الباحث : الشيخ مهند غازي العُقابي
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 39
السنة : صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 47
الملخّص
يسعى هذا البحث إلى استجلاء المفهوم الحسينيّ لوليّ الأمر من خلال تحليل وصيّة الإمام لأخيه محمد بن الحنفيّة، لبيان الصفات التي يضعها الإمام لمن يُطاع كوليّ أمر شرعي، وكيفيّة رفض الحاكم الجائر، ليُرسي بذلك أساسًا سياسيًّا وأخلاقيًّا لشرعيّة الحكم عند أهل البيت %.
ويعتمد البحث المنهج التحليليّ الاستنباطيّ، مع توثيق المعطيات من المصادر الروائيّة والتاريخيّة المعتمدة في التراث الشيعيّ والسنّيّ على حدٍّ سواء.
و يستعرض البحث مطالبة عبر ثلاثة محاور:
المحور الأول: مفهوم (وليّ الأمر) واختلاف هذا المفهوم بين مدرسة أهل البيت % وبين مدرسة أهل السنّة، ومفهوم الوصيّة وأقسامها.
المحور الثاني: مفهوم (وليّ الأمر) في الكتاب العزيز.
المحور الثالث: صفات (وليّ الأمر) وفقًا لوصية الإمام الحسينA لأخيه محمد بن الحنفيّة، وكيفيّة تجسيد ذلك من قبلهA على أرض الواقع.
وفي آخر البحث هناك الخاتمة والتوصيات.
الكلمات المفتاحيّة:
الوصايا – الإمام الحسين – ولي الأمر
المقدّمة
يُعدّ مفهوم (وليّ الأمر) من المفاهيم المركزيّة في الفكر السياسيّ الإسلاميّ؛ إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمشروعيّة السلطة، وحدود الطاعة، ومكانة الحاكم في الأمّة. وقد مثّل هذا المفهوم محورًا لتباين الرؤى بين المدارس الإسلاميّة، ولا سيّما بين مدرستَي الخلافة والإمامة، حيث اختصّت الثانية – المتمثّلة في أهل البيت% – بتقديم رؤيةٍ عَقَديّةٍ وأخلاقيّةٍ دقيقةٍ تشترط في (وليّ الأمر) العصمة، والعدالة، والعلم الإلهي، وممارسة الحكم بما يرضي الله تعالى.
وفي هذا السياق، تبرز شخصيّة الإمام الحسين بن عليA بوصفها شاهدًا حيًّا على موقف أهل البيت % من مفهوم ولاية الأمر، ولا سيّما حين واجه نظامًا سياسيًّا تجسّد في حكم يزيد بن معاوية، الذي غصب الحقّ الشرعي من أصحابه. فقد رفض الإمام الحسينA مبايعته، عادًّا طاعته مخالفةً للقرآن، وانحرافًا عن خطّ الرسالة، ومؤكّدًا في وصاياه ومواقفه أنّ السلطة التي لا تقيم العدل، ولا تحفظ الدين، ولا تلتزم بسيرة النبيّJ، هي سلطةٌ باطلةٌ لا تستحقّ الطاعة؛ لأنّها ليست السلطة التي عيّنتها السماء.
فوصايا أئمّة أهل البيت % عمومًا تمثّل ركنًا مهمًا من التراث الإسلامي، لما تحمله من مضامين شرعيّةٍ، وروحيّةٍ، وأخلاقيّةٍ، وفكريّةٍ، وسياسيّة. فالوصية عند أهل البيت % ليست مجرد كلمات، بل خارطة طريق ترشد الأفراد والمجتمعات إلى سبل الصلاح والنجاة. وتتميّز هذه الوصايا بعمقها المعرفي، وشمولها لجوانب الحياة، ومواكبتها للتحدّيات الفكريّة والروحيّة في زمانها.
وتتجسّد أهمية الوصيّة عند أئمّة أهل البيت % بعدّة أمورٍ منها:
1ـ تجسيدٌ للقيادة الأخلاقيّة: حيث تؤكّد على مواصفات القائد الذي يتحلّى بصفات الكمال.
2ـ منهجٌ للتربية الفرديّة والاجتماعيّة: فالوصايا تتضمن مبادئ في التعامل مع النفس، الأسرة، والمجتمع، مثل العدل، الصدق، والرحمة.
3ـ توجيه للأمّة في أوقات الأزمات: كما في وصايا الإمام الحسينA قبل نهضته، حيث كانت رسائل توجيهيّةً لمواجهة الظلم والانحراف السياسّي.
4ـ مفاتيح للفهم العَقَديّ والروحيّ: تؤكد على التوحيد، والنبوّة، والمعاد، ومكانة أهل البيت %.
المحور الأول: بيان مفهوم (وليّ الأمر) في مدرستَي أهل البيت % وأهل السنّة، ومفهوم الوصية وأقسامها
يُعدّ مفهوم (وليّ الأمر)من المفاهيم المحوريّة في الفكر السياسيّ الإسلاميّ؛ إذ يتّصل اتصالًا مباشرًا ببنية الحكم، ومشروعيّة السلطة، وعلاقة الحاكم بالمحكوم. وقد شغل هذا المفهوم حيّزًا واسعًا في التراث الفقهيّ، والكلاميّ، والسياسيّ؛ بوصفه أحد المرتكزات التي تحدّد من يحقّ له إدارة شؤون الأمّة، وما هي شروطه، وصلاحيّاته، وحدود طاعته.
ويُنصّ على مصطلح (وليّ الأمر) نصًّا صريحًا في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾[1]، وقد اختلف العلماء والمفسّرون في تحديد المقصود بـ(أولي الأمر) في هذه الآية؛ ممّا أدى إلى تباين المدارس الإسلاميّة في تفسير المفهوم وتحديد معناه وحدوده.
وفي هذا السياق، يسعى الباحث إلى تحديد مفهوم (وليّ الأمر) لغويًّا واصطلاحيًّا، واستعراض التباين في المفهوم بين الفكرين الشيعي والسنّي، إضافةً إلى بيان شروط وليّ الأمر وصفاته كما وردت في المصادر الإسلاميّة.
ـ (وليّ الأمر) لغةً
الوليّ: من وَلِيَ يَلي، أي قَرُبَ وتسلّطَ وتقلّد وتصرّف [2].
الأمر: الشأن أو السلطان أو الحكم [3].
فيكون المعنى: من يتولّى شؤون الناس ويتصرّف في أمورهم بما فيه المصلحة.
ـ مفهوم (ولي الأمر) اصطلاحًا.
اتّفق المسلمون في الجملة على مفهوم ولي الأمر ولكنّهم اختلفوا في المصاديق والصفات؛ فقد ذهب الشيعة الإماميّة إلى أنّ (أولي الأمر) هم الأئمّة المعصومون من أهل البيت%؛ إذ إنّ الله (عزَّ وجلَّ) قرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله، وهذا لا يكون إلّا لمن كان معصومًا عن الخطأ والهوى. وذهبت مدرسة الصحابة إلى أنّ (أولي الأمر) هم الولاة، والأمراء، وقادة الجيوش، أي كلّ من يتولّى الشأن العام من المسلمين، وإن لم يكن معصومًا بل، ولو كان ظالمًا فاسقًا.
ـ مفهوم (ولي الأمر) في مدرسة أهل البيت%:
في الفقه الإمامي الشيعيّ الاثني عشري، تُبنى مشروعيّة وليّ الأمر على النصّ الشرعيّ الإلهيّ، وليس على الاختيار أو الشورى، وذلك استنادًا إلى مبدأ الإمامة وعصمة الأئمّة، ثم لاحقًا إلى نيابة الفقيه الجامع للشرائط في عصر غَيبة الإمام المهديf. فالمشروعية تستند إلى النصّ الإلهي على الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت %، بدايةً بالإمام أمير المؤمنين عليA، ومرورًا بالأئمّة من ذريته إلى الإمام صاحب العصرf.
واستنادًا إلى عدّة آياتٍ وأحاديث ورواياتٍ عن النبيّJ، وأهل البيت % ومنها:
ـ آية أولي الأمر: ﴿وأَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسولَ وأُوْلِي الأمرِ منكم﴾ [4] يرى الشيعة أنّ (أولي الأمر) هم الأئمّة المعصومون، لطهارتهم وعصمتهم من الخطأ.
ـ حديث الثقلين: «إنّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي»[5].
ـ حديث المنزلة: عن أنس، قال: سمعتُ رسولَ اللهِJ يقول لعلي: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا يُوحى إليك». وفي أخرى: «إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي» [6].
ـ حديث الغدير: «من كنتُ مولاهُ، فهذا عليٌِّ مولاهُ»[7].
ـ عن جابر بن يزيد الجعفي قال: «سمعتُ جابرَ بن عبدِ اللهِ الأنصاري يقول: لما أنزل الله (عزّ وجلّ) على نبيّه محمّدٍJ: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمرِ منكم﴾. قلتُ: يا رسولَ اللهِ، عرفنا اللهَ ورسولَه، فمن أولو الأمرِ الذين قرنَ اللهُ طاعتَهم بطاعتَك؟ فقالA: هم خلفائي يا جابر، وأئمّة المسلمين من بعدي، أوّلُهم علِيّ بن أبي طالب، ثم الحسن والحسين، ثم علِيّ بن الحسين، ثم محمّد بن علِيّ المعروف في التوراة بالباقر ــ وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام ــ ثم الصادق جعفر بن محمّد، ثم موسى بن جعفر، ثم علِيّ بن موسى، ثم محمّد بن علِيّ، ثم علي بن محمّد، ثم الحسن بن علِيّ، ثم سميّي وكنيّي حجّة الله في أرضه، وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي» [8].
ـ عن الحسين بن أبي العلاء قال: «ذكرت لأبي عبد اللهA قولَنا في الأوصياء: أنّ طاعتهم مفترضة. قال: فقال: نعم، هم الذين قال الله تعالى: ﴿أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمرِ منكم﴾، وهم الذين قال الله، عزَّ وجلَّ: ﴿إنّما وليُّكم اللهُ ورسولُهُ والذين آمنوا﴾ » [9].
ـ عن أبي بصير قال: «سألتُ أبا عبد اللهA عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم﴾ فقال: نزلتْ في علِيّ بن أبي طالب، والحسن والحسين%» [10]
ـ عن عيسى بن السري قال: «قلتُ لأبي عبدِ اللهِA: حدّثني عمّا بُنيت عليه دعائمُ الإسلامِ إذا أنا أخذتُ بها زكى عملي، ولم يضرّني جهلُ ما جهلتُ بعده؟ فقال: ... والولاية التي أمرَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بها ولاية آل محمّدٍJ، فإنّ رسولَ اللهJ قال: من ماتَ ولا يعرفُ إمامَه ماتَ ميتةً جاهليّة. قال اللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمرِ منكم﴾، فكان علِيّA، ثم صار من بعده حسن، ثم من بعده حسين، ثم من بعده علي بن الحسين، ثم من بعده محمد بن علي، ثم هكذا يكون الأمر... » [11].
ولذلك فإنّ الإمام المعصوم هو وليّ الأمر الشرعي المطلق، وله الطاعة المطلقة؛ لأنّه لا يُخطئ ولا يَظلم، وإليك بعض أقوال علماء الإماميّة في ذلك:
1ـ قال الشيخ المفيد: «إنّ الأئمّة القائمين مقام الأنبياءJ في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء»[12].
2ـ قال الشيخ الطوسي: «إنهّم الأئمّة من آل محمّدٍJ، فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك. ولا يجوز ايجاب طاعة أحدٍ مطلقًا إلّا من كان معصومًا مأمونًا منه السهو والغلط، وليس ذلك بحاصلٍ في الأمراء، ولا العلماء، وإنّما هو واجبٌ في الأئمّة الذين دلّت الأدلّة على عصمتهم وطهارتهم» [13].
3ـ قال الشيخ محمّد رضا المظفَّر: «عقديتنا في طاعة الأئمّة: ونعتقد أنّ الأئمّة هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وأنّهم الشهداء على الناس، وأنّهم أبواب الله والسبل إليه والأدلّاء عليه، وأنّهم عَيْبة علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وخُزّان معرفته ... بل نعتقد أنّ أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهّم وليّه، وعدوّهم عدوّه، ولا يجوز الردّ عليهم، والرادّ عليهم كالرادّ على الرسول، والرادّ على الرسولِ كالرادّ على الله تعالى. فيجب التسليم لهم والانقياد لأمرهم والأخذ بقولهم؛ ولهذا نعتقد أنّ الأحكام الشرعيّة الإلهيّة لا تُستقى إلّا من نمير مائهم، ولا يصح أخذها إلّا منهم، ولا تفرغ ذمّة المكلَّف بالرجوع إلى غيرهم، ولا يطمئن بينه وبين الله إلى أنّه قد أدّى ما عليه من التكاليف المفروضة إلّا من طريقهم»[14].
ـ مفهوم (ولي الأمر) عند علماء مدرسة أهل السنّة
تُبنى مشروعيّة وليّ الأمر في الفكر السنّي على مجموعةٍ من النصوص الشرعيّة والمبادئ العقليّة والاجتماعيّة، وتتمحور حول مبدأ الشورى وضرورة وجود حاكمٍ يُقيم الدين، ويحفظ الأمن، ويمنع الفتنة، دون اشتراط العصمة أو النصّ. ويُفسَّر (أولو الأمر) عند جمهور علماء السنّة بأنّهم الحكّام والأمراء والعلماء الذين يتولّون شؤون الأمّة. أمّا طرق تنصيب وليّ الأمر عندهم متعدّدة منها:
الشورى: كما في سقيفة بني ساعدة، حيث تم اختيار أبي بكر.
البيعة: يُعدّ إعلان الناس الطاعة للحاكم جزءًا من منحه الشرعيّة.
الوراثة: كما في العهدين الأموي والعباسي.
الاستخلاف: كما فعل أبو بكر عند تعيين عمر.
الغَلَبة (عند بعض الفقهاء): إذا استتب الأمن واستقرّت الأمور لحاكمٍ قوي، جاز له الحكم بشرط إقامة الدين والعدل.
وإليك بعض أقوال علماءهم في ذلك:
1ـ قال محمد بن جرير الطبري: «إنّ الذين أمر بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا هم الأئمّة، ومن ولاه المسلمون دون غيرهم من الناس» [15].
2ـ قال الماوردي: «فَفَرَضَ عَلَيْنَا طَاعَةَ أُولِي الْأَمْرِ فِينَا، وَهُمْ الْأَئِمَّةُ الْمُتَأَمِّرُونَ عَلَيْنَا»[16] .
3ـ قال ابن كثير: «والظاهر والله أعلم أنّها [17] عامّة في كلّ أولي الأمر من الأمراء والعلماء»[18].
وبهذا يتّضح المفهوم العام لـ (أولي الأمر)، والفرق الفارق بين المدرستين.
ـ الوصيّة لغةً:
وصي: أَوْصى الرجلَ ووَصَّاه: عَهِدَ إِليه، وأَوْصَيْتُ له بشيءٍ وأَوْصَيْتُ إِليه إِذا جعلتَه وَصِيَّكَ. وتَواصى القومُ: أَي أَوْصى بعضهم بعضًا. والوَصِيَّةُ: ما أَوْصَيْتَ به، وسميت وَصِيَّةً لاتّصالها بأَمر الميت [19].
أقسام الوصيّة:
تنقسم الوصيّة من حيث موضوعها إلى عدّة أقسامٍ منها:
1ـ الوصيّة بالمال: وهي أن يوصي الشخص بجزءٍ من ماله بعد وفاته إلى شخصٍ معيّنٍ أو جهةٍ معينةٍ (مثل الفقراء أو المؤسّسات الخيريّة)، لكن يشترط فيها ألا تتجاوز ثلثَ التركة إلّا بإذن الورثة.
2ـ الوصيّة بالحقوق أو الأعمال: كأن يوصي بأداء دينٍ عنه، أو تنفيذ نذرٍ، أو قضاء ما فاته من عبادات (كالحجّ أو الصلاة) على سبيل النيابة.
3ـ الوصيّة بالولاية: مثل أن يوصي الأب بأن يكون فلان هو الوصي على أولاده القُصّر بعد وفاته، أو أن يتولّى شخصٌ ما الإشراف على أوقافه.
4ـ الوصيّة الدينيّة: كالتوصية بتقوى الله، والمحافظة على الصلاة، وقراءة القرآن، وعدم ترك الواجبات الشرعيّة.
5ـ الوصيّة الاجتماعيّة: مثل الحثّ على صلة الرحم، والإحسان إلى الآخرين، والعدل في التعامل، ونبذ التفرقة.
6ـ الوصيّة الأُسريّة: كالتأكيد على برّ الوالدين، ورعاية الأبناء، وحفظ حقوق الزوجة أو الزوج، والتعاون بين أفراد العائلة.
7ـ الوصيّة الشخصيّة: كطلب الصفح والمسامحة، أو النصح بالابتعاد عن رفقاء السوء، أو الحث على طلب العلم.
بعض هذه الوصايا يكون ملزمًا واجب التنفيذ مثل وصايا الميت في الجملة، وبعضها غير ملزمٍ. ففي الوصيّة يمكن أن نرى تطبيق الأحكام التكليفيّة الخمسة فيها كلّ حسب مورده.
المحور الثاني: صفات (وليّ الأمر) في الكتاب العزيز
لقد تناول القرآن الكريم هذا المفهوم في سياقاتٍ متعدّدة، سواء بنحوٍ مباشر ــ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [20] ــ أو بنحوٍ غير مباشر في عرض صفات القادة الصالحين، والملوك العادلين، والأنبياء الذين تولوا أمر الناس بإذن الله .
ومن خلال استقراء آيات الكتاب العزيز، تتجلّى صفات وليّ الأمر الصالح، وأهمها: العدل، والرحمة، والعلم، والحكمة، والشورى، والاستقامة على أمر الله، إضافةً إلى رفض الاستبداد والفساد. فالله تعالى لم يجعل الولاية لمن لا يملك هذه المؤهّلات، بل ربطها بالتقوى والكفاءة.
إنّ الغرض من إبراز هذه الصفات في الكتاب العزيز ليس التنظير السياسي فحسب، بل توجيه الأمة إلى اختيار من يتولّى أمرها على أساس الحقّ والعدل والصلاح، لا العصبيّة أو المصلحة أو القهر. ومن هذا المنطلق، جاءت الشريعة لتقيّد الحكم بشرط الشرعيّة الأخلاقيّة والشرعيّة الإلهيّة، لا بالسلطة وحدها.
والآية المتقدّمة الذكر هي الوحيدة التي ورد فيها مصطلح (أولي الأمر) نصًّا. وأبرز ما يستفاد من هذه الآية: الطاعة واجبة لله، وللرسول، ولأولي الأمر، فطاعة ولي الأمر وطاعة الرسول من طاعة الله تعالى.
مواصفات الحاكم العادل في القرآن الكريم
ومن خلال الاطلاع على بعض الآيات الكريمة نرى أنّ فيها ذكرًا لصفات (أولي الأمر) الذين أمر الله بطاعتهم، ومن هذه الصفات:
1ـ العدل المطلق في الحكم بين الناس: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾[21]. فالحاكم الشرعي يجب أن يكون عادلًا في القضاء والسياسة، لا يميل للهوى أو العصبيّة.
2ـ العلم والحكمة: قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا... قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾[22]، فالعلم من أهمّ شروط أهليّة الحكم، فالحاكم يجب أن يملك بصيرةً ومعرفةً تامّةً بأمور الدين والدولة.
3ـ القوّة والقدرة على الإدارة: قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، أي: القوة الجسديّة والإداريّة جزء من مواصفات الحاكم الشرعي.
4ـ الإخلاص لله واتباع أمره: قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾[23]، فالحاكم الشرعي ينبغي أن يكون خالص النيّة لله، لا يحكم لهوى أو مصلحةٍ خاصّة.
5ـ الرحمة بالرعيّة: قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[24]، فالحاكم الناجح والعادل يتّصف باللين والرحمة لا القسوة والعنف.
6ـ إقامة العبادات: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾[25]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾[26]. فالحاكم الصالح يقيم حدود الله من عباداتٍ ومعاملاتٍ غيرها، ويعمل بالإصلاح الاجتماعي والسياسي.
7ـ الاصطفاء الإلهيّ أو المشروعيّة من الله: قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[27]، فالإمام لا يكون إلّا بنصٍّ واختيارٍ من الله، وليس بالشورى.
المحور الثالث: صفات (وليّ الأمر) في وصيّة الإمام الحسينA لأخيه محمّد بن الحنفيّة، وتجسّدها الواقعي في سيرتهA
يشكّل مفهوم الحاكم العادل محورًا جوهريًّا في الفكر السياسيّ الإسلاميّ، وقد أولاه الأئمّة من أهل البيت % عنايةً خاصّة، بوصفه الركيزة الأساس في إقامة العدل وحفظ مصالح الأمّة. ومن أبرز من جسّد هذا المفهوم قولًا وموقفًا الإمام الحسين بن عليA، الذي وقف بوجه الظلم والانحراف السياسي الذي مثّله حكم يزيد بن معاوية، ليجعل من نهضته الخالدة مرآةً لمبادئ الحكم العادل، القائم على رعاية الحقوق، والالتزام بالشرع، والابتعاد عن الاستبداد والفساد.
لقد رفض الإمام الحسينA مبايعة يزيد؛ لأنّه أراد أن يري الأمة أنّ هذا الشخص وأمثاله غير مؤهلٍ لقيادتها، فهم لا يتحلّون بصفات الحاكم لا من حيث المشروعيّة ولا من حيث العدالة الشخصيّة، ولا من حيث الكفاءة السياسيّة والدينيّة. منبّهًا إلى أنّ من صفات الحاكم أن يكون عادلًا، نزيهًا، راعيًا للحقّ كما في صفات أئمّة أهل البيت %، لا تابعًا للهوى ولا مفسدًا في الأرض.
ومن هنا، فإنّ بيان صفات الحاكم العادل عند الإمام الحسينA لا تقتصر على الجانب النظريّ، بل تتجلّى في سلوكه العملي وموقفه من الحكم الجائر؛ ما يجعل منه نموذجًا خالدًا في الوعي السياسي الإسلامي، ومصدر إلهامٍ في مواجهة الطغيان وتحقيق العدالة.
هدف وصية الإمام الحسين لأخيه محمد بن الحنفية
صدرت هذه الوصيّة من الإمام الحسينA قُبيل خروجه من المدينة إلى مكّة، حينما بدأ التهيّؤ لرفض بيعة يزيد بن معاوية. وكان الإمام يعرف أنّ خروجه سيُفسَّر بعدّة تفسيرات، وأنّ بعض الناس قد يشكّكون في نيّته، أو يُحرّفون حركته. فجاءت هذه الوصيّة، الموجّهة إلى أخيه غير الشقيق محمّد بن الحنفيّة، لتكون وثيقةً مكتوبةً توضّح للعالم أجمع أهدافه الحقيقيّة من الخروج، وتحسم الجدل التاريخي حول (لماذا خرج الحسين؟).
نص الوصيّة:
«بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمّد المعروف يا بن الحنفيّة، أنّ الحسين يشهد أنّ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأنّ الجنة والنار حقّ، وأنّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، وإنّي لم أخرج أَشِرًا[28]، ولا بَطِرًا [29]، ولا مُفسِدًا، ولا ظالمًا، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّيJ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب. فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردَّ عَلَيّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين، وهذه وصيّتي يا أخي إليك وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب» [30].
صفات (ولي الأمر) في ضوء الوصيّة المباركة:
1ـ أنّ (ولي الأمر) يجب أن ينفي عنه الدوافع الشخصيّة السلطويّة، بل يكون ارتقاء مسند الحكم من أجل هدفٍ واحدٍ وهو خدمة الإسلام والأمّة.
1ـ أن لا يكون متكبّرًا متغطرسًا طاغيًا.
2ـ أن لا يكون مفسدًا للرعيّة بسوء التدبير من النواحي الماديّة والأخلاقيّة، وكذلك لا يفسد ويخرّب ويهدر ثروات الأمّة فيكون بلاءً على الناس والحيوان والنبات، وما أنعم الله تعالى على الخلق.
3ـ أن يكون عادلًا بين الرعيّة، يعطي كلّ ذيّ حقٍّ حقَّه، وليس ظالمًا سالبًا لحقوق الأمّة، متسلطًا على فقرائها، مواليًا لأغنيائها.
4ـ أن يكون صالحًا مصلحًا فلا يرضى بوجود الانحراف سواء الأخلاقي أو المادّي أو الفكري، فالإصلاح المقصود ليس محدودًا بالأخلاق الفرديّة فقط، بل يشمل إصلاح الحكم، والمجتمع، والقيم.
5ـ أن يكون عالمًا بأحكام الدين آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر؛ وإلّا كيف يعرف المعروف معروفًا، والمنكر منكرًا من جهل أحكام الدين الحنيف.
6ـ أن تكون له شرعيّةٌ مستمدةٌ من الله ورسوله، وأن يمثّل الخطّ الرسالي الحقّ. فوصف الأمّة بأنّها (أمة جدّه) يُضفي على خروجه شرعيّةً دينيّةً ونبويّةً، ويبيّن أنّه الامتداد الطبيعي للرسالة.
7ـ أن يعيد للأمّة ما ذهب من كرامتها ودينها، ويحافظ على الإسلام الصحيح. فقولهA: «وأسير بسيرة جدي وأبي» يدلّ على أنّ المنهج الصحيح لإصلاح الأمّة هو منهج الرسولJ، ومنهج أمير المؤمنين عليA الذي هو منهج الحكم العادل، فالحكم في الإسلام يجب أن يُبنى على العدل، التقوى، والحرص على مصالح الناس.
الأبعاد الأخرى المستفادة من الوصيّة:
البُعد العَقَدي: فالإمام الحسينA يتحرّك انطلاقًا من واجبٍ إلهيّ، لا بدافعٍ شخصيّ، وهذا يربط نهضته بالحقّ الإلهي.
البُعد الأخلاقي: يؤكّد أنّ الحاكم أو القائد لا يجوز أن يكون ظالمًا أو مفسدًا، بل مصلحًا وعادلًا.
البُعد السياسي: يطرح مبدأ (الإصلاح أولًا) بوصفه شرطًا في أيّ حكمٍ سياسيّ، منتقدًا الواقع المنحرف في زمن بني أُميّة.
البُعد التربوي: يعلّم الأمة أنّ المسؤوليّة الشرعيّة لا تسقط بالصمت، وأنّ على المؤمن أن يقوم بواجبه مهما كان الثمن.
البُعد التاريخي: الوصيّة وثيقةٌ تُسجّل للإمام دوافعه الحقيقيّة، وتدحض ادّعاءات الأمويين بأنّه خارجٌ على الجماعة.
فوصيّة الإمام الحسينA لأخيه محمد بن الحنفية تمثّل خارطةَ طريقٍ فكريّةً وعمليّةً، تنفي عنها أيّ طابعٍ شخصيّ أو عاطفيّ، وتُرسّخ فهمًا عميقًا للقيادة والنهضة في الإسلام، فهي تصلح أن تكون دستورًا إسلاميًّا للحكم العادل.
إنّها وثيقة إصلاحٍ، لا ثورة فوضى؛ رسالة أخلاق، لا طموح سلطة؛ وبهذا، تبقى الوصيّة خالدةً في الوجدان الإسلامي كدليلٍ على عظمة هذا الموقف الحسيني الخالد. فالوصيّة قصيرةٌ في نصّها، عظيمةٌ في مضمونها.
ـ كيف جسّد الإمام الحسينA هذه الرؤية في تعامله مع يزيد؟
تجسّد وتجلّى ذلك في الأمور الآتية:
1. رفض البيعة ليزيد رغم تهديده بالموت: عندما طُلب من الإمام الحسين أن يبايع يزيد بعد وفاة معاوية سنة 60 هـ، رفض رفضًا قاطعًا، وقال عبارته الشهيرة: «مثلي لا يبايع مثله» بهذا الموقف، أعلن أنّ الخلاف بينه وبين يزيد ليس خلافًا شخصيًّا، بل هو خلافٌ مبدئيٌّ بين نموذجين للحكم: أحدهما يمثّل العدالة والقيم الإسلاميّة، والآخر يمثّل الانحراف والفساد.
2. فضح فساد يزيد وكشف فقدانه الشرعيّة في خطاباته ومواقفهA؛ لتعرف فداحة ما هي مقبلة عليه لو ولّي عليها مثل يزيد، فترفضه ولا تبايع.
3. الخروج من المدينة إلى مكّة، ثم إلى كربلاء: كان موقفًا عمليًّا لرفض خلافة يزيد، إذ لم يكن خروج الإمام الحسينA هروبًا، بل كان موقفًا سيّاسيًّا عمليًّا واضحًا مجسّدًا ذلك الرفض. فقد غادر الإمام الحسينA المدينة المنورة، مع أنّه حفيد النبيJ وابن عاصمة الإسلام الأولى، وتوجّه إلى مكّة المكرّمة، ليعلن للعالم الإسلامي رفضه لبيعة يزيد، ويتجنّب المواجهة العسكريّة داخل المدينة.
وعندما وصل إلى مكّة علم الناس بصراحة موقفه الرافض للبيعة؛ فجاءت الرسل تترى عليه من أهل الكوفة، وعندما وصله دعم أهل الكوفة، أرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل ليستطلع الأوضاع، وكان ذلك تمهيدًا لحركته ضدّ يزيد. كان الهدف تأسيس قاعدةٍ شعبيّةٍ يمكن من خلالها مواجهة حكم بني أميّة.
4. تضحيته بنفسه وأهله: ومن رفضه المطلق للسلطة الجائرة أن يضحّي بنفسه ليؤسّس معيارًا جديدًا في فهم الحاكميّة والولاية، وهذا يُعبّر عن أنّ السكوت عن الحاكم الظالم خيانةٌ للدين، وأنّ الدم قد يكون هو الثمن الواجب لدفع باطل المتسلّطين، وهو ما فعله الإمام ليُعيد رسم حدود (الولاية الحقّة)، باستشهاده وأهل بيته وأصحابه في كربلاء. فضّلَ الإمامُ الحسين الشهادة على أن يبايع يزيد، مع أنّه كان يمكنه النجاة لو قبل بالذل أو المساومة، لكنّه رفض ذلك، وقال: «ألا وإنّ الدَّعِيَ ابنَ الدَّعِي قد رَكَزَ بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منا الذلة».
الخاتمة
في الختام، يمكن القول إنّ مفهوم (وليّ الأمر)عند الإمام الحسينA، يتضمّن مبادئ رئيسة تتعلّق بحاكميّة الشريعة، والعدالة، والطاعة الشرعيّة، التي يُفترض أن يتّصف بها كلُّ من يتولّى أمر الأمة. كما أنّ موقف الإمام الحسينA في رفض بيعة يزيد كان بمنزلة إعادة تأكيد على ضرورة إصلاح الأمّة وتنقيتها من الفساد والاستبداد، وهو ما جعله يخرج من أجل إحياء دين جدّه محمّدJ، وتحقيق العدالة بين الناس.
لقد أثّر موقف الإمام الحسين في الوعي الدينيّ والسياسيّ للأمّة الإسلاميّة، وأصبح رمزًا للمقاومة ضدّ الظلم، وأعطى دروسًا عظيمةً في التمسّك بالحقّ، ورفض الباطل من خلال نهضته في كربلاء، فأعاد الإمام الحسين تعريف مفهوم (وليّ الأمر) في سياق العدالة والشرعيّة التي تقوم على حماية الدين ومصالح الأمّة.
إنّ ما قدّمه الإمام الحسينA في بيان صفات ولي الأمر، ورفض من يتولّى هذا المنصب ظلمًا وعدوانًا وإفسادًا، ما يزال مصدر إلهامٍ للأجيال على مرّ العصور.
التوصيات المقترحة
1ـ إعادة دراسة المفهوم السياسيّ في فكر الإمام الحسينA: يُوصي البحث بدراسة أعمق لفكر الإمام الحسينA حول الولاية وشرعيّة الحكم في ضوء التحدّيات السياسيّة الحاليّة؛ فإنّ منهج الإمام الحسينA يقدم رؤيةً ثاقبةً في مفاهيم الحكم العادل ورفض الظلم، ممّا يمكن أن يُفيد في معالجة قضايا الحكم السياسيّ في العالم الإسلامي المعاصر.
2ـ تعزيز الوعي الدينيّ والسياسيّ بين الشباب المسلم: من المهم غرس قيم العدالة والحرية التي دافع عنها الإمام الحسينA في نفوس الشباب المسلم، خصوصًا في ظلّ التحدّيات التي تواجه الأمة الإسلاميّة من الظلم والاستبداد.
3ـ التأكيد على أهميّة الإصلاح السياسيّ وفق الشريعة الإسلاميّة: يُوصي البحث بتفعيل فكرة الإصلاح السياسيّ التي دعا إليها الإمام الحسينA في العصر الحديث، عبر مؤسّساتٍ إسلامية تقوم على العدالة ومبدأ الشورى. يجب أن تظلّ هذه المبادئ مرجعيّة في بناء الأنظمة السياسيّة التي تلتزم بالإسلام كمرجعيّة أخلاقيّة.
4ـ دراسة التفاعل بين فكر الإمام الحسينA ونظريّات الحكم الحديثة: يُنصح بمواصلة البحث في كيفيّة مقارنة فكر الإمام الحسينA مع نظريّات الحكم الحديثة، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. فإنّ الإمام الحسين يقدم رؤيةً متكاملةً تجمع بين العدالة الاجتماعيّة والحفاظ على حقوق الأفراد في إطار حكمٍ يلتزم بالقيم الإسلاميّة.
5ـ تعزيز الحوار بين المذاهب حول مفهوم الولاية: نظرًا لاختلاف الفهم حول مفهوم الولاية بين المذاهب الإسلاميّة، يُوصي البحث بتشجيع الحوار بين العلماء والمفكّرين من مختلف المذاهب الإسلاميّة حول شروط الحاكم الشرعي وآليات تحقيق العدالة والتعاون على مواجهة الفساد السياسي. يمكن أن يساعد هذا الحوار في تقريب وجهات النظر وتعزيز التكامل بين المذاهب في فهم الحكم الصالح.
6ـ التوسّع في دراسات الحركات الثوريّة المعاصرة المستوحاة من ثورة كربلاء: من المهم أيضًا توجيه الاهتمام الأكاديمي إلى دراسة الحركات الثوريّة المعاصرة التي تأثّرت بـ موقف الإمام الحسين، وكيفيّة ترجمتها إلى واقع في المجتمعات المعاصرة. يمكن استلهام ثورة الإمام الحسين لإعادة التفكير في كيفية مقاومة الطغيان وبناء أنظمةٍ سياسيّةٍ عادلةٍ في العالم الإسلامي.
7ـ إبراز القيمة العالميّة لثورة الإمام الحسينA: بما أنّ ثورة الإمام الحسينA تتجاوز الحدود الجغرافيّة والدينيّة، يُوصى البحث بزيادة الاهتمام بالجانب العالمي للثورة في المنتديات الدوليّة التي تسعى إلى تحقيق العدالة الإنسانيّة ومقاومة الظلم في مختلف أنحاء العالم. يمكن للإمام الحسين أن يكون رمزًا عالميًا للحرية والنضال ضدّ الطغيان؛ ممّا يعزّز من تأثيره في المجتمعات الإنسانيّة الأخرى.
8ـ إحياء ذكرى كربلاء في التعليم: يُوصى بتعزيز إحياء ذكرى كربلاء في المدارس والجامعات، من خلال دوراتٍ تعليميّة ومناهج أكاديميّة تبرز دروس الثورة الحسينيّة في مقاومة الظلم والطغيان، وكيفيّة تطبيق هذه الدروس في الواقع السياسي المعاصر. هذا سيسهم في تربية جيلٍ يفهم مفهوم الولاية والعدل بشكلٍ أعمق.
خاتمة التوصيات
تتوجّه هذه التوصيّات نحو تعزيز الوعي الدينيّ والسياسيّ للأمّة الإسلاميّة، وإحياء مفاهيم العدالة والحرية التي رسّخها الإمام الحسين في ثورته ضدّ الظلم. إذا تم تطبيق هذه التوصيات في المجالات السياسيّة والفكريّة والتعليميّة، فإنّه يمكن تحقيق إصلاحاتٍ سياسيّةٍ حقيقيّةٍ تسهم في بناء أنظمة حكمٍ عادلةٍ ومتوافقةٍ مع تعاليم الإسلام.
ثبت المصادر
القرآن الكريم.
أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنّى التميمي (ت 307هـ)، مسند أبي يعلى، تحقيق، حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث.
ابن الأثير، علي بن أبي الكرم محمد (ت 630هـ)، أُسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الكتاب العربي، بيروت، (د.ت).
ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد (ت 235هـ)، المصنّف في الأحاديث والآثار، تحقيق، سعيد اللحام، دار الفكر، بيروت، ط1، 1409هـ.
ابن حبّان، محمد بن حبّان التميمي (ت 354هـ)، صحيح ابن حبّان، بترتيب ابن بلبان، تحقيق، شعيب الأرنؤوط، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414هـ.
ابن حنبل، أحمد بن محمد الشيباني (ت 241هـ)، مسند أحمد، دار صادر، بيروت.
ابن سعد، محمد بن سعد (ت نحو 230هـ)، الطبقات الكبرى، تحقيق، إحسان عباس، دار صادر، بيروت، (د.ت).
ابن شهرآشوب، محمد بن علي (ت 588هـ)، مناقب آل أبي طالب، المطبعة الحيدرية، النجف، 1376هـ.
ابن كثير، إسماعيل بن كثير (ت 774هـ)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق، يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، 1412هـ.
ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني (ت 273هـ)، سنن ابن ماجة، تحقيق، محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
ابن منظور، محمد بن مكرم (ت 711هـ)، لسان العرب، أدب الحوزة، قم، 1405هـ.
البخاري، محمد بن إسماعيل (ت 256هـ)، صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت، 1401هـ.
البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر (ت 279هـ)، أنساب الأشراف، تحقيق: محمد حميد الله، معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية ودار المعارف، مصر، (د.ت).
الترمذي، محمد بن عيسى (ت 279هـ)، سنن الترمذي، تحقيق، عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر، بيروت، 1403هـ.
الجوهري، إسماعيل بن حمّاد (ت 393هـ)، الصحاح، تحقيق، أحمد عبد الغفور عطّار، ط4، دار الملايين، بيروت، 1407هـ/1987م.
الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله (ت 405هـ)، المستدرك على الصحيحين، إشراف، يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت.
الذهبي، محمد بن أحمد (ت 748هـ)، سير أعلام النبلاء، تحقيق، إبراهيم الزيبق، إشراف، شعيب الأرنؤوط، ط9، بيروت، 1413هـ.
الصدوق، محمد بن علي بن الحسين (ت 381هـ)، كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق، علي أكبر الغفاري، ط2، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1395هـ.
الطبراني، سليمان بن أحمد (ت 360هـ)، المعجم الأوسط، تحقيق، قسم التحقيق بدار الحرمين، دار الحرمين، 1415هـ.
الطبري، محمد بن جرير (ت 310هـ)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق، صدقي جميل العطار، دار الفكر، بيروت، 1415هـ.
الطوسي، محمد بن الحسن (ت 460هـ)، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق، أحمد حبيب قصير العاملي، ط1، مكتب الإعلام الإسلامي، 1409هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب (ت 329هـ)، الكافي، تحقيق، علي أكبر الغفاري، ط5، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1363ش.
الماوردي، علي بن محمد (ت 450هـ)، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ط2، شركة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1386هـ/1966م.
المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (ت 413هـ)، أوائل المقالات، تحقيق، إبراهيم الأنصاري، ط2، دار المفيد، بيروت، 1414هـ.
المظفر، محمد رضا (ت 1383هـ)، عقائد الإمامية، انتشارات أنصاريان، قم.
مسلم، مسلم بن الحجاج (ت 261هـ)، صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت.
النسائي، أحمد بن شعيب (ت 303هـ)، السنن الكبرى، تحقيق: عبد الغفار البنداري وسيد كسروي حسن، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411هـ.
النسائي، أحمد بن شعيب (ت 303هـ)، فضائل الصحابة، دار الكتب العلمية، بيروت.
[1] سورة النساء، 59.
[2] يُنظر، الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح، 6/2528، مادة: ولي.
[3] المصدر نفسه، 2/580، مادة: أمر.
[4] سورة النساء، 59.
[5] حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين، والذي يعجز القلم عن إحصاء المصادر التي نقلته، ونذكر نزرًا يسيرًا منها تبركًّا، ابن الأثير، علي بن أبي الكرم محمد، أسد الغابة، 2/12، الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، 9/365، البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر، أنساب الأشراف، 2/111، أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنّى التميمي، مسند أبي يعلى الموصلي، 2/297، 303، 376، صحيح ابن خزيمة، 4/63، ابن سعد، محمد بن سعد الطبقات الكبرى، 2/194، الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، 3/374، 4/33.
[6] وهو حديث معروف مشهور وإليك بعض مصادره، البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، 4/208، 5/129، مسلم، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، 7/120 ـ 121، ابن ماجة، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، 1/42 ـ 43، 45، الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، 5/301 ـ 302، 304، ابن حبّان، محمد بن حبّان، صحيح ابن حبّان، 15/15 ـ 16، 369، 371، النسائي، أحمد بن شعيب، فضائل الصحابة، 13 ـ 14.
[7] حديث معروف مشهور وإليك بعض مصادره، التميمي، أحمد بن علي بن المثنّى، مسند أبي يعلى، 1/429، أحمد بن حنبل، مسند أحمد، 1/84، 118، 119، 152، 4/281، 368، 370، الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، 3/109 ـ 110، ابن أبي شيبة، المصنّف، 7/495، 496، 503، 506، ابن حبّان، محمد بن حبّان، صحيح ابن حبّان، 15/375 ـ 376، النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، 5/132، 134، 136.
[8] الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، 253.
[9] الكليني، الكافي، 1 /187، باب فرض طاعة الأئمّة، ح7.
[10] المصدر نفسه، 1/286، باب ما نصَّ اللهُ (عزَّ وجلَّ) ورسوله على الأئمّة % واحدًا فواحدًا، ح1.
[11] الكليني، الكافي: 2/21، باب دعائم الإسلام، ح9.
[12] المفيد، محمد بن محمد، أوائل المقالات، 65.
[13] الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، 3/236.
[14] المظفر، محمد رضا، عقائد الإماميّة، ص70.
[15] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، 5/208.
[16] الماوردي، علي بن محمد، الأحكام السلطانيّة، 5.
[17] يقصد آية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾.
[18] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، 1/530.
[19] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، 15/394، مادة: أوصى.
[20] سورة النساء، 59.
[21] سورة النساء، 58
[22] سورة البقرة، 247.
[23] سورة ص، 26.
[24] سورة آل عمران، 159.
[25] سورة الحج،41.
[26] سورة المائدة، 55 ــ 56.
[27] سورة البقرة، 124.
[28] الأشر: المرح. يُنظر، ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، 4/20/ مادّة: أشر.
[29] البَطَرُ: الأَشَر، وهو شدّة المَرَح . والبَطَر: الطغيان عند النعمة وطول الغنى . ينظر ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، 4/20/ مادة: بطر.
[30] مناقب آل أبي طالب:3/241.