عن محمَّدِ بن يحيى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلى قَالَ :سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِA يَقُولُ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنِ احْتِمَالِ أَمْرِنَا التَّصْدِيقُ لَهُ وَالْقَبُولُ فَقَط؛ مِنِ احْتِمَالِ أَمْرِنَا سَتْرُهُ وَصِيَانَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، فَأَقْرِئْهُمُ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُمْ: رَحِمَ اللهُ عَبْدًا اجْتَرَّ مَوَدَّةَ النَّاسِ إِلى نَفْسِهِ، حَدِّثُوهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَ، وَاسْتُرُوا عَنْهُمْ مَا يُنْكِرُونَ. ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ، مَا النَّاصِبُ لَنَا حَرْبًا بِأَشَدَّ عَلَيْنَا مَؤُونَةً مِنَ النَّاطِقِ عَلَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ، فَإِذَا عَرَفْتُمْ مِنْ عَبْدٍ إِذَاعَةً، فَامْشُوا إِلَيْهِ وَرُدُّوهُ عَنْهَا، فَإِنْ قَبِلَ مِنْكُمْ، وَإِلاَّ فَتَحَمَّلُوا عَلَيْهِ بِمَنْ يُثَقِّلُ عَلَيْهِ وَيَسْمَعُ مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ يَطْلُبُ الْحَاجَةَ، فَيَلْطُفُ فِيهَا حَتّى تُقْضى لَهُ، فَالْطُفُوا فِي حَاجَتِي كَمَا تَلْطُفُونَ فِي حَوَائِجِكُمْ، فَإِنْ هُوَ قَبِلَ مِنْكُمْ، وَإِلاَّ فَادْفِنُوا كَلَامَهُ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَلَا تَقُولُوا: إِنَّهُ يَقُولُ وَيَقُولُ؛ فَإِنَّ ذلِكَ يُحْمَلُ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ؛ أَمَا وَاللهِ لَوْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ مَا أَقُولُ، لَأَقْرَرْتُ أَنَّكُمْ أَصْحَابِي، هذَا أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ أَصْحَابٌ، وَهذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَهُ أَصْحَابٌ، وَأَنَا امْرُؤٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ وَلَدَنِي رَسُولُ اللهِJ، وَعَلِمْتُ كِتَابَ اللهِ، وَفِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ: بَدْءِ الْخَلْقِ، وَأَمْرِ السَّمَاءِ، وَأَمْرِ الْأَرْضِ، وَأَمْرِ الْأَوَّلِينَ، وَأَمْرِ الْآخِرِينَ، وَأَمْرِ مَا كَانَ، وَأَمْرِ مَا يَكُونُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى ذلِكَ نُصْبَ عَيْنِي»[43] .
تعليق: الظَّاهرُ أنَّ الرَّاوي هنا هو عبد الأعلى بنُ أعْيَن الكوفي، وهو من فُقهاءِ الشِّيعة، من أصحابِ الإمام جعفرِ الصَّادقA. الإمامُA يُؤكِّدُ في هذه الرِّوايةِ على أنَّ الانتسابَ الحقيقي لمدرَسَتِهِم لا يقتصرُ على التَّصديقِ بأمْرِهِم، بل أيضًا لا بدَّ من الشُّعورِ بمسؤوليَّةِ الكلمة وستْرِ أمرِهِم من غيْرِ أهلِهِ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنِ احْتِمَالِ أَمْرِنَا التَّصْدِيقُ لَهُ وَالْقَبُولُ فَقَط؛ مِنِ احْتِمَالِ أَمْرِنَا سَتْرُهُ وَصِيَانَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ». لذا حمَّلَA عبد الأعلى رسالةً إلى الشِّيعةِ في الكوفة، مفادُها بعد السَّلام: (رَحِمَ اللهُ عَبْدًا اجْتَرَّ مَوَدَّةَ النَّاسِ إِلى نَفْسِهِ)، لكن كيف؟! الإمامُA يُجيب: «حَدِّثُوهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَ، وَاسْتُرُوا عَنْهُمْ مَا يُنْكِرُونَ»؛ فاستراتيجيَّةُ أهلِ البيت% في التَّعاطي مع عامَّةِ المسلمين هو التَّركيزُ على المشتركات التي يعرِفُها المسلمون، وسَتْرُ ما يتميَّزُ به أتباعُ أهلِ البيت%. لكن ماذا نفعل إنْ ابتُلينا ببعضِ المنتسبين لهذه المدرسةِ المنفلتين الذين لا يشعرونَ بمسؤوليَّةِ الكلمة وعواقِبِها الخطيرة؟ يُجيبُ الإمامُA: «فَإِذَا عَرَفْتُمْ مِنْ عَبْدٍ إِذَاعَةً، فَامْشُوا إِلَيْهِ وَرُدُّوهُ عَنْهَا، فَإِنْ قَبِلَ مِنْكُمْ، وَإِلاَّ فَتَحَمَّلُوا عَلَيْهِ بِمَنْ يُثَقِّلُ عَلَيْهِ وَيَسْمَعُ مِنْهُ». على هذا الأساس، يُناشِدُ الإمامُA شيعتَهُ بأنْ يتفنَّنوا في ضبْطِ المنفلتين، كما يتَّفننونَ في قضاءِ حوائِجِهِم المُعقَّدة بلُطْف «فَالْطُفُوا فِي حَاجَتِي كَمَا تَلْطُفُونَ فِي حَوَائِجِكُمْ، فَإِنْ هُوَ قَبِلَ مِنْكُمْ». لكن ماذا نفعل إنْ ركَبَ هذا رأسَهُ وظلَّ منفلتًا؟ الإمامُA يُجيب: الحلُّ هو التَّجاهُل والنَّأْيُ بالنَّفْسِ عنه وعدمُ الإصرارِ على التوقُّفِ عند هذه الحالاتِ الشَّاذَّة؛ «فَإِنْ هُوَ قَبِلَ مِنْكُمْ، وَإِلّا فَادْفِنُوا كَلَامَهُ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَلَا تَقُولُوا: إِنَّهُ يَقُولُ وَيَقُولُ؛ فَإِنَّ ذلِكَ يُحْمَلُ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ».
8. روى الصَّدوق في الفقيه عن زيدِ الشحَّام عن الصَّادقِA أنَّه قال: «يا زيد، خالِقوا الناسَ بأخلاقِهِم، صلُّوا في مساجِدِهِم، وعودُوا مرضاهُم، واشهدوا جنائِزَهُم، وإنْ استطعتُم أنْ تكونوا الأئمةَ والمؤذّنينَ فافعلوا، فإنكم إذا فعلْتُم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفريَّة، رحِمَ اللهُ جعفرًا ما كانَ أحسَنَ ما يُؤدِّبُ أصحابَهُ، وإذا تركْتُم ذلك، قالوا: هؤلاءِ الجعفريَّة، فعَلَ اللهُ بجعفرٍ ما كانَ أسوءَ ما يُؤدِّبُ أصحابَهُ» .
9. روى الكليني بسندٍ معتبرٍ عن عليِّ بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ :عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَشْبَعَ وَيَجُوعُ أَخُوهُ، وَلَا يَرْوى وَيَعْطَشُ أَخُوهُ، وَلَا يَكْتَسِيَ وَيَعْرى أَخُوهُ، فَمَا أَعْظَمَ حَقَّ الْمُسْلِمِ عَلى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ! وَقَالَ: أَحِبَّ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ؛ وَإِذَا احْتَجْتَ فَسَلْهُ، وَإِنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، لَا تَمَلَّهُ خَيْرًا، وَلَا يَمَلَّهُ لَكَ، كُنْ لَهُ ظَهْرًا؛ فَإِنَّهُ لَكَ ظَهْرٌ؛ إِذَا غَابَ فَاحْفَظْهُ فِي غَيْبَتِهِ، وَإِذَا شَهِدَ فَزُرْهُ، وَأَجِلَّهُ، وَأَكْرِمْهُ؛ فَإِنَّهُ مِنْكَ وَأَنْتَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْكَ عَاتِبًا فَلَا تُفَارِقْهُ حَتّى تَسِلَّ سَخِيمَتَهُ =( حقده وبغضه)، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ فَاحْمَدِ اللهَ، وَإِنِ ابْتُلِيَ فَاعْضُدْهُ، وَإِنْ تُمُحِّلَ لَهُ =( كاده أحد) فَأَعِنْهُ، وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: أُفٍّ، انْقَطَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَلَايَةِ، وَإِذَا قَالَ: أَنْتَ عَدُوِّي، كَفَرَ أَحَدُهُمَا، فَإِذَا اتَّهَمَهُ انْمَاثَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» .
تعليق: في هذه الرِّواية، لاحظ أنَّ الإمامَ جعفرَ الصَّادقA يتحدَّثُ عن حقِّ المُسْلِم على أخيهِ المسلم، ولا يتحدَّث عن حقِّ المؤمن.
10. روى الكليني بسندٍ معتبرٍ: عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ :عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَخُونُهُ، وَيَحِقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الِاجْتِهَادُ فِي التَّوَاصُلِ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى التَّعَاطُفِ، وَالْمُؤَاسَاةُ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ، وَتَعَاطُفُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونُوا ـ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ - مُتَرَاحِمِينَ، مُغْتَمِّينَ لِمَا غَابَ عَنْكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، عَلى مَا مَضى عَلَيْهِ مَعْشَرُ الْأَنْصَارِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِJ»[44] .
تعليق: في هذه الرِّواية، يتحدَّثُ الإمامُ جعفرُ الصَّادقA أيضًا عن حقِّ المُسْلِم على أخيهِ المسلم، ولا يتحدَّث عن حقِّ المؤمن.
المحور الثَّالث: هندسة علاقة أتباعهم فيما بينهم
الآن، بعد أنْ عرَفْنا بقدْرٍ من التَّفصيل كيف هنْدَسَ أئمَّةُ أهلِ البيتA علاقةَ أتْباعِهِم مع عامَّة المسلمين، آنَ الأوانُ أنْ نخْتِمَ بالمحورِ الثَّالث؛ الذي يختصُّ بهندسةِ علاقةِ أتْباعِهِم فيما بينهم. لقد أرادَوا% أنْ يُشكِّلَ أتباعُهُم مجموعةً صلْبةً متماسكة، لكن غير مرئيَّة بتماسُكِها، حتى لا يَستفزُّ أتباعَهُمُ عامَّةَ المسلمين، فيشْعرونَ أنَّ هذه الجماعة يُشكِّلونَ مصدرَ تهديدٍ لهُم، فينعكسُ ذلك سلْبًا على حالةِ التَّعايُش الاجتماعي المطلوبة.
بعبارةٍ أخرى، لقد كان لسلاطينِ الجَوْرِ نفوذٌ بين عامَّة المسلمين، ولديهِم قدْرةٌ على تحريضِ الأغلبيَّةِ منْهُم لتُمارِسَ الطُّغيانَ والتنمُّرَ دون وعيٍ للأيادي الخفِيَّة المُحرِّكة لها. كلُّ ذلك بتوهُّمِ الخطَر من بعضِ الأقليَّات، خصوصًا إذا كانت متماسكةً ومنسجمة. هنا جاءَ دورُ أئمَّةِ أهلِ البيت% ليُرسِّخوا حالةَ الانسجامِ والتَّماسك، لكن دون أنْ يكونَ مرئيًَّا حتى لا ينعكسَ سلْبًا على الجماعةِ المؤمنةِ الصَّالحة. بل كان أئمَّةُ أهلِ البيت% في بعضِ الأحيان يُلْقونَ بين أصحابِهِم الخِلافَ الفقهي، حتى لا يتوهَّم عامَّةُ المسلمين، أنَّهُم أتباعُ مدرسةٍ واحدة.
إذن كان أئمَّةُ أهلِ البيت% يعملونَ على جعلِ الجماعة المؤمنة منسجمةً، لكنّه انسجامٌ في الخفاء، أمَّا في الظَّاهر فكانوا حريصينَ على أنْ تبدوا الجماعة متشرذمةً يسودُها التفرُّق والاختلاف.
خُذْ على سبيلِ المثال، الرِّوايات الآتية:
• روى الكليني بسندٍ موثق: أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ :عَنْ أَبِي جَعْفَرٍA قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَنِي، ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَأَجَابَهُ بِخِلَافِ مَا أَجَابَنِي، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ، فَأَجَابَهُ بِخِلَافِ مَا أَجَابَنِي وَأَجَابَ صَاحِبِي. فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ، قُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ شِيعَتِكُمْ قَدِمَا يَسْأَلَانِ، فَأَجَبْتَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِغَيْرِ مَا أَجَبْتَ بِهِ صَاحِبَهُ؟! فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ، إِنَّ هذَا خَيْرٌ لَنَا، وَأَبْقى لَنَا وَلَكُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعْتُمْ عَلى أَمْرٍ وَاحِدٍ، لَصَدَّقَكُمُ النَّاسُ عَلَيْنَا، وَلَكَانَ أَقَلَّ لِبَقَائِنَا وَبَقَائِكُمْ. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِA: شِيعَتُكُمْ لَوْ حَمَلْتُمُوهُمْ عَلَى الْأَسِنَّةِ أَوْ عَلَى النَّارِ لَمَضَوْا، وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ عِنْدِكُمْ مُخْتَلِفِينَ؟ قَالَ: فَأَجَابَنِي بِمِثْلِ جَوَابِ أَبِيهِ»[45] .
تعليق: تطابُق جواب الإمام جعفر الصَّادقA مع جوابِ أبيه، يُؤكِّدُ أنَّ هذا الموقفَ كان يُمثِّلُ سياسةً ثابتةً لهمA آنذاك.
• روى الكشِّي بسندٍ صحيحٍ: حَدَّثَنِي حَمْدَوَيْهِ بْنُ نُصَيْرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُولَوَيْهِ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالا حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ وَابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ، قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِA: «اقْرَأْ مِنِّي عَلَى وَالِدِكَ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ إِنِّي إِنَّمَا أَعِيبُكَ دِفَاعًا مِنِّي عَنْكَ، فَإِنَّ النَّاسَ وَالْعَدُوَّ يُسَارِعُونَ إِلَى كُلِّ مَنْ قَرَّبْنَاهُ وَحَمِدْنَا مَكَانَهُ لِإِدْخَالِ الْأَذَى فِي مَنْ نُحِبُّهُ وَنُقَرِّبُهُ، وَيَرْمُونَهُ لِمَحَبَّتِنَا لَهُ وَقُرْبِهِ وَدُنُوِّهِ مِنَّا، وَيَرَوْنَ إِدْخَالَ الْأَذَى عَلَيْهِ وَقَتْلَهُ، وَيَحْمَدُونَ كُلَّ مَنْ عِبْنَاهُ نَحْنُ وَإِنْ نَحْمَدَ أَمْرَهُ. فَإِنَّمَا أَعِيبُكَ لِأَنَّكَ رَجُلٌ اشْتَهَرْتَ بِنَا وَلِمَيْلِكَ إِلَيْنَا، وَأَنْتَ فِي ذَلِكَ مَذْمُومٌ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مَحْمُودِ الْأَثَرِ لِمَوَدَّتِكَ لَنَا وَبِمَيْلِكَ إِلَيْنَا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعِيبَكَ لِيَحْمَدُوا أَمْرَكَ فِي الدِّينِ بِعَيْبِكَ وَ نَقْصِكَ، وَيَكُونَ بِذَلِكَ مِنَّا دَافِعَ شَرِّهِمْ عَنْكَ، يَقُولُ اللَّهُ (جَلَّ وَعَزَّ): ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ (صَالِحَةٍ) غَصْبًا﴾، هَذَا التَّنْزِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ صَالِحَةٌ، لَا وَاللَّهِ مَا عَابَهَا إِلَّا لِكَيْ تَسْلَمَ مِنَ الْمَلِكِ وَلَا تَعْطَبَ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَقَدْ كَانَتْ صَالِحَةً لَيْسَ لِلْعَيْبِ مِنْهَا مَسَاغٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَافْهَمِ الْمِثْلَ يَرْحَمْكَ اللَّهُ، فَإِنَّكَ وَاللَّهِ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَحَبُّ أَصْحَابِ أَبِيA حَيًّا وَمَيِّتًا، فَإِنَّكَ أَفْضَلُ سُفُنِ ذَلِكَ الْبَحْرِ الْقَمْقَامِ الزَّاخِرِ، وَأَنَّ مِنْ وَرَائِكَ مَلَكًا ظَلُومًا غَصُوبًا يَرْقُبُ عُبُورَ كُلِّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ تَرِدُ مِنْ بَحْرِ الْهُدَى لِيَأْخُذَهَا غَصْبًا ثُمَّ يَغْصِبَهَا وَأَهْلَهَا....وَلَوْ أَذِنَ لَنَا لَعَلِمْتُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِي الَّذِي أَمَرْنَاكُمْ بِهِ، فَرَدُّوا إِلَيْنَا الْأَمْرَ وَسَلِّمُوا لَنَا وَاصْبِرُوا لِأَحْكَامِنَا وَارْضَوْا بِهَا، وَالَّذِي فَرَّقَ بَيْنَكُمْ فَهُوَ رَاعِيكُمُ الَّذِي اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ خَلْقَهُ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَصْلَحَةِ غَنَمِهِ فِي فَسَادِ أَمْرِهَا، فَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ بَيْنَهَا لِتَسْلَمَ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهَا لِتَأْمَنَ مِنْ فَسَادِهَا وَخَوْفِ عَدُوِّهَا.... »[46] .
• روى الكليني بسند معتبر: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِيعُمَيْرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ : «كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِA وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: تُحِبُّهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ لِي: وَلِمَ لَا تُحِبُّهُ وَهُوَ أَخُوكَ، وَشَرِيكُكَ فِي دِينِكَ، وَعَوْنُكَ عَلى عَدُوِّكَ، وَرِزْقُهُ عَلى غَيْرِكَ؟!»[47] .
تعليق: عدَّ الإمامُ جعفرُ الصَّادقA الحُبَّ بين المؤمنين الحالة الطَّبيعيَّة بينهم، والمطلوبة منهم.
• روى الكليني بسندٍ معتبرٍ: محمّد بن يحيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ جَمِيلٍ، عَنْ مُرَازِمٍ: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِA قَالَ: «مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَاءِ حَقِّ الْمُؤْمِنِ»[48]
تعليق: إذن أداءُ حقِّ المؤمن، لا يندرجُ في إطارِ الآداب والأخلاق فحسْب، بل هو من أفضَلِ العبادات المُقرِّبة إلى اللهِ (عزَّ وجل).
• روى الكليني: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ صَاحِبِ الْكِلَلِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ :كُنْتُ أَطُوفُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللهِA، فَعَرَضَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَانَ سَأَلَنِي الذَّهَابَ مَعَهُ فِي حَاجَةٍ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَ أَبَا عَبْدِ اللهِA وَأَذْهَبَ إِلَيْهِ، فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ إِذْ أَشَارَ إِلَيَّ أَيْضًا، فَرَآهُ أَبُو عَبْدِ اللهِA، فَقَالَ: «يَا أَبَانُ، إِيَّاكَ يُرِيدُ هذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: هُوَ عَلى مِثْلِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذْهَبْ إِلَيْهِ، قُلْتُ: فَأَقْطَعُ الطَّوَافَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ طَوَافَ الْفَرِيضَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ: يَا أَبَانُ، دَعْهُ لَا تَرِدْهُ! قُلْتُ: بَلى جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَانُ، تُقَاسِمُهُ شَطْرَ مَالِكَ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَرَأى مَا دَخَلَنِي، فَقَالَ: يَا أَبَانُ، أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ قَدْ ذَكَرَ الْمُؤْثِرِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ؟ قُلْتُ: بَلى جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَقَالَ: أَمَّا إِذَا أَنْتَ قَاسَمْتَهُ فَلَمْ تُؤْثِرْهُ بَعْدُ، إِنَّمَا أَنْتَ وَهُوَ سَوَاءٌ، إِنَّمَا تُؤْثِرُهُ إِذَا أَنْتَ أَعْطَيْتَهُ مِنَ النِّصْفِ الْآخَرِ»[49] .
تعليق: كتَبَ الشَّيخ محمَّد رضا المُظفَّر مُعلِّقًا على هذا الحديث: «إنَّ واقِعَنا المُخْجِل لا يُطْمِعُنا أنْ نُسمِّي أنفُسَنا بـ (المؤمنينَ) حقًَّا. فنحنُ بوادٍ وتعاليمُ أئمَّتِنا% في وادٍ آخر. وما دَخَلَ نفْسَ أبانَ يُداخِل نفْسَ كلّ قارئٍ لهذا الحديث، فيصْرِفُ بوجهِهِ متناسيًا له، كأنَّ المُخاطَبَ غيرُهُ، ولا يُحاسِبُ نفْسَهُ حسابَ رجُلٍ مسؤول»[50] .
• روى الكليني عن أحمد بن محمّد بن خالد، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، قَالَ : «كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِA، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُA: كَيْفَ مَنْ خَلَّفْتَ مِنْ إِخْوَانِكَ؟ قَالَ: فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، وَزَكّى وَأَطْرى. فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ عِيَادَةُ أَغْنِيَائِهِمْ عَلى فُقَرَائِهِمْ؟ فَقَالَ: قَلِيلَةٌ، قَالَ: وَكَيْفَ مُشَاهَدَةُ أَغْنِيَائِهِمْ لِفُقَرَائِهِمْ؟ قَالَ: قَلِيلَةٌ، قَالَ: فَكَيْفَ صِلَةُ أَغْنِيَائِهِمْ لِفُقَرَائِهِمْ فِي ذَاتِ أَيْدِيهِمْ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَذْكُرُ أَخْلَاقًا قَلَّمَا هِيَ فِيمَنْ عِنْدَنَا، قَالَ فَقَالَ: فَكَيْفَ يَزْعُمُ هؤُلَاءِ أَنَّهُمْ شِيعَةٌ؟».
تعليق: طالما أنَّهُم لا يتَّصفونَ بصفةِ عيادةِ ومشاهدةِ وصلةِ الأغنياء للفُقراء، فدَعواهُم بأنَّهُم شيعة إنَّما هي دعوى كاذبة.
• روى الكليني: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ رَفَعَهُ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ، قَالَ : «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِA عَنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ: سَبْعُونَ حَقًّا لَا أُخْبِرُكَ إِلاَّ بِسَبْعَةٍ؛ فَإِنِّي عَلَيْكَ مُشْفِقٌ أَخْشى أَلاَّ تَحْتَمِلَ. فَقُلْتُ: بَلى إِنْ شَاءَ اللهُ. فَقَالَ: لَا تَشْبَعُ وَيَجُوعُ، وَلَا تَكْتَسِي وَيَعْرى، وَتَكُونُ دَلِيلَهُ وَقَمِيصَهُ الَّذِي يَلْبَسُهُ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَتُحِبُّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لَكَ جَارِيَةٌ بَعَثْتَهَا لِتُمَهِّدَ فِرَاشَهُ، وَتَسْعى فِي حَوَائِجِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ وَصَلْتَ وَلَايَتَكَ بِوَلَايَتِنَا، وَوَلَايَتَنَا بِوَلَايَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»[51] .
تعليق: لاحظ أنَّ الإمامَ جعفرَ الصَّادقA اكتفي بذِكْرِ سبْعة حقوق من سبعين، لماذا؟ قال للمُعلَّى: «فَإِنِّي عَلَيْكَ مُشْفِقٌ أَخْشى أَلاَّ تَحْتَمِلَ».
التَّحذير من الغُلاة:
أتباعُ أئمَّةِ أهلِ البيتA كانوا أطيافًا مختلفة؛ والأئمَّةُA إنْ كانوا قد حثُّوا على الاندماجِ والتَّلاحُمِ مع المؤمنين، فإنَّهُم حذَّروا أشدَّ التَّحذير من الغُلاةِ المُندسِّينَ في أوساطِهِم.
روى الشَّيخ الطُّوسي في الأمالي بسندِهِ عن عبد الرَّحمنِ بنِ مُسلِم، عن فُضيلِ بنِ يسار، قال قال الإمام جعفر الصَّادقُA: «احْذروا على شبابِكُم الغُلاةَ لا يُفْسِدُونَهُم، فإنَّ الغُلاةَ شرُّ خَلْقِ اللهِ، يُصَغِّرُونَ عَظَمَةَ اللهِ، وَيَدَّعُونَ الرُّبُوبِيَّةَ لِعِبَادِ اللهِ، وَاللهِ إنَّ الغلاةَ شَرٌّ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارى وَالمجُوسِ وَالذِينَ أشْرَكُوا. ثمَّ قالA: إلينا يرْجِعُ الغالي =( يَنْسِبُ نفسَهُ إلينا ويتراجَع ليتظاهَرَ بالتَّوحيد) فلا نقْبَلُهُ، وبِنَا يلحقُ المقصِّر فنَقْبَلُهُ. فقيلَ له: كيفَ ذلك يا ابنَ رسولِ الله؟ قال: لأنَّ الغالي قد اعتادَ ترْكَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّيامِ والحجّ، فلا يقدِر على ترْكِ عادَتِهِ وعلى الرُّجوعِ إلى طاعةِ اللهِ (عزَّ وجلَّ) أبدًا، وإنَّ المقصِّرَ إذا عرَفَ عمَلَ وأطاع»[52] .
أطيافٌ مختلفة
لقد ظهَرت في زمَنِ أئمةِ أهلِ البيْتA اتِّجاهاتٌ وأطيافٌ مختلفةٌ كانت تُحسَبُ ضمْنَ الجماعة المؤمنة الصَّالحة، كأنَّها ألوانُ الطَّيْفِ المُتدرِّج:
1. أئمّة الغلو: مثل بَنان (أو بَيان) بن سعيد، في زمنِ الإمامِ زينِ العابدينA، والمغيرة بن سعيد، في زمنِ الإمامِ محمَّد الباقرA، وأبي الخطَّاب (وهو محمَّدُ بنُ مِقْلاص الأَسَدي، المعروف بـ «أبي زينب»)، وبشَّار الشَّعِيري، في زمنِ الإمامِ جعفر الصَّادقA، ومحمَّد بن بشير، في زمنِ الإمامِ موسى الكاظم%، ومحمَّد بن فرات الجُعْفي، في زمنِ الإمامِ عليِّ الرِّضاA.
2. متَّهمون بالغُلُو: مثل جابر الجُعْفي، والمُفضَّل بن عُمَر، وعبد الرَّحمن بن كثير، ومُعلَّى بن خُنيس، ويونُس بن ظَبْيان، ومحمَّد بن سِنان، وسعد الإسكاف، والحسَن بن العبَّاس بن الحريش، وسهْل بن زياد، وأحمد بن محمَّد بن سيَّار.
3. معتدلون: مثل أبَان بن تغْلِب، ومحمَّد بن علي الحَلَبي، وحُمْران بن أعْيَن (وزوج ابنْتِهِ ضُريس الكُناسي)، وزُرارة بن أعْيَن، ومحمَّد بن مسلم الثَّقفي، والفُضيل بن يَسار، وليث بن البختري المُرادي (أبو بصير)، وسدير الصَّيرفي، وزيد الشحَّام، وسالم الحنَّاط، وصفوان بن يحيى.
4. متَّهمون بالتَّقصير: مثل هشام بن الحكم ويونُس بن عبد الرَّحمن والفضْل بن شاذان.
5. مُقصِّرون: عُرِفوا بـ (البَتْريَّة) يدَّعونَ حبَّ أهلِ البيت%، ويتولَّون في الواقع غيرَهُم، مثل كثير النَّواء، وسالم بن أبي حفصة.
لنأخُذ بنحوٍ موجزٍ مثالًا من زمنِ الإمام جعفر الصَّادقA، وهو أبو زينب (أبو الخطَّاب).
أبو زينب (أبو الخطَّاب) في زمنِ الإمامِ جعفر الصَّادقA:
اسْمُهُ: محَّمدُ بنُ أبي زينب «مِقْلاص» (مِقْلاص اسْمُ أبيه)، أبو الخطَّاب الأسَدي، مولىً كوفي، وكان يَبيعُ الأبْراد، من أصحابِ الإمامِ جعفر الصَّادقِA، ويُكنَّى أيضًا بـ (أبي إسماعيل)، ويُكنَّى أيضًا بـ (أبي الظَّبْيان).
قيلَ بشأنِهِ: «أبو الخطَّاب الأسَدي، كان أبو الخطَّاب يزْعُمُ أنَّ الأئمةَ كانوا آلهةً، ثمَّ ادَّعى الإلهيَّةَ لنفْسِهِ، وكان يقولُ إنَّ الحسَنَ والحسين أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤُهُ، وتبِعَهُ على ذلك بعضُ الجهَلةِ، وأحلَّ المحارِمَ، وأسقَطَ الفرائِضَ، ثمَّ إنَّ والي الكوفة =(عيسى بن موسى) قبَضَ عليه وصلَبَهُ بكُناسةِ الكوفة سنة 143 هج، وتفرَّق أصحابُهُ بعد قتْلِهِ إلى عدَّةِ فِرَق»[53] .
وكتَبَ النَّوبختي في (فِرَقِ الشِّيعة): إنَّ الخطَّابيةَ هم الذين خرجوا في حياةِ أبي جعفرٍ بنِ محمَّدA، فحاربوا عيسى بن موسى بن محمَّد بن عبد الله بن العبَّاس - وكان عاملًا على الكوفةِ - فبلَغَهُ عنْهُم أنَّهُم أظهروا الإباحات، ودعوا إلى نبوَّةِ أبي الخطاب، وأنَّهُم مجتمعونَ في مسجدِ الكوفة، فبعَثَ إليه، فحاربوهُ وامتنعوا عليه، وكانوا سبعينَ رجلًا، فقتَلَهُم جميعًا، فلَمْ يفْلِت منْهُم إلَّا رجلٌ واحدٌ، أصابَتْهُ جراحاتٌ فعُدَّ في القتْلى، فتخلَّصَ، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمَّال المُلقَّب بـ (أبي خديجة)، وكان يزْعُمُ أنَّه ماتَ فرَجَع، فحاربوا عيسى محاربةً شديدةً بالحجارةِ والقصَبِ والسَّكاكين؛ لأنَّهُم جعلوا القصَبَ مكانَ الرِّماح. وقد كان أبو الخطَّاب قال لهُم: قاتلوهم فإنَّ قصبَكُم يعملُ فيهم عمَلَ الرِّماح، ورماحُهُم وسيوفُهُم وسلاحُهُم لا تضرُّكُم ولا تُخِلُّ فيكم. فقدَّمَهُم عشرةً عشرةً للمُحاربة، فلمَّا قُتِلَ منهم نحوَ ثلاثينَ رجُلًا، قالوا له: ما ترى ما يُحِلُّ بنا من القوم؟ وما نرى قصَبَنا يعمَلُ فيهم ولا يُؤثِّر، وقد عمَلَ سلاحُهُم فينا وقَتَلَ من ترى منهم، فذكَرَ لهم ما رواهُ العامَّةُ أنَّه قالَ لهم: إنْ كان قد بدا للهِ فيكم فما ذنْبي؟ وقال لهُم ما رواهُ الشِّيعة: يا قومِ قد بُلِيتُم وامتُحنْتُم وأُذِنَ في قتلِكُم، فقاتلوا على دينِكُم وأحسابِكُم، ولا تُعطوا بلدَتَكُم فتذلَّوا، مع أنَّكم لا تتخلَّصونَ من القتْل، فموتوا كِرامًا. فقاتلوا حتى قُتِلوا عن آخرِهِم، وأُسِرَ أبو الخطَّاب، فأُتيَ به عيسى بن موسى فقتَلَهُ في دارِ الرِّزْقِ على شاطئِ الفُرات، وصُلِبَ مع جماعةٍ منْهُم، ثمَّ أمَرَ بإحراقِهِ فأُحرقوا، وبعثَ برُؤوسِهِم إلى المنصورِ فصلَبَها على بابِ مدينةِ بغداد ثلاثةَ أيام، ثمَّ أُحْرِقَت»[54] .
أخرج الكشِّي عن عيسى بن أبي منصور قال: سمعْتُ أبا عبد اللّهA يقول وذكَرَ أبا الخطَّاب فقال: «اللهمَّ الْعَن أبا الخطَّاب؛ فإنَّهُ خوَّفَني قائمًا وقاعدًا وعلى فراشي، اللهمَّ أذِقْهُ حرَّ الحديد».
ويرى بعضُ المُحقِّقين - كالشَّيخ جعفر السُّبْحاني (دام ظلُّه) - أنَّ جُذورَ الدَّعوة الإسماعيليَّة ليست سوى استمرارٍ لتلك الحركةِ الباطنية التي تزعَّمَها أبو زينب (أبو الخطَّاب الأسَدي)، وأنَّ أتباع أبي زينب تحوَّلوا فيما بعد إلى جانبِ محمَّد بن إسماعيل، ووجدوهُ مرْتعًا خصبًا، عندها تألَّقَ نجْمُ ابنِ إسماعيل بعد انتماءِهِم إليه [55].
وكتَبَ الشَّيخُ السُّبْحاني تحتَ عنوان (تحوُّل الخطَّابية إلى الإسماعيليَّة): إنَّ الخطَّابية بعد قتْلِ زعيمِهِم، توجَّهوا إلى محمَّدِ بنِ إسماعيل، وقد كان بعضُ الضَّالين يؤُمُّ والدَهُ إسماعيل بن جعفر، ولكن الإمام جعفر الصَّادقA آيسَهُ من إضلالِهِ. روى الكشِّي عَنْ يُونُسَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِA يَقُولُ لِلْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ: «يَا كَافِرُ يَا مُشْرِكُ مَا لَكَ وَلِابْنِي! » يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ يَقُولُ فِيهِ مَعَ الْخَطَّابِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدُ. والذي يدُّلُّ على أنَّ المذْهبَ الإسماعيليَّ نشأَ وترْعرعَ في أحضانِ الخطَّابيَّة، وإنْ لم يتبنَّ كلَّ ما تبنَّتْهُ الخطَّابيَّة، هي النُّصوصُ التَّاريخيَّةُ التي سنتلوها عليك.... قال النَّوبختي: ثمَّ خرَجَ - بعد قتْلِ أبي الخطَّاب - من قالَ بمقالتِهِ من أهلِ الكوفةِ وغيرِهِم إلى محمَّدِ بنِ إسماعيل بنِ جعفرِ بعد قتْلِ أبي الخطَّاب، فقالوا بإمامتِهِ وأقاموا عليها. وصنوفُ الغاليةِ افترقوا على مقالاتٍ كثيرةٍ (إلى أنْ قال): فقالَتْ فرْقةٌ منْهُم أنَّ روحَ جعفرِ بنِ محمَّدٍ جُعِلَتْ في أبي الخطَّاب، ثمَّ تحوَّلَتْ بعد غيْبةِ أبي الخطَّاب في محمَّد بنِ إسماعيل بنِ جعفر، وتشعَّبَتْ منهم فرْقٌة من (المُباركيَّة)، ممَّن قال بهذه المقالةِ تُسمَّى (القرامطة)[56] ....إنَّ حقيقةَ التطرُّف المُشاهَد في المذْهبِ الإسماعيلي طرأَتْ عليه من قِبَلِ أصحابِ أبي الخطَّاب، الذين استغلُّوا إمامةَ محمَّد بن إسماعيل لبَثِّ آرائِهِم[57] .
ثمَّ يقولُ السُّبحاني: «لعَبَ عبدُ اللهِ بنُ ميمون القدَّاح دورًا هامًَّا في نشْرِ أفكارِ الخطَّابيَّة وبثِّها في أتْباعِ محمَّدِ بنِ إسماعيل، وكان حلْقةَ وصْلٍ بين الخطَّابيَّةِ والإسماعيليَّة، وأخيرًا التحَقَ بالإمامِ محمَّدِ بنِ إسماعيل وصارَ من دُعاتِهِ، وكلُّ الآفات التي أصابَتْ العقيدةَ الإسماعيليَّة تعودُ إليهِ وإلى زميلِهِ محمَّدِ بنِ الحسين المُلقَّب بـ (دَنْدَان)»[58] .
إذن، عرَفْنا في هذا المحور أنَّ أئمَّةَ أهلِ البيت% عملوا جاهدين على خلْقِ حالةٍ من التَّرابُطِ من الانسجامِ الخفي بين الجماعةِ المؤمنةِ الصَّالحة، وإظهارِ حالةٍ من التَّشرْذُم الظَّاهري فيما بينهم حمايةً لهم من سلاطينِ الجَوْر وطُغْيانِ الأغلبيَّة، وحذَّروا الجماعةَ الصَّالحةَ أشدَّ التَّحذير من الغُلاةِ المُندسِّينَ فيما بينهم، الذين يعملونَ على استقطابِ واستمالةِ شرائحَ من الجماعةِ الصَّالحة.
النَّتيجة
تعرَّفنا في هذا البحثِ على الطَّريقةِ التي سارَ عليها الإمام جعفر الصَّادقA في هندسةِ علاقاتِ أتباعِهِم. وتناول البحثُ ذلك في ثلاثةِ محاور. المحورُ الأوَّلُ يتعلَّقُ بأَهْلِ الجَوْرِ والظُّلم، وكان الطَّابعُ العامُّ في التَّعاطي مع هذا القسْمِ التَّحذيرَ من صيرورةِ أتباعِ مدرسةِ أهلِ البيت% من أعوانِ أهلِ الجَوْرِ والظُّلْم، أو العاملينَ معهم إلَّا بقدرِ ما تقتضيهِ الضَّرورةُ الاجتماعيَّةُ والسِّياسيَّة. والمحورُ الثَّاني يتعلَّقُ بعامَّةِ المسلمين: وكان الطَّابعُ العامُّ في التَّعاطي مع هذا القسْمِ الحَثُّ على التَّعايُش والاندماج والانفتاح عليهم بأخلاقٍ قُرآنيَّةٍ رفيعة. والمحورُ الثَّالثُ يتعلَّقُ بأُولئكَ الذين يُؤمنونَ بولايةِ أهلِ البيت%: وكان الطَّابعُ العامُّ في التَّعاطي مع هذا القسْمِ الاندكاكَ والتَّفاني في ولايةِ المؤمن، محبَّةً ونُصْرةً وتكافُلًا وطاعةً، حتى يُشكِّلوا فيما بينهم مجموعةً صالحةً صلْبةً متماسكةً في الواقع، متفرِّقةً في الظَّاهر، غير منكفئةٍ على ذاتِها، بل منفتحة على بقيَّةِ مُكوِّنات المجتمع الإسلامي، مع أخذِ مسافةٍ واضحةٍ من أهلِ الجَوْرِ والظُّلم، ومع التَّحذيرِ المُستمرِّ من اندساسِ أهلِ الغُلُوِّ فيما بينهم.
[1] الأنفال، 63.
[2] الممتحنة، 1.
[3] التوبة، 101.
[4] الأنفال، 72-73.
[5] المائدة، 51-52.
[6] الصف، 4.
[7] الممتحنة، 8-9.
[8] إشارة إلى قولِ النَّبيِّJ: «إنَّ منكم مَن يُقاتِلُ على تَأْويلِه، كما قاتَلتُ على تَنزيلِه»، قال: فقام أبو بكْرٍ، وعمرُ فقال: «لا، ولكنَّه خاصِفُ النَّعلِ»، وعليٌّ يَخصِفُ نَعلَه. أخرجه، النسائي، أحمد بن شعيب، السُّنن الكبرى (٨٥٤١)، وأحمد في مسندِهِ (١١٢٨٩)، واللفظ له، الألباني، محمد ناصر الدين، السِّلْسلةِ الصَّحيحة (٢٤٨٧).
[9] هود، 113.
[10] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب عمل السلطان وجوائزهم، ح2.
[11] المصدر نفسه، باب عمل السلطان وجوائزهم، ح7.
[12] الصَّدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، عقاب الظَّلمة وأعوانهم، 1/260.
[13] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب من أسخط الخالق في مرضاة المخلوق، ح2.
[14] المصدر نفسه، باب عمل السلطان وجوائزهم، ح4.
[15] هود، 113.
[16] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب عمل السلطان وجوائزهم، ح8.
[17] المصدر نفسه، باب عمل السلطان وجوائزهم، ح1.
[18] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب الإذاعة، ح6.
[19] المصدر نفسه، باب الإذاعة، ح4.
[20] المصدر نفسه، باب من أخاف مؤمنًا، ح2.
[21] هود، 98.
[22] المصدر نفسه، باب من أخاف مؤمنًا، ح3.
[23] النساء، 60.
[24] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب كراهة الارتفاع إلى قضاة الجور، 2.
[25] المصدر نفسه، باب كراهة الارتفاع إلى قضاة الجور، 4.
[26] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب كراهة الارتفاع إلى قضاة الجور، 5.
[27] القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، 1/176.
[28] الكليني، الكافي، باب عمل السلطان وجوائزهم، ح9.
[29] الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، ج6، ص338، ح63.
[30] المصدر نفسه، تهذيب الأحكام، ج6، 330، ح36.
[31] النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك الوسائل ج،13 باب،39 من أبواب ما يكتسب به حديث،25.
[32] الصَّدوق، محمد بن علي، الأمالي، ص318.
[33] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب شرط من أذن له في أعمالهم، ح5.
[34] المصدر نفسه، باب الجهاد الواجب مع من يكون، ح3.
[35] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، الروضة، ح381.
[36] الصَّدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، عقاب من خضع لصاحب سلطان، ص246.
[37] الصَّدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، عقاب من اقترب من سلطان جائر، ص260.
[38] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، كتاب العشرة، باب ما يجب من المعاشرة، ح4.
[39] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب التَّقيَّة، ح11.
[40] المصدر نفسه، الكافي، كتاب العشرة، باب ما يجب من المعاشرة، ح5.
[41] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، الرَّوضة، ح537.
[42] المصدر نفسه، الكافي، باب الرَّجل يُصلي وحده ثمَّ يعيد في جماعة أو يُصلي بقومٍ وقد صلى قبل ذلك، ح6.
[43] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، باب الكتمان، ح5.
[44] المصدر نفسه، الكافي، باب حقّ المؤمن على أخيه، ح15.
[45] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب اختلاف الحديث، ح5.
[46] الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي، ص138-141، ح221.
[47] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب أخوة المؤمنين بعضهم لبعض، ح6.
[48] المصدر نفسه، الكافي، باب حق المؤمن على أخيه، ح4.
[49] المصدر نفسه، الكافي، باب حق المؤمن على أخيه، ح8.
[50] المظفر، محمد رضا، عقائد الإماميّة، ص121.
[51] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، باب حقّ المؤمن على أخيه، ح14.
[52] الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، المجلس33، ح12.
[53] انظر، النوبختي، الحسن بن موسى، فرق الشيعة، ص42، أيضًا 69-70، والفرق بين الفرق، ص247-248، الملل والنحل، 1/210.
[54] المصدر نفسه، فرق الشيعة، ص69-70.
[55] السبحاني، جعفر، الملل والنحل، 8/34-36.
[56] النوبختي، الحسن بن موسى، فرق الشيعة، ص71.
[57] السبحاني، جعفر، الملل والنحل،8/40-42.
[58] المصدر نفسه، الملل والنحل، ج8، ص54.