الباحث : محمد علي ميرزائي
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 39
السنة : صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 44
الملخّص
يهدف هذا البحث انطلاقًا من التأمّل في السّيرة التربويّة للإمام زين العابدين ومنهجه التطهيريّ والتزكويّ للأمّة، إلى إبراز مَبدأ المُشاكَلَة بين التّكوينة الأخلاقيّة والروحيّة والنفسيّة لأيّ أمّةٍ وبين نتاجاتها على المستوى الحضاريّ والتاريخيّ. وهذه الغاية البحثيّة تتمّ عبرَ دراسة الدّور القياديّ للإمام السجّادA في استنهاض الأمة روحيًّا وأخلاقيًّا في فترة ما بعد فاجعة كربلاء والتحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة العميقة الّتي شهدها العالمُ الإسلاميّ. تنطلق الدراسةُ من فرضيّة مُفادها أنّ العبادة والدّعاء يُمثّلان مُحرّكًا أساسيًّا للتحوّل الوجوديّ والحضاريّ، وأنّ الإمام السجّادA قد جسّد هذا المفهومَ عمليًّا واضعًا لها مدرسةً تعتمد منهجيّةً منضبطةً ومنطقًا سلوكيًّا قرآنيًّا. والمشكلة البحثيّة التي يتناولها المقالُ هي الانهيار الروحيّ والأخلاقيّ الّذي أصابَ الأمّة بعد الانحراف عن مسار النّبوّة، والّذي تمثّلَ في التّلَوّث النفسيّ والروحي الشّامل قاعدةً لتَتابُع التطوّرات الدمويّة والإجراميّة بين المسلمين أنفسهم الّتي انتهت في حياة الإمام إلى أحداث كربلاء، حيثُ تمّ تشخيصُ المشكلة في ضعف الإرادة وهَشاشتها، وفَسادِ القلوب وقَسوَتها بالخضوع للذّنوب، لا في الجهل المعرفيّ فحَسْب. تؤكّد الدّراسة أنّ الأمم لا يمكنُها أن تُبدعَ أوتُنتجَ إلّا بما يتوافق مع بنيتها النفسيّة والأخلاقيّة، والفكريّة والسُّلوكيّة لأبنائها، فلا تولّد الأمم إلا من جِنسِها ومِن سنخِها، وأنّ أيّ تَدهور في هذه الجوانب يؤدّي حتمًا إلى الانهيار والانحطاط الحضاري. والهَياكل الاجتماعيّة والحضاريّة إنْ هي إلاّ صورة لانعكاسات الهويّة العميقة والطبيعة النفسيّة لأصحابها.
الكلمات المفتاحيّة:
تعبيدُ الحضارة، الاستنهاض الأخلاقيّ، مُشاكلة الإرادة والحضارة، إمامة الأخلاق، النسقيّة القرآنية، الصحيفة السجّاديّة
مُقدّمة
إنّ الحديث عن الأخلاق والدعوة الاستنهاضيّة إليها بوصفها الحلّ الناجع، في عصرٍ سمّاه بعضُهم بعصر (ما بعد الأخلاق)[1]، لزعزعة المفاهيم الأساسيّة الأخلاقيّة والارتياب الحاصل من الأخلاق المعياريّة ومفاهيمها الأساسيّة كمحوريّة الفطرة[2]، والرّوح، ومركزيّة القلب[3]، وتصفية النفس، وثبات الفضائل والرذائل الأساسيّة، أوالبحث عن مبدأ المسؤوليّة[4] والإلزام الأخلاقيَيْنِ، في مثل هذا الزمن الغريب، دونَه، عَقَبات وعوائق كبيرة. هو(عصر ما بعد الواجب)[5]، أيْ، عصرُ مُحِقّيّة الإنسان، عصر حقوق الإنسان[6]، لا واجباته الأخلاقيّة![7]، عصر شغف الإنسان نحوأن يَفجُرَ أمامَه![8]، ولا يجد مانعًا ولا رادعًا عن توغّله وتفرّغه للمادّة والملذّات.
إلّا أنّ مقاربة موضوعيّة بين اليوم والصّدر الأوّل من حياة الأمّة، تؤيّد مقولة ما أشبه اليوم بالأمس، ولا تترك مجالًا للشكّ في أنّ المعضلات الأخلاقيّة التي كانت وراء تلك الأوضاع المأساويّة[9] هي نفسُها اليوم تقف حجر عثرةٍ أمام تَقَدّم الأمة وتُعيق تحقيق النهوض والتنمية العميقة، وهي سبب القعود والانحطاط الحضاريّ الشّامل. ومهما تكن العناصر المتحرّكة في أسباب القعود والإقلاع، فإنّ الجانبَ الأخلاقيّ منها لا يزال ثابتًا وسيظلّ ثابتًا بالتّأكيد، وهي الأصل والأكثر حَسْمًا، وهي الأولى والأولويّة في جميع المشاريع البنيويّة. كما أنّ الأسباب في الميادين الأخرى في التخلّف الحضاريّ راجعة إلى الأخلاق قبل كلّ شيء[10]. هذه الحقيقة هي خلاصة كنوز الرحمن في القرآن الكريم، والسرّ الأكبر في قصصه وأمثاله ومقاصده.
وكما هو بيّن واضح، أنّ أيّ مشروعٍ استنهاضيٍّ معرفيٍّ وسلوكيٍّ لابدّ أن يستند إلى (كتاب) بالتعبیر القرآنيّ، أي، منظومة مُتضامنة الأبعاد والأنساق، ومتكاملة المَضامين في نصٍّ يَحكمُه التّناسقُ المُطلق. هكذا نعتقد في مداليل لفظة الكتاب، وهذا ما يعبّر عنه القرآن بعدم الاختلاف والتفاوت فيه[11]. مهما يكن من أمر، فنحن بحاجةٍ واجبةٍ إلى نظامٍ نسقيٍّ كاملٍ لبَلْوَرَة الأخلاق بتلك الشّموليّة التيّ يطرحها القرآن الكريم. ولكنّ المشكلة العويصة هنا أمام المسلمين تاريخيًّا كانت ولاتزال، ابتعاد الدّراسات الأخلاقيّة المنسجمة عن روح القرآن الكريم؛ لأنّها إمّا اقتصرتْ على بيان الآيات دون تحليلها المنسجم وصولًا إلى نظامٍ معرفيٍّ متناسقٍ، وإمّا صاغت النظريّات الأخلاقيّة متأثّرةً بالوثنيّة الإغريقيّة كما وصفها محمّد عبد الله درّاز بذلك حقًّا[12].
كنتُ مترصّدًا لفرصةٍ لأقول فيها: إنّ مشروع الإمام السجّاد ليس كمشاريع مؤرّخي الأخلاق أو فلاسفة الأخلاق من المسلمين وغير المسلمين، فلا يُقدّم الإمامُ معلوماتٍ نظريّةً مباشرةً عن الأُسُسِ الفلسفيّة للأخلاق أو مَساراتها التاريخيّة في التّشكّل والصّياغة واصطباغ أنْساقها المنهجيّة، وإنّما الميزة الكبرى لمشروعه عليه السلام تكمنُ في أنّه تجربةٌ أخلاقيّةٌ متحقّقةٌ في الواقع، حاكيةٌ عن ملكاتٍ وجوديّةٍ وأبعادٍ أنطولوجيّةٍ لإنسانٍ بَلغ المُستوى الأكملَ في الوجود، في منهجيّة متطابقةٍ كلّيًّا مع المنهاج القرآنيّ في مكارم الأخلاق.
وهنا بالتّحديد، أمامنا فرصةٌ ذهبيّةٌ كبرى لاستنباط المسائل الفلسفيّة الأخلاقيّة والتماس الحلول الناجعة لإشكاليّاتها مِن عمق هذه التجربة الوجوديّة؛ لأنّ الفهم الفلسفيّ غير المعتمِد على التحقق الوجوديّ والتجريبيّ إن هو إلا ظُنونٌ وأوهامٌ وحُدوسٌ غير مرتكزة إلى الواقع والحقيقة. وهذه هي المشكلة العويصة في جميع الدّراسات الفلسفيّة في الدّين عمومًا وفي الأخلاق بصورة خاصّة. وهذه الفجوة العميقة والمُعضِلة السّحيقة في هذه الدراسات وراءَ انتشار الإلحاد والعَلْمَنة في فلاسفة الدّين وفلاسفة الأخلاق!
كانت الإشارة إلى هذه الكلمات الموجزة ضروريّة في الوهلة الأولى، وأمّا الآن، فمِن الأَولى بيانُ بعض ما يرتبط بمشروع الإمام السجّادA وصلاحيّاته الكبيرة جدًّا للقيام بالاستنهاض الأخلاقيّ للأمّة وبعض المُلابسات والحيثيّات المرتبطة بهذا الأمر. ومنهجيًّا نذكر أنّه مع وجودِ عددٍ هائلٍ من النّصوص النبويّة حولَ تبيين مكانة الإمام عليA بصورةٍ خاصّةٍ، وتَمَيُّزِ أهل البيت (عليهم السّلام) عن غيرهم في الإسلام، وتبيين آفاقهم العلميّة والأنفسيّة ومقاماتهم الخاصّة بصورة عامة، ولكن رغبةً منّا في أن نُسهمَ في تكوين الخطاب المشترك الإسلاميّ، بل الإنسانيّ، نسعى في هذه الورقة لئلّا نقتصر على النّقل والاستشهاد بالأقوال، وإنّما نستدلّ بصورةٍ تحليليّةٍ عقليّةٍ على التراث المتوافِر لدينا منهم، عبرَ إلقاء الضّوء وإنجاز التأَمُّل والبحث في سيرتهم بالمنهجيّة الموثّقة والعلميّة القابلة للتّداول والتّواصُل الإنسانيّ[13].
وفي ما يخصّ سيرة الإمام زين العابدينA ودوره في الاستنهاض والاستصلاح الشامل في الأمة، بدايةً يجب الإشارة إلى أنّ الأوضاع الأخلاقيّة والتربويّة في أوساط الحياة البشريّة اليومَ في أنظمة السّلطة وما يجري فيها من أنماط الحُكم والتقنين والقضاء وأدبيّات الحوكمة عمومًا، أو مَيادين العُلوم والمعرفة والفلسفة بوصفها المَجال التَّداوُليّ النفسيّ والتربويّ والثقافيّ في صِناعة الأفكار والنظريّات والمَدارس المَعنيّة بوضع الأُطُر الفكريّة لحركة الإنسان، هي بِرُمّتها مُجمعة على أنّ الأحوالَ جدّ مأساويّة والأوضاع مأزومة والإحباط شاملٌ سائدٌ على الجميع. وهي حالةٌ تُشبه التَّخَبُّطَ والفوضى النّظريّة والعمليّة. وهذا الشرود والضياع الفلسفيّ والفكريّ والإنسانيّ قد أسفر عن انتشار العبثيّة والعدميّة والخيبة في هذه الأوساط.
كما أنّه في حالةٍ ليست ببعيدةٍ عن حالة هذا العصر والزمن، إنّ الرؤية المادّيّة والنّزعة الدُّنيويّة في مرحلة ما بعد السّقيفة، لأسبابٍ سنسعى لإيضاح بعضها في الفصل القادم من الدراسة هذه، قد غَيّبتْ في الأمّة ازدهارَ الرّوح والمعنى الّذي بَرَزَ بقوّةٍ مع الإسلام الّذي كان السّببُ الأَقوى فيه مُرتبطًا بمركزيّة الأخلاق والفضيلة والتقوى في مجمل النّهضة الإسلاميّة في زمنِ حياة النّبيّ الأكرم[14]. وما إن غاب النبيّ حتى عَصَفتْ عواصفُ الفتن والحروب والنّزاعات الشّاملة بجميع مُنجزات الرّسول وهاجتْ وماجتْ أوضاعُ الأُمَّة[15]، فَأسهَمَتْ في إشغال العقول والقلوب عن الحقّ والحقيقة ومَرجعيّاتها الأصليّة. ثم تلاحقت الكوارث والفواجع في فصول من الدّم وانتهاك أعظم حرمات النبيّ الأكرمJ في كربلاء بين يديّ الإمام السجّادA[16] .
فثَقُلَتْ المهمّة والرسالة على عاتق من قدّر الله له أن يقود الأمّة ويستنهض بالدين والسيرة النبويّة من جديد، كما أراد الحسينُA أن تكون هذه الغاية هي الفلسفة الأساسيّة لنهضته التاريخيّة، حيث أعلن: «وأنّي لمْ أخرجْ أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا؛ وإنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمّة جدّي، أريدُ أنْ آمرَ بالمعروفِ وأنْهى عن المُنكر، وأسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي».
وخلاصة الفكرة هي أنّ الإمامَ الحسينA قد رسّخ بدمه الشريف (طلب الإصلاح)، وأوْصلتْ هذه المطالبة إلى جميع بيوت الأمّة فألقى الحجّة عليهم بأنّ ما يجري فسادٌ وضياعٌ وفجورٌ لا يمكن أن تستمر له المشروعيّة، فأبطل الوضعَ القائمَ على الأمّة، ومن ثمّ، وَضَعَ الخطوط العريضة للاستنقاذ والإصلاح الشّامل فيها عبر مشروعٍ إلهيٍّ عظيم الأهمّيّة، بدأ بإنجازه ابنُه عليّ زين العابدين( عليه السلام)، وأكمَلَه في ثلاثة عقود ونيّف، مِن إمامته حيثُ أفلحَ في زلزلة الضمائر ونفوس الأمة ومَهَّدَ لمجيء الإمام الباقر والصادقC بالجامعة الإسلامية الكبرى في التاريخ الإسلاميّ وترسيخ الإسلام من جديد. قام الإمامُ زينُ العابدينA بتّلبيَةِ نداء أبيه الشّهيد في هذا المطلب المصيريّ الإصلاحيّ، واعتنى بالإصلاح فعلًا؛ إذ قدّمَ الإسلامَ بكامل أبعاده ووجوهه من خلال أعظمِ منظومةٍ معرفيّةٍ في مرحلةِ ما بعد النبيّ، ثمّ عَرَضها على الله تعالى من جديدٍ في صورة أنساقٍ من العبادة والدّعاء، وهذه الحادثة العجيبة لو تعمّقنا فيها لَرَأينا أنّها مِن أعظم الكرامات ضمنَ مُخَطّطات الأئمّة الاستثنائيّة جدًّا، وبرامجهم ورسالاتهم.
مَدخلٌ تَفاعُليٌّ بين التّأريخ والحاضر في الارتداد الأخلاقيّ للمسلمين
إنّ مَسرحَ الحياة العامّة للمسلمين بكلّ شموله وسِعَتِه وبماضيه وحاضره ومستقبله، كان المشهدَ الكلّي لظُهور الإمام السّجّادA وتَبَلوُرِ أدواره المصيريّة؛ لذا لا يمكنُ فصلُ نُهوض الإمام برسالة الإمامة العُظمى في عَصره، عن الاتّجاه العامّ للأمّة بعدَ مجريات العهد الحسينيّ في كربلاء وقبلها.
لونظرنا إلى مَرحلة ما بعد السّقيفة والسّياسات المُعتَمَدة من قِبَل أنظمة السّلطة، مِن استبعاد المراكز الشرعيّة الأولى للقوّة الرّوحية والإيمانية، والمرجعيّات العلميّة والشّرعيّة، لو تأمّلنا في ذلك كلّه بإنصافٍ وموضوعيّةٍ، لتَبَيّن لنا بلا شكّ، كيفَ أنّ مسارًا مُناقضًا لغايات الشرع ومَقاصدِ الرّسالة الإلهيّة سادَ جميعَ ساحات حياة الأمّة في ظِلّ أولويّة السلطة وتقديم الأمر السّياسيّ على كلّ القِيم والمَقاصد الأخلاقيّة الرّشيدة. ولَعَلّ الأهمّ في هذا المسار الانهياريّ كان ما تَمَخَّضتْ عنه تحوّلاتٌ خطيرةٌ جرتْ على الجانب الرّوحيّ والقلبي والإيمانيّ عبرَ إقصاء أهل البيت% بِشَتّى الوسائل، حتى انتهتْ الأوضاعُ المأساويّةُ إلى كارثة كربلاء وفصولها التي يَعجز كلّ بيانٍ ولسانٍ عن وصف أعماق جروحها وآثارها المُدمّرة في مستقبل الأمّة.
لا يمكن ـ تاريخيًّا ـ أن نعزو الأحداثَ الجسيمةَ والانعطافيّةَ الكُبرى إلى التحوّلات السياسية المَقْطَعيّة الجزئيّة. وفي هذا المِضمار، أنْ تَصلَ الأوضاعُ العامّة لدى الخواصّ والعوامّ إلى مُستوى من الانحطاط السّحيق، يَسمحُ بوقوع حَدَثٍ مأساويٍّ بحجم ما وَقَع مع الحسين وأصحابه وذريّته في كربلاء، لا يمكن يوضعُ ذلك كلَّه في خانة قرار مُعاوية باختيار ابنِهِ الفاجر الفاسق يزيد للخلافة ونقضِ اتفاقيّة الصّلح بينَه وبينَ الإمام الحَسَنA[17]. فلا بدّ أن تكون جذور الأزمة أعمق من ذلك كلّه، ويجبُ البحثُ العميق في الأسباب المتفاقمة من الانهيارات الأخلاقيّة والنفسيّة والضّلالات المَعرفيّة في الاتّجاهات الرئيسة من الأمّة[18]. وهذا ما كان الإمام السجّادA مُدركًا واعيًا له بأوضح صورة.
نتحدّث بصراحةٍ عن المنحدر الشديد في الأخلاق في مراحل ما قبل وصول معاوية إلى السلطة وإنجاز الانقلاب الأخلاقي بصورةٍ كاملة[19]، ولنا شواهدنا الحاسمة على ذلك، منها ما تشير إليه بنت النبيّJ، فاطمة الزهراء$ في خطبها، في الوقت المبكّر جدًّا. هي لم تتحدّث عن السياسة والسلطة، ولكنّها فصّلت وبيّنتْ مقاصد القرآن وأهداف الشريعة وغايات الدين التي تعرّضتْ للنكسة الخطيرة بعد النبيّJ.
لكي نفهمَ كنهَ حركة الإمام السجّادA في استعادة الرّوح والأخلاق إلى المجتمع الإسلاميّ علينا فهمُ أنّ الانقلاب الأخلاقيّ والثقافيّ والسياسيّ الأمويّ، على الإسلام في حقيقته لا يمكن إخفاؤه مهما بُذِلتْ الجهود الجبّارة، وحُشِدَت الطاقات من الأنظمة والمُؤَسَّسات وسَدَنَةِ الهَياكِل. وممّا سَعَتْ لأجل طَمْسِه جميعُ الأطراف الّتي تخاف من انكشاف الحقيقة، هو الموقف الشجاع والفاضح في الوقت نفسه، للمفكّر المصريّ أحمد أمين في (فجر الإسلام). نذكر جانبًا ممّا قال في فصل (الفرق الدينيّة) من كتابه دونَ أيّ تغيير: «ولما وليَ عثمان تبرّمَ علِيٌّ وأنصاره، وزادهم تبرّمًا أنّ عثمان -وهو أمويّ- استعان بالأمويّين، فكان أكثر عُمّاله منهم. وكان كاتِبُه وأمينُ سِرِّه مروان بن الحكم الأمويّ. ومروان هذا، وشيعته هَدَموا كلَّ ما بناه الإسلام»[20].
واللافت في الأمر هو أنّ خُطب السّيدة عقيلة بني هاشم زينب الكبرى$، وخُطب الإمام زين العابدينA، في أعقاب الفاجعة، قد كَشفتْ بصورةٍ مُدهشةٍ سافرةٍ مَناشئ الإجرام وجُذُوره الراجعة إلى التلَوُّث النّفسي، واستحواذ الشهوات والغرائز النفسيّة على يزيد وأشياعه. مِن ذلك، ما أشارتْ إليه السيّدة زينبA في مجلس يزيد تاليةً للآية الكريمة: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾[21]. لتُثبتَ ليزيد لعنه الله، أنّ الجرائم الفادحة التي ارتكبها ناتجةٌ عن الانهيار الخلقي، والسقوط النفسيّ، وقَسوة القلب.
بناءً على كلّ ما قيل، إنّ الفحص الغائر عن العِلل الحقيقيّة المُسفِرة عن هذه التّداعيات الجَذريّة يكشف لنا عن مسارٍ انحرافيٍّ شاملٍ في كلّ الاتّجاهات النظريّة والمعرفيّة والعمليّة بسبب إقصاء مَن مَحَلُّه مِن قيادة الأمّة مَحَلُّ القُطبِ مِنَ الرَّحى[22]، وهذا يعني تحييد المرجعيّات الصالحة لاستمراريّة خطّ النّبُوّة وروحِها لِصالح صُعود الاتّجاهات التّدميريّة لِقيم الإسلام وقوّة الأمّة العميقة والمُستدامة[23]. ومعلوم سلفًا أنّ زَعْزَعةَ القطب الذي هو بمنزلة العمود للخيمة في الأمّة، ومركز القوّة والثّقل لها، ستؤدّي إلى وضعيّة اهتزازيّة واضمحلالٍ للأمّة[24]، وأيّ رَحىً دارتْ بلا قطبٍ![25].
على الرّغم من أنّ العودة إلى حرب صفّين لفهم الأسباب العميقة هي خطوةٌ باتجاه تصحيح الاعتقاد بأنّ المشكلة بدأت مع ولاية عهد يزيد وهي مرحلةٌ تحليليّةٌ تدفعنا لمراجعة ما قبل عهد يزيد، غير أنّ الجمود في لحظة صفّين وعدّها النقطة الأساس في الانحراف أيضًا يُوَلّد عَمىً في التحليل الحقيقيّ في رؤية المكوّنات العميقة للانحطاط الحضاريّ الشامل[26]. وعليه كأنّ عهد معاوية كان مرحلةً طبيعيًة في حياة الأمّة!، غير أننا نعلم بالاستناد إلى أمْتَن المصادر التأريخيّة أنّ معاوية الّذي هو الأساس لهذا الانحراف الأعمق والأبعد لحركة الإسلام، هو بنفسه كان نتيجةَ عهدِ ما بعد رحيل النّبيJ[27] .
ذلكَ لأنّ صفّين قد وقعت العام 37 من الهجرة، ومعاوية قد وُلّي الشام العام 18 أو19هـ، أي بعد بضعة أعوام وفاة رسول الله، وكان واليًا هناك ما يُقارب عشرين عامًا قبلَ صفّين. لعلّ الحديثَ قد طالَ قياسًا مع ما يقتضيه المقال هذا، لسببٍ وحيدٍ هو تأكيد أنّ مشكلة الأمّة العميقة والمأساويّة قد بدأتْ في بدايات مرحلة ما بعد وفاة النبيّ الأكرمJ، وليست لحظة صفّين إلّا نتيجة للانقلاب الأخلاقيّ الّذي حصل حينئذ. ولا يمكن فصلُ جميع المراحل اللّاحقة إلى الكارثة الكبرى في كربلاء عن تلك التحوّلات المُبكّرة.
ولا يمكن تجاهلُ هذه الحقيقة المُخيفة بأنّ معاوية منذ اللحظة الأولى من حُكمه على الشّام، أي العام 19 الهجري أوالعام 21هـ، حتى موته قُبَيل كربلاء بعامٍ واحد ــ أي طيلة أربعة عقود من الزمن ــ قد قاد حركةً انقلابيّةً جاهليّةً لتتغلب الشجرة الملعونة على السلالة الهاشميّة وأهل بيت رسول الله منهم بالتحديد[28]. وسيرة الخلفاء وبخاصّة الخليفة الثالث كانت منسجمةً تمامًا مع قوّة معاوية في مَشاريعه الانقلابيّة على الإسلام[29]. وجوهر الفكرة هي أنّ معاوية وكلّ مَشاريعه، مُنذ البداية، ثمّ بعد تأسيسه للمُلك العَضوض وإحكامِ الانقلاب الشّامل على مشروع رسول اللهJ، حتّى ولاية عهد ابنِه يَزيد، قد استماتَ في سبيل إفراغ الإسلام ومَناهجه السياسيّة والمعرفيّة من القيم الأساسيّة والأخلاق المحمّديّة القرآنيّة، ولا ريبَ في أنّ محاولاته الواسعة للقضاء على الروح المعنويّة الإيمانيّة والفلسفة الأساسيّة للبعثة الخاتمة، ما كانت تتمّ وتُنجز إلّا بتدمير البيت النّبويّ وسَحق المرجعيّات الصّالحة للرّسالة المحمّديّة وصولًا إلى وقعة الطفّ الدمويّة.
خلاصة القول: أنّ الإمام زين العابدين السّجّادA لم يكن في مشروعه ما يرتبط بإعادة المشروعيّة للبيت الهاشميّ بوصفه بيتًا أو فصيلًا من قبيلة، وإنّما المقصد الأعلى كان تحقيق الإمامة الأخلاقيّة[30] لاستعادة القيم الروحيّة واستنهاض الأمّة في ضوء مرجعيّة الحقائق الإيمانيّة، وإعادة الاعتبار المرجعيّ للثَّقلين، ووضع حدٍّ للانحطاط المَطلق للمسلمين ومفاهيم الإسلام، وتحقيق ما لأجله نَهَض الحسينُ الشّهيد في كربلاء. وهذا ما صرّح به سيّد الشهداء نَفسُه في رسالته المعروفة إلى أخيه محمَّدٍ المعروفِ بابن الحنفيّة[31]. وهذا ما تَحَقّق بالفعل، كما سَنُبيّن بتفصيلٍ أكثر في هذه الدراسة الموجَزة.
ولا نغفل عن أنّ الخطّ الأمويّ المنحرف الّذي استمرّ العملُ عليه دَؤوبًا طيلةَ ما يُقارب قرنًا من الزّمن في العهد الأمويّ، قد رَسَخَتْ مَعالمُه ومَناهجُه في العقل الإسلاميّ التّأريخيّ، ثُمّ على أساسه قد تَشَكّلتْ هَياكلُ الفكر والعقيدة والفقه والكلام. ولا ننفي أنّ العهد العبّاسي في البدايات قد شهدَ قدرًا مِن التحوّل النّسبيّ تحتَ وطأة زلزال مرحلة ما بعد كربلاء. والمنطلق الأكبر للتحوّل كان مع بُرُوز عهد الإمام السّجّاد ونجاحه الباهر في التّمهيد الحَيَويّ المَصيريّ لحركة الإمامين الباقر والصّادق C بفضل الاستنهاض الأخلاقيّ والعباديّ الشامل له A وذلك في ظروفٍ مُلائمةٍ نسبيًّا بعد الانهيار الأمويّ.
نرجو أن يكون هذا التحليل الموجز التاريخيّ داعمًا لاعتقاد هذه الوَرَقة بأنّ دور الإمام السجّاد كان مصيريًّا جدًّا في تأسيس المسار الصحيح للإسلام عبرَ ترميم جميع التَّشَوّهات المنهجيّة والاعتقادية والسّلوكيّة التي حاول الأمويّون إلصاقَها بعترة النبيّ الأكرم؛ سعيًا منهم لإسقاط مشروعيّتهم وإضعاف مرجعيّتهم المحسومة على لسان النبيّ، واستبدالها بمرجعيّاتٍ بديلةٍ زائفة.
أحزنني، أنّ مستشرقًا مثل إيتان كوهلبرغ[32] اليهوديّ، وهو الصهّيونيّ المتخصّص في تاريخ الشّيعة ومعتقداتهم ومَصادرهم الحديثيّة، من خلالِ تعمّقه في دراسة السيرة العمليّة للإمام وحركته النّاشطة في المسجد الأموي وغيره وحيويّة حركته التواصليّة مع أهل زمانه، يصل إلى القناعة بأنّ للإمام السجّاد الدور التأسيسيّ في الإماميّة صريحًا في قوله: «بعد حادثة كربلاء، رجع الابن المتبقي مِن ذُرّية الحسين (أي زين العابدين) إلى المدينة وبَدَأ مع أصحابه فترةَ القعود. فقد ذَهب هؤلاء إلى أنَّ الأفضلَ هو الانتظار إلى أنْ يُهيّىء اللهُ تعالى زمانًا لِتحقّق تلك الأطراف، وبعدَ انعزالهم عن القيام لِتَسَلُّم الحُكم، بدؤوا بتوسيع نِطاق الدّعوة الدّينيّة في رسالتهم بِقوّة. وبهذا، تمكّنوا مِن تأسيس أساسٍ للإماميّة بِوصفها حركةً مُستقلّةً ومُتمايزةً»[33].
ولكنّنا أمام ضعفٍ تاريخيٍّ مُخيفٍ في أوساط علمائنا ومُؤرّخينا لفهم أدوار الإمام السجّاد المَصيريّة في أنماط تجلّيّات إمامته؛ وهذا، على الرّغمِ من أنّنا لسنا مع المنطق الادّعائي في كتابات إيتان كوهلبرغ ولدينا تحفّظاتٌ كبيرةٌ على نظرته إلى تاريخ الشيعة عُمومًا.
ضرورات المراجعة في آليّات التّقييم والتّحليل في أدوار الإمامة
الّذي يرى في السلطة والحكم ذروة ما يمكن أن يتحقّق على يد الإمام، من الطبيعيّ أن يجعلها المعيار الأساس في تقييم الإمام في إمامته. غير أنّ السلطة والقوّة السياسيّة مهما كانت متينةً وشاملةً ومقتدرةً فإنّها ستضمحلّ وتنهارُ بدون إرادةِ أمّةٍ وراءها وهي لها كاملُ الأهليّة الرّوحيّة في نفسها، وعظيمُ الرّشد والوعيِ في عقلِها، وشديدُ العَزيمة والتصميم في إرادتها، وجميلُ الصّبر والصّمود في مواجهتها للمُعاناة والمَصائب.
عليه فالإمام يقوم برسالته المُلقاة على عاتقه التي تقتضيها ظروفُه المُعَقّدة والمُركّبة الّتي هي عسيرةٌ معالجتُها من جانب ذوي الآفاق الضيّقة؛ لأنّ ضيقَ الأفق وفقدانَ بُعد النظر قد يُوقعنا في تصوّراتٍ ساذجةٍ، ويُورّطُنا في مَسالك من التّحليل لا يُحمد عُقباه. هذه الكلمات وإنْ كان صاحبها الواعي يفترضها ليُفَنّدها في نهاية المطاف، ولكنّها ينفع طرحها لتعميق الوعي الإسلامي تجاه المنهجيّة الصحيحة في مواجهتها: «فهو في مقابِل السِّلّة اختار ذلك السّلوك العبادي الّذي طغَى على مجمل حياته، على الرّغم من حرارة الألم الّتي كانت تراوح قلبه وروحه، ورغم آلاف الذّكريات الأليمة الّتي تجول في خاطره عن كربلاء المفجعة بالدّرجة الّتي جَعلت منه مصوِّرًا حيًّا لتلك الفجائع في كلّ موقفٍ كانت تعرض له فيه ذكرى منها. وهو الّذي كانت تُعرَض عليه الرّايات ويجوب حوله الثّوّار بصولاتهم يمينًا وشمالًا بحثًا عن قاتلي أبيه وهاتكِي حرم جدّه رسول اللهJ، ومروّعي نسائه، ومشتِّتي أولاده، وممزِّقي شمل الإسلام وأتباعه. فرغم كلّ ذلك؛ رغم سَلِّه للسّيف في آونة ألمًا واحتراقًا، ورغم صرخات الثّوّار، وكثرة الرّايات من حوْلِه الطالبة لنفس الحقّ الّذي سَلَّ لأجله السّيف فيتلك الآونة، نجده قد سَلك طريقه الّذي سمِّي به زين العابدين بدل أن يسمّى مثلًا (زين الثّائرِين) من خلال مُقاصّة الجاني، وإقامة الحدّ على المعتدي، وإيقاف المتجرّئ عند حدّه»[34].
استجلاءً لأدوار الإمام السّجادA في إمامته الّتي ظلّتْ فاعلةً حيويّةً للاستنهاض الشّامل الأمّة، لا بدّ من تهميدٍ مَنهجيٍّ يرتبط بِعِلم الإمامة[35]، حيثُ ينبغي الإشارة إلى أنّ تطوّر العقل الكلاميّ الإسلاميّ في سياق التحوّلات العميقة لأبعاد الحضارة الإسلاميّة كافّةً، اقتضى ولا يزال، القيامَ بمُراجعاتٍ حقيقيّةٍ في مسار علم الكلام، وبخاصّةٍ (علمِ الإمامة)، لأجلِ أنْ تستمرّ الصّلاحيّةُ والأهليّةُ الذّاتيّةُ لِمبدأ الإمامةِ ظاهرةً قابلةً للتّمسّك والحَيَويّة والفعّاليّة في حياة المسلمين.
العناية بهذه الأبحاث والقضايا الإشكاليّة مهمّة جدًّا، وإهمالها سبّبَ كثيرًا من المعضلات في علم الإمامة وبيان دورها وفهمها الصحيح. فعلى سبيل المثال لو نظرنا إلى أولويّة السيف في تقييم الإمامة سنجد أنّ كوارث كبيرةً حلّت بالشيعة، وبل بالمسلمين جرّاء المعياريّة السيفيّة في فهم الإمامة وصحّتها وإقامتها. الإمام السجّاد لم يرفع السيف، ولكن الإسلام بقي بجهاده المبارك، والحروب الّتي اندلعتْ دفاعًا لأنّها لم تعتمد على الوعي الصحيح والأرواح التقيّة والنفوس الطاهرة في أغلب الأحيان فهي لم تقلب الأوضاع لصالح الإسلام الأصيل[36].
من هنا، فإنّ طبيعة تَجاربِ الإمامةِ طيلةَ القرون الثّلاثة الأولى في تاريخ المسلمين، تستوجب المُراجَعة في نمط العلاقات وإشكاليّاتها هنا بالتحديد. هذه التجارب كانت في غالبيّتها خارجةً عن لعبة السّلطة وأجهزتها السياسيّة بصورةٍِ مُباشرةٍ، مهتمّةً بها مِن عَلياء سماءِ الإمامة، مُشرفةً عليها. لذلك، وعلى الرّغم من أهمّيّة مُنْجَزات الإمامة مِن داخل تَجارب الحَوْكَمة والسّلطة في بعض النَّماذج الرّاقية والتّاريخيّة للأئمّة % وبالتّحديد في التّجربة العَلَويّة التّاريخيّة في مُمارسة السّلطة والحُكم، غير أنّ ذلك لا يعني أنّ انخراط الإمام في الحكم هو الأهمّ في تَحَقّق الإمامة في الأمّة؛ ذلك لأنّ طبيعةَ الإمامة تَفُوقُ مستوى العمل السّياسيّ المُباشر في داخل الأنظمة السّياسيّة. عليه فإنّ عدم وجود الإمام في الميدان السّياسيّ وتجربة الحُكم لا يعني أنّ شيئًا من الإمامة بسبب ذلك لم يتحقّق بالضّرورة.
نستخلص ممّا ذَكَرنا أنّ مِنظارَ الحَوْكَمة والحُكومَة ومِعياريّتِها في فهم دَور الامامة هو انكماشي انقباضيّ جدًّا، ومِن شأنه أن يَحجُبَ فهمَ الباحث عن الحقيقة في حركة الأئمّة وتقييم آثارِهم وتحليلها[37]، علمًا بأنّه لا مَشروعيّة لأيّ سلطةٍ سياسيّةٍ لا تتوافقُ في أصولها وأسُسِها مع خطوط الإمامة واتجاهها أومقاصدها الّتي بيّنها الأئمّة في صريح معارفهم الكلّيّة. وإنّ هداية مَسار السّياسة والسّلطة والحُكم هي من المَهامّ الرئيسة في قيادة الأمّة وإمامَتِها.
بَيْدَ أنّ ذلك كلّه لا يعنيّ أنّ قرب الإمام- أيّ إمام - من ممارسة السّلطة والحُكم هو من مِلاكات تقييم التَّنَجّز لأمر الإمامة. هذه المقدّمة كانت ضروريّةً في تصحيح بعض المَناهج السّائدة في فهم الإمامة وعلاقتها بالهَياكل السّياسيّة وأجهزة السّلطة إنصافًا لأمر الإمامة، وتصحيحًا لبعض الأحكام الصادرة بِحقّهم %. عليه فَرُبَّ إمامٍ لم يَنخرطْ في أمر الحُكومة والسّلطة السياسيّة بَتاتًا، ولكنّه قد أحْدثَ تَحوّلًا حضاريًّا عميقًا على مُستوى الأمّة لِمَسار الدّول والسّلطات السّياسيّة لِقرونٍ مِن الزّمن، كما حَصَلَ مثل هذا التّحوّل العميق والجذريّ في حركة جميع الأئمّة % وبالذّات في دور الإمام زين العابدين A في إعادة بَوصلة المَعنى والرّوح والاستنهاض التزكويّ والتَّربويّ، وتجديد فلسفة النُّبُوّة في إحياء مَكارم الأخلاق ومِعياريّتها على المستوى السياسيّ، بَل الحضاريّ، دونَ الانخراط في التصدّي السياسيّ المباشر.
وقد استمرّت فعّاليّة البوصلة الأخلاقيّة والصَّحْوَة المَعنويّة الرّوحانيّة في أعماق الأمّة، وإنْ سارت الأنظمةُ الرسميّة خلافًا لها، ففَقَدت بذلك الأخلاقيّةَ والمشروعيّةَ الإلهيّةَ والإنسانيّةَ معًا. وفي هذا السّياق والإشكاليّة نجدُ السّذاجة التحليليّة نفسَها في دراسةِ تجربة الإمام عليA حيثُ ظنَّ بعضُ الباحثين أنّ الإمامA بدأ بالنشاط الحقيقيّ والحاسم بعد التَوَلّي للسلطة، وحينها فقط، قد تمكّنَ من أن يُحدِثَ التّغييرَ الأساسَ في المشهد العامّ؛ اعتقادًا منهم بأنّ الإمامَ قبل ذلك، أي، طيلة العقدين من عمره الشريف بعد وفاة الرّسولJكان قاعدًا.
مَرَدُّ هذا التحليل الضعيف، إلى الفَجْوة المَنهجيّة الكلاميّة غير الصّحيحة نفسها. نعم كان قاعدًا عن مُمارسة الحُكمَ المباشر ولكن قائمًا بالإمامة. فلو دَقّقنا النّظر في أدوار الإمامA في تلك الفترة، أي، ما قبل تَوَلّي الخلافة السياسيّة لرأينا أنّ حجمَ التّحوّل المتحقّق بإمامته العظمى - وغيره كان على سدّة السلطة السياسيّة- لم يكن أقلّ مِن حقبة حُكمه. وإلّا، فما السبب في إجماع الأمة عليه للخِلافة، وهو الإجماع الوحيد على الحكم طيلة القرون الإسلاميّة كلّها؟!
ومن هذا المنطلق، بإمكاننا الحديث عن طائفةٍ كبيرةٍ جدًّا من المَكاسب الاستراتيجيّة والشّاملة والتحوّلات العميقة الّتي تحَقَّقت في إمامة علي بن الحسين السجّادA، رغمَ أنّه كان بعيدًا عن تأدية الأدوار السياسيّة المباشرة. لا شكّ في أنّ تلك المُنجَزات قد وَلَّدَت منعطفاتٍ أساسيّةً في مَسار حركة الأمّة لعقودٍ، بل قرونٍ مَضَتْ بعدَ حياة الإمام. وهو أمرٌ يستوجب إنجازُه وتَبيينُه تخصيصَ فُرصٍ كبيرةٍ للدّراسة والتّحليل التّاريخيّ.
محوريّة البلاء والاستقامة في مشروع الإمام السجّاد التَّربويّ
في حين، كانَ يَغلبُ على الأمّة موقفُ العاطفة والانفعال والتوتّر العميق والشعور بالوخز والألم والانهيار، حيثُ لم يكن أمامَهم غير المُعادلات السّياسيّة والظاهريّة، وما كانوا راغبين في غير الأدوار والوظائف المُلائمة معها في تصوّرهم ضيّق الأفق، وقصير المدى، كان الإمامA ينظر من عَلياء إمامته وسمو رسالته، إلى أبعد الآفاق أزلًا وأبدًا، ويلتفتُ إلى حاكميّة السّنن الإلهيّة الحاسمة والثابتة والجارية على الإنسانيّة كلّها، وعلى مَرّ التاريخ، انطلاقًا من الوعي العميق المتوافر لديه بكينونة الإنسان وكُنْه نفسه وجميع ما عليها من إلهام الفُجور والتّقوى وتجلّيّاتهما التاريخيّة. لتُنفَّذَ إرادتُه[38] وعزمُه بكلّ تسديدٍ وتوفيقٍ، وتُفتَحَ سُبُلُ النّجاة والفلاح للأمّة. من هنا فحركة الإمام ومشاريعه ومُخَطّطاته تختلف في النوعيّة والكمّيّة والمدى عمّا يخطر ببال الإنسان الفاقد لهذه القوّة والإمكانيّة الوجوديّة واستثمارها في الرؤية والشهود. لنلاحظْ طلب الإمام ومسألته بين يدي الله في الرغبة في التأخير والتقديم على غير ما هو الآن عليه ممّا يعكس قوة الإرادة والأمل المفعم والعلم العميق برحمة الله في فضله للتعامل مع البلاء: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى حُسْنِ قَضَائِكَ، وبِمَا صَرَفْتَ عَنِّي مِنْ بَلَائِكَ، فَلَا تَجْعَلْ حَظِّي مِنْ رَحْمَتِكَ مَا عَجَّلْتَ لِي مِنْ عَافِيَتِكَ؛ فَأَكُونَ قَدْ شَقِيتُ بِمَا أَحْبَبْتُ، وسَعِدَ غَيْرِي بِمَا كَرِهْتُ. وإِنْ يَكُنْ مَا ظَلِلْتُ فِيهِ أَوبِتُّ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْعَافِيَةِ بَيْنَ يَدَيْ بَلَاءٍ لَا يَنْقَطِعُ ووِزْرٍ لَا يَرْتَفِعُ، فَقَدِّمْ لِي مَا أَخَّرْتَ، وأَخِّرْ عَنِّي مَا قَدَّمْتَ»[39].
لا نبالغ إذا قلنا إنّ من أوسع الموضوعات والقضايا التي تناولها الإمام في أدعيته ومناجاته مع الله طيلة عمره الشريف كانَ ما لَهُ صلةٌ بِبِناء الإنسان وتَهذيبه وتزكية نَفسه، وتوطينها على الصّبر والاستقامة في أوقات الشّدائد والمِحن في الحياة. هذه المسألة مرتبطةٌ بفلسفة البلاء والابتلاء بوصفها أعظم مِرقاة لكمال الإنسان، وارتقائه بالصّبر والاحتساب إلى أرقى المراتب الكماليّة في الوجود، والوصول إلى أكبر مَقامٍ مِن الرّضوان الإلهيّ بابتلاء اللهِ الإنسانَ بما في صدره وتمحيصهِ بما في قلبه[40]. وهذا ما يُبرّر مكانَتَه الفَذّة ومَركزيّته في مُجمل المنهاج التزكويّ والتربوي للإمام، وتفسيرهِ وتبيينه وتَبَلوُرهِ الشّمُولي الواسِع في سيرته ومضامين كلماته، وفي جميع عباداته. حيثُ لا يمكن تصوّر ارتقاءٍ إنسانيٍّ في الحياة ونحو الكمال إلّا عبَر مستوىً وقدرٍ مِن هذا المسار الابتلائي. عليه فإنّ الأبنية الإنسانيّة كلّها تتأثّر بهذا المبدأ ونمط التعامل معه؛ لذلك نرى أنّ الجهل بالبلاء، والتصرّف الشاكر في مواجهة النعم في رؤية الإمام هو عامل خروج الإنسان من الإنسانيّة واندراجه ضمن البهيميّة، وهو ليس من باب السبّ! وإنّما بيانٌ للمقام الوجوديّ المنحطّ للإنسان في هذا الحال: «والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَو حَبَسَ عَنْ عِبَادِهِ مَعْرِفَةَ حَمْدِهِ عَلَى مَا أَبْلَاهُمْ مِنْ مِنَنِهِ الْمُتَتَابِعَةِ، وأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ، لَتَصَرَّفُوا فِي مِنَنِهِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ، وتَوَسَّعُوا فِي رِزْقِهِ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ. ولَو كَانُوا كَذَلِكَ لَخَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى حَدِّ الْبَهِيمِيَّةِ؛ فَكَانُوا كَمَا وَصَفَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾»[41].
ومن جهةٍ ثانيةٍ، أنّ هذا البلاء العظيم والمُبين[42] الذي بلغ أعلى مرتبةٍ يتخيّلها الإنسان قد تحقّق في حياة الإمام السجّاد نفسه في فاجعة كربلاء. لقد بلغت شدة الابتلاء حدًّا استوجب استحضار أسمى مراتب الصبر والاستقامة على الإطلاق؛ وهو ما تجلّى في شخص الإمام، فهو قد بَلَغَ به مِن المقامات عند الله ما لا يقدر الخاطر على فهمه، بفضل الصّبر على هذا البلاء المُبين بالتعبير القرآني غير المسبوق في التاريخ، والاحتساب عند الله. ومن جهة أخرى بمقتضى كونه إمامًا ولَه رسالةُ هدايةِ الأمّة إلى الاستقامة، قد أنْجَزَ المهمّة عبر تجسيده العمليّ في بياناته الدُّعائيّة المُخَلّدَة والمُنقِذة للبشريّة إلى يوم القيامة لمن أرادَ ذلك.
إنّ الله تعالى لم يرفع عبدًا إلى أيّ مقامٍ من المقامات إلّا بشيءٍ من البلاء والابتلاء. ولا يمكن تخيّل ارتفاع مكانة الإنسان وقيمته إلّا بالابتلاء، في جسده، أو ماله، أو أهلِه، أو موقعيّته الاجتماعيّة، أو بالفَقدِ، أوبالفقرِ، أوبالخوفِ أو بغير ذلك[43]. هذه سُنّة الله الكبرى في الحياة. وقد تحقَّقَ من هذه الابتلاءات ونيل المقامات والكرامات في كربلاء ما لم يتحقَّقْ لأحدٍ من قبل، فكان للصابرين المحتسبين من آل البيت من ذلك ما لم يكن لأيّ أهل بيتٍ وذريّةٍ من قبل.
لا ينجو الإنسان ولا يسعد في الدنيا والآخرة إلّا بفَوزه في مُواجهة الابتلاء؛ لذلك نرى الإمام السجّاد يَمنحُ هذه الفضيلةَ كلّ هذه المركزية، وكأنّ الابتلاء هو قُطبُ الرّحى في المنهجيّة التربويّة الإلهيّة. ولا معنى للعبوديّة والعبادة إلّا بالبلاء والصّبر عليها؛ لأنّ الإنسانَ يُبتلى بالشّريعة والعِبادات، وفي مرحلةٍ معيّنةٍ منها ــ قبل أن تَرسخَ في نفسه ــ وهي البداية قد تستوجب منه صبرًا. ولكلّ مرتبةٍ من العبادة مرتبةٌ من الابتلاء خاصةّ بها دون غيرها. وكلّما كان المؤمن مُتعبّدًا أكثر، فابتلاؤه أعظم.
إنّ آثار البلاء لا تقتصر على الفرد، وإنّما هي تَطالُ المجتمع، والأمة، والحضارة، إذ تُواجه البلايا العُظمى مِن ضغوطٍ وحِصارٍ وعقوباتٍ من قِبل الأعداء، وهي حالاتٌ صَعبةٌ تمرّ على الأمم بجميع أفرادها، وتتطلّب من الأمّة كلها التي ابتليتْ كأمّةٍ أن تكون أمةً صابرةً.
لذلك نرى محوريّةَ الابتلاء في سِيَرِ الأنبياء وقصصهم جميعًا، بَلْ في أصل خلق الإنسان، وكأنّها قضيّةٌ أنطولوجيّةٌ ترتبط بأساس الوجود[44]. ولعلّ إلى هذه البنية الوجوديّة تُشير آيات سورة الإنسان وهي تقدّم هيكليّةً كلّيّةً لجميع مراحل وجود الإنسان وحركته الوجوديّة[45].
ثمّ بعد ذلك تحولّت العباديّة والدّعائيّة في الصّحيفة السجّاديّة، بل في سيرة الإمام السجّادA، إلى أعظم تراثٍ بشريٍّ في بيان أرقى نموذجٍ فلسفيٍّ وعمليٍّ للحياة بناءً على أساس البلاء: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)﴾.
هذه هي الحكاية كلّها، والّذي يُقدّم الصّورة الصّحيحة، والعميقة، والواعية جدًّا عن هذا الابتلاء الإمامA، الذي يضع ذلك في مركز العمليّة التربويّة، ويَخلقُ في الإنسانِ كاملَ الوعيِ والانتباهِ تجاهَ الأمر، وهو المُربّي الحقيقيّ وإمامُ القلوب والنفوس التوّاقة إلى الارتقاء والارتفاع. هذا هو جوهر الصحيفة.
لذلك نلاحظ أنّ الابتلاء الحسينيّ وهو الابتلاء الأعظم للأنبياء والأولياء وخاتم الرسل وأهل بيته وذريّته وجميع أمّته، كلٌّ بمستواه وفي درجته من البلاء العظيم، نلاحظ أنّ الابتلاء الحسينيّ هو روح الصحيفة السّجّاديّة وقطب الرّحى في سيرة سيّد السّاجدين وإمامِ العابدين الّذي استعمَلَهُ أساسًا للبناء الإنسانيّ وإنشاء الأمّة الصّالحة، واضعًا صائغًا لهم الرُّؤى والتصوّرات والأفكارَ والسُّبلَ الصّالحة لذلك، إتمامًا للحجّة:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾.
من جانبٍ آخر، إنّ مشكلة الإنسان منذُ أنْ خَلَقُه الله تعالى كانتْ ضعف العزم والإرادة، وهذا ما سَبَّبَ خَلَلًا في الصّبر[46] والاستقامة أمام البلاء والابتلاء. وهذه هي بداية مصيبة آدمA وبَنيه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾[47].
الإمام السجّاد صانعُ الإرادة والانطولوجيّة الأخلاقيّة للأمّة
إنّ القرآن تطرّق للإرادة بمنظومةٍ كبيرةٍ ومنوّعةٍ من الكلمات، منها العَزْم الّذي لو اشتدّ في الإنسان في تَسلسُلِ مَراتِبِه الوجوديّة لارتفع به إلى الأعلى على بمقدار درجات ذلك العزم. ولو تراخى العزمُ وتَخَلْخَلَ وضعفَ في الإنسان فمن شأنه أن يقلب الموازين عليه، ويسبب له الهبوط من عالمٍ إلى عالمٍ مختلفٍ كليًّا.
وقد أَشَرْنا إلى بعض أبعاد ما يتعلّق بالعزم في مورد علاقته بالبلاء والاستقامة في الفقرات السابقة من المقالة، ولكنّ موضوع الإرادة في هذا المبحث اقتضى الإشارة العابرة إلى هذا الأمر؛ لأنّ الإمام السجّاد قد شَهِدَ أنّ الأمّة قد فقدتْ عزمها لأسبابٍ نفسيّةٍ وخُلُقيّةٍ واسعة الطيف، والإمام أعطى في سيرته العباديّة والدّعائيّة مع الله سبحانه وتعالى كاملَ الأَولويّة في السؤال والطلب لنفسه ولأهله ولأمّته بوصفه إمامًا مسؤولًا عن أمّته أمام الله؛ لأنّ الإمامةَ ليستْ إلّا مسؤوليّة الهداية والإرشاد والتعزيز والإحكام الوجوديّ للإنسان.
إنّنا ولأهمّيّة الموضوع مضطرّون لترديد بيان حقيقة أنّ الإمام السجّادA الّذي كان صاحب مشروع هدايةٍ للأمّة في واقع حياتها نحو النجاة والسعادة، من الطبيعيّ ألّا يكونَ بصدد الولوج في الحوارات الفلسفيّة الإغريقيّة أو اليونانيّة وغيرها حول النّزاعات المفهوميّة. فلا يتحدّثُ عن الحُسنِ والقُبحِ العَقليّ في الأعمال هل هما مؤكّدان أم لا؟ هكذا قضايا نظريّة بحتة ما كانت محلّ اهتمامه، واهتمام أيّ إمامٍ آخر، ولكنّهم لو تعرّضوا للسؤال عن مثل هذه الموضوعات، فسيتفاعلون ويردّون على السؤال طبعًا. بيدَ أنّ التأمّل في أقوالهم وأحوالهم يكشف لنا أنّ هناك كنوزًا معرفيّةً لو بنينا عليها سنجد الحلولَ لجميع هذه التساؤلات.
تَجدُر الإشارةُ إلى أنّنا نلحظ حالاتٍ نادرةً في تناول عنصر(الإرادة)[48] في الدّراسات المنطقيّة والمنهجيّة المعنيّة بتفسير الأخلاق في المباحث الأخلاقيّة التقليديّة، وسطَ قدرٍ هائلٍ من التعاريف والمعاني المطروحة لها في المصادر المرجعيّة؛ إلّا أنّ المسارَ الكلّي للدّراسات الأخلاقيّة تاريخيًّا لم تُركّز بل لم تكن مُشيرةً بوضوحٍ كاملٍ إلى أهمّيّة الإرادة ودورها في الحركة الأخلاقيّة. نعم كانت قضيّة الإرادة مطروقةً في الأبحاث والمسائل الفلسفيّة بكثافة، ولكنّها غابتْ في البحث الأخلاقيّ إلى حدّ كبيرٍ. ولكننا نشاهد أنّ تراث الإمام السجّادA زَخّارٌ بأعظم المُعطيات والحقائق المرتبطة بالإرادة، وعناصر التعزيز والتهوين، أو القوّة والضعف فيها. في المجال الأخلاقيّ وفي ضوء التّجربة الرّوحيّة والسُّلوكيّة لهذا الإمام الهُمام نمتلكُ فلسفةً متكاملةً في الإرادة الّتي لا معنى للأخلاق بدونها.
ولكنّ ما يؤسفنا أنّ هناك غيابًا كلّيًا لمشروع الإمام السّجّادA في أدبيّات المُصلحين[49]، بل في خطابات الفقهاء والمتكلمّين والفلاسفة مِن طُلّاب الإصلاح والتّنوير، بِجميع مَدارسهم، وهذا مِن أهمّ أسباب إخفاقات مَشاريعهم التّجديديّة؛ لأنّ أغلبَ هذه الأطروحات قد ركّزتْ على الجوانب العقليّة[50]، والتصعيدِ ضدّ التراث، أو العِنايةِ به مِن جهة التراثيين، ولكن دونَ الالتفات إلى المَشروع الإصلاحيّ السجّاديّ العظيم والناجح والمُعتمِد على مركزيّة الإصلاح النّفسيّ، وتعزيز البُعد الأنطولوجيّ، وتأصيل المنطق العمليّ، والعلاقة ذات الاتّجاهين بين العلم والاستعمال، لحركة الأمم، ومرجعيّة العلاقة بالله تعالى، والبناء الوجوديّ الإنسانيّ على أساسها[51].
قبل الحديث عن المشاريع الإصلاحيّة وفراغاتها المنهجيّة، لابدّ من القول إنّ الإسلام يرمي إلى البناء الوجودي للإنسان بالأساس، لا إلى شَحنِه بالمعلومات والمُعطيات، من أيّ نوعٍ كانت هذه المعلومات البحتة. وهذه العمليّة البنائية للإنسان، تنطلق من الأساسيّات الأخلاقيّة، أي إنّ المنهج التربويّ الإسلاميّ يعتمد على الرؤية البنائيّة أو التكوينيّة والوجوديّة، وإنّ العنوان الأبرز، والتأسيسيّ لها هو ما يمكن إطلاق كلمة الأخلاق عليها.
وهذا فتحٌ عظيمٌ إنْ في مُراجعة جميع المناهج التقليديّة للمَدارس الإسلاميّة والمذاهب الّتي تفرّعتْ عنها، أو في الفهم عميق والصحيح لمشروع الإمام السجّاد التربويّ، وهو الوعي الأصيل في معرفة نمط شبكة العلاقات التوحيديّة بين جميع المفاهيم المترابطة في أدعية الإمام. سنسعى في الأوراق القادمة، في هذه الفرصة الوجيزة الإشارة إلى بعض الأبعاد لهذه المنهجيّة.
إنّ حالة التدهور والانهيار الحضاريّ التي عمّت العالم الإسلامي قد شَغَلتْ بالَ المُصلحين والمفكّرين من الأمّة منذ قرنين تقريبًا، حيث أدركوا تأخّرهم الحضاريّ والثقافيّ إثر الاحتكاك بالفكر الأوروبيّ والحملات الاستعماريّة. فرغمَ أنّه لم يكن هذا الإدراكُ مجرّد ردّ فعلٍ على الضغوط الخارجيّة، بل نَبعَ مِن تفاعلٍ مُعقّدٍ بين التحدّيات الداخليّة، كالتفكّك السياسيّ، والصّراعات المذهبيّة، وفساد بعض رجال الدّين الّذين سَعَوا لتبرير الاستبداد، غير أنّ ملاحظاتٍ أساسيّةً قد غابت عن بالهم، منها: أنّهم لم يلتفتوا إلى أنّ كلّ أمّةٍ بمنزلة الجسد الواحد لا يمكن البحث عن المعالجة لأمراضها وأسقامها إلّا بعد فهم طبيعتها وما أصابها في تاريخها؛ وأنّ تجاهلَ ذلك والسعيَ لاستيراد الحلول والبدائل العلاجيّة من سياقٍ حضاريٍّ آخر يختلف جوهريًّا مع سياقنا الرُّؤيَويّ الكونيّ الحاضر في كلّ شيءٍ تقريبًا، لن يكون مُجديًا.
إنّ مشاريعهم الإصلاحيّة تخلو كذلك من الوعي العميق بالمنظومة الإسلاميّة الشاملة حول الإنسان والتاريخ والإلهيّأت؛ أي إنّهم حاولوا معالجة حالة الإنسان المؤمن بالرؤية الكونيّة الإلهيّة بمناهج مُتعارضةٍ معها كليًّا، والنتيجة كانت فشلًا بعد فشل، وإخفاقًا بعد إخفاق. وأخيرًا نستغرب فعلًا من التّجاهل الكلّي لأمر الإرادة في المشاريع الإصلاحيّة والتجديديّة تلك، علمًا أنّ عناصر ضعف الإرادة تختلف عن الجانب المعرفيّ والنظري.
الإمام يسدّ جميع مَداخل النّفس أمامَ محاولاتِ الشيطان وقبيلته بتعزيز الإرادة والعبادة ومحبّة الله[52]؛ لأنّ الإرادة الضعيفة تؤدّي بالإنسان بحسب بيان الإمام إلى السقوط في كَيْدِه ومَكايِدِهِ، والثّقة بأمانيه ومواعيده وغروره ومَصايِدِهِ[53].
هكذا نُشاهد مَلاحمَ هائلة الجدّيّة والتصعيديّة والحَماسة بينَ الإنسان والشيطان، قد يُحسَمُ الأمرُ فيها إمّا لصالح الإنسان وإمّا للشيطان الرجيم. وبذلك تأخذ الحياةُ الإنسانيّة شكلَها. وإنْ غَلَبَتْ الحالةُ على العامّةِ من الناس فستَتَّخذُ الأمّةُ برمّتها ذلك الطّابَع الخطير، لأنّ الشيطان يبدوأنّه يتعاملُ حصريًّا مع الأشخاص ولا يتعامل مع الجماعات. ولا يملك القدرةَ على أكثر مِن المُحاولات الإغوائيّة والوَسوَسَة والتّحريض والتّأليب وما إلى ذلك من الاستفزازات[54] الشيطانيّة حسب التعبير القرآني سيكولوجيًّا، ولكن الخطورة بالتحديد تكمن في انهيار الإنسان الفرد؛ لأنّ ذلك سيتسبّب بتداعياتٍ خطيرةٍ وانهياراتٍ وتصدّعاتٍ في أعمدة الأمّة، وتتأثّر مصائر البشريّة بذلك.
معالجة الإرادة السّقيمة والهَشّة تمثّل المحور الأساس وقطب الرحى في منهج الإمام السجّاد وسيرته المُنعكسة في الصّحيفة السجّاديّة. فعّاليّة هذه الطريقة في تغيير الواقع عبر تغيير الإرادة وتعزيزها هي تندرج ضمنَ الرؤية الأنطولوجيّة، والحال أنّ المشاريع الإصلاحيّة بأغلبيتها تركز على الجوانب المعرفيّة والتحليليّة. ولحسن الحظّ هناك لمعاتٌ فكريّةٌ قويةٌ في تأكيد الدلالة الوجوديّة للأخلاق منذ القديم، وهي وإن كانت في بعض جوانبها متأثّرةً بالفلسفات الوافدة ولكنّها نافعةٌ هنا. مثالًا على ذلك تعريف الجرجاني للخُلُق بأنّه «عِبارةٌ عن هَيئةٍ للنَّفسِ راسِخةٍ، تَصدُرُ عنها الأفعالُ بسُهولةٍ ويُسرٍ من غَيرِ حاجةٍ إلى فِكرٍ ورَويَّةٍ، فإنْ كان الصَّادِرُ عنها الأفعالَ الحَسَنةَ كانتِ الهَيئةُ خُلُقًا حَسَنًا، وإنْ كان الصَّادِرُ منها الأفعالَ القَبيحةَ سُمِّيَتِ الهَيئةُ التي هي مَصدَرُ ذلك خُلُقًا سَيِّئًا»[55].
وإنْ اختلفت الكلمات والتعريفات للخُلُق لدى ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق[56]، وكذلك الجاحظ في تهذيب الأخلاق[57]، ولكنّهم جميعًا يؤكّدون فكرة (الحال)، أو(الهيأة) للنّفس، أو (ملكة نفسانيّة)[58] في تعريف الخُلُق. ومع أنّهم هولاء في رؤيتهم لماهيّة الأخلاق يختلفون عن الأشاعرة وأهل الحديث بتوجّهاتهم العقليّة القريبة من الاعتزال، ولكنّ الّذي يهمّنا هنا هو ربط الأخلاق بالخُلُق، ومن ثمّ بناء المفهوم على معنى الوضعيّة الوجوديّة في الإنسان لا على النهج الّذي يعرّفه بعضهم بأنّه: «مَجموعةِ المَبادِئِ والقَواعِدِ المُنَظِّمةِ للسُّلوكِ الإنسانيِّ، التي يُحَدِّدُها الوَحيُ؛ لتَنظيمِ حَياةِ الإنسانِ، وتَحديدِ علاقَتِه بغَيرِه على نَحوٍ يُحَقِّقُ الغايةَ من وُجودِه في هذا العالَمِ على أكمَلِ وَجهٍ». والفضائل والرذائل التي تصدر منه أمرٌ في غاية الأهمّيّة في الرؤية الانطولوجية للأخلاق في دراستنا هذه.
ولعلّ طه عبد الرحمن أصاب في تصوّره لعلاج مشكلة الإرادة برجوعه إلى فكرة الأمانة في الآية الكريمة:﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾[59]. وبذل مساعيَ منهجيّةً كبيرةً جدًّا لبناء نظريّةٍ شاملةٍ حول الفكرة[60]، وسعيه لتوسيع رقعة دلالات الأمانة لتشملَ منظومةً هائلة الحدود، ومتعددة الأبعاد، وصولًا إلى ما يمكن تسميته نظريّة متكاملة تتمحور حول الأمانة، سماها النظريّة الائتمانيّة[61]. وهي ترمي في جوهرها إلى معالجة معضلة الإرادة في الأمّة بعد ما أنفقَ شطر عمره العلميّ في معالجة مشكلة العقل والنظر.
غير أنّ الإمام السجّاد في صَحيفته المعجزة في البيان والتّبيين، في بدايات التاريخ الإسلاميّ قد وَضعَ أعظمَ نَسقٍ مَعرفيٍّ حول الفكرة ذاتها. وفي وقتٍ يتحدّث طه عن فكرة الجانب الاستعمالي، أي ما يتعلّق بالإرادة، وهذا ما نلحظه في أدبيّات الإمامA في أدعيته العميقة والزاخرة بدلالاتٍ هي الأعمق على الإطلاق في التراث المعرفي والحِكميّ القرآني؛ منها قولهA: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَغْبَتِي فِي مَسْأَلَتِي مِثْلَ رَغْبَةِ أَوْلِيَآئِكَ فِي مَسَائِلِهِمْ، وَرَهْبَتِيْ مِثْلَ رَهْبَةِ أَوْلِيَآئِكَ، وَاسْتَعْمِلْنِي فِي مَرْضَاتِكَ، عَمَلًا لاَ أَتْرُكُ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ دِيْنِكَ مَخَافَةَ أَحْد مِنْ خَلْقِكَ»[62]. يضع الإمام معادلةً دقيقةً جدًا تتوازن فيها الحالة النفسيّة الإنسانيّة بين الرغبة والرّهبة. والنتيجة ستكون في تعزيز العمل الصالح المُرْضيّ لله والمُحقّقِ للمصالح العالية للإنسان في أبعد مَدَياتِ مصيره؛ لأنّ الرَّغبة لها خاصّيّة الولاء والاتّساق بالمشيئة الإلهيّة، وكذلك الرّهبة لها دورٌ في الإطار الولائيّ نفسه.
واللافت في السيرة المعرفيّة للإمام حول العقل المُسدّد بالله هو الجانب المنهجيّ في عمليّة العقل ومساره واشتغاله. هناك نظامٌ مفاهيميٌّ محكم الأطراف والأبعاد، يُشكّل هيكليّةً شاملةً لفعّاليّة العقل في الإنسان؛ لأنّ العقل في منطق الإمام ليس كالعقل في منطق الفلاسفة وأهل المنطق. أي إنّ العقل ليس ما يتّصل بالذّهن والمُخّ وما شابههما، وإنّما هو يتفاعل مع الحالة الإيمانيّة التأمليّة الوجوديّة في الإنسان.
هنا تنفع الإشارة إلى بعض العناصر المنهجيّة الإدراكيّة في كلمات الإمام عليه السلام في الطرق الموصلة إلى الفهم الصحيح للنصّ القرآنيّ، مثل عنصر الإنصات المُرشدة إلى المرجعيّة المعرفيّة الإلهيّة، وهو عنصر يفتح الطريقَ أمامَ العقل لتحقّق الاستماع العميق والخالص «وشِفَاءً لِمَنْ أَنْصَتَ بِفَهَمِ التّصْدِیقِ إِلَی اسْتِمَاعِهِ»؛ لأنّ عدم القدرة على الإنصات سيؤدّي إلى تَعْميَةِ العقل؛ بل إصابته بالأمراض والأسقام الإدراكيّة وهذا ما نفهمه من كلمة (الشفاء) كبيانٍ مُجاورٍ مع الإنصات، لينفتح على الحقيقة ويُحقّقَ للنّفس حالةَ اليقين الّتي سَتَقبل الاختبارَ والتّجربةَ العقليّةَ فيما بعدَ مرحلة الاستكشاف للحقائق.
نلاحظ في تسلسل المفاهيم التي يصوغها الإمامُ منظومةً مفاهيميّة هائلة الأهمّيّة تشتغلُ بالتّزامن والتّواصُل والتّفاعُل الشَّبَكي، منها : الرؤية الشّاملة للقراءة «اللّهُمّ إِنّك أَعَنْتَنِي عَلَی خَتْمِ کِتَابِكَ الّذِي أَنْزَلْتَهُ نُورًا»، وقد يكون خَتْمَ القرآن[63] هنا يُمثّل آليّةً تأمّليّةً للتدبّر الشّموليّ في الكتاب وعدم التّعامل معه بالمنهجيّة العِضينيّة وعلى أساس ظاهرة الاقتسام المعرفيّ[64]، كما حذّر من ذلك القرآن وهي ظاهرة تحريفيّة تُسبّب إسقاط الوظيفة المعرفيّة للقرآن في عمليّة التعقّل والتدبّر. عليه فإنّ الختمَ هنا هوبمثابة مرجعيّة القرآن معرفيًّا في مجموعة النصوص الإلهيّة المتتابعة في النزول «وجَعَلْتَهُ مُهَیْمِنًا عَلَی کُلّ کِتَابٍ أَنْزَلْتَهُ»، وتأكيد عنصر الاتّباع في انفتاح أبواب الهداية والعلم، والتخلّي عن الجهل والجهالة تحقيقًا للاستنارة أمام العقل «وجَعَلْتَهُ نُورًا نَهْتَدِي مِنْ ظُلَمِ الضّلَالَةِ والْجَهَالَةِ بِاتّبَاعِهِ».
ونظرة الإمام إلى العلم الصالح والنافع ترتبط بالجانب الاستعمالي له، وهنا نجدنا أمام منهجٍ مختلفٍ في الإبستمولوجيا لا يشبه المعرفة الأرسطية؛ لأنّ الإمام يتحدّث عن العلم الواقعي أو المرتبط بالحقائق العمليّة، والذي يتّصل بالأخلاق والحكمة العمليّة، قائلًا: «وَارْزُقني .. عِلْمًا فِي اسْتِعمَـال»[65]، حيث إنّ الإمامَ يبيّن التواصل المنهجيّ المعرفيّ والواقعيّ بين العلم والاستعمال أو العمل، وأنّ فاعليّة العلم في العمل، وهو مرتبطٌ بالإرادة، هي التي تميّز النافع منه من غير النّافع. لأنّ العبرةُ في مصير الإنسان النهائيّ، بالعلم الّذي يتحقّق في مقام العمل، وهذا ما يشير إليه الإمام ببيانه: «وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَدًا عَنْهُ)[66]، وكذلك: «وَاسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِـكَ فِي أَيَّامِ الْمُهْلَةِ»[67]، هنا نرى بوضوح أنّ الإرادة المتكوّنة من العلم الاستعمالي هي التي تستجيب لمقتضيات الواقع، وتوصلُ إلى الحقيقة، لا العمل البراغماتي ولا العلم الذهنيّ الانتزاعيّ المُجرّد. وأنّ المعرفة المنقطع عن العمل لا تسهم في صياغة الإرادة الإنسانيّة، ولا ينفع في صلاح الحركة الاجتماعيّة بحال.
وخلاصةُ الحديث حولَ العلم والإرادة والتحقّق العمليّ هو أنّ العلمَ الحقيقيّ هو الحاكي عن مُواجهة الإنسان للحقائق العمليّة المتحقّقة الّتي تَدخلُ ضمنَ منطق الاستعمال، ومنه تكتسبُ المتانةَ والإحكامَ المنهجيّ. وإنّ الرؤية المَنظوميّة للأعمال، هي الأساسُ في البنية المَعرفيّة ونَسَقِها وشكلها وهيكليّتها. عليه، يقتضي ذلك التواصل مع الصّالحين، والعمل وفقًا للتّفاعل والتّرابط الإنسانيّ، والتعاملِ العادل في تلك المنظومة العلاقاتيّة مع النّاس، والكِفاح النّفسيّ ضدَّ الانفعالات الباطنيّة الّتي لو انفلتتْ فَسَتفتِكُ بالعلاقات ومنظومة الحياة الاجتماعيّة للإنسان بأكملِها.
كذلك، إنّ التمكّن من إطفاء أَلْسِنةِ النّيران المُشتعلة في العلاقات وإصلاحها، يدعمُ التظافرَ والتشاركَ والتفاعلَ في تجربة الحياة بين مَن هُم في الكتلة الصّالحة مِن المُؤمنين والناس عمومًا، والسعي الدؤوب للمّ الشمل، وضمّ أهل الفرقة، ونشر المعروف مِن النّظام السلوكي لهم، والانتهاج بمنطق التسامح والرحمة واللّينِ، وتجنّب الغلظةِ والفَظاظةِ في الخِطاب والعملِ، وغيرها مِن الخصائص السلوكيّة التي يَصوغُها الإمامُ السجّاد في أدعيته، هي في علاقةٍ تَعامليّةٍ وتَداوُليّةٍ مُركّبةٍ جدًّا بمنزلة المصدر الأساس لِسَوق العقل الإنساني إلى العلم والمعرفة؛ لأنّها متلاصقةٌ بالاستعمال، وتنطلق من أنظمةٍ مفاهيميّةٍ مركّبةٍ تشتغل في صناعة المعنى وصياغة المعرفة الفاعلة.
يا تُرى، إنْ كانَ الدّينُ هو حسن الخلق وألّا تغضب[68]، أَفَليسَ العلم الدينيّ، في أقل تقديرٍ يقتضي علميًّا، العلمَ بكيفيّة التحكّم العمليّ بالعواطف والغرائز والهيجانات النفسيّة؟ ورجوعًا إلى بداية هذا القسم من الفكرة نشهد أنّ الأدب السجّاديّ في النظام المعرفيّ على خلافِ الأعمال الفلسفيّة المألوفة التي لم يلتفت أصحابها بصورةٍ مُركّزةٍ إلى مركزيّة الإرادة في حسم مَصير الأمّة، بل الأمم كلها ـــ إذ انصبّ تركيزهم الكلّي على الجانب العقلي المنفصم عن الاستعمال، في مفاد أطروحاتهم الاستنهاضيّة ـــ لكن الأدب السجّادي كان مبنيًّا على التفاعل التكامليّ بين العلم والاستعمال.
وأغلب الظنّ، أنّ الفصل هذا هو أساس انتشار العَلمَنَة في الفكر العربيّ والإسلاميّ المعاصر بصورة عجيبة؛ لأنّ التدبّر في الآيات الإلهيّة هو المَدخل الأساس لِتحقّق علمٍ يقينيّ يَكتسبُه الإنسانُ بعقله الإيمانيّ بعد مواجهة الحقائق في الخارج المكنونة في الآيات تشريعًا وتكوينًا.
الدعاء والعبادة، قراءةٌ نَسَقيّة في الصّيرورة المُعَمّقة الشّاملة للحياة
لكي ندّعي ونُثبت أنّ العبادةَ والدعاء سلوكٌ إنسانيٌّ عامّ وشاملٌ لجميع أطراف الحياة، ولا يمكن الخروج من إطاره بأيّ حال، وأنّه في الواقع نَمَطٌ كلّيٌّ للحياة وله دورٌ حاسمٌ مصيريٌّ فيها، ولا بدّ من تأصيلٍ مفهوميٍّ للفكرة في سياقاتها القرآنيّة. وبالمناسبة، إنّ هذا الأمر هو مفتاح التّعَمّق في الرّسالة السّجّادية الكُبرى، ولا يمكن فهم الدّور التأريخيّ الحاسم في إمامة عليّ بن الحسين C إلّا مِن هذا المنطلق. بِناءً عليه، فينبغي لنا القيامُ بِمُراجعاتٍ شاملةٍ وعميقةٍ في مفهوم العبادة والدّعاء في النَّسَق المَعرفيّ القرآنيّ برؤيةٍ اجتماعيّةٍ شاملة، لِنَتّخذ بذلك، مدخلًا صالحًا في تناول مَشروع الإمامة المتحقّقة للإمام السّجّاد وآثاره الكلّيّة على مستقبل الأمّة القريب والبعيد حتى الزّمن المُعاصر[69].
بدايةً لا بدّ من القول، إنّ القناعة الصّادقة والشّاملة بأنّ الإيمان بالله تعالى وبأنبيائه الكرام % وبمضامين رسالاتهم السّماويّة واليوم الآخر ومقتضياتها العمليّة والسلوكيّة أو عدم كلّ ذلك والإلحاد فيها، هي أساس هَياكل الأنظمة الثّقافيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والحضاريّة في كل التّاريخ وتطوّراته ومَحَطّاته. في الحقيقة، هي قضيّة تتلاحم مع ما يمكن وصفه بالرّوح التاريخيّة الكلّيّة الشاملة التي أخْضَعَت جميعَ مسارات الحياة الإنسانيّة حتى اليوم.
إنّ الإنسانَ في أيّ مرحلةٍ أو طَورٍ مِن أطوار حياته، وفي أيّ مَشروعٍ مِن خُطَطِه وبَرامجه الاجتماعيّة الحضاريّة، كان ولا يزال مَحكومًا بنتائج مَوقفه من السّنن الكونيّة والإلهيّة إيمانًا متعهّدًا أو إلحادًا جاحدًا. وهذه الفكرة ليست رؤيةً أيديولوجيّةً مغلقةً، وإنّما قراءةٌ موضوعيّةٌ يمكن تعزيزها بأدلّةٍ وبراهين عقليّةٍ وشواهد واقعيّةٍ موضوعيّةٍ من كلّ تطوّرات التاريخ.
والعبادة للّه تعالى هي الكلمةُ المفتاحيّة الحاسمة هنا؛ لأنّها تقتضي انعكاسًا واقعيًّا للتصوّرات والمعتقدات جميعًا، وكذلك الالتزام بها. كما أنّ لها الشموليّة والجامعيّة في تغطية جميع تفاصيل الحياة وفي كلّ المُستويات والحدود. وهذا، معنىً يُرَسّخه القرآنُ الكريم مِن أوّل آياته إلى آخرها. وبالتّالي، فإنّ العبادةَ بالإطار النَّسَقيّ القرآنيّ تَرسمُ لنا خَرائطَ الحياة الشّاملة، وهي بِمنزلة الضّابطة الكلّيّة المَرجعيّة على الفكر والعقل والسّلوك العمليّ.
لا يمكن فهم الدعاء في سعته الوجوديّة والعبادة في شُمولها المطلق إلّا في ضوء الاستيعاب الأشمل للأسماء الحُسنى وانتشارها عبرَ مبدأ الاستخلاف الأسمائي. قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[70]. والأمر يَبدو واضحًا وقابلًا للفهم، بأنّ الإنسانَ في حياته بِجميع مُستوياته الخاصّة والعامّة، والفرديّة والاجتماعيّة على أوسَعِ مَراتب الأمّة، لن يستطيع أن يَتَحرّك ويتصرّفَ خارجَ ثُنائيّة الإيمان بالأسماء والعمل بمقتضاها أو العمل بمخالفتها. هذه خاصّيّة هذه الأسماء؛ لأنّ منطقَ الوجود والكون، وكذلك آليّة اشتغال العالَمين كلّها تتبعُها. وأمّا الإنسانُ ذو الإرادة والاختيار، فيمكنه الإلحادُ والكفرُ بها.
لو ألقينا ضوءًا على كلمات دعاء مكارم الأخلاق، أو بالأحرى لو تَعرّضنا له ولشيءٍ من نفحاته لأدركنا حتمًا أنّ المساحات اللامتناهية التي يغطّي عليها الدعاء، حتى يسعنا أن نَعُدَّه مختزنًا لنظامٍ متكاملٍ للحياة. قبل ذلك علينا أن نُصحّح وعينا وتصوّرنا عن الدعاء؛ لأنّه لا يعني الطلب فحسب، وإنّما السعي لتحقيق الطلب. والواقع أنّ كلّ دعاءٍ صحيحٍ يعتمد على ركنينٍ، ركن الإرادة الإلهيّة في التسديد، وركن آخر هو السعي الإنساني في الاتجاه نفسه؛ لذلك نرى في الطلب والدعاء الإرادتين بالتزامن والتلازم، وإن كانت الإرادة الإلهيّة هي الحاسمة، والإرادة الإنسانيّة هي الشرط في أغلب الحالات، مثل هذه الفقرة من مكارم الأخلاق: «ومَتِّعْنِي بِهُدًى صَالِحٍ لَا أَسْتَبْدِلُ بِهِ، وطَرِيقَةِ حَقٍّ لَا أَزِيغُ عَنْهَا، ونِيَّةِ رُشْدٍ لَا أَشُكُّ فِيهَا»[71]؛ لأنّ الداعيَ ليس فاقدًا للإرادة ولا مجرّد وعاء فارغ يملأه الله تعالى ممّا يرى!
بناءً عليه فحينما يسأل الإمام أن يستعمله الله تعالى بما يسأله غدًا منه، فيقول: «واكْفِنِي مَا يَشْغَلُنِي الِاهْتِمَامُ بِهِ، واسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَدًا عَنْهُ، واسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَنِي لَهُ، وأَغْنِنِي وأَوْسِعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِكَ، ولَا تَفْتِنِّي بِالنَّظَرِ، وأَعِزَّنِي ولَا تَبْتَلِيَنِّي بِالْكِبْرِ، وعَبِّدْنِي لَكَ ولَا تُفْسِدْ عِبَادَتِي بِالْعُجْبِ، وأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدِيَ الْخَيْرَ ولَا تَمْحَقْهُ بِالْمَنِّ، وهَبْ لِي مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، واعْصِمْنِي مِنَ الْفَخْر»ِ. فهذه الأفعالُ الإلهيّةُ ليستْ مُلغيَةً لإرادة الإنسانِ، بل هي مُسدِّدةٌ لها، ومُهَيّئةٌ لأسبابِها، ولكنّ الجهدَ الإنسانيّ يبقى هو العنصر الواجب والضروريّ مَنطقيًّا. والأهمّ من السّعي هو الإرادة الكاملة والنيّة الصافية والقاطعة لبذل السعي والقيام بالجهد. وهي لازمةٌ لاستجابة الله تعالى.
والخلاصة أنّ مَضامين الصّحيفة السجّاديّة تتحقّق إذا التزمَ المؤمنون والمسلمون بمستلزماتها ومتطلّباتها، وسَعَوا لها ما أمكنهم، وجاهدوا في تحقيقها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
إنّ الدّعاء، هو سرّ الحياة الأكبر، هو القلب من التدين، هو كلمة سر الإيمان، ومن أجمل الأوصاف له هو أن الدعاء مُخّ العبادة. وفي بعض الأحاديث الدّعاء هو العِبادة. ولعلّ الآية الكريمة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[72]، تشير إلى أقوى العلاقات الوجوديّة بين الدّعاء والعبادة. والإمام السجّاد نفسهA ينصّ على هذه العلاقة الذاتيّة بين الدعاء والعبادة في دعائه في وداع شهر رمضان، قائلًا: «وقُلْتَ: ﴿ادْعُونِی أَسْتَجِبْ لَکُمْ، إِنّ الّذِینَ یَسْتَکْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِی سَیَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِینَ﴾، فَسَمّیْتَ دُعاءَكَ عِبَادَةً، وتَرْکَهُ اسْتِکْبَارًا، وتَوَعّدْتَ عَلَی تَرْکِهِ دُخُولَ جَهَنّمَ دَاخِرِینَ»[73].
إنّ مَكانة الدّعاء والمُناجاة مع الله، وعرضِ الفقر والحاجة عليه، وذكره والاتّصال به، بلغتْ مستوىً مِن الرِّفعة والعُلو درجةً دفعتْ أغلبَ علماء الإلهيّات في الإسلام، بل في جميع الدّيانات للاعتقاد بأنّ الدّعاء والعلاقةَ الدُّعائيّة مع الله هما جوهر الدّيانة والتديّن. والدعاء حسبَ تعبير هايلر هو الظاهرة المركزية في الدين[74]. کما قال آخرون في مركزيّة الدّعاء والنّجوى مع الله سبحانَه وتعالى: «إنّ الدعاء في الدّين كالتفكير في الفلسفة»[75]. ولدى أغلب علماء اللّاهوت في الأديان، إنّ لحظةَ انتهاء الدّعاء هي لحظة نهاية الدّين كلّه.
ولعلّك تلتفتُ إلى أنّ سرّ الاعتقاد بِمركزيّة الدّعاء لدى أغلبِ أولئك علماء اللّاهوت في الأديان يعودُ إلى خُلُو تلك الأديان من الشّريعة وعدم اشتمالها على منظومة الحلال والحرام. بَيدَ أنّ ذلك لا يبدو دقيقًا، ولا يرقى إلى مرتبةٍ تُمكّننا من أن نقيّد تلك المساحة العالية والمطلقة للدعاء ومركزيّتها في جميع الرّسالات السّماويّة سواءً كانتْ ذات الشّريعة التّفصيليّة كالإسلام والشّريعة الموسويّة أو غير ذلك. والدّليل على ذلك هو أنّ الدّعاء أو العبادة، كعلاقةٍ شاملةٍ بينَ العبد وربّه، بتلك الصّفات الشّاملة والكلّيّة والمُطلقة والعامّة، هو تعبيرٌ عن الوجود الإنسانيّ. وأنّ المسألةَ الوجوديّة دومًا هي لا تتقيّد بمكانٍ دونَ مكانٍ، أو زمانٍ دونَ زمانٍ، أو مجالٍ دونَ مجالٍ. بناءً على ذلك فإنّ العبادة في عميق معناها وواسعِ مدياتها تحكي إرادةَ الإنسان الكلّيّة التي تغطّي على جميع حيثيّات الحياة، ولا يحجبها شيءٌ عن أن تشتمل عليها الحضارات وسعة الأمم في تقلّباتها التأريخيّة أيضًا.
وممّا ترشدنا إليه الآيات القرآنيّة هو (الرّشد) النّاتج عن السّؤال والدّعاء والعبادة. وهو رشدٌ شاملٌ وجامعٌ للحياة، ولا يمكن إخراج أمرٍ أو ساحةٍ أو مجالٍ مِن هذا السّياق والمجال. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[76]. عليه فالأمّة الراشدة هي الأمّة الداعية والعابدة، وكذلك الحضارة الراشدة والرشيدة هي الحضارة الذاكرة والعابدة والدّاعية. لتكنْ نتيجة ما سبقَ أنّ الدعاء هو تعبيرٌ بليغٌ عن حال المؤمن بالله وجودًا، ولا يُستثنى من ذلك شيٌ مطلقًا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾[77]. ولعلّ الآية هذه هي الأكثرُ دلالةً والأشملُ استيعابًا لكينونة الإنسان في حياته، ووجودِ الهَياكل والبُنى العامّة.
القلب وأحواله (قراءة منهجيّة تربويّة ومعرفيّة)
في مشروع إلهيّات المعرفة والتبصّر والتعقّل، ليس الذّهن له تلك القيمة المركزيّة حتى يكون المنطقُ الأرسطيُّ الصّوريّ هو الملجأ للإنسان التائِق إلى العلم والمعرفة، أو الفلسفات الحداثيّة المعرفيّة والوَضْعيّة، أو (ما بعد الحداثيّات) المعرفيّة، وإنّما القلبُ منهجيًّا هو قطب الرَّحى، وهو الرّكن والأساس المنهجيّ نحو استجلاءِ الحقيقة. لا شكّ في أنّ تأمّلًا عابرًا في الآيات المرتبطة بذلك، سيكشف اللّثام عن هذه القضية.
وسَنرى ولو بصورةٍ جزئيّةٍ هنا، أنّ ما أوْجَزه القرآنُ الكريم في بيان أحوال القلب، قد فَصَّله الإمام زين العابدينA في كُنُوز أَدْعيته ومناجاته مع الله تعالى في أبْعدِ مَدَيات الاتّصال بالقلب وبيان المُقوّمات والمُؤثّرات والمُعقّبات لِما هو عليه في الإنسان. بناءً على ذلك، لا يمكن إنكار حقيقة أنّ آليّات اشتغال القلب من الوجهة القرآنيّة هي تأثّره بالجوارح وصادراتِها، وانفعاله بالجوانح ومضاعفاتِها؛ أي، إنّ إرادة الإنسان الّتي هي وراءَ كلّ ذلك، بالنّهاية ستترك بَصَماتها القويّة وآثارَها الحاسمة على القلب الّذي هو بدوره يَحسِم أمرَ المعرفة والعقل. فمعنى ذلك أنّنا أمامَ شبكةٍ هي بطبيعتها غايةٌ في التركيب والتعقيد البنّاء في مسألة العلم، والمعرفة، والإرادة، وأحوال القلب. وهذه قضيّةٌ أساسيّةٌ لا أثَرَ لها بهذه النّسَقيّة المُركّبة، في غير القرآن الكريم، وأنّ الإمام السجّادA قد فصّلَ ذلك في بيانه في مضامين أدعيته المباركة.
والعجيب في هذا الأمر في القرآن هو علاقة القلب والعقل حيث ينصّ الكتاب الكريم على أنّ العقل من نتاجات القلب السليم، وبقدر ما سلم القلب يُتوقّع أن يكون اشتغال العقل أيضًا سليمًا. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَو آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[78]، مُشيرةً إلى أنّ الإنسان بقلبه يَعقِلُ، وأنَّ مَعقولَه يأتي في شاكلة قَلبه. هذه الحقيقة، فعلًا، مُذهلة جدًّا، ويُمهّدُ لِنظريّاتٍ كثيرةٍ تتّصل بالمعرفيّة الإسلاميّة، وتُثبت أنّ المعرفة العقليّة لها علاقاتٌ واسعةٌ جدًّا بطبيعة القلب، وأنّ آياتِ القلب في القرآن فيها تفصيل لأحواله.
وفي هذا السّياق، نلحظُ أنّ القلبَ المختومَ والمَطبوعَ[79] يعيش الغَفلة واللّاشعور واللّاوعي؛ لذا لا يمكن أن يصدر من القلب المُقفلِ[80] تدبّرٌ مُنتجٌ للعقلانيّة، واستشرافٌ للحقيقة، أو معرفةٌ عميقةٌ ومُطابقةٌ للحقيقة. لنتوقّفْ عند هذه الآية: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[81]. إنّ الغِشاوةَ المذكورة في الآية تُشير إلى العاملِ السّاتِر والحاجب والحائل الّذي يُعيق رؤيةَ القلب وتَبَصّرَه، ويُسفر عن تَوَقّفِه عن أداء دوره وفعّاليّته. وعامل الكفر المذكور في الآية السابقة في السياق نفسه، هو في وظيفته الساترة والغاشية قريب من الغشاوة هنا.
إنّ القرآن الكريم يتحدّث عن عقلٍ يَجمُد ويَجِفُّ في حياته وصيرورته، بانحسار فعّاليّة السّمع، واللّسان والبَصَر. وجمود السمع والبصر أيضًا نابع من مفاسد أخلاقيّة. كيف يمكن للظالم أو المستكبر أو الفاسق والفاجر أن يسمع ويبصر؟ أليست القدرة والقوة والاستغناء تُعمي وتصمّ؟ وهل الطغيانُ[82] يترك مجالًا للسمع والبصر؟
وهذه هي القصّة العظمى للصيرورة السجّاديّة من خلال بسط هذه الحقائق وتبيينها في المسارات التاريخيّة الخاصّة بالناس في تلك الحقب الصعبة؛ لأنّ هذه الآيات وضعت القواعد والأصول والإمام السجادA، ـ كما سنُبيّن من خلال الأمثلة ـ قد ربط كلّ المفاهيم ذات الصلة بعضها ببعض، وأنزلها على أرض الواقع في الحياة في نسق الدعاء، وثياب العبادة الناطقة. لو تعمّقنا في تراث الإمامA لنكتشف أنّ الإمام مفسِّرُ آيات القلب والعقل والفكر، ومُفَصّلها ومُبيّنها بأروع الهياكل البيانيّة. منها الجمع بين القلب والعقل في هذه الفقرة من مناجاة الذاكرين: «إلهي بِكَ هامَت القُلوبُ الوالِهَةُ، وَعَلى مَعرِفَتِكَ جُمِعَتِ العُقولُ المُتَبايِنَةُ، فَلا تَطمَئِنُّ القُلوبُ إلاّ بِذِكرِكَ، وَلا تَسكُنُ النُّفوسُ إلاّ عِندَ رُؤياكَ»، حيث يمكن الالتفات إلى عمق نظرة الإمامA، وهذا ليس بعجيب وهو بينَ يَدَي ربّ العالمين يستنفدُ ما يملكُ مِن عِلْمِه، ولا يُخفي شيئًا مِن الحقّ، وهذه نعمةٌ إلهيّةٌ لا يمكن معرفة كُنْهِها. لنُلاحظ وصف الإمام للقلب في هذا السطر، حيث يبدأ بوصوفه هائمًا، والهيام هنا يَحملُ رسالةً عميقةً عن علاقةٍ أنطولوجيّة بين القلب وهو أصل الرّبط بين الإنسان وربّه سبحانه وتعالى.
هو نمطٌ خاصٌّ من الاتّصال بين الإنسان وخالقه، لا تُشبه طبيعةَ العلاقةِ التي يُنشِئُها الفكر الكلاميّ أو الفقهيّ أو الأخلاقي التقليديّ أو غير ذلك.
إنّ الأنساق العلميّة التوحيديّة التي يقدّمها الإمام السجاد تنطلق من وحي الرّسالة التي ألقاها اللهُ على عاتِقِه كإمام النّاس، حفظًا للنَّسَقيّة المَعرفيّة التّوحيديّة لكتاب الله سبحانه وتعالى وصيانةً لقلوب النّاس وعقولهم ومسارات حياتهم المصيرية، وهذا اتّجاه لن يفكّر به أيّ عارفٍ، وإن تَفَكَّرَ فيه فلا تنسجمُ سيرتُه المعرفيّة والمنهجيّة والنفسيّة مع هذه الرّسالة. وبعض المفكّرين المعاصرين تحدّثوا عن الدّهرانيّة[83] والعلمانيّة والإلحاد وغيرها من المفاسد الكبرى الطارئة على الناس، ولكنّهم لم ولن يتطرّقوا للخطوات المتسلسلة المؤدّية إلى هذه المواقف والأوضاع النظرية والوجوديّة في القلب والعقل والنفس، فلا يمكن في الأدبيّات المعاصرة في مواجهة الآفات العلميّة والعقليّة والعمليّة الرّهان عليها في المعالجة وتقديم البدائل والحلول.
وبالعودة إلى الموضوع، نقول: إنّ هذا العقلَ القرآنيَّ لا يُشبُه العقلَ الّذي تحدّثَ عنه فلاسفة الشرق والغرب. قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾[84]. هذا، أنّ القرآن يتحدّثُ عن عناصر التعقّل بوصفها شؤونًا إيجابيّةً وأفعالًا تَفتحُ الآفاقَ أمامَ الإنسان وقلبه، للانفتاح على الحقيقة. وهذا نقيضُ حالةِ الكفر الّتي تصنعُ الغِشاوة والحجاب، وتُسَبِّب إقفالَ الإمكانيّات الإدراكيّة الإنسانيّة[85] فيصبح الإنسانُ حتى لو كان أكبر فيلسوف بالمعايير المتعارفة للتفلسف، أسيرَ الأوهام والضّلالات؛ لأنّ القرآن الكريم يعزو إقفال القلب والطبع عليه من آثار السلوك السيّئ، مثل الآية: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وکُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِکُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾[86]. إنّ السبب الأساس في تعطيل القلب من الاشتغال السليم هنا يرجع إلى نقض الميثاق والكفر الّذي هو بدوره أكبر نقضٍ للمواثيق الإلهيّة حسب الآيات الأخرى.
لو استثنينا بعض التيّارات الصوفيّة أو العرفانيّة المهتمّة بدراساتٍ إبستمولوجيّةٍ متأمّلةٍ حول القلب وأدواره المعرفيّة، وبالتّحديد، بعض الفلاسفة من المغرب العربي أمثال طه عبد الرّحمن في فلسفته الائتمانيّة والجابري في العقل العرفانيّ الذي أوغل فيه في مشروعه العقل العربي، كلّ بطريقته ومنهاجه، لو استثنينا ذلك بالكاد نرى عنايةً جادّةً بهذا الأمر. بالمقابل، نشهدُ أنّ المنهاج القرآنيّ في نِظامه النَّسَقيّ المَعرفيّ قد تبَلوَرَ في سيرة الإمام السجّاد ومعالمه الروحية والإيمانية العباديّة بصورة كاملة، وأنّ آليّةَ اشتغالِ القلب في أدعية الإمام هي مِن أعظم الأنظمة المَعرفيّة المُتمكّنة مِن استجلاء الحقائق.
تتبيّنُ هذه المهمّة القلبيّة المُركّبة بالتأمّل في مضامين الصحيفة وغيرها من كنوز كلمات الإمامA. انظروا إلى المراحل التي يمرّ بها القلب حتّى يطهرَ ويصبح قادرًا على الاشتغال السّليم: «واجْعَلِ الْقُرْآنَ لَنَا فِي ظُلَمِ اللّیَالِی مُونِسًا، ومِنْ نَزَغَاتِ الشّیْطَانِ وخَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ حَارِسًا، ولِأَقْدَامِنَا عَنْ نَقْلِهَا إِلَی الْمَعَاصِی حَابِسًا، ولِأَلْسِنَتِنَا عَنِ الْخَوْضِ فِی الْبَاطِلِ مِنْ غَیْرِ مَا آفَةٍ مُخْرِسًا، ولِجَوَارِحِنَا عَنِ اقْتِرَافِ الْآثَامِ زَاجِرًا، ولِمَا طَوَتِ الْغَفْلَةُ عَنّا مِنْ تَصَفّحِ الِاعْتِبَارِ نَاشِرًا، حَتّی تُوصِلَ إِلَی قُلُوبِنَا فَهْمَ عَجَائِبِهِ، وزَوَاجِرَ أَمْثَالِهِ الّتِي ضَعُفَتِ الْجِبَالُ الرّوَاسِي عَلَی صَلَابَتِهَا عَنِ احْتِمَالِهِ»[87].
نلاحظ أنّ الإمامA في دعائه لختم القرآن، يُكرّس المرجعيّة النظريّة المعرفيّة والعقليّة والعمليّة والروحيّة النفسية للقرآن الكريم مؤكّدًا الأنسِ بالقرآن بالتّلاوة والتدبّر والتفكّر في آياته بُغيةَ:
دفعِ النزعات الشيطانيّة عن النفس، والمؤثّرة على مسار فاعليّة القلب السليمة.
حراسةِ القلب مِن خطرات الوساوس.
منعِ التورّط العمليّ بالأقدام في ارتكاب المعاصي.
إسكاتِ اللّسان عن الالتهاء والخوض في باطل الحديث مع الناس.
تجنيبِ جميع الجوارح الأخرى من الوقوع في الانحرافات والغيّ.
مواجهةِ الغفلة والبعد عن النسيان.
لا تقتصر الكلمات الدالّة على حركة القلب واشتغاله في التربية والمعرفة على هذه الكلمات، وإنّما هناك فقراتٌ هائلةٌ في العدد كلّها تنصبّ في الاتجاه نفسه، ولكن في نظامٍ من الشبكات المفهوميّة والدلاليّة المنطقيّة في باقي الأدعية. ولعلّ مثال ذلك هو في تبيين عاملٍ مهمٍّ لمواجهة الغفلة التي حذّر الإمام منها هنا في هذه الفقرات المذكورة في موطنٍ آخر من الدعاء، حين الإشارة إلى عوامل متعدّدة لمنع الغفلة: «اللّهُمّ اشْحَنْهُ بِعِبَادَتِنَا إِیّاكَ، وزَیّنْ أَوْقَاتَهُ بِطَاعَتِنَا لَكَ، وأَعِنّا فِي نَهَارِهِ عَلَی صِیَامِهِ، وفِي لَیْلِهِ عَلَی الصّلَاةِ والتّضَرّعِ إِلَیْكَ، والْخُشُوعِ لَكَ، والذّلّةِ بَیْنَ یَدَیْكَ حَتّی لَا یَشْهَدَ نَهَارُهُ عَلَیْنَا بِغَفْلَةٍ، ولَا لَیْلُهُ بِتَفْرِیطٍ»[88]. نلحظُ أنّ الإمام يوجّه الإنسان لكلّ هذه المقدّمات والانتباه لها؛ لأجْلِ تحضير القلب إلى الاشتغال السّليم، وإزالة العَوائق الظّاهريّة والباطنيّة من أمام قدرته على كشف الحقائق، وهي النتيجة النّهائيّة التي يُعبّر الإمامُ عنها بهذه الكلمات البليغة:
حَتّی تُوصِلَ إِلَی قُلُوبِنَا فَهْمَ عَجَائِبِهِ، وزَوَاجِرَ أَمْثَالِهِ الّتِی ضَعُفَتِ الْجِبَالُ الرّوَاسِي عَلَی صَلَابَتِهَا عَنِ احْتِمَالِهِ؛ أي إنّ القلب في عمليّة الاستفهام والاستنطاق والتعقّل في القرآن الكريم سيُخفق في ظلّ الآفات المُشار إليها في الفقرات السّابقة. ذلك أنّ العقلانيّة السّليمة والمعرفة الصّالحة الواقعيّة القادرة على التعامل مع الحقائق، تقتضي منهجيّةً معيّنةً، وخُطُواتٍ باطنيّةً وظاهريّةً تحصينًا للإرادة وتنزيهًا للقلب في حركتها الاكتشافيّة للحقائق. ثمّ في منطقٍ عجيبٍ راسخٍ وثنائيّ الاتّجاه، وبعد ذكر عوائق اشتغال القلب، يستنجد بالقرآن نفسه لتحقيق تلك الخطوات واضعًا خارطة للاستعانة فيها قائلًا: «وأَدِمْ بِالْقُرْآنِ صَلَاحَ ظَاهِرِنَا، واحْجُبْ بِهِ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ عَنْ صِحّةِ ضَمَائِرِنَا، واغْسِلْ بِهِ دَرَنَ قُلُوبِنَا وعَلَائِقَ أَوْزَارِنَا»[89].
هنا لا بدّ من القراءة المعرفيّة والمنهجيّة لمفهوم دَرَنِ القلب للوصول إلى القناعة واليقين بأنّ القلبَ السّقيمَ لن يُولّد إلّا الفكرةَ المَريضة والسّامّة والمُهلكة، ولن يسمح بتعزيز العقل العمليّ، والإرادة المنتجة له، والأخلاق الناتجة عنها، وهي أساس الأفكار والأعمال والهياكل الحياتيّة للإنسان. ومن هنا تنتشرُ ضلالةُ الفكر واعوجاجُ العقلِ وهَشاشَة الإرادة.
جولة في معاني القلب في الصحيفة السجّاديّة[90] تفصح عن أشياء مهمّة تفسيرًا للقرآن الكريم وأدواره الخالدة. حيث نلحظُ في فقرةٍ واحدةٍ منها هذه المعطيات أو العمليّات الستّ الهامّة حول التعامل مع القلب، وهي: تفريغُ القلب لمحبّة الله، وشَغلُ القلب بالذّكر، وإنعاشُ القلب بالخوف، وتقويةُ القلب بالرغبة إلى الله، وإمالةُ القلب إلى الطاعة، والجَري بالقلب في أحبّ سبيل إلى الله، وتذليل القلب بالرغبة فيما عند الله.
إنّ هذه الفقرات تبدو سهلةً وعاديةً لأننا واجهناها من قبل مرارًا وقرأناها في بعض المناسبات أو المجالس، ولكن الواقع غير ذلك؛ لأنّنا قلّما حدث معنا وقرأناها بمنهجيّةٍ معرفيّةٍ وبالتأمّل العقليّ ودرسناها بوصفها خرائط عمليّة تقتضي منّا حركة إرادةٍ منّا للتعامل معها. تصوّروا لوأردنا أن نفهمَ دلالات وأبعاد فِقرة: (وفَرّغْ قَلبي لِمَحَبّتِكَ)، ونَعِيَ كُنْهَ المعنى في (تفريغ القلب)، ودور ذلك في تَحَقّق المحبّة الإلهيّة، ثمّ نُدرك معنى انشغال القلب بغير الله عن الله، أو بالله عن غير الله، كما يأتي في الفقرات اللّاحقة، فنحنُ إلى أيّ قدرٍ كبيرٍ من الجُهد الفكري والعلمي محتاجون؟
هذا هو السّبب في التأكيد المستمرّ في هذه الورقة على أنّ قراءة هذه المَضامين في ضوء رؤيةٍ مَنهجيّةٍ وباتّجاهٍ مَعرفيٍّ وبِتَوَجُّه كلّيّ وهَيكليّ، أمرٌ ضروريّ ومصيريّ جدًّا؛ وأنّ للشّبكة البيانيّة القرآنيّة مَكانتَها المَرجعيّة على جميع التّبيينات الصّادرة من المنابع الأخرى بما فيها السُّنّة وسيرة الأئمّة%. ثمّ نعود إلى المنظومة الكاملة المتفاعلة من المفاهيم والدلالات في مجموع السُنّة والسيرة المذكورة آنفًا لنفهمها في داخلها بالمنهجيّة التأويليّة التبيينيّة نفسها، ولكن في ضوء المرجعيّة المعرفيّة القرآنيّة وصولًا إلى النظريّة المعرفيّة حول موضوعٍ محدّدٍ بأكمل وجه ممكن.
طلب الإمامA في الدعاء الواحد والعشرين، أنْ يُفرّغ الله قلبَه كأولى الخُطُوات باتّجاه الغاية القُصوى؛ لأنّ القلبَ المشغول عن الله لن يكون صالحًا أصلًا لا لكشف الحقائق ولا لمواجهتها بصورةٍ خالصةٍ، ولن يصدر من القلب الغافل إلّا النَّكَد[91] والخُبث، ولا تنعكس فيه حقيقة. عليه، فمنطقيًّا ومنهجيًّا في تَسَلْسُل التّدابير التربويّة ومراتبها يجب الوعي بهذه الحقيقة، والسعيُ لتفريغ القلب بالطرق والآليّات الصالحة لهذه المهمّة التي يتناولها الإمام لاحقًا.
رغم أنّ ما قدّمناه هنا قياسًا مع ما يمكن تقديمه من تراث الإمامA حول القلب وحده في العمليّة التربويّة والتخليقيّة للأمّة ليس إلّا قطرة من بحرٍ زخّارٍ بالمعارف المُمَنهجة والمُنَسّقة غير أنّ الهدف الغائي من ذلك كلّه لم يكن أكثر من إثبات أنّ مشروع الإمامA، هو مشروع استنهاضٍ للقلب، واستثارة للعقل، واستقامة لحضارة الإنسان التائه، والفقير إلى الهداية والرشد، وسطَ خضمّ الضلالات الحضاريّة والفلسفيّة العامّة في كلّ مكان. واستدعاء العقول المعاصرة من قبلِ جميع أهل العلم من مختلفِ الشرائع والرسالات والفلسفات للعودة إلى هذا التراث العميق والحيويّ والاستثنائي لإعمال العقل فيه والتأمّل المنهجيّ في مضامينه والتعامل التفلسفيّ الجادّ مع فقراته وصولًا إلى فلسفةٍ غير مسبوقةٍ للحياة الإنسانيّة وتحقيق السعادة الحقيقيّة.
رسالة الإمام السّجّاد في قيادةِ التحوّلات الرّوحيّة والإيمانيّة الكبرى لاتّجاه الأمّة
تاريخ الأمة الإسلاميّة مُفعَمٌ بالشّخصيّات الروحيّة والعرفاء الرّبانيّين الكُمّل الخُلّص الّذين نَثَروا عَبَق الرّوح والقُرب والمَعنى في أرجاء العالم طيلةَ القرون الماضية. ولهم أعظمُ الأدوار والآثار في نَشر الرّوحانيّة والعشق الإلهيّ، وجذبِ الأرواح والقلوب الوالهة إليه (عزّ وجلّ). ولكنّ تَمَيّزتْ سيرة الإمامِ السّجّادA، ورسالتُه ومَنظومةُ علومِه في ذلك عن غيره بأنّه إمامُ زمانه، وأحدُ الأئمّة من العِترة الطّاهرة المَعصومة الّذين أذْهَبَ اللهُ عنهم الرّجسَ وطَهَّرَهم تطهيرًا، أي إنّ مقاماته الرّوحيّة ومَراتبه الإيمانيّة هي مختصّةٌ به، التي رَتّبَه الله فيها، فلا تتعدّى إلى غيره من النّاس إلّا رَشَحات منها.
ولا يمكنُ مُقارنتُه بغيره في قُربه من الله وعظمة صِلَته به، سبحانه وتعالى. ونحن هنا ننظرُ إلى كلّ هذه الخاصّيّة في شخصيّته بوصفها طاقةً وإمكانيّةً هائلة الأهمّيّة في بناء المناهج الصحيحة في التعامل مع النفس والقلب والعقل والروح والحياة، وصولًا إلى أرقى أنساق الحياة، وأعظم منظومات المعرفة برؤية المنهاج والوجود. عليه، فإنّ الإمام زين العابدينA، هو صاحبُ المرجعيّة الصّالحة والعُليا لحركة الرّوح والمعنى ومَناهج العبادة والتقرّب إليه سُبحانه وتعالى، وبه يُمكن التمييزُ بينَ الحقّ في ذلك، أو الباطل الزائف والموهوم في هذا الاتجاه. إنّهA خبيرُ عَوالِم الأرواح وأكوانِ القلوب، وهو العالمُ بِطُرُق السّماء[92].
الأمّة وأمراض القلوب والإرادات...الإمام السّجّاد مُعاينًا ومُشَخّصًا ومُعالجًا
إنّ تجاهل الإنسان لمُراقبة أعماله وأفكاره يُوَلّد لديه فسادًا كلّيًّا لكينونته ووجوده، فيمتلئ تناقضًا وتَهافُتًا وهو من أسقام العقل أو الإرادة أو كليهما؛ لأنّ استقامةَ الإنسان وُجوديًّا مَنوطةٌ بِمَدى تَفاعلِ سِماته وصِفاته وشُمول تصرّفاته فيما بينها. وعلى الأرجح أنّ مرضَ الإرادة وضعفَها وركودَها وارتخاءَها هو الأساس في فَساد العمل، قياسًا مع مشكلات الأفكار والأنظار.
إنّ قسوةَ القلب على سبيل المثال هي سبب تَلاشي قيمةِ العمل وفقدانِ الاستقامة بِصُورةٍ مُرعبةٍ، رغمَ أنّ الفكرةَ لدى الإنسان في هذه الوضعيّة قد لا تكون فكرةً جاهلةً أو فاقدةً للمعرفة النظريّة، غير أنّ مُشكلة القلبِ تلك، من شأنها أن تُشَتّت الانسجامَ النفسيّ للأفراد؛ فتُعَطّل قُدُراتهم الخاصّة، وتُسقِط فاعليّتهم الإنسانيّ.
وكما أنّ كلّ فضيلةٍ ورذيلةٍ ليست فعّالةً في بناء الخُلُق الإنسانيّ الموحَّد، حسنًا كان أو سيّئًا، إلّا إذا انضمّ بعضها إلى بعض، وأنّ توحيدَ الاتّجاهِ لمنظومة الصّفات في الإنسان وخصائص النّفس فيه هو أساس إصلاحه، كذلك الحالُ في الأمّة المتكوّنة من المسلمين والمؤمنين، لن تَتَشَكّل طبيعتُها واتجاهها الوجوديّ الفعّال ولا تظهرُ قُوّتها إلّا إذا انضمّت الإرادات في أبنائها بعضها إلى بعضٍ، وتوَحّدَتْ نفوسُهم وقلوبُهم وقَويَتْ فيهم الإرادة والعزيمة في ضوء العبادة والدعاء والاستعانة والاتّصال بالله. وهذا ما حَقّقه الإمام بسيرته العطرة.
وبتعبير أوضح، يُمكننا الاعتقادُ بأنّ أنماطَ الأمم وأشكالَها وأنساقَها الحضاريّة هي ليست إلّا انعكاسًا ونتيجةً لطبيعة الحالة الأنفسيّة الإنسانيّة والتكوينة الرؤيويّة الكونيّة والباطنيّة لها. بناءً عليه، فإنّ الحضارة ليست إلّا جزءًا من الصّادرات النّفسيّة الإنسانيّة وتتّسمُ بسماتها بصورةٍ مُطلقة. ولعلّ الآية: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾[93]، إلى هذه الحقيقة تُشير.
ومن هذا المنطلق نقول، إنّهA شهدَ بنفسه وعايشَ هذه الانفصامات والانهيارات كلها في ساحة التَّلَوّث الروحي والنفسيّ والإرادة الرّخوة الّتي تَطَلّبَتْ منه ممارسةَ إمامته المُرتبطة بالواقع المأساويّ لأساس الإسلام والأمّة. ولعلّه إلى هذه المعضلة النّفسيّة أشارَ الشّاعر الشّجاعُ أبو فِراس همّام بن غالب المعروف بالفرزدق في حواره القصير والتاريخيّ والمُدوّيّ مع سيّد الشهداء:
قَالَ: لَقِيَنِي الْحُسَيْنُ A فِي مُنْصَرَفِي مِنَ الْكُوفَةِ،
فَقَالَA: «مَا وَرَاكَ يَا أبَا فِرَاسٍ»؟
قُلْتُ: أَصْدُقُكَ؟
قَالَA: «الصِّدْقَ أُرِيدُ».
قُلْتُ: أَمَّا الْقُلُوبُ فَمَعَكَ، وأَمَّا السُّيُوفُ فَمَعَ بَنِي أُمَيَّةَ، والنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
قَالَA: «مَا أَرَاكَ إِلَّا صَدَقْتَ، النَّاسُ عَبِيدُ الْمَالِ، والدِّينُ لَغْو عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ بِهِ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا لِلِابْتِلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون»[94].
إنّ جانبًا من عظمة مشروع الإمام السّجّاد يكمن في التفاته العميق إلى أنّ ما أدّى إلى تلك الفواجع غير المسبوقة في انهياراتِ ما بعد السّقيفة حتّى واقعة الطّفّ في كربلاء، لم يكن الجهل بالحقيقة بالضرورة[95]، وإنّما السّبب كان خلل الإرادة وفساد القلب ونسيان الله تعالى حين التصرّف والسّلوك. وإلّا، كيف أنّ القلبَ مع الحسين ومنهجِه وخطِّه، ولكنّ السّيفَ الضّارب، أي العمل والإقدام هو مع قاتل الحسين وعدو الله؟! هي حالةُ نفاقٍ وجُبنٍ وهَشاشةِ الإرادة! كانتْ وما تزال، معضلةً أخلاقيةً كبيرةً سَعَى الإمامA بكلّ ما أوتيَ من حكمةٍ وقوّةٍ وعلمٍ وإرادةٍ مُعتمِدًا على الله، إلى معالجتها طيلة ثلاثة عقود من إمامته. والتراث السّجّادي الشافي المهجور في كلّ الأمّة هذه الأيّام هو الدواء لإشكاليّاتنا الكبرى على صعيدِ النّفسِ الهَشّةِ والمُتفكّكة والفاقدةِ للفاعليّة.
ولعلّ بذلك تتجلّى حقيقة الفارق بين رؤيته هذه، وكلّ الّذين كانوا مع رفع السيف والقيام بثورةٍ مُضادّةٍ وفتح معركة؛ لأنّ الإمام علمَ أنّه ما دامت المشكلةُ هي في الإرادة والنفس والقلب، وفي الالتهاء الوجودي العميق بالدنيا، وانحطاط الأخلاق وفسادها في الأمّة، فلن تنجح أيّ حركةٍ إلّا بالاستنهاض الروحيّ، واستعادة القيم الأخلاقيّة، وتعزيز علاقة الإنسان بالله تعالى. تَوَلّى الإمام هذه المهمّة مُلتفتًا إلى حال الأمّة بعد مجازر إجراميّة بحقّ البيت النبوّي الكريم منذ الساعات الأولى من وفاة النبيJ حتى الذي شاهده بأمّ عينيه في كربلاء!
لم يكن الإمامA معزولًا عن الأمّة، غائبًا عن الأنظار، مشغولًا بالعبادة كعادة بعض العرفاء أو أقطاب الصوفيّة، وإنّما كان طبيبًا هزّ الضمائر واستنقذها من الضّلال والسُّبات، ومَهَّدَ لتَحَوّلٍ عميقٍ وشاملٍ لأبرز الشخصيّات[96]، وعلى صلةٍ بالأمّة، ناشرًا فيهم وصْفاته العلاجيّة الناجعة التي وإن تأخّرت المَظاهر والتّجلّيّات المُعلَنة، ولكنّه قد أحدَثت الثورةُ الرّوحيّةُ والعباديّةُ والإيمانيّةُ السّجّاديّةُ ما يُشبه الانقلابَ الكلّيّ في أحوال الأمّة. وقلبت الأوضاعَ بشكلٍ واسع، وظهرتْ آثارُها العميقة بظهور الإمامين الباقر والصّادقC فيما بعد، نتيجةً قطعيّةً مباشرةً لِنهضته الاستنقاذيّة الخالدة.
ومن أهمّ منجزات الإمام الرّساليّة كانت استعادة الضّابط الأخلاقيّ والإيمانيّ في حركة الإنسان المُسلم بقطع النّظر عن مَجالِه في الاشتغالِ والفاعليّة، وأنّ الصحيفة السّجّاديّة بمنطقها ومدلولاتها الشاملة للنظر والعمل لا تسمح بالخلط والخبط والتشويه لِوُضوح الرّشد والغيّ في تعاليمها.
في هذا السّياق، كان الهدف الرئيس للدّراسة تسليط الضوء على الإمامة الأخلاقيّة للإمام السجّادA ومشروعه في استعادة القيم الروحيّة، وإعادة الاعتبار لمرجعية القرآن والعترة، ووقف التدهور الأخلاقي العامّ، مُحقّقًا بذلك أهدافَ النّهضة الحسينيّة. ويؤكّد البحثُ أنّ الإمامA كان إمامًا للأمّة والمجتمع، له رسالة تبيينٍ عميقةٍ للنّظام المَعرفيّ والقيميّ والاجتماعيّ، وقيادة الأمّة وهدايتها إلى النّجاة والفلاح. تعتمد المنهجيّة على تحليلٍ نَسَقيّ لمفهومَي العبادة والدّعاء في القرآن الكريم، مع مراجعةٍ تاريخيّةٍ لأسباب الانهيار الأخلاقيّ، وتقديم تحليلٍ لدور الإمام السجّاد في علاج هذه الأمراض الروحية، إذ أحدَثَ تحوّلًا حضاريًّا عميقًا عبر قيادته الروحية والعباديّة، وعَبَرَ بالأمّة من عصر ما بعد السّقيفة حتى واقعة الطّف إلى مرحلة التخلّص من المشروع الأمويّ وإنهاء مشروعيّته، تمهيدًا للانتقال إلى فترة ما بعد الأمويّة والهدوء الاستراتيجيّ لاسترجاع الإسلام الأصيل، واستئناف عصر النُّهوض العلميّ الإسلاميّ، والتأصيل المعرفيّ والعمليّ الّذي قام به الإمامان الباقرُ والصّادقُC، ما أحدثَ انقلابًا كلّيًّا في الأوضاع. ذلك كلّه، مِن خلال استعادة الروح ومعياريّتها، واستنهاض الأمّة أخلاقيًّا.
المديات اللّامتناهية في رُؤية الإمام السّجّاد المستقبليّة وتسخيرها للإصلاح
لا يتوفّرُ لدينا هنا في هذه الفرصة الوجيزة مَجالٌ لكي نفتحَ الحديثَ عن هذا الأمر الخطير؛ أي، آفاق الإمام وحركته التاريخيّة ومَدَياتها البعيدة جدًّا في ضوء نِظامٍ هائلِ الأهمّيّة مِن المفاهيم المرتبطة، كعلم الإمام[97] ووعيه المُتعالي لضبط الزّمان والمكان، والتحكّم بالتحوّلات فيهما أزلًا وأبدًا. ولا نقصد بالرّؤية الأبديّة والأزليّة الولوجَ في النّقاشات الكلاميّة حولَ طبيعة عِلم الإمام، ولكن الكلام هذا يَرمي إلى تأكيد مبدأ السّير العقليّ والشهوديّ لحركة السُّنَن التاريخيّة أزلًا، والمُضيّ في وعي المستقبل في ضوئها أبدًا. والأزليّة الأبديّة هنا هي تتبلور في الحركة الإنسانيّة؛ أي، ما يتعلّق بِسُنن الله الثابتة في تاريخ الإنسانيّة مُنذ الأوّل حتّى اليوم. والمرجعيّة المَعرفيّة الأساسيّة هنا تنطلق مِن الفهم الكونيّ الشّموليّ للقصص القرآنيّة الحاكية لهذه السُّنن الأزليّة والأبديّة الجارية بلا منازعة.
من هذا المنطلق الخطير بالذات، لا بدّ من تأكيد أنّ حدود نظرة الإمام السجّاد في انخراطه الكلّيّ في مشروع الإمامة، تنبعثُ من شعوره الوجوديّ بهذه السُنن من جهة، والقيام بتحقيق رسالته الإماميّة الإلهيّة في ضوئها من جهة أخرى. هذه الرؤية الكونيّة للإمام تُميّز سيرته العمليّة وتفاسيره النظرية الوصفية للحقائق عن جميع الاستراتيجيين في كلّ زمانٍ على مدار التاريخ، وهذا ليس من منطلق التوجّه الأيديولوجي القداسي، وإنّما نقوله من بعد التأمّل العقلي وتحليل حركته.
الرؤية الحداثيّة الضيّقة وأوهام الفلسفات الإنسانويّة التابعة لها تَسجن الوعيَ الإنسانيّ في أضيق نطاقٍ مُختنقٍ، فاصلةً إيّاه عن مسار السُّنن الوجوديّة، بقطع النظر عن التسميات أو العناوين الميتافيزيقيّة الّتي تُطلَقُ عليها. إنّ علم الإمام في فهمه للظواهر الكونيّة في المسارات الإنسانيّة قد ينبع عن مصادر غيبيّة، ولكنها بمحضِ تبلورها وتحققها في التاريخ تصبح في متناول العقل البشري المتعارف، وتصير مضامين معرفيّةً قابلةً للتعليم والتربية والمادة الاستعماليّة في علوم الإدارة والقيادة، وتكون مرجعيّةً لما يُسمّى بالبصيرة أو فِراسة المؤمن أو الحدس، وما شابهها.
إنّ الإمامة لطبيعة رسالتها تنطلق في العالميّة والكونيّة، وهي مفاهيم باتت اليوم للإنسان المعاصر أمرًا مفهومًا، تصبو إليها القوى العالميّة بآلياتها الخاصة، إذن، لا يمكن عدّها أمورًا غيبيّةً محضةً طبعًا. ولأسبابٍ يطول شرحها وتبيينها هنا، لا يمكن مقارنة عالميّة حركة الأنبياء والأئمّة الإلهيّين بمشاريع العولمة والفهم الفلسفي الوضعي لها، ولكنّ للتذكير بأنّ هذه الكلمات اليوم باتت في المجال التداوليّ الفكري للبشريّة.
ونحن اليوم بأشدّ الحاجة إلى قراءة الاستنهاض السجّادي الكونيّ ومنطق اتجاهه ومناهج حراكه في التاريخ لكي نعتبر منه، ونعتمد عليه في فهمنا للمستقبل في هذا الإطار. هذا أمرٌ مُلحٌّ يجب علينا الالتفات إليه إذا ما كانت الطموحات لدينا تتطلّع نحو الفعاليّة الحضاريّة؛ لأنّ الاتّجاه الحضاريّ لصيقُ الصلة بهذا المدى البعيد في فهم حركة الكون والعالم والكائن الإنساني.
تكتسب دراسة المنهجيّات الرّوحيّة في بِناء الحضارات الإسلاميّة أهمّيّةً بالغةً، خاصّةً في ظلّ التحدّيات المُعاصرة التي تُواجه الأمّة. ففي عصرٍ يتّسم بالتحوّلات السريعة والتعقيدات المُتزايدة، يُصبح استلهامُ النّماذج التاريخيّة الّتي نجحتْ في تجاوز فترات الانحطاط المجتمعيّ أمرًا حيويًّا؛ لذلك، من الضروريّ اليوم تقديمُ تحليلٍ مُعمَّق للمنهجيّة الروحيّة للإمام السجّاد كنموذجٍ فريدٍ للقيادة والإصلاح في أوقات الشدّة، مع التركيز على الجوانب الدُّعائيّة والعباديّة الّتي غالبًا ما تُفصل عن سياق البناء الحضاريّ.
تَكمن أهمّيّة هذه الرؤية في قدرتها على سدّ الفَجوة المُتصوَّرة بين المَساعي الروحيّة والمَساعي الحضاريّة، مِن خلال التركيز على الإمام السجّاد، الّذي عاش في فترة قمعٍ سياسيٍّ شديد، لإثبات أنّ المُمارسات الروحيّة العباديّة الدّعائيّة للإمام، لم تكن تراجعًا عن الانخراط المجتمعيّ، بل كانت المنهجيّة الأساسيّة والفاعلة للحفاظ على القيم الأساسية للإلهيّات ومساراتها الحضاريّة وإعادة بنائها بعد ما باتت على مَهَبّ عواصف الأهواء والشهوات والنسيان الكلّي في الأمة في مرحلة ما بعد السقيفة حتى كربلاء.
إنّ هذا التحوّل في الفهم يُعزّز فكرةَ أنّ نهضة المعنوية المرتكزة على إلهيّات المعنى والارتقاء بالروح والنفس، يمكن أن تكون قوةً دافعةً نَشِطةً، وليست سلبيّةً، للتغيير المجتمعي نحو البناء الحضاري العالميّ للأمّة. فالتّحدّي الأبرز الذي يواجِهُ المسلمين اليوم كما سبق ذكره أكثر من مرّة هو هَشاشة الإرادة، وغيابُ البُعد الروحيّ والأخلاقيّ في الحياة، وأنّ الالتزام بمدونة الأخلاق هو أحد أقوى الوسائل للتغلّب على هذه المشكلة.
إنّ منهجيّة الإمام السجّاد، التي تطوّرت في فترة انهيارٍ مُجتمعيٍّ حادّ، تُقدّم سابقةً تاريخيّةً لمعالجة القضايا المُعاصرة المُماثلة، مِن التفكّك، والانحلال الأخلاقيّ، والقمع السياسيّ. ولأنّ وجود جوهرٍ روحيّ وأخلاقيّ قويّ، كما يتجلّى في سيرة الإمام السجّاد، يُؤدّي إلى تحقّق الاستخلاف الأسمائي في حياة الإنسان والتماسك الاجتماعيّ، والمرونة المتسامحة (ضمن النّسق المُحكم الصّارم السُّننيّ)، والتزكية الحضاريّة الشاملة.
كلّ السِّمات الكارثيّة الّتي تبلورت في عصر الإمام وهو تولّى للتصدّي لها بالرؤية الّتي سبق وسَعَينا لإلقاء ضوءٍ عليها وتفسير معالمها، هي حاضرة اليومَ أيضًا؛ فكما كانت تلك البرهة الزمنيّة مُتّسِمةً بانهيارٍ عقائديٍّ وأخلاقيٍّ واسعِ النطاق، وابتعادِ النّاس عن الدّين بسبب سياسات الحكم الأمويّ التضليليّة. وكما تورّط الناس وبخاصّة النخب والطبقات النافذة منهم في مشاريع الفساد والمداهنة والمجاراة مع الجرائم أو الصمت عن مهمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك العصور، بسبب هشاشة الإرادة والتوغلّ في المادّة ولذائذ الدنيا، وفقَ ما وَصَفها سيّد الشهداء في خطبه مرارًا، كذلك اليوم طابقَ النعل بالنعل، بالكاد نجد فارقًا جوهريًّا بين الأمس واليوم!
وكذلك، لقد عملتْ الدولةُ الأمويّة على تقويض روح الإسلام وقيمه السامية، وونشرِ الفساد، وقمع المعارضة بشكلٍ منهجيٍّ، وتجلّتْ آليّاتها وأدواتها التدميريّة في عدّة جوانب، كتسخير الطبقات العُليا من المتنفّذين، مثل الوعّاظ والمُؤسّسات التربويّة والثقافيّة لنشر الأضاليل، وبثّ الكراهيّة ضد المرجعيّات الصالحة، والمواقع المعنيّة بالهداية والإرشاد والتوعية (أهل البيت%)، وخوض حروب المعنى، ومعارك الأفكار والإعلام لتقويض مكانتهم بالتزوير، والتهديد والتطميع، ومعاقبة المُصلحين، وسبّ الرموز الصالحة، وشتمهم ولعنهم على المنصّات الرسميّة، وتسخير الطبقات المترفة في مواكبة الخرائط الشيطانيّة المستهدفة لهم، واستثمار المخططات الاقتصاديّة الرامية لإفقارهم، وممارسة أشدّ العقوبات والحصار ضدّهم و...، كذلك حرفيًّا، وبالتطابُق والتشاكُل نلاحظ اليوم كالأمس هي نفسها تجري في العالم في السياق نفسه، وبالمنطق نفسه في الصراع والمواجهة.
حقّق الإمام السجّاد طيلة ثلاثة عقودٍ من فترة إمامته، بجهاده الفكريّ والأخلاقيّ والعقائديّ[98] مُنجزاتٍ باهرةً جدًّا في الحيلولة دونَ نجاح أنظمة السّلطة في ترسيخ منظومتها الفكريّة والقيميّة البديلة والزائفة مكانَ النظام القرآني. وقد ضمن هذا النّهجُ الربّانيّ للإمام، بقاءَ الفكر الإسلاميّ الأصيل، ومَهّد الطريقَ للأجيال اللّاحقة، كما تَجَلّى ذلك في استمراريّة النّهج الفقهيّ والعِلميّ للأئمّة من بعده بوضوح.
نتعلّم من نهج الإمام أنّ البناء الحضاريّ عمليّةٌ أنفسيّةٌ بالدرجة الأولى، وأنّ السبب الرئيس في انحطاط العمارة الحضاريّة الإسلامية فيما بعد هو الأساس الرّخو، والقابل للانهيار الناتج عن رسوخ اللاأخلاقيّة، وغياب مكارم الأخلاق في سلوك الأمّة. والآية شديدة البلاغة والوضوح في هذا المعنى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[99]. لأنّها صريحةٌ في تبيين العلاقة المنطقيّة الضروريّة بين غيابِ مبدأ التّقوَى وفقدانِ قوّة الإرادة الإنسانيّة ومأساة الانهيار والاضمحلال. وهذه الحقيقة الثابتة المرتبطة بجوهر السنن الإلهيّة في العمل الإنسانيّ والمنهجيّة الراسخة في وجوده تُمَثّل كنهَ حركة الإمامA، وبمنزلة الرّوح لجميع أدعيته وسيرته العطرة.
ومن أهمّ سمات الإمامة في سيرة الإمام السجّاد هي الأفق الأعلى الذي انطلق منه، وهذا ما خلط أوراق السلطة الفاجرة والطاغية؛ لأنّ الطغيان الناتج عن الشعور بالقوة والعظمة الوهميّة (الاستغناء حسب التعبير القرآنيّ) يمنع الارتفاع بالرؤية والنظر. ليست السلطة في تلك الأيّام بل كثير من المُحبّين والموالين اليوم وفي جميع الحقب التاريخيّة لم يلتفتوا إلى هذا التحوّل الاستراتيجيّ لمنطق الإمامة الفاعلة، إذ اعتقدوا أنّ الإمام قد لجأ إلى العبادة والزهد والدعاء لأنّه لم يتمكّن من الوسائل الأخرى، فما بالنا بالأعداء في تلك الظروف؟
غير أنّ الإمام ارتفعَ في منهجه إلى أعلى المراتب، وأبعد المديات حيثُ العبادة والدعاء بأشدّ الأساليب تأثيرًا في أعماق وجدان الأمّة، وأقواها في فعل التحوّل والتغيير، وأذكاها في تحقيق الإصلاح والترميم للانهيارات السابقة، والتأسيس للمراحل المستقبليّة في مسارات الأمّة. حوّل الإمام أعمالَ العبادة الخاصّة ظاهريًّا إلى وسائل قويّة لنقلِ المَبادئ الأيديولوجيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة المُعقّدة، وبالتالي الحفاظ على وعي المجتمع وإعادةِ بنائه في ضوء إعادة الإرادة المُتَهشّمة ومعالجة النفوس المريضة الخاوية. هذا النّهجُ التَكيُّفي في القيادة الإسلاميّة خلالَ الأزمات يُمثّل نموذجًا فريدًا للتعامل مع القمع.
إنّ الأهواء والغرائز تُعيق حركة الإنسان وتُقيّد حريّته تمامًا كالأسلاك الشائكة، ولا يمكن الإقلاع والتحليق، وهذه حقيقةٌ ساريةٌ جاريةٌ في حركة الإنسان في جميع هياكله الاجتماعيّة والحضاريّة، ولا تقتصر على السلوك الصوفيّ المناسكي الفرديّ. والبقاء في هذا الحصار والتقيّد بهذه الأسلاك الشائكة والقيود والأغلال والرضى بها، يحجب جميع إمكانيّات الأمة في التحرر والرشد والكمال. ومهمّة[100] الإمام السجّاد القرآنية تتجلّى في تربية النفس الإنسانيّة للصُّمود أمامَ ضغط هذه الأغلال والسّلاسِل في أفق الأمّة والحضارة أيضًا.
ومن المهمّ إدراك هذه الحقيقة الكبرى وهي أنّ الإمام لم يترك حركةً تخريبيّةً تحريفيّةً تشويهيّةً أمويّةً في طمس حقيقة من الحقائق إلّا وقد قام بإحباطها وإبطالها ونزع الشرعيّة المنهجيّة عنها وتعريتها في مضامين أدعيته، واستئنافِ التأسيس لها قرآنيًّا وفقَ السيرة المعارفيّة النبويّة الصحيحة. بناءً على ذلك، إنّنا لو تأمّلنا في تاريخ المَعارك الفكريّة والثقافيّة والأخلاقيّة في حقبة ما بعد السقيفة من جانب الأنظمة المتسلّطة حتى عصرِ يزيد والذي كان الذّروة في هذا المشروع التدنيسيّ معتمدًا على العقود السابقة والعهود التبريريّة الخالية، وكلّ تلك الأساليب والأدوات التي يتطلّبُ شرحُها وبيانُها، وضعَ مؤلّفات مستقلّة، ثم عدنا إلى مَضامين الأدعية والعبادات في سيرة الإمام ونظرنا إليها من هذه الزاوية وبهذه الخلفيّة، لوجدنا بالقطع واليقين، أنّ الإمام قد نَهَضَ بعمليّةٍ تصحيحيّةٍ لها جميعًا بأرقى مَناهج المُعالجة والإصلاح العميق والأبديّ غير القابل للخلخلة والفَساد[101]. ولو أدرك صُنّاع التفاسير الأموية للإسلام ما في داخل الصحيفة السجّاديّة مِن ثورةٍ عارمةٍ معرفيّةٍ وثقافيّةٍ استنهاضيّةٍ ضدَّ الإسلام الأمويّ، ما تركوا لها ورقةً، وما بقيتْ منها نسخةٌ. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[102].
فهرس المصادر
أحمد أمين، فجر الإسلام، نسخة إلكترونية (ملكية عامة)، مؤسسة هنداوي، 2012م.
ابن العربي، محيي الدين، التدبيرات الإلهية، دار الثقافة، 2015م.
ابن درّاز، محمد بن عبد الله، دستور الأخلاق في القرآن، مؤسسة الرسالة، ط10، 1418هـ/1998م.
_________، كلمات في مبادئ علم الأخلاق، نسخة إلكترونية (ملكية عامة)، مؤسسة هنداوي، 2021م.
ابن نبي، مالك، الظاهرة القرآنية، دمشق، دار الفكر المعاصر، 1987م.
_________، القضايا الكبرى، دمشق، دار الفكر، 2009م.
_________، شروط النهضة، دمشق، دار الفكر، 2001م.
_________، فكرة الإفريقية الآسيوية، دمشق، دار الفكر المعاصر، 2009م.
_________، في مهبّ المعركة، دمشق، دار الفكر، 2006م.
_________، مشكلات الحضارة: شروط النهضة، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 2011م.
_________، مشكلات الحضارة: تأملات، دمشق، دار الفكر، 2019م.
_________، وجهة العالم الإسلامي، دمشق، دار الفكر، 2002م.
ابن كثير، عبد الحيّ (أبو الفلاح)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، بيروت، دار ابن كثير، 1406هـ.
إبراهيم بن علي الشيرازي، طبقات الفقهاء، بيروت، دار الرائد العربي، 1970م.
إيتان كوهلبرغ، الشيعة الأوائل في التاريخ والدراسات، ترجمة ونقد: رضا ياري نيا، وسيد مصطفى مطهري، مجلة دراسات استشراقية، ع2، 2014م، ص214.
الجرجاني، علي بن محمد الشريف، التعريفات، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1403هـ.
الجلالي، محمد رضا، جهاد الإمام السجاد زين العابدين، قم، دار الحديث، 1418هـ.
الحسّون، علاء، معارف الصحيفة السجادية، الناشر: المؤلف، موقع المؤلف.
حفني، حامد داود، الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام، القاهرة، مطبعة دار المعلم، ط2، 1398هـ/1978م.
الخطيب، معتز، «آيات الأخلاق: سؤال الأخلاق عند المفسرين»، Journal of Islamic Ethics، مج2، ع1-2، 2018م، ص83–121.
الخوارزمي، مقتل الحسين، (د.ن، د.ت).
الزعيم (المقريزي)، تقي الدين، النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم، تحقيق: حسن مؤنس، القاهرة، دار المعارف، 1988م.
السعيدي، أمين حبيب، الوجيز في سلوكيات شيخ المدينة (علي بن الحسين)، المجمع العالمي لأهل البيت، 1390هـ
طه عبد الرحمن، بؤس الدهرانية، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014م.
_________، ثغور المرابطة، الرباط، منشورات مركز مغارب، 2018م.
_________، روح الدين، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2012م.
_________، شرود ما بعد الدهرانية، بيروت، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2016م.
_________، المفاهيم الأخلاقية بين الائتمانية والعلمانية، الرباط، دار الأمان، 2021م.
العجلي، أحمد بن عبد الله، معرفة الثقات، المدينة المنورة، مكتبة الدار، 1405هـ.
قرباني، هاشم، «واكاوي تصوير سازي ملاصدرا از أخلاق»، مجلة حكمت صدرائية، ع1، 1400هـ.ش، ص11–23.
القرشي، باقر شريف، حياة الإمام زين العابدين، بيروت، دار الأضواء، 2015م.
ليبوفتسكي، جيل، أفول الواجب: الأخلاق غير المؤلمة للأزمنة الديمقراطية الجديدة، ترجمة: البشير عصام المراكشي، بيروت، مركز نماء، 2018م.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1414هـ.
مسكويه، أحمد بن محمد، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، لندن، مؤسسة هنداوي، 2017م.
الملكاوي، فتحي حسن، منهجية التكامل المعرفي: مقدمات في المنهجية الإسلامية، الأردن، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2012م.
هايلر، فردريش، نيایش، ترجمة: شهاب الدين عباسي، طهران، نشر ني، 1391هـ.ش.
اليعقوبي، أحمد بن إسحاق، تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر، 1981م.
نورة بوحناش، “ما بعد الأخلاق وما بعد الفضيلة”، مجلة الاستغراب، ع33، شتاء 2024م.
[1] على نقيض من أوهام الميتا أخلاقيين! أي القائلين بأن عصر الأخلاق قد انتهى بلا رجعة! ولا فائدة من الحديث عن الأخلاق إلّا في حقل التحليل الفلسفي في لغة الأخلاق وفهمها؛ لأنّه تَخَيّلوا أنّ الأخلاق غدتْ مسألة شعورٍ بالاستحسان أوالاستهجان، أي هي أصبحت قضيّة رغبةٍ، ولا ترقى إلى أن تكون حقلًا علميًّا معرفيًّا يمتلك أنموذجه النسقيّ؛ بوحناش، نورة، ما بعد الأخلاق وما بعد الفضيلة، ص105.
بعكس هذا التصور الباهت، نلحظ أنّ الإمام السجّادA يبيّن منظومةً واسعة الأبعاد وقابلةً للاختبار والتجربة من أخلاقيّات الحياة الإنسانيّة ومدياتها الأبعد على جميع الوقائع ودورها الحاسم في صياغة جوهر الحياة، وبل حاكميّتها على عمليّات التشكّل المعرفيّ، وهذا ما يستوجب جهودًا علميةً واسعةً لبيانه.
[2] ويمكن التعبير عن هذا المبدأ بأصالة الفطرة أو الفطرانية الحضاريّة مقابلَ محوريّة الأنانية الإنسانيّة التي ألبسوها بمفهوم الأنسنة واتبعها الطبقات النخبويّة العربيّة والإسلاميّة ذات الاتجاهات التنويريّة.
[3] تكرار تعبير (مركزيّة القلب) فی هذا النّصّ لدلالته على خاصّيّة منهجيّة وأهمّيّة دور القلب بوصفه آليّة اشتغاليّة مترامية الأطراف في الإنسان في ضوء المنهج الواعي في التعامل مع سيرة الإمام السجّادA.
[4] ﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]
[5] ليبوفتسكي، جيل، أفول الواجب.
ومن مقدمة النسخة العربيّة حولَ الكتاب نقرأ: «يسعى الکاتب للإجابة عن أسئلة محوريّة ومركزيّة في هذا الإطار، حيثُ يحاول الإجابةَ عن ماهيّة الازدهار والنشاط الأخلاقيّ، أوبصورة أخرى؛ مناقشة فكرة (العودة إلى الأخلاق)، في مقابل الإكراهات الحديثة الفردانيّة المُضادّة للقيم الأخلاقيّة، وذلك وفقَ فلسفة نقد الحداثة وما بعد الحداثة الّتي يشتغل من خلالها ليبوفتسكي، حيث يتطرّق إلى مفاهيم (عَلمَنة الأخلاق)، وتطوّرات (عصر الخروج من الدّين)، و(المجتمع ما بعد الأخلاقيّ)، بالإضافة لرصد انحسار مفاهيم الواجب الأخلاقيّ وأدوار مُؤسّسات الضّبط الاجتماعيّ التقليديّة نتيجةَ السّياسات النيوليبراليّة».
[6] مع أنّ الإمام السجّادA حينما يقدّم نظامه الحقوقي في الواقع يتحدث عن جانب التكليف أي إنّه يتحدث عن الحقوق التي تقع علينا لآخر، مثل (حق المعلّم عليك)، فإنّ التعبير عنه يبدو أنّه (حقٌّ لي). وهذه ملاحظة مهمّة سنتحدّث عنها في أثناء البحث.
[7] إهمال الواجبات والتكاليف في أيّ مشروعٍ حضاريٍّ سيكون أخطر متاهة لسقوط الحضارات؛ لأنّ الهيكليّة الحضاريّة تقوم على أساس (إنسان الواجبات)، لا (إنسان الحقوق)، وهذا تعبير بالغ الأهمّيّة في أدبيّات النهضوي الجزائريّ وفيلسوف الحضارة، مالك بن نبي. والمبتغى الأصيل هو ذلك الإنسان الذّي يُدركُ مدلول قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة، الآية: 38]. تأييدًا لوعي بن نبيّ لهذه الحقيقة بإمكاننا الالتفات إلى أنّ الإنسان في مبدأ الاستخلاف مسؤول أمام الله، وهذا يتناسب مع الدلالة المركزيّة في مفهوم الأمانة في القرآن التي ألقيتْ على عاتق الإنسان والأمانة تقتضي المسؤوليّة عن المؤتمن عليه. وحملُ الإنسان لها يتلاءم مع مسؤوليّة الإنسان لا مُحقّيّته. صقر، محمود محمد، دراسة في البناء الحضاري، (محنة المسلم مع حضارة عصره)، عبد الرحمن، طه، روح الدين، من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، ص453.
[8] إيحاء إلى مدلول الآية الخامسة من سورة القيامة: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾.
[9] كنموذج لبيان المنعرج الأخلاقيّ في أول الإسلام، يمكن الرجوع إلى، مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، فصل ما بين الحضارتين.
[10] إنّ مصدر هذه المرجعيّة الأخلاقية لا بدّ أن تكونَ من أوسع نطاق لتخليق الإنسان نفسيًّا؛ لأنّ «الأسباب التاريخيّة كلّها تَصدر عن سلوكاتنا وتَنبع من أنفسنا، من مواقفنا حيالَ الأشياء، أعني من إرادتنا في تغيير الأشياء تغييرًا يُحدّد بالضّبط وظيفتَنا الاجتماعيّة، كما رَسمها القرآنُ الكريم في قوله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية 110]، والمعروف في أعمّ صُوره، والمُنكر في أشمل معانيه، يكونان جوهر الأحداث التي تواجهنا يوميًّا كما يكونان لبّ التاريخ. مالك بن نبي، مشكلات الحضارة، ص130.
[11] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ سورة النساء، الآية 82.
[12] ممّا يصرّح به في هذه المناسبة، قوله: «والواقع أنّ هذه المؤلّفات تَذكر لنا باختصارٍ، أوبإفاضةٍ، المبادئ الأخلاقيّة، كما ارتَأَتْها الوثنيّة الإغريقيّة، ثمّ أديان اليهوديّة والمسيحيّة. ولكنّها حينَ تنتهي مِن عرض هذه المراحل الثّلاثة، نجدها تَنقُلنا بغتةً إلى العصور الحديثة، في أوروبا، مُغفلةً كلّ ما يمسّ الدّستور الأخلاقيّ في الإسلام». دراز، محمد عبد الله، دستور الأخلاق في القرآن، ص2.
[13] وهذه المهمّة أبعد من مسألة التبليغ والترويج أوالتفسير التقليديّ، وإنّما تقتضي إنشاء خطابٍ جديدٍ فيه صلاحيات التداول والتواصل العصريّ، وهذا أمرٌ يستوجب إعادة تشكيل الأدب الأخلاقيّ في ضوء المنهجيّة القرآنيّة الشاملة.
[14] يروي مقاتل بن سليمان من أنّه لما نزلت الآية ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإِحْسانِ﴾ بمكّة، قال أبو طالب بن عبدالمطلّب: «يا آل غالب! اتّبعوا محمّدًاJ، تُفلحوا وتَرْشدوا. والله إنّ ابن أخي ليأمُرُكم بمكارم الأخلاق وبالأمر الحسن، ولا يأمرُ إلاّ بحسن الأخلاق. والله لئن كانَ محمّدJ صادقًا أو كاذبًا ما يدعوكم إلّا إلى الخير. فبلغ ذلك الوليد بن المغيرة، فقال: إنْ كان محمّد قاله فنعمَ ما قال، وإنْ كان إلهه قاله فنِعمَ ما قال». مقاتل بن سليمان، تفسير مقاتل بن سليمان، 2/483.
[15] يقول في هذا المضمار أحمد أمين: «ولما وليَ الأمويون الخلافة عادت العصبيّة إلى حالها كما كانت في الجاهليّة، وكان بينهم وبين بني هاشم في الإسلام كالذي كان بينهم في الجاهليّة». أمين، أحمد، فجر الإسلام،فجر الإسلام، ص90.
[16] والغريب ما وصل من هذه الجاهليّة الأمويّة إلى عقل ابن خلدون، حيثُ نرى تقييمه للأحداث الأولى وبالتحديد كارثة كربلاء بالمعايير الجاهليّة ومركزيّة السلطة والهوى في جوهر أفكاره ونظريّاته. راجع المقدّمة، في تحليله لقضية الإمام الحسينA وحكمه على الإمام بالتخطئة في نهضته بدلًا من أن يعي الانقلاب الجوهري الذي قام به الأمويون على كلّ قيم الإسلام وسيرة رسول اللهJ!
[17] عليه فالاعتقاد بأنّ ولايةَ عهد يزيد هي المنعطفُ الأساس في الانحراف، هي خُدعةٌ خفيّةٌ في فهم الحقيقة الكُبرى في الاتجاه الخاطئ؛ لأنّ مَجيء يزيد وجرأةَ معاوية على تسليطه على الأمّة بعد بضعة عقود من وفاة رسول اللهJ هذه الأحداث هي نتيجة لما قبلها، وليست علّةً أساسيّةً للانهيارات والتداعيات اللاحقة.
[18] مالك بن نبي، شروط النّهضة، ص52-56.
[19] عبد المقصود، عبد الفتاح، الإمام علي بن أبي طالب، 2/20-21 وص48؛ حسين، طه، الفتنة الكبرى (عثمان بن عفان)، ص 193؛ البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، 5/50-51، والعشرات من الوثائق التاريخيّة التي تتحدث عن انتشار الفساد في السلطة الرّسميّة قبل مقتل الخليفة الثالث.
[20] أمين، أحمد، فجر الإسلام، ص275.
[21] سورة الرّوم، الآية 10.
[22] إشارة إلى الخطبة الشقشقيّة والبيان البليغ العميق للإمام في تبيين الخارطة الكبرى في تحييده ليس عن حقٍّ شخصيٍّ له لنعدّه حقًّا مَهضومًا ونبكي عليه مظلومًا مغصوبَ الحق فَحَسبْ، وإنّما الحقيقة هي أنّ تعبير (قُطب الرّحى) أبلغ إشارة إلى المكانة المركزيّة المحوريّة للإمامة في حركة (رَحى الأمّة) الشّاملة والكاملة. وفي الواقع أنّهA بهذا التعبير العميق والبليغ يُعطي أعمقَ تفسيرٍ وتعريفٍ لِدَور الإمامة في حركة الأمّة. وقد قال أهل اللغة في معنى قُطْب الرَّحَى: الْعَصَا الْغَلِيظَةُ أَوالْحَدِيدَةُ الْمُلَصَّقَةُ بِالطَّبَقِ الأَسْفَلِ مِنَ الرَّحَى يَدُورُ عَلَيْهِ الطَّبَقُ الأَعْلَى.
[23] من النافع الرّجوع إلى تحليل سيد قطب في تبعات خلافة عثمان ومثالب تلك المرحلة وكذلك التحليل العميق للمفكّر الجزائريّ مالك بن نبيّ لحرب صفّين بوصفها محطةً للانكسار في منحنى الصعود السياسي والحضاريّ الإسلاميّ، المرحلة الانحطاطيّة التي سمّاها بن نبي ببداية (الحضارة المنحرفة)، وكذلك وصفها بـ(عهد تقهقر الرّوح الإسلاميّ). مالك بن نبيّ، القضايا الكبرى، ص162.
[24] يقول في السياق نفسه: «ولا ندري ما كان يقوله محمّد لو قُدِّر له أن يعيش، فيشهد سيرةَ الأمويّين بعد مَصرع ابن أبي طالب! حيثُ أصبحت القاعدةُ العامّة للحُكم الأمَويّ هي: الخروجُ على القرآن وسيرة النّبي، وصارَ الحكّام الأمويّون يتسابقون على الانغماس في الموبقات»؛ نوري جعفر الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام، ص 19.
[25] إشارةً إلى بيتٍ لأبي تمّام رأيته مناسبًا للمقام: ما أَضيَعَ العَقْلَ إِنْ لم يَرْعَ ضَيْعَتَه..... وفرٌ وأيُّ رحى دارت بلا قطبِ.
[26] لاحظ وصف محمد المختار الشنقيطي في انطلاقة الانحراف الحضاري من حرب صفّين واصفًا مواقف بن نبيّ الفكرية الحضاريّة وقراءته لحرب صفّين وبظنّي أنّ المشكلة الأساسيّة لأمثال الشنقيطي هي أنّهم بصورةٍ غير مباشرةٍ يغسلون عهد معاوية والمحطات الرئيسة السابقة على حرب صفين، وكأنّ المشكلة قد بدأت هنا!: "لم تكن حرب صِّفين مِن مَنظور مالك بن نبيّ مُجرّد شِقاق سياسيّ ظرفيّ، أووقعة عسكريّة عابرة ، بل كانت صَدعًا في جدارالأمّة الإسلاميّة، وشرخًا في قلب الحضارة الإسلاميّة ظلّ يتّسع على مرّ القرون حتى أودى بها في نهاية المَطاف. وقد كان لمالكٍ الفضل في الانتباه لدلالةِ حربِ صفّين، باعتبارها حدثًا تأسيسيًّا في تاريخ الحضارة الإسلاميّة. وباستقراء نُصوص مالك عن صفّين، كشفت هذه الدراسات بعض الجراح الغائرة والنّدوب الظّاهرة التي تَرَكها ذلك الشّقاق على مَسار الحَضارة الإسلاميّة، لا في شقّها السياسي فَحَسبْ بل أيضًا في الجوانب النّفسيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة». الشنقيطي، محمد المختار، الحضارة المنحرفة، ص197.
[27] لأنّ الأمويين عمليًّا كانوا هم أصحاب القرار والسلطة الحقيقيّة بعد موت الخليفة الثاني، والخلافة كانت بين أيديهم يفعلون من داخلها ما يشاؤون، وهذا ما أكّدته أهمّ المصادر التاريخيّة الموثّقة، وممّا أجمعَ عليه أهل الفكر.
[28] من الواجب العلميّ الموضوعيّ في فهم ما جرى بين علي ومعاوية الفصل بين أغراض معاوية القبليّة والجاهليّة وشهوة السلطة ومَلذّات الدنيا الفانية، وأغراض الإمام علي النبيلة التقيّة النزيهة الأخلاقيّة الأصيلة والمتجذّرة في الكتاب وسيرة رسول الله؛ لأنّ التعبير عن الأحداث تلك بالفتنة، أوحرب البيتين الهاشميّ والأمويّ، وما إلى ذلك هو من التّحليل المُوجّه من الّذين لم يقفوا صراحةً مع الخطّ الأمويّ، وفي الوقت نفسه عجزوا نفسيًّا أونظريًّا من فهم أنّ الإمام عليًّا لم يكن بِباله التّفكير بالصّراع القَبَلي والعائليّ حتّى لِصالح الهاشميّين وما إلى ذلك. هذه مِن أبْدَهِ البديهيّات في مَداليل خُطب الإمام عليّ في نهج البلاغة وواضحات مُجريات التأريخ الموضوعيّ. فعلى خلاف أدبيات أغلب المورخّين في عدّ الصراع ذلك، صراعَ البيوت والقبائل والنزاع نزاع التخاصم العصبيّ (كما يظنّ ذلك المقريزي في النزاع والتخاصم فيما بين بني أميّة وبني هاشم!).
[29] جعيط، هشام، الفتنة، ص180. لا يمكن إنكار بعض الحقائق التأريخيّة القطعيّة مثل السلوك العثماني المحابي للعشيرة والقبيلة الأمويّة، وممّا يشير إليه بوضوح هشام جعيط هو تعبيره عن تعامل الخليفة الثالث بالسياسات المُحابية لعشيرته إلى تجدّد حُلم الأمويين بالسلطة والزعامة. راجع المصدر نفسه. وكذلك سبق الاستشهاد بقول أحمد أمين وعبد الفتاح عبد المقصود في التصريح بهذا بالتوثيق والبرهان التاريخيّ.
[30] لا نقصد بالإمامة الأخلاقيّة هنا وفي أيّ فقرةٍ أخرى من الدراسة هذه أنّها بمعزلٍ عن السياسة طبعًا. كيف يمكن إبعاد فكرة الإمامة عن السياسة والإمام الرضاA يقول إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء.. وخلافة الله (عز وجلّ) وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين...وزمام الدّين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمينن، وهي أسّ الإسلام النامي، وفرعه السّامي؛ الجلالي، محمد رضا، جهاد الإمام السجاد، ص18.
[31] الخوارزمي، موفق بن أحمد، مقتل الحسين، 1/188. «وأنَّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مُفسدًا ولا ظالمًا، وإنَّما خرجتُ لطلبِ الإصلاح في أمَّة جدِّيJ أُريد أنْ آمرَ بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسيرَ بسيرة جدِّي وأبي عليِّ بن أبي طالبA، فمن قبِلني بقبولِ الحقِّ فاللهُ أولى بالحقِّ، ومَن ردَّ عليَّ هذا أصبرُ حتى يقضيَ اللهُ بيني وبين القومِ بالحقِّ وهوخيرُ الحاكمين».
[32] Etan Kohlberg (وُلد عام 1943)، هو أستاذٌ فخريٌّ في قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة العبرية بأورشليم، وعضو في الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم. نال عام 2008 جائزة روتشيلد للعلوم الإنسانيَّة وجائزة أ.م.ت. للدِّراسات الشّرقيَّة. تناول إيتان كولبرغ في أبحاثه التّاريخ الفكري والعَقَديّ للفرق الإسلاميَّة، ولكنّ اهتمامه انصبّ على دراسة الشيعة الاثني عشرية (الإماميَّة) في العصور الوسطى، وموت الشّهادة وتطوُّر فكرة الاستشهاد في الإسلام، لكن كانت له في بداية عهده بالدراسات الإسلامية عناية خاصّة بالأدب الصوفي والتصوّف الإسلامي عمومًا.
[33] كوهلبرغ، إيتان، الشيعة الأوائل في التاريخ والدراسات، ص214 .
[34] السعيدي، أمين، الوجيز في سلوكيات شيخ المدينة (على بن الحسين %) بين التناقض والاستقامة، ص51 .
[35] لا نتحدّث عن علم الإمام ومحتواه، ولكن عن علمٍ يُدرس فيه أمر الإمامة، أي إعطاء مجالٍ أوسع ليكون أمر الإمامة ضمن بنيةٍ هيكليّةٍ علميّةٍ وبمنهجيّةٍ ملائمةٍ لها كفرعٍٍ لعلوم الكلام وشُعب العقيدة.
[36] الجلالي، محمد رضا ، جهاد الإمام السجّاد، ص 20.
[37] ولعلّ تجربة إمامة الإمام زين العابدين خير شاهدٍ على ذلك؛ لأنّ الّذين يعتقدون أنّ مقياس تحقّق الإمامة هو وصول الإمام إلى سدّة الحُكم، من الطبيعيّ أن يروا في تجربة الإمام السجّاد أنّها إمامة تَحَقّقَتْ بالقدر الأدنى قياسًا مع إمامة أبيه وجدّه C. ولكن فرضيّة هذه الورقة تختلف جوهريًّا في هذه المنهجيّة بالذات.
[38] نتطرّق لأمرِ الإرادة في الفُصول اللّاحقة. ولكنّنا هنا نَقتصر على تذكيرِ أمرٍ وهو أنّ الكثيرين مِن المُفكّرين والعلماء قد تحدّثوا عن السّنن والقواعدِ الكَونيّة بِمَعزلٍ عن إرادة الإنسان، وطلبه، ودعائه، ما يَجعل فكرَهم وانطباعَهم عن تلك السّنن والقوانين يُشبه مَنطقًا رياضيًّا صارمًا، لا يَفتح أُفُقًا للأمل ولا رجاءً للتَّحوُّل والتغيير وانكشاف البلاء وظهور الفَرَج. ولكنّ الحقيقة أنّ مَخزون الصّحيفة السجّاديّة وغيرها من كلمات الإمام وأدعيتِه تُلقي علينا أروعَ مَشاهد الأمل بفضل القِيمة الّتي مَنَحَها اللهُ تعالى لإرادتنا وطَلَبِنا ومَسائلنا بين يديه تعالى.
[39] من الدعاء الثامن عشر من الصحيفة السجادية.
[40] رغمَ طول الآية ولكنّها مهمّةٌ دالّةٌ محوريّة؛ لأنّها تُوضّح فكرةَ الابتلاء بأبعادٍ دقيقةٍ عبرَ تطبيقها وتَجَسُّدِها في الأحداث العمليّة في حياة المسلمين: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة آل عمران، الآية 154].
[41] أوّل دعاء من الصحيفة السجّادية.
[42] ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوالْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات، ١٠٦ ].
[43] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ❁ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة:155].
[44] وفي صدر سورة الملك وفي سياق خلق الموت والحياة التي هي أكثر القضايا المرتبطة بالإنسان وجوديًّا، نقرأ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾. هذه هي المكانة المُدهشة للبلاء والابتلاء.
[45] ذُكِر البلاءُ والابتلاءُ واشتقاقاتُها في القرآن أكثر من 34 مرةً، بصيغٍ مختلفةٍ جدًا ضمنَ منظومةٍ معرفيّةٍ هائلة الأهمّيّة والدقّة، ومنظومات مفهوميّة في شبكاتٍ دلاليّةٍ لوخضناها لصَعَقَتْنا دقّتُها اللامتناهيّة، فلاحظوا أنواع البلاء فيها، البلاء المُبين، والبلاء العظيم والبلاء الحسن، وإلى ما هنالك من ديناميّةٍ دلاليةٍ ألسنيّةٍ مبينةٍ جدًّا في الاستعمال القرآني للفكرة. والذين يشتغلون بالمرجعيّة المعرفيّة القرآنيّة عليهم الخوض في ذلك والتعمّق فيه والأنس به.
[46] انظر إلى العلاقة التَلازميّة الثابتة بين الصبر والعزم في جميع الاستعمالات القرآنيّة الأساسيّة لهما منها في الآيات الآتية: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى، الآية 43]؛ ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [سورة لقمان، الآية 17]؛ ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِِ﴾ [سورة آل عمران، الآية 186]؛ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الأحقاف، الآية 35].
[47] سورة طه، الآية: 115.
[48] أمامَ خلو التعاريف المعروفة للخُلُق في أمّهات المصادر الأخلاقيّة الإسلاميّة، من التصريح بعنصر الإرادة، لاحظتُ تعريف المفكر المصريّ محمّد عبد الله درّاز من هذه الناحية مُمَيّزًا، فبعد خوضه لمناقشةٍ نقديّةٍ عميقةٍ للتعاريف المطروحة من قبل أهل اللغة والفلسفة والمدوّنات الأخلاقيّة، يقول: «الخُلُق هو قوّةٌ راسخةٌ في الإرادة تَنزع بها إلى اختيار ما هو خيرٌ وصلاحٌ (إنْ كان الخُلُق حميدًا)، أو إلى اختيار ما هو شرّ وجور، (إنْ كان الخُلُق ذَميمًا)».هكذا تتميّز الحقيقة الخُلُقيّة عنده عمّا عداها من الصفّات النفسيّة. انظر: درّاز، محمّد عبد الله ، كلمات في مبادئ الأخلاق، ص4.
[49] من المشاريع الإصلاحيّة للمنهجيّة المعرفيّة والقيميّة هومشروع طه عبد الرحمن الذي يؤكّد أنّ السّيرة النّبويّة تمّ تناوُلها عبرَ ثلاثة طُرُق: طريقة المُحدّثين، وطريقة المُؤرّخين، وطريقةُ الفُقهاء. ولكنّه أرادَ أن تكون هناك طريقة جديدة بعيدة عن تَشدّد الحديثيّة، وتساهل التاريخيّة وإلزاميّة الفقهيّة؛ لذا، وَجَدَ أنّه لا بدّ مِن تناول السّيرة النّبويّة بالطريقة الفلسفيّة والفكريّة، طريقة تتضمّنُ الأخلاقَ جزءًا منها. وبَيَّنَ أيضًا أنّ السّيرة هي بذاتها أخلاقٌ، وأنّ تتميمَ الأخلاق المقصود في قول رسول الله، «إنمّا بُعثتُ لأتمّم صالحَ الأخلاق»، إنّما هو تتميمٌ كيفيّ أكثر من كونه كمّيًّا، وتَصاعُديّ يرتقي من التّوحيد إلى العُبوديّة، ومِن العدالة إلى الإحسان، وشُمُوليّ يَشمل القيمَ والإرادةَ والوجدان والعقل. وعليه، فإنّ طه عبد الرّحمن يرى - في طرح جديد - أن تتميم الأخلاق الذي بُعثَ نبيّ الله لأجله كان تتميمًا أخلاقيًّا تأسيسيًّا.
[50] إن العقلانيّة الذاتانية المنقطعة عن مواجهة الحقائق بالشهود والتجربة القرآنية لن تكون عقلانية منفتحة على الحقائق ـــ لأسبابٍ كثيرةٍ يتطلّب بيانُها مجالًا أوسع ــ وإنّما هي عقلانيّةٌ انسداديةٌ، وهذا الطريق المسدود أمام الاتجاهات العقليّة الفلسفيّة المعاصرة لا مخرجَ لها منه إلى النجاة ما دامتْ هي أسيرة الضّيق المادّي، ومحرومةً عن الانفتاح على الحقائق الوجوديّة.
[51] من أوضح الأمثلة على ذلك هو مشروع محمد عابد الجابريّ الذي هو بتعبير المفكر المغربيّ عبد السلام أقلمون، قد أعلى من قَدْر البرهان، وجَعله شرطَ اشتغالِ جميع الملكات الفكريّة عبر التاريخ، وأساسًا لبناء الحضارة واستدامة النّهوض؛ في حينٍ أدنى من قَدْر العرفان وجعله شرطَ إخمادِ جميع الملكات الفكريّة عبر التاريخ، وأساسًا لتقويض الحضارة واستدامة الانحطاط. (في حوار مع موقع مركز الأمانة للأبحاث والدراسات العلميّة). بناءً على ذلك نقول إنّ مراجعة المشاريع الفكريّة الإصلاحيّة تُوجبُ الرجوع العلميّ العميق إلى تراث الإمام السّجّادA وفق المنهجيّة التيّ حاولتْ هذه الورقةُ الخوضَ فيها، وتناولَ بعضِ أبعادِها. عليه فإنّ المشكلة ليستْ في الأطروحة الجابريّة ومشروع نصر حامد أبو زيد أو محمّد أركون وحدَهم؛ وإنّما تَتَعدّاهم جميعًا لتتّسم الحركة التجديديّة برمّتها بهذه المعضلة، أي نسيان الذّات والإرادة والنّفس، في فكرة الإصلاح.
[52] «اللَّهُمَّ اخْسَأْهُ عَنَّا بِعِبَادَتِكَ، واكْبِتْهُ بِدُؤُوبِنَا فِي مَحَبَّتِكَ، واجْعَلْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ سِتْرًا لَا يَهْتِكُهُ، ورَدْمًا مُصْمِتًا لَا يَفْتُقُهُ». من الدعاء السابع عشر من الصحيفة السجّاديّة.
[53] نفس الدعاء.
[54] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [ سورة الإسراء، الآية 64].
[55] الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، ص101.
[56] ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق، ص41.
[57] الجاحظ، عمرو بن بحر، تهذيب الأخلاق، ص12. نسبة الكتاب إلى الجاحظ محلّ الشكّ، ولكن هذا هو الاتجاه العامّ لدى مدرستهم الفلسفيّة الأخلاقيّة.
[58] كما هوعند ملّا صدرا وابن سينا والغزالي والرازي والطوسي؛ قرباني، هاشم، واکاوی تصویرسازی ملاصدرا از اخلاق، ص11–23
[59] سورة الأحزاب، الآية72.
[60] اعتقدَ طه عبد الرّحمن بأنّ الأسباب الأساسيّة للانتكاسة الحضاريّة تكمن في مأزَقَين أساسيَيْن، أي إنسداد العقل وانقباض الأخلاق. وعنده أنّ التحوّل الحقيقيّ الحضاريّ لن يمكن إلّا في ضوء تحوّلٍ عميقٍ وشاملٍ في الإنسان ذاته، وهذا هو البنية الهيكليّة الأعمق للمنظومة الإشراقيّة الشاملة للإمام السجاد ومشروعه الأكبر.
[61] رغمَ أنّ طه عبد الرحمن قد أتعب نفسه فيما أطلق عليه عنوان (الفلسفة الائتمانية) التي انبثقت في أوائل كتبه، ومن ثم بسط تطبيقاتها في مجالات مختلفة من خلال كتبه الأخرى كـ(روح الدين)، و(ثغور المرابطة)، و(دين الحياء)، و(التأسيس الائتماني لعلم المقاصد)، غير أنّه لو ألقى نظرةً عابرةً على تراث الإمامA وتعمّق فيه كتعمّقه في الفلسفات المعاصرة واقتبس منه كاقتباساته الهائلة من فلاسفة الغرب لوجدَ كنوزًا تسعفه في سياق ما يكتب.
[62] الصحيفة السجادية، الدعاء 54.
[63] يبدو أنّ هناك علاقة منهجيّة بين الخاتميّتين القرآنيّة والعقليّة الإنسانيّة، أي إنّ القرآن الكريم هو خاتم الكُتُب، وقد خُتِمَ به مسارُ الوحي التشريعيّ الرساليّ عبرَ الأنبياء. وإنّ العقلَ الإنسانيّ لِيُفلح في بلوغ الكمال في فهمه للقرآن، عليه أن يكون خاتمًا له أيضًا، أي إنّ عليه أنْ يستعملَه بأعلى درجات العقل. هنا، تلتقي الخاتميّتان القرآنيّة المُهيمنة والإنسانيّة العاقلة والنهائيّة.
[64] ظاهرتان عائقتان لحركة التعقل في المضامين القرآنيّة، وآفتان من آفات الفهم والإدراك أشارت إليهما آيات سورة الحجر: ﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾.
[65] الصحيفة السجّاديّة، دعاء مكارم الأخلاق.
[66] المصدر نفسه.
[67] المصدر نفسه.
[68] رغم أنّ الصحيفة السجّاديّة زاخرةٌ بأمثلةٍ على ذلك ولعلّه المنهج الأكثر انتشارًا فيها، ولكنّ لا بأس ببيان نموذجٍ في التأصيل والتأسيس المنهجيّ المعرفيّ من المرويّات عن رسول اللهJ، حيثُ رَوى العلّامةُ المجلسي في بحاره: أنّه جاء رجلٌ إلى رسول اللهJ من بين يديه، فقال: يا رسولَ الله! ما الدٍّين؟ فقال: »حُسن الخُلُق«، ثمّ أتاه عن يمينه، فقال: ما الدٍّين؟ فقال: »حُسنُ الخُلُق«، ثمّ أتاه من قِبَل شماله، فقال: ما الدٍّين؟ فقال: »حُسن الخُلُق«، ثمّ أتاه من ورائه، فقالَ: ما الدٍّين؟ فالتفت إليه وقال: »أما تفقه؟ الدّين هو أن لا تغضب« ؛ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 68/393.
[69] ذكرنا سابقًا وسَنُعيد التذكير بأنّ القرآنَ الكريم لم يكن الأساسَ في أغلب الدّراسات الشرقيّة والغربيّة. وتجربة الإمامة الأخلاقيّة للإمام السجّاد المنبثقة من المضامين القرآنية المحضة، هي فرصة ثمينة للخوض النظريّ في أبعادها الفلسفيّة أيضًا بعد ما أصبح المشروع متحقّقًا في صورة إنسانٍ أومراحلَ تأريخيّة في حُقَبِ حياةِ أمّةٍ. انظروا إلى صاحب دستور الأخلاق في القرآن، محمد عبد الله درّاز يُصرّح بأنّه: "فلم تكن الأخلاق القرآنية إذن الموضوع الرئيسي للدراسة، والتقنين، لدى المسلمين أوالمستشرقين، لا من الناحية النظرية، ولا من الناحية العملية" ؛ دراز، محمد عبد الله، دستور الأخلاق في القرآن، ص4.
[70] سورة الأعراف، الآية 180.
[71] الفقرة الخامسة من الدعاء العشرين، دعاء مكارم الأخلاق.
[72] سورة غافر، الآية 60.
[73] الصحيفة السجّاديّة، الدعاء 45.
[74] هايلر، فردريش، نیایش، ص٦١.
[75] المصدر نفسه.
[76] سورة البقرة، الآية 186.
[77] سورة الفرقان، الآية 77.
[78] سورة الحجّ، الآية 46.
[79] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [سورة النحل، الآية 108]. والآية تنتهي في آخرها (بالغافلون) والغفلة كما قلنا مفهوم ابستمولوجيّ من ناحية، ووجوديّ من ناحيةٍ ثانية.
[80] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [سورة محمّد، الآية 24].
[81] سورة البقرة، الآية 7.
[82] ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَن رّآهُ اسْتَغنى﴾.
[83] ولعلّ أكثرهم قربًا من هذه المَساعي هو طه عبد الرّحمن، ولكنّ أعماله قد تساعدنا جزئيًا في الحلّ لتواصله المنهجيّ مع القرآن الكريم، ولكنّها لاتُقدّم نظامًا متكاملًا في المعالجة؛ لأنّها لا تقوم على الهياكل المعرفيّة المُتقنة للثقلين، كما هو واضح، ونسأل الله التوفيق لتناول ذلك في مستقبل العمر. راجعْ مِن أعمال المفكر المغربيّ: بُؤس الدّهرانيّة؛ وشُرُود ما بعدَ الدّهرانيّة؛ وروح الدّين.
[84] سورة البقرة، الآية 171.
[85] ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [سورة محمّد، الآية 23].
[86] سورة النساء، الآية 155.
[87] الصحيفة السجّاديّة، الدعاء 42 في ختم القرآن.
[88] الصحيفة السجادية، الدعاء 44.
[89] الدعاء 42، في ختم القرآن.
[90] الصحيفة السجادية، الدعاء 21. «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وفَرِّغْ قَلْبِي لِمَحَبَّتِكَ، واشْغَلْهُ بِذِكْرِكَ، وانْعَشْهُ بِخَوْفِكَ وبِالْوَجَلِ مِنْكَ، وقَوِّهِ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ، وأَمِلْهُ إِلَى طَاعَتِكَ، وأَجْرِ بِهِ فِي أَحَبِّ السُّبُلِ إِلَيْكَ، وذَلِّلْهُ بِالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَكَ أَيَّامَ حَيَاتِي كُلِّهَا».
[91] سورة الأعراف، الآية 58. ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ﴾.
[92] إشارة إلى القول المشهور للإمام عليA في الخطبة 189 من نهج البلاغة.
[93] سورة الرعد، الآية 11.
[94] المجلسي، محمد باقر ، بحار الأنوار، 44/195.
[95] وانتشار المفاهيم التبريريّة في كافّة المصادر التاريخيّة كفكرة عدالة الصحابة، ونظرية وجوب إطاعة ولي الأمر، واجتهادهم في الحروب المعروفة، شوكة الدولة (كما يقول به ابن خلدون في نقد النهضة الحسينيّة)، وإضفاء وصف الفتنة، وكذلك الصفة القبلية والقومية، وما إلى ذلك على تلك الحروب، هي كلّها جاءت نتيجة المحاولات التبريريّة للواقع السياسيّ ليس إلّا؛ لأنّه لا اجتهادَ مع قطعيّة الوقوع في الظلم والجريمة وسفك الدماء الطاهرة، وكذلك لا عدالة مع تلك التصرفات!
[96] شهادة الشخصيّات البارزة في زمانه في حقّه خير شاهدٍ على حضور الإمام الفعّال وتواصل الأمّة معه. انظر إلى شهادات هولاء على سبيل المثال: محمد بن مسلم الزهري رغم مسافته من مدرسة الحقّ يقول: «ما رأيت هاشميًّا أفضل علي بن الحسين» (العجلي، أحمد بن عبد الله، معرفة الثقات، 2/153) و «ما رأيت رجلًا أفقه من علي بن الحسين» (ابن كثير، عبد الحيّ، شذرات الذهب، 1/105). ويشهد سعيد بن المسيّب في كلماتٍ متنوّعةٍ بأنّه ما رأى بحياته أفضل منه ولا أورع منه (اليعقوبي، أحمد بن إسحاق، تاريخ اليعقوبيّ، 2/303). وقال زيد بن أسلم ــ وهو في مقدمة فقهاء المدينة ــ : «ما جالست في أهل القبلة مثله» (القرشي، باقر شريف، حياة الإمام زين العابدين، 1/129). و«ما رأيت مثلَ علي بن الحسين فَهِمًا حافظًا» (إبراهيم بن علي الشيرازي، طبقات الفقهاء، 2/34). وهناك شهادات هائلة في حجمها وأهمّيّتها وبالتحديد من أعظم شخصيّات عصره الذين ليسوا من أنصاره أومدرسته أحيانًا، وهذا خير شاهدٍ على تأثير الإمام العميق عليهم، ونجاحه في تقديم النموذج الأصلح إليهم، واستعادة مرجعيّة أهل البيت % في الإمامة، وما تركته هذه الحقيقة من آثارٍ عميقةٍ في مسار المراحل اللاحقة من حركة الأمّة.
[97] لا نقصد من مفهوم علم الإمام ما تمّ التطرّق إليه في علم الكلام التقليديّ بوصفه فضيلةً إعجازيةً له تقتضي التعظيم والتقديس، وإنّما القصد هنا لفت الانتباه وبناء الوعي الجديد التطبيقيّ والعمليّ لاستجلاء دور هذا العلم في حركة الإمام ومنهجية فهم سيرته وخطواته ومشاريعه في التاريخ. أي ما يساعدنا في فهم منطقيّة عملياتهم من موقع إمامة الزمان وقيادة العصر المطلق. وهذا حديثٌ معقّدٌ وماتعٌ جدًّا يدعم البحث العميق عن استيعاب العلاقة الواسعة بين تحوّلات الأزمنة والعصور بحركة كلّ إمام.
[98] بذل المرحوم السيّد محمد رضا الجلالي جهدًا مباركًا في كتابه جهاد الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين بن أبي طالب، في هذا الاتّجاه يُنصح الرجوع إليه لوعي المكاسب التاريخيّة الحاسمة لفترة إمامة الإمام السجاد، وفهم منجزاته وجهاده. يحزنني أنّ الظرف الخاصّ الّذي حاصرني في زمن كتابة هذه المقالة لم يسمح لي بالاستفادة الكافية منه، ولكنّني سأرجع إليه في المستقبل القريب إن أراد الله ذلك، لإكمال ما طرحته هنا بالاعتماد على تدقيقاته وتأمّلاته القيّمة.
[99] سورة التوبة، الآية 109.
[100] ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾.
[101] رغمَ أنّ جميع المضامين المنقولة عن الإمام السجّاد هي على أعلى مراتب التصحيح والتقويم لِما اعْوَجَّت حقيقتها وتشوّهَتْ معالمها على أيدي الأمويين غير أنّ مرجعيّة الصلاة على محمدّ وآل محمّد الحاضرة بقوّة وبصورة غير مسبوقة في أيّ نصّ آخر بهذه المنهجيّة هي مجرّد نموذج من الآلاف من المشاريع الإصلاحيّة في هذا السياق، وفي مشروع الإمامة السجّاديّة؛ لأنّ معاداة أهل بيت الرسول بصورةٍ مكثّفةٍ وفاضحةٍ في أدبياتهم وسيرهم التخريبيّة كانت في مركز مساعيهم طيلة ما يُقارب خمسة عقود، وهي استهدفتْ القلب من الإسلام، وما كان مشروعُ التغيير المَنهجيّ العميق ممكنًا إلّا عبرَ إقصاء هذه المرجعيّة، ولا قائمة لسلطانهم كانت راسخة إلّا بقدر نجاحهم في إلغاء دور الإمامة، وهذا ما نلحظه في الحضور الممنهج الكثيف جدًا للصلاة على محمد وآله في جميع الأدعية.
[102] سورة آل عمران، الآية 54.