الباحث : الشيخ علي الغزّي
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 39
السنة : صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 313
الملخّص
الوصيّة بمعنى إرشاد شخصٍ إلى سلوكٍ معيّنٍ - ولو كان على مستوى اللفظ - قد وردت في عدّة أشكال فيما روي عن الإمام الباقر(عليه السلام):
أحدها: الوصايا التي نقلها عن السابقين عليه من الأنبياء والأوصياء.
ثانيها: وصاياه التي أرشد بها من طلب منه الوصيّة.
ثالثها: السلوك العملي الصادر منه(عليه السلام) الذي يكون منهجًا عمليًا لأتباعه؛ لكونه إمامًا يؤتم به وبأفعاله، وكونها حجّةً على غيره. وهذا السلوك منه -عليه السلام- يدخل تحت عنوان الوصيّة بمفهومها العام، بحكم كونها لازمة له لزومًا خارجيًا.
وما نريد الحديث عنه من هذه الأشكال من الوصايا هو الثالث، وفي خصوص المجال السياسي منه، وذلك بتسليط الضوء على عنوان (المطالبة بالحقّ) بوصفها مفردةً وسلوكًا ابتلائيًّا في عالم السياسيّة؛ إذ لا تخلو الممارسات السياسيّة منها مهما كان شكلها سلطةً أو معارضةً.
ولمّا كانت (فدك) من أبرز الحقوق التي سُلِبت من أهل البيت -عليهم السلام- استحقّت أن نوليها مزيد اهتمام، ونتعرّف من طريقها على الممارسة السياسيّة التي قام بها الإمام الباقر -عليه السلام- في طريق المطالبة بذلك الحقّ المتمثّل بإرجاع فدك، وما يُشكّله سلوكه -عليه السلام- من وصيّةٍ عمليّةٍ لأتباعه في السير على نهجه فيها.
وسنتناول ذلك في ثماني نقاط:
الأولى: معنى الحقّ والمطالبة به. الثانية: فدك إلى عصر الإمام الباقر(عليه السلام). الثالثة: مطالبة الإمام الباقر(عليه السلام) بفدك. الرابعة:معطيات الحديث. الخامسة: تفاصيل موعظة الإمام الباقر(عليه السلام). السادسة: أهميّة ردّ فدك. السابعة: ماذا كان يصنع عمر بن عبد العزيز بفدك قبل ردّها؟ الثامنة: لماذا لم يستردّ أمير المؤمنين(عليه السلام) فدكًا في خلافته؟ والخاتمة.
الكلمات المفتاحية: الوصايا – فدك – الإمام الباقر – عمر بن عبد العزيز.
النقطة الأولى: معنى الحقّ والمطالبة به
الحقّ لغةً له معانٍ منها الأمر الثابت[1]، وهو المقصود به هنا، أي: الأمر الثابت وفق مبرّرٍ شرعيٍّ له، فنقول – مثلًا - لفلان لحقّ ملك هذه الدار؛ لثبوتها له بالبيع.
والمطالبة من طلب بمعنى محاولة إيجاد شيء أو أخذه[2]، ونعني بها محاولة استرجاع حقّ ممّن وضع يده عليه.
والمراد الوقوف على ظروف تلك المحاولة وأسلوبها ونتيجتها في دراسة مطالبة الإمام الباقر(عليه السلام) بحقّ ملكية فدك، الثابتة له بمقتضى منح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لها لابنته الزهراء عليها السلام- وأنّ الإمام الباقر(عليه السلام) بوصفه الوارث الشرعي لها يُطالب باسترجاعها.
النقطة الثانية: فدك إلى عصر الإمام الباقر(عليه السلام)
تكاد تكون أرض فدك وقصّتها أمرًا معروفًا في الأوساط الاجتماعيّة فضلًا عن العلميّة، وخلاصة الأمر فيها: أنّها «قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، أفاءها الله على رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في سنة سبع صلحًا، وذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لما نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلّا ثلث واشتدّ بهم [أي: بأهلها من اليهود] الحصار راسلوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يسألونه أن ينزلهم على الجلاء وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك [وهم من اليهود أيضًا]، فأرسلوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، فهي ممّا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكانت خالصة[3] لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفيها عين فوّارة، ونخيل كثيرة»[4].
وقد منحها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ابنته فاطمة عليها السلام-، لكن صادرها منها الأوّل بعد توجيه من الثاني، ولم يقبلا من فاطمة عليها السلام المطالبة بها، وبقيت تحت أيدهم، ولم يستردها أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد أن رجعت إليه أمور الخلافة، ولمّا ولي معاوية نحلها إلى مروان بن الحكم، وجعلها الأخير في ابنيه عبد الملك وعبد العزيز، ثمّ صارت لعمر بن عبد العزيز، وذلك في زمان الإمام الباقر(عليه السلام)، وقيل إنّه كان يخرج محصولها في أبناء السبيل كما كان يصنع الأولون.
وحقّها شرعًا أن تكون في أبناء فاطمة عليها السلام- خاصّةً؛ لكونها ملكًا صرفًا لها، فيرثها عنها أبناؤها بعد وفاتها، وهكذا في اللاحقين منهم، ولا حقّ لغيرهم فيها.
النقطة الثالثة: مطالبة الإمام الباقر (عليه السلام) بفدك
روى الطبري الشيعي في كتابه (المسترشد) عن «أبي صالح الطائي، قال: حدّثنا الحماني، قال: حدّثنا شريك، عن هشام بن معاذ، قال: كنت جليسًا لعمر بن عبد العزيز، حيث دخل المدينة، فأمر مناديه أن ينادي: من كانت له مظلمة، أو قال: ظلامة، فليأت الباب، فأتاه محمّد بن عليّ(عليه السلام) فدخل عليه مولاه مزاحم، فقال له: إنّ محمّد بن علي(عليه السلام) بالباب، فقال له: أدخله يا مزاحم، فدخل محمّد، وعمر تسحُّ[5] عيناه بالدموع، فيمسحها، فقال محمّد(عليه السلام): ما أبكاك يا عمر؟ فقال هشام: أبكاه كذا وكذا يا بن رسول الله.
فقال محمّد بن علي(عليه السلام): يا عمر، إنّ الدنيا سوق من الأسواق، منها خرج الناس بما ينفعهم، ومنها خرجوا بما يضرّهم، وكم من قومٍ هم قد ضرّهم مثل الذي أصحابنا فيه حتّى أتاهم الموت، فاستوعبوا فخرجوا من الدنيا نادمين [ملومين]، لما لم يأخذوا لما أحبوا من الآخرة عدّةً، ولا لما كرهوا جُنةً، قسّم ما جمعوا من لا يحمدهم، وصاروا إلى ما لا يعذرهم، فنحن والله محقّون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نغبطهم[6] بها فنوافقهم فيها، وننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نتخوّف عليهم منها، فنكف عنها.
فاتقِ اللهَ واجعل في قلبك اثنين تنظر الذي تحبّ أن يكون معك إذا قدمت على ربّك فقدِّمه بين يديك حتّى تخرج إليه، وتنظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربّك، فابتغِ به البدل، ولا تذهبنّ إلى سلعةٍ بارت[7] على من كان قبلك. فاتقِ اللهَ يا عمر، وافتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، وردّ المظالم.
ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله. فجثا[8] عمر على ركبتيه، ثمّ قال: إيّه أهل بيت النبوّة. قال: نعم، يا عمر، من إذا رضي لم يدخل رضاه في الباطل، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحقّ، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له. قال: فدعا عمر بدواة وقرطاس وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما ردّ عمر بن عبد العزيز ظلامة محمّد بن عليّ، فدك»[9].
تولى الإمام الباقر(عليه السلام) الإمامة سنة ٩٥ هـ إلى حين وفاته سنة ١١٤هـ، وقد عاصر في هذه المدّة عدّة من ولاة بني أُميّة، لكنّه لم يطالب بفدك إلّا في زمن عمر بن عبد العزيز[10]. والظاهر أنّ منشأ ذلك ما عُرِف عنه من أنّه كان «يُؤْثِر الدين على الدنيا، ويعمل عمل من يخاف يومه ويرجو غده ويقر بتدينه»[11]. وقد كانت مدّة ولايته سنتين وستة أشهر تقريبًا، حيث ولي سنة ٩٩ هـ إلى سنة ١٠١هـ. وقد صدرت منه مواقف جيدة اتّجاه أهل البيت عليهم السَّلام- كمنع لعن أمير المؤمنين(عليه السلام) على المنابر، تلك السُنّة التي سنّها شيخ الأمويّين معاوية. ومنها ردّه لفدك، وهو ما نريد الحديث عنه في هنا.
النقطة الرابعة: معطيات الحديث
دلّ الحديث المذكور على معطيات أربعة:
الأوّل: أنّ الحقّ لا يسقط بالتقادم، بل ينبغي أن تستثمر الفرص المتاحة من أجل المطالبة به واسترداده، ففدك لم يسقط حقّ ملكيتها عن أهل البيت عليهم السَّلام- على الرغم ممّا جرى عليها من تعاقب أيدي الحكومات، ولم تكن عند عامة الناس بل كانت عند رجالات السلطة أنفسهم، مع مضي مدّةٍ من الزمن زادت على الخمسة عقود، ومع ذلك كلّه طالب بها الإمام الباقر(عليه السلام) في أوّل فرصةٍ أمكنته من ذلك.
الثاني: أنّ المطالبة بالحقّ ينبغي أن تكون في ظروفٍ تسمح بالمطالبة، ويُرجى من ورائها تحقيق المطلوب؛ إذ قد عرفت أنّ فدكًا كانت تحت يد رجالات السلطة، والتعرّض لمطالبتها قد يدخل الإنسان في مواجهة الظالم الذي لا يؤمن بغيه وتماديه إلى حدّ تكون مطالبته نحوًا من إلقاء النفس في التهلكة، ومن هنا لم نرَ الأئمّة السابقين ولا الإمام الباقر(عليه السلام) قد طالب بها قبل زمن عمر بن عبد العزيز.
الثالث: أنّ الظرف الذي هيّئ للإمام الباقر(عليه السلام) لم يكن ظرفًا عابرًا، بل كان ظرفًا جمع عدّة خصائص مهمة تمثلت بتديُّن شخص الوالي، وقبوله النصح والتوجيه، ودعوته للناس بأنّ من له ظلامة فليأتيه، خصوصًا مع كون الدعوة عامة؛ لفرض كون مناديًا نادى بها على مسامع عامة الناس.
الرابع: الحوار وأسلوب الحوار الذي لم يصدر من صاحب الحقّ بدافع إرغام الغاصب على ردّه، بل باستعمال الأدوات المشروعة والقريبة من نفس الغاصب المتسلّط من أجل تحصيل المطلوب؛ فإنّ ذلك يدخل تحت دائرة وجادلهم بالتي هي أحسن[12].
فالملاحظ أنّ الإمام الباقر(عليه السلام) استثمر ظرف الدعوة لمن كانت له مظلمة، واستثمر - أيضًا - الحالة التي وجد عليها عمر بن عبد العزيز حيث وجده باكيًا، ويمسح دموعه، فسأله عمّا يبكيه، لكن لم يفصح الحديث عن ذلك إلّا أنّه يظهر من طبيعة بيان الإمام اللاحق أنّه كان أمرًا متعلِّقًا في شأن الخلافة ومسؤولياتها، وما وصله من تراكمات الأخطاء الجسام التي ارتكبها الولاة السابقون عليه.
النقطة الخامسة: تفاصيل موعظة الإمام الباقر(عليه السلام)
تضمّنت موعظة الإمام(عليه السلام) لعمر بن عبد العزيز صورةً في غاية الروعة والأناقة حيث اعتمدت أسلوب التدرُّج في الخطاب، وهو أسلوبٌ يوصل إلى المطلوب على شكل جرعاتٍ من الخفيفة إلى المتوسطة الشدّة إلى الشديدة فالمباشرة. وتفصيل تلك الجرعات كما يأتي:
الجرعة الأولى: تضمّنت وصفًا عامًا للدنيا، وأنّها أشبه ما تكون بسوقٍ يدخله الناس، ويخرجون منه على صنفين، صنفٍ حمل معه ما ينفعه، وصنفٍ حمل معه ما يضرّه.
الجرعة الثانية: أنّ أكثر الخارجين من الدنيا - وأصحاب عمر بن العزيز السابقين عليه هو الولاة من قبله - كانوا ممّن خرج من الدنيا بما يضرّهم في الآخرة، حتّى أدركهم الموت فأصبحوا نادمين وملومين على ما ضيّعوا وما جنوا، بل إنّ ما جنوه أصبح قسمةً بيد من لا يحمدهم عليه، وصاروا إلى الله الذي لا يعذرهم فيه.
الجرعة الثالثة: أنّ مقتضى مسؤوليتنا أنّ نتأمّل فيما صاروا إليه، وننظر في فعالهم فنفعل ما كان صالحًا منها ونتجنّب عن قبيحها.
الجرعة الرابعة: وهي الجرعة المباشرة، وتبدأ من قوله(عليه السلام): «فاتقِ اللهَ واجعلْ في قلبك اثنين تنظر الذي تحبّ أن يكون معك إذا قدمت على ربّك فقدِّمه بين يديك حتّى تخرج إليه، وتنظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربّك، فابتغِ به البدل، ولا تذهبنّ إلى سلعةٍ بارت على من كان قبلك. فاتقِ الله يا عمر، وافتح الأبواب، وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم، وردّ المظالم. ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله».
وقد تضمّنت أمرين:
الأمر الأوّل: الأمر بتقوى الله من خلال النظر في الأعمال التي يرغب بأن يُقدِّمها بين يديه أمام ربّه فيعملها، والأعمال التي لا يرغب بها والتي كانت بورًا وكسادًا على من قبله فيجتنبها.
الأمر الثاني: تشخيص تلك الأعمال، بأن يفتح الأبواب للناس، ويُقلل من الحُجّاب بينه وبينهم، وأن ينصر المظلوم، ويردّ المظالم إلى أهلها.
أثر الموعظة على عمر بن العزيز
كان لموعظة الإمام الباقر(عليه السلام) على عمر بن العزيز الأثرُ البالغ إلى حدّ أنّها أنزلته عن كرسيه، وجعلته يجثو على ركبتيه أمام الإمام مستزيدًا، وهو يقول: «إيهٍ أهل بيت النبوّة».
وهذا التأثّر يكشف عن أمرين:
الأمر الأوّل: صدق الرجل ظاهرًا في تديُّنه، وأنّه يمتلك مستوى من الصدق فيه؛ لأنّ الموعظة لا تؤثّر أثرها الفعلي في غير أهلها. اللهم إلّا أن يُقال: إنّ تأثير موعظة المعصوم (عليه السلام) على غيره قهريّة لشدّة إخلاصه ونقائها، فلا تدلّ على صفاء سامعها، بل على خلوص قائلها ونقائها، ويشهد لذلك حوار الإمام مع المتوكّل العبّاسي، عندما طلب من الإمام إنشاد الشعر، فأنشده أبياتًا - في قصّةٍ معروفةٍ - كان مطلعها (باتوا على قلل الأجبال تحرسهم)، وأنّها أثّرت بالمتوكّل إلى حدّ أنّه كسّر كأس الخمر التي كانت بيده، وتنغص عليه عيشه ذلك اليوم[13]. لكن مع ذلك يمكن أن يستفاد من تأثّر عمر بن عبد العزيز هنا صدقه في تديُّنه إلى حدّ ما؛ بشهادة ما سيأتي في الأمر الثاني من اعتقاده بالإمام الباقر(عليه السلام) ولا يُقاس مثله بالمتوكّل، كيف وقد روي فيه عن الباقر(عليه السلام) مدحٌ، وأنّه نجيب قومه، ويُبعث يوم القيامة أُمّةً واحدةً[14].
الأمر الثاني: اعتقاده بالإمام الباقر(عليه السلام) وأنّه من أهل بيت النبوّة، وأنّ عظم ما سمعه من الإمام الباقر(عليه السلام) من موعظة لا يمكن أن تصدر من غيرهم (صلوات الله عليهم).
العودة إلى الموعظة
أكمل الإمام الباقر(عليه السلام) حديثه في بيان أنّ هناك ثلاثة أمورٍ بها يُستكمل الإيمان:
أوّلها: من إذا رضي لم يدخل رضاه في الباطل.
ثانيها: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحقّ.
ثالثها: من إذا قدر لم يتناول ما ليس له.
استجابة عمر بن العزيز
وبعد أن أكمل الإمام(عليه السلام) نصحه وموعظته بادر الرجل فدعا بدواة وقرطاس وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما ردّ عمر بن عبد العزيز ظلامة محمّد بن عليّ، فدك».
النقطة السادسة: أهميّة ردّ فدك
فدك لم تكن أرضًا يستهدفها الإمام الباقر(عليه السلام) من أجل جمع محصولها والاستفادة منه، كيف وسيأتي أنّ عمر بن عبد العزيز كان يقسم غلّتها بين بني فاطمة(عليها السلام)! بل لها دلالتها العَقَديّة المهمة، وهي:
أوّلًا: أنّ ردّ فدك يعني تخطئة الأولين في موقفهما منها، وصحّة موقف الزهراء وأمير المؤمنين(عليهما السلام). وما يلزم من ذلك من ظلم الزهراء عليها السَّلام التي هي بضعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ من آذاها فقد آذى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن آذاه فقد آذى الله في عرشه، كما ورد في الحديث المعتبر.
ثانيًا: خطأ الأيدي المتعاقبة من سلطات الحكم التي استمرّت في الاستيلاء عليها. وهذا ما كان يدركه بنو عمومته فيما نقله القاضي النعماني بقوله: «فلما ولي عمر بن عبد العزيز ردّها [أي: فدك] كلّها على ولد فاطمة(عليها السلام) فاجتمع إليه بنو أميّة وقالوا: يرى الناس أنّك أنكرت فعل أبي بكر وعمر وعثمان والخلفاء من آبائك فردّها»[15].
النقطة السابعة: ماذا كان يصنع عمر بن عبد العزيز بفدك؟
ماذا كان يصنع عمر بن العزيز بفدك قبل أن يردّها إلى الإمام الباقر(عليه السلام)؟
يظهر من بعض الأخبار أنّه كان يقسّم غلّتها في بني فاطمة، ويشهد لذلك ما روي في أمالي الشيخ بإسنادٍ عن «عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم[16]، عن أبيه، قال: عرض في نفس عمر بن عبد العزيز شيء من فدك، فكتب إلى أبي بكر وهو على المدينة: انظر ستة آلاف دينار، فزد عليها غلّة فدك أربعة آلاف دينار، فاقسمها في ولد فاطمة(عليها السلام) من بني هاشم…»[17]. وروي في دعائم الإسلام عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّ عمر بن العزيز «كان يجمع غلّتها في كلّ سنة ويزيد عليها مثلها»[18].
وفي الملامح والفتن لابن طاووس عن كتاب حمّاد الناب عن زرارة عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «أنّ عمر بن عبد العزيز قسّم غلّة فدك بيننا، وأعطى الكبير والصغير منّا سواء، فكتب إليه زيد بن الحسن أنّ أبي أعطى كما تعطي أصغر صبيٍّ فينا، فكتب إليه عمر: يا زيد بن الحسن لقد كنت ما ترى أنّك تعيش حتّى ترى رجلًا من بني أُميّة يصنع بك هذا»[19].
وهذا يعني أنّ إيصال غلّة فدك لبني فاطمة لم يكن كافيًا للإمام الباقر(عليه السلام) لأنّ ذلك ليس إلّا استيفاء الحقّ منقوصًا، وأنّ الحقّ لا بُدّ يُستوفى كاملًا.
النقطة الثامنة: لماذا لم يأخذ أمير المؤمنين فدكًا في خلافته؟
روى ابن شهر آشوب أنّه «سُئِل الباقر(عليه السلام): لأيّ علّةٍ ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما ولي الناس؟ فقال: للاقتداء برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لما فتح مكّة، وقد باع عقيل داره، فقيل: ألا ترجع إلى دارك؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا دارًا[20]، إنّا أهل بيت لا نسترجع شيئًا يؤخذ منّا ظلمًا»[21].
وظاهر هذا النصّ – بدوًا - تخطئة الإمام الباقر(عليه السلام) لنفسه في مطالبته بفدك؛ لأنّه روى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «إنّا أهل بيتٍ لا نسترجع شيئًا أُخِذَ منّا ظلمًا»؛ ولذا لم يسترجع أمير المؤمنين (عليه السلام) فدكًا حينما جاءته الخلافة.
لكن يُدفع ذلك:
أوّلًا: أنّ الحديث وإن رواه ابن شهر آشوب عن الإمام الباقر(عليه السلام) مرسلًا، ولكنّ الصحيح أنّه ممّا روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وهو ما رواه الصدوق بإسنادٍ معتبرٍ عن «إبراهيم الكرخيّ، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلتُ له: لأيّ علّةٍ ترك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فدك لما ولي الناس؟ فقال: للاقتداء برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لما فتح مكّة، وقد باع عقيل بن أبي طالب داره، فقيل له: يا رسول الله، ألا ترجع إلى دارك؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : وهل ترك عقيل لنا دارًا، إنّا أهل بيتٍ لا نسترجع شيئًا يؤخذ منّا ظلمًا. فلذلك لم يسترجع فدك لما ولى»[22].
ولا يمكن أن نفترض أنّ الخطأ في رواية الصدوق لها عن الصادق (عليه السلام) ؛ لأنّ إبراهيم الكرخي لم يروِ عن الإمام الباقر(عليه السلام)، بل ظاهر رواياته أنّه لم يُدرك زمانه أصلًا، بل أدرك الصادق والكاظم عليهما السَّلام- وروى عنهما.
ثانيًا: الظاهر أنّ مقصود الخبر أنّ من مقتضيات الحكمة في سياسة أهل البيت عليهم السَّلام- أنّهم لا يستردون شيئًا أُخِذَ منهم غصبًا بحكم كونهم ولاًة ومتسلّطين؛ لئلا يكون ذلك سببًا في اتّهامهم في استغلال نفوذهم في استرداد حقوقٍ ماليّةٍ شخصيّة، وليس مقصودهم عدم المطالبة بحقٍّ مغصوبٍ مطلقًا، وإلّا فالخلافة كانت حقًا مغضوبًا، وطالما طالب بها أمير المؤمنين(عليه السلام) من ذلك قوله في الخطبة الشقشقية: «أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة أخو تيم، وأنّه ليعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوبًا، وطويت عنها كشحها…»[23].
الخاتمة
ويستحصل من جميع ما مرّ عدّة أمور تمثل منهجًا عامًا في سياسة المطالب بالحقّ:
الأوّل: أنّ الحقّ لا يسقط بتقادم سلبه.
الثاني: أنّ الحقّ ينبغي أن يُستردّ كاملًا، ولا ينبغي الاكتفاء باسترداد بعض منه؛ لعدم اكتفاء الإمام الباقر(عليه السلام) بتوزيع ريع فدك على بني فاطمة من قِبل عمر بن العزيز.
الثالث: أنّ المطالبة بالحقّ لا تسوّغ إلقاء النفس بالتهلكة.
الرابع: أنّ المطالبة بالحقّ يلزم فيها مراعاة ظروفٍ معيّنةٍ تسمح بالمطالبة به مع ضمان أو رجاء الحصول عليه بحيث لا تؤدّي إلى عواقب وخيمة؛ ولذا لم يُطالب الإمام الباقر(عليه السلام) بفدك من قِبل الولاة السابقين على عمر بن العزيز أو اللاحقين عليه.
الخامس: ينبغي أن تكون المطالبة بالحقّ على أساس الجدال بالتي هي أحسن، وانتخاب حوارٍ وأسلوبٍ لائقين له يضمن تحقيق أهدافه.
السادس: أنّ العلم بعدم بقاء الحقّ تحت اليد إلى الأبد لا يسقط المطالبة به، ولو كانت المطالبة به تحقّق استرداده مدّة معيّنةً فقط؛ ولذا مجرّد معرفة الإمام الباقر(عليه السلام) ببقاء فدك تحت يده مدّة قصيرةً، وإلى حين انتهاء ولاية عمر بن عبد العزيز لم يمنعه من المطالبة بردّها.
السابع: أنّه لا ينبغي للولاة الأمر من أهل الحقّ أن يستردّوا حقوقهم الماديّة مستفيدين من سلطتهم الشرعيّة؛ فإنّ في ذلك منقصة استغلال النفوذ من أجل المصالح الشخصيّة.
المصادر
القرآن الكريم
ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس التميمي الحنظلي الرازي (ت 327هـ)، الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1.
ابن شهر آشوب، محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني (ت 588هـ)، مناقب آل أبي طالب، تحقيق لجنة أساتذة النجف الأشرف، المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1367هـ.
ابن طاووس، علي بن موسى بن جعفر (رضي الدين) (ت 664هـ)، الملاحم والفتن (التشريف بالمنن في التعريف بالفتن)، مؤسسة صاحب الأمر، أصفهان، ط1، 1416هـ.
الحموي، ياقوت بن عبد الله الرومي (ت 626هـ)، معجم البلدان، دار صادر، بيروت، ط3، 1995م.
الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ)، العين، تحقيق مهدي المخزومي، وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، بيروت.
الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت 748هـ)، تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1419هـ.
الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت 381هـ):
الخصال، تحقيق علي أكبر غفاري، جماعة المدرسين في الحوزة العلميّة، قم، 1403هـ.
علل الشرائع، تحقيق محمد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1385هـ/1966م.
الطبري (الصغير)، محمد بن جرير بن رستم (من أعلام القرن الرابع الهجري)، المسترشد في إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)، تحقيق أحمد المحمودي، مؤسّسة الثقافة الإسلاميّة، قم، ط1.
الطوسي، محمد بن الحسن (ت 460هـ)، أمالي الشيخ الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسّسة البعثة ودار الثقافة، قم، ط1، 1414هـ.
القاضي النعمان، النعمان بن محمد التميمي المغربي (ت 363هـ)، دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام، تحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، دار المعارف، القاهرة.
الكراجكي، محمد بن علي (ت 449هـ)، كنز الفوائد، ط2، 1369ش.
المسعودي، علي بن الحسين (ت 346هـ)، التنبيه والإشراف، دار مصعب، بيروت.
-----------------------------------
[1] الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين، ج٣/ص٦ ؛ الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة، ج٦/ص٢٠٣.
[2] المصدر نفسه، ٦/١٧٦.
[3] استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَما أَفاءَ الله عَلى رَسولِهِ مِنهُم فَما أَوجَفتُم عَلَيهِ مِن خَيلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ والله عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾ [الحشر: 6]، فدلّت الآية على أنّ الإرجاع كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)- فهي له خالصةً.
و(أفاء) في اللغة بمعنى أرجع، و(أوجف) من وجف بمعنى سرعة السير، كناية عن عدم الاستيلاء عليها بمواجهة عسكرية. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين، ٨/٤٠٦؛ ٦/١٦٠.
[4] الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان، ٤/٢٣٨.
[5] أي: تجري بالدموع؛ لأنّ السيح لغة الجريان. ينظر: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين، ٣/٢٧٢.
[6] وغبطت فلانًا أي: أحببتُ أن أكون مثله. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين، ٤/٣٨٨.
[7] أي: كسدت. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين، ٨/٢٨٥.
[8] أي: جلس على ركبتيه. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ٦/١٧١.
[9] المفيد، محمد بن محمد، المسترشد، ص٥٠٣-٥٠٦، ح١٧٩، وعنه الصدوق في الخصال، ص١٠٤، ح٦٤، وعنهما غيرهما.
[10] عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم القرشي الأموي، وأمّه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب، ملك تسعة وعشرين شهرًا مثل خلافة أبي بكر، كنيته أبو حفص، أصله مديني، مات بالشام، مولده بالمدينة زمن يزيد ونشأ في مصر في ولاية أبيه عليها، كان شدّد على أقاربه وانتزع كثيرًا ممّا في أيديهم فتبرّموا به وسموه، فروى معروف بن مشكان عن مجاهد، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول الناس فيَّ؟ قلت: يقولون إنّك مسحور، قال: ما أنا بمسحور، ثمّ دعا غلامًا له فقال له: ويحك! ما حملك على أن سقيتني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتها، وعلى أن أعتق، قال: هات الألف، فجاء بها فألقاها عمر في بيت المال. وقال: اذهب حيث لا يراك أحد. مات بدير سمعان في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة سوى ستة أشهر. يُلاحظ: ابن أبي عاصم، أحمد بن عمرو، الجرح والتعديل، ١٠/١٢٢، رقم٦٦٢؛ الذهبي، محمد بن أحمد، تذكرة الحفاظ، تذكرة الحفّاظ: ١/١١٨، رقم١٠٤؛
[11] المسعودي، علي بن الحسين، التنبيه والإشراف، ص٢٧٦.
[12] قال الله تعالى: ﴿ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
[13] الكراجكي، محمد بن علي، كنز الفوائد: ص١٩٥.
[14] ابن طاووس، علي بن موسى، الملاحم والفتن: ١/٢٣٩…
[15] القاضي النعمان، النعمان بن محمد، دعائم الإسلام، ١/٣٨٥.
[16] وهو ولاية على المدينة، واسمه أبو بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم. يُلاحظ: ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد، الجرح والتعديل، ٩/٣٣٧، رقم١٤٩٢.
[17] الطوسي، محمد بن الحسن، أمالي الشيخ الطوسي: ٢٦٦/٢٨.
[18] القاضي النعمان، النعمان بن محمد، دعائم الإسلام: ١/٣٨٥.
[19] ابن طاووس، علي بن موسى، الملاحم والفتن، ١/٢٣٩-٢٤٠، ح٣٥١.
[20] «كان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه جعفر ولا علي شيئًا؛ لأنّهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين. قال القاضي عيّاض: لعلّه [أي: رسول الله] أضاف الدار إليه صلى الله عليه [وآله] وسلم- لسكناه أيّاها مع أنّ أصلها كان لأبي طالب؛ لأنّه الذي كفله، ولأنّه أكبر ولد عبد المطلب فاحتوى على أملاك عبد المطلب وحازها وحده لسنة على عادة الجاهلية. قال: ويحتمل أن يكون عقيل باع جميعها وأخرجها عن أملاكهم كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين». النووي، يحيى بن شرف، شرح مسلم، ٩/١٢٠.
[21] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ١/٢٣٢.
[22] الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع: ١/١٥٤، ح٢.
[23] المصدر نفسه، ١/١٥٠، ح١٢.