البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإمام الحسین(عليه السلام) و الإمامة (بیانٌ للأصول وتجدیدٌ للمفاهیم)

الباحث :  د. إبراهیم الرضائي الکليري
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  39
السنة :  صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث :  349
تحميل  ( 653.675 KB )
الملخّص
يسعى هذا البحث بالاعتماد على المصادر الإسلاميّة الرئيسة، لإجابة السؤال عن الإجراءات التي قام بها الإمام الحسين(عليه السلام) لتبيين أصول الإمامة ومفاهيمها؟ في ضوء منهجٍ وصفيّ تحليليّ. وتشير نتائج البحث إلى أنّ الإمام الحسين(عليه السلام)، نظرًا للظروف التي نشأت بعد إزاحة الإمامة والخلافة عن أهل البيت(عليهم السلام)، والسعي لنسيان اسم الإمام علي(عليه السلام)، قد بذل جهودًا كبيرةً خلال حياته في تبيين وإحياء أصول الإمامة. ومن تلك الجهود تبيين معنى مفهوم الإمام وسعته، وضرورة وجود الإمام في المجتمع الإسلامي، وبيان شروط الإمام ككونه مختارًا من قبل الله ومعصومًا، وهذه من أصول الإمامة عند أهل البيت(عليهم السلام) التي سعى الإمام الحسين(عليه السلام) إلى إحيائها. كما أنّ من جملة جهوده بيان فضائل الإمام علي(عليه السلام)، وإثبات إمامة أهل البيت(عليهم السلام) استنادًا إلى آيات القرآن والروايات. وكان من أهداف الإمام الحسين(عليه السلام) من تبيين الإمامة ومفاهيمها إظهار المكانة الرفيعة للإمامة، وعدم أهلية كلّ أحدٍ لنيل هذا المنصب، وإحياء فضائل الإمام علي(عليه السلام) ومناقبه في المجتمع. وكان هذا التبيين يستهدف بشكل غير مباشرٍ بني أمية، الذين اغتصبوا منصب الإمامة والخلافة من أهل البيت(عليهم السلام) من دون امتلاكهم للكفاءات اللازمة.

الكلمات المفتاحية: الإمام الحسين(عليه السلام)، الإمامة، الأصول، أهل البيت (عليهم السلام)، الإمام علي(عليه السلام).

المقدّمة
إنّ عقيدة الإمامة أحد الأصول الأساسيّة للكلام الشيعي، تحوّلت بعد رحيل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرةً إلى موضوعٍ محوريّ في نقاشات الأمة الإسلاميّة، وأصبحت هذه العقيدة أهمّ نقطة افتراقٍ بين المسلمين، لدرجة يمكن معها الادّعاء أنّه لا يوجد موضوعٌ مثل مسألة الإمامة تسبّب في ظهور خلافاتٍ عميقةٍ وصراعاتٍ دمويّةٍ في تاريخ الإسلام، وأدت هذه الخلافات الجوهريّة في النهاية إلى تشكيل تيّارين رئيسين هما الشيعة والسنّة في المجتمع الإسلامي.
في المنظومة الفكريّة لأهل السنّة، فإنّ الإمامة وإنْ كانت تعرف بأنّها خلافة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلّا أنّهم يرونها مسألةً فرعيّةً فقهيّةً؛ لذا تساهلوا في طريقة اختيار الخليفة أو الإمام، فلم يشترطوا العصمة والعلم الكامل. في المقابل، ينظر الشيعة إلى هذه المنصب بنظرةٍ أعمق، فيعدّون الإمامة منصبًا إلهيًّا لا يتحقّق إلّا باختيار الله، ويعدّون شروطًا مثل العصمة المطلقة وامتلاك العلم الخاصّ من ضروريّاته.
وللأسف، بعد رحيل النبيّ الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)، تعرّض هذا الأصل الإلهي للإهمام والتعدّي، وتدهور إلى منزلةٍ دنيويّةٍ بحتة. بلغ هذا المسار الانحرافي ذروته في عهدي الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) والإمام الحسين(عليه السلام)، ومع وصول يزيد إلى السلطة، تم تهميش القيم الإسلاميّة الأصيلة تمامًا. في مثل هذه الظروف، قام أهل البيت(عليهم السلام) بوصفهم حاملي الرسالة الحقيقيّة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، عبر العصور المختلفة، بالسعي لتوضيح وإحياء هذا الأصل الإسلامي الأصيل.
وقد قام الإمام الحسين(عليه السلام) بوصفه من أبرز شخصيّات هذا التيّار، بتوضيح أبعاد الإمامة المختلفة وخصائص الحاكم الإسلامي من خلال تنويراته العميقة، لمنع الانحراف الفكريّ والعَقَديّ في أمّة الإسلام. وتسعى هذه الدراسة، بالاعتماد على مصادر معتمدة للفريقين وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي، إلى تحليل آراء الإمام الحسين(عليه السلام) حول أصول الإمامة والمفاهيم المتعلّقة بها.

1. المصطلحات المتعلّقة بالإمامة
في اللغة، يُطلق الإمام على الذي يُؤتَمّ به، سواء أكان حقًا أم باطلًا[1]، وبعضهم عرّف الإمام بأنّه الذي يقتدي به الناس في أمورهم[2]، وجمع هذه الكلمة (أئمّة) [3]. وفي الاصطلاح الإسلامي، عُرّفت الإمامة بأنّها «الرئاسة العامّة في أمور الدين والدنيا بوصفها خلافةً أو نيابةً عن النبّي(صلى الله عليه وآله وسلم)»، وهو تعريفٌ مقبولٌ لدى جميع المذاهب الإسلاميّة [4].
من خلال تعريفات المتكلّمين الإسلاميين، يتّضح أنّ الإمامة تشمل أمور الدنيا والدين معًا. بمعنى آخر، لا تتمتع الإمامة الإسلاميّة بطابعٍ علمانيّ يُخرج الأمور الروحيّة والدينيّة عن نطاقها، ويقتصر دورها على إقامة العدل والأمن فقط. بل إنّ حفظ الدين وتنفيذه، وبيان القيم الدينيّة، وتفسير الكتاب والسنّة تفسيرًا صحيحًا، كلّها من أهداف الإمامة. وهذا المنظور يختلف جذريًّا عن رؤية أهل السنّة الذين يحصرون مسؤوليّة الإمام في حفظ الدين من الأعداء، وتنفيذ الأحكام الإسلاميّة.
في مسألة المشروعيّة، يرى المتكلّمون الإسلاميون أنّ مشروعيّة الإمامة تنبع من كونها خلافةً ونيابةً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وليست وكالةً عن الناس. هذا الرأي يقوم على نظريّة النصّ التي يؤمن بها الشيعة.

ما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أنّ الإمامة تعني فقط رئاسة المجتمع الإسلامي وقيادته، وهذا الفهم ناتجٌ عن ممارسات الخلفاء الثلاثة، ثم حكم معاوية ويزيد، ولا يتوافق هذا التعريف مع آيات القرآن، وأقوال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل بيته(عليهم السلام). وقد عمل الإمام الحسين(عليه السلام) في مواقف عديدة على توضيح المعنى الحقيقي للإمامة لمنع انحراف هذا المفهوم.
قسّم الإمام الحسين(عليه السلام) الأئمّة إلى نوعين: إمام هدى، وإمام ضلال. عندما سأله الرجلُ الأسديُّ عن آية ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾[5] أجاب(عليه السلام): «نَعَمْ يَا أَخَا بَنِي أَسَد! هُمْ إِمَامَانِ: إِمَامُ هُدًى دَعَا إِلَى الْهُدَى، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ»[6]. وكذلك أجاب(عليه السلام) بشرَ بن غالبٍ عن الآية نفسها بقوله: «إِمَامٌ دَعَا إِلَى هُدًى فَأَجَابُوهُ إِلَيْهِ، وَإِمَامٌ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ فَأَجَابُوهُ إِلَيْهَا»[7]. وهذا يبيّن أنّه ليس كلّ من يتولّى زمام أمور المجتمع الإسلامي يكون بالضرورة إمامَ هدى، بل قد يكون إمامَ ضلالةٍ. وقد أشار الإمام الحسين(عليه السلام) في مناسباتٍ متعدّدةٍ إلى صفات إمام الهدى، منها قوله: «مَا الْإِمَامُ إِلَّا الْعَامِلُ بِالْكِتَابِ، وَالْآخِذُ بِالْقِسْطِ، وَالدَّائِنُ بِالْحَقِّ، وَالْحَابِسُ نَفْسَهُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ»[8].

من أهمّ واجبات الإمام التي يبيّنها الإمام الحسين(عليه السلام)، هي هداية البشر، وهو أمرٌ يتجاوز الحكم والسياسة. وقد تم التأكيد على هذا المفهوم في الأدعية المنقولة عنه، مثل هذا المقطع: «وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا حَقًّا، وَأَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِهِ هُمُ الْأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ الْمَهْدِيُّونَ غَيْرُ الضَّالِّينَ وَلَا الْمُضِلِّينَ»[9].
هذا المنظور الهدائي ينعكس أيضًا في بعض آيات القرآن حول الإمامة، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾[10]. و﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾[11].

تمتلك الإمامة كما يبيّنها الإمام الحسين(عليه السلام) أبعادًا عميقةً تتجاوز المفاهيم السياسيّة والحكوميّة؛ إذ من خلال التأكيد على صفاتٍ مثل العلم والعصمة والعدل والهداية، يقدّم الإمام(عليه السلام) صورةً دقيقةً لمفهوم الإمامة الحقيقي، الذي يدحض الفهوم السطحيّة للإمامة التي تركّز فقط على الجوانب السياسيّة والتنفيذيّة. والإمام الحسين(عليه السلام) بقيامه التاريخي، ونهضته المباركة، لم يدافع عن هذا المفهوم الأصيل للإمامة فحسب، بل قدّم نموذجًا عمليًّا لإمام الهدى.

2. ضرورة وجود الإمام
من أهمّ أصول الإمامة التي يجليها الإمام الحسين(عليه السلام) هو ضرورة وجود الإمام في المجتمع الإسلامي؛ إذ يستدلّ الإمام(عليه السلام) بآيات القرآن الكريم والروايات النبويّة ليبيّن مكانة الإمامة كمحورٍ للوحدة والهداية للأمّة، فالإمام ليس مرجعًا لحلّ الخلافات فقط، بل هو حامي الشريعة ومنفذ العدالة الإلهيّة. ففي المجتمعات البشريّة التي تتعرّض دائمًا لاحتمال ظهور صراعاتٍ فكريّةٍ وعمليّة، فإنّ وجود قائدٍ معصومٍ في العلم والعمل يمكن أن يمنع الانحراف والتفرّق.
ونقل ابن شهر آشوب عن الحسين(عليه السلام) قوله: «نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله الأقربون وأهل بيته الطيّبون، وأحد الثقلين، الذين جعلنا رسول الله ثاني كتاب الله تعالى فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله بل نتبع حقايقه، فأطيعونا؛ فإنّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله مقرونة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[12]، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ﴾» [13][14]. هذا الحديث يشير بوضوح إلى أنّ طاعة أهل البيت (عليهم السلام) بوصفهم أولي الأمر مساويةٌ لطاعة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم). فالإمام الحسين(عليه السلام) يبيّن في هذا الحديث المكانة العلميّة والتفسيريّة لأهل البيت (عليهم السلام)، ويؤكد أنّهم وحدهم القادرون على عرض حقائق القرآن دون تحريف.

ومن الأسباب الأخرى لضرورة الإمامة هو بيان تفاصيل الشريعة في مجالاتٍ مختلفةٍ مثل العبادات والمعاملات والحدود. فالقرآن الكريم وإنْ كان قد بيّن الأصول العامّة للأحكام، لكنّ تفسيرها وتطبيقها في التفاصيل يقع على عاتق الأئمّة المعصومين(عليهم السلام). فعلى سبيل المثال، كيفيّة تنفيذ الحدود أو شروط صحّة المعاملات تتطلّب مرجعًا يتمتع بالعلم الإلهيّ والعصمة. ويؤكّد الإمام الحسين(عليه السلام) في هذا السياق دور الإمام كمفسّرٍ للوحي، ومراقبٍ للتطبيق الصحيح للأحكام.
كما أنّ إقامة القسط والعدل في المجتمع من الوظائف الأساسيّة للإمام. ففي ظلّ حكم الأمويين الظالم، فضح الإمام الحسين(عليه السلام) النموذج الزائف للخليفة أو الإمام، بعرض صورة الإمام الحقّ العادل الذي يمكنه منع انتهاك القانون وضياع حقوق الضعفاء؛ إذ قال(عليه السلام): «ما الإمام إلّا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحقّ، والحابس نفسه على ذات الله»[15].

وبحسب كلام الإمام الحسين(عليه السلام)، فإنّ حكم غير المؤهلين المدّعين لا يؤدّي فقط إلى الظلم، بل يبعد الناس عن المعارف الدينيّة الأصيلة. فقد قال(عليه السلام) في خطبته أثناء مواجهة جيش الحر بن يزيد: «أما بعد: أيّها الناس فإنّكم إنْ تتّقوا الله، وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمّدٍ، وأولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان»[16].
وهذا الكلام يبيّن أنّ الإمام(عليه السلام) أنّ الحقّ في الحكم هو لأهل البيت(عليهم السلام) فقط، وأنّ حكم الغاصبين هو السبب الرئيس للفتن. وفي الواقع، كانت ثورة عاشوراء حركةً لإحياء الإمامة والعدالة، ولإثبات أنّ المجتمع من دون قيادةٍ إلهيّةٍ سيؤول إلى الهلاك.
أكّد الإمام الحسين(عليه السلام) على ثلاثة قضايا رئيسة، وهي حلّ الخلافات، وبيان الشريعة، وإقامة العدل، ليشرح بشكلٍ شاملٍ ضرورة الإمامة. واستدلّ بالقرآن والسنّة ليؤكّد أنّ الإمامة ليست منصبًا سياسيًّا، بل هي منصبٌ إلهيّ لهداية البشر. وفي العصر الحاضر، يمكن لهذه التعاليم أن تكون دليلًا للمجتمعات الإسلاميّة في التمييز بين الحقّ والباطل.
ومن الجوانب المهمّة التي أكد عليها الإمام الحسين(عليه السلام) هو أنّ الإمامة امتدادٌ للنبوة، فكما أنّ النبّي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان مرشدًا للأمّة، فإنّ الأئمّة من بعده هم حماة الرسالة ومفسّروها. وهذا ما يجعل الإمامة ضرورةً دينيّةً وليس مجرد نظام حكم.
وقد بيّن الإمام(عليه السلام) أنّ غياب الإمام العادل يؤدّي إلى انتشار الفساد وضياع هويّة الأمّة. فحينما يحكم الطغاة، تتحوّل القيم إلى أدواتٍ للسيطرة، ويصبح الدين مجرد شعاراتٍ زائفة. وهذا ما حدث في العصر الأموي، حيث استُخدِم الدين لتبرير الظلم والاستبداد.

لذلك، فإنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لم يترك مجالًا للشكّ في أنّ مقاومة الظلم واجبٌ شرعيٌّ، وأنّ السكوت عنه يعني المشاركة فيه. وهذه رسالةٌ خالدةٌ لكلّ الأجيال، تُذكّر بأنّ الحقّ لا يُنتزع إلّا بالثبات والتضحية.
فالإمامة هي نظامٌ إلهيّ لتحقيق العدل والحكمة في الأرض، وبدونها تتحوّل الحياة إلى فوضى وصراع. وهذا هو الدرس الأكبر الذي علّمنا إيّاه سيّد الشهداء(عليه السلام).

3. اختیار الإمام من قبل الله تعالى
أحد أصول الإمامة الرئيسة في روايات الإمام الحسين(عليه السلام) هي أنّ اختيار الإمام يكون من قبل الله تعالى؛ لأنّ العصمة شرطٌ في الإمامة، والعصمة أمرٌ خفيٌّ لا يطلّع عليه أحدٌ إلّا الله، فلا يمكن العلم بها في أيّ شخصٍ إلّا بإعلام عالم الغيب؛ وهذا يتحقّق بطريقتين: الأولى، إعلام معصومٍ مثل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ليخبرنا بعصمة الإمام وتعيينه؛ والثانية، إظهار المعجزة على يديه الدالة على صدقه في ادّعائه الإمامة [17].

هذا الدليل العقلي مؤيّدٌ أيضًا بالدليل النقلي؛ من ذلك أنّ سعد بن عبد الله الأشعري سأل الإمام المهدي(عليه السلام): لماذا مُنع الناس من اختيار الإمام لأنفسهم؟ فأجاب الإمام المهدي(عليه السلام) بالاستدلال السابق نفسه [18].
كما أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عدّ أمر الإمامة أمرًا إلهيًّا، واختيار الأئمّة بيد الله تعالى، وكان دائمًا يؤكّد على ذلك؛ عن عبد الله بن عبّاس قال: قدم مسيلمة الكذّاب في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة فقال: إنْ جعل لي محمّدٌ الأمرَ من بعده تبعته! فقدم بجمعٍ كبيرٍ من قومه، فأتاه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قطعة جريدةٍ حتى وقف على مسيلمة بين أصحابه فقال: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن أتعدّى أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنّك الله... »[19].
ونقل ابن كثير الدمشقي هذه القصة بعباراتٍ أكثر وضوحًا فكتب: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه. فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «الأمر لله يضعه حيث يشاء» [20].
هذه الروايات تثبت بوضوح أنّ تعيين الإمام والخليفة هو من اختصاص الله تعالى، وحتّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن له أيّ اختيارٍ في هذا الأمر. وقد أكد الإمام الحسين(عليه السلام) دائمًا على أنّ اختيار الإمام هو بيد الله؛ لأنّه عاش في عهد الخلفاء الأول والثاني والثالث وفي زمن معاوية ويزيد. وهي فترات تم فيها إبعاد الإمام الحقّ المختار من الله بسهولة، وبدأ الناس باختيار أئمتهم بأنفسهم؛ ممّا أدّى إلى اختيار أشخاصٍ غير مناسبين، فتفاقمت مشاكل المجتمع الإسلامي يومًا بعد يوم.

وفي بعض أدعية الإمام الحسين(عليه السلام) أيضًا تم التأكيد على اختيار الإمام من قبل الله. قال الحسين(عليه السلام) في دعاءٍ له: «وأشهد أنّ عليَّ بن أبي طالب أميرُ المؤمنين حقًّا حقًّا، وأنّ الأئمة من ولده هم الأئمّة الهداة المهديّون غير الضالين ولا المُضلِّين... واصطفيتهم على عبادك وجعلتهم حجةً على العالمين» [21].
هذه الكلمات تظهر أنّ الإمامة ليست منصبًا سياسيًّا، بل هي مكانةٌ إلهيّةٌ تمنح لأفرادٍ مختارين من قبل الله حصرًا، وهؤلاء الأفراد، بسبب ما يتمتعون به من علمٍ إلهيّ وعصمة، قادرون على هداية المجتمع حقًّا، وأيّ انحرافٍ عن طريقهم يعني البعد عن طريق الحقّ.

3. عصمة الإمام
إحدى صفات الإمام هي العصمة، والعصمة في اللغة تعني الطهارة، والعفّة، وحفظ النفس، والامتناع عن الذنوب، والابتعاد عن الدنس. والعاصم بمعنى الحافظ، والمانع، والحاجز، والمعصوم هو الذي يكون مصونًا، ومحفوظًا، وبعيدًا عن المعصية [22]. وفي الاصطلاح الديني، العصمة هي لطفٌ إلهيٌّ يمنحه الله لعبده، يمنعه من ارتكاب الذنوب وتجاوز أوامر الله، حتى لو كان قادرًا على فعلها [23].
ومن الأصول المهمة للإمامة التي يبيّنها الإمام الحسين(عليه السلام) مسألة عصمة الإمام. فقد عاش في فترةٍ كان كثيرٌ من الناس لا يقبلون فيها عصمة الإمام؛ لأنّه لو كانوا يؤمنون بها، لما سلّموا منصب الإمامة لأشخاصٍ غير معصومين ولا اتّبعوهم. خاصّة أنّ هؤلاء الأشخاص لم يدّعوا العصمة، ولم يكن أتباعهم يعتقدون ذلك فيهم؛ لذلك، كان الإمام الحسين(عليه السلام) في كلماته يُركّز دائمًا على بيان العصمة.

فقد قال في دعائه: «أَشْهَدُ أَنَّ عَليَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ حَقًّا حَقًّا، وَأَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِهِ هُمُ الْأَئِمَّةُ... وَأَنَّهُمْ أَوْلِیَاؤُکَ الْمُصْطَفَوْنَ، وَحِزْبُکَ الْغَالِبُونَ، وَصَفْوَتُکَ وَخِیَرَتُکَ مِنْ خَلْقِکَ، وَنُجَبَاؤُکَ الَّذِینَ اجْتَبَیْتَهُمْ لِدِینِکَ، وَاخْتَصَصْتَهُمْ مِنْ خَلْقِکَ، وَاصْطَفَیْتَهُمْ عَلَى عِبَادِکَ، وَجَعَلْتَهُمْ حُجَّةً عَلَى الْعَالَمِینَ»[24].
في هذا النصّ، يؤكّد الإمام الحسين(عليه السلام) على حقيقة أنّ أهل البيت(عليه السلام) هم المختارون والمصطفون من الله لهداية البشر. وكلمة «اصطفاء» تحمل في جوهرها معنى العصمة؛ لأنّها في اللغة العربية تعني التنقية من كلّ شائبةٍ أو عيبٍ أو صفةٍ ذميمةٍ، وهذا هو حقيقة العصمة. وفي آياتٍ عديدةٍ من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِیمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِینَ﴾[25]. و ﴿اللَّهُ یَصْطَفِی مِنَ الْمَلَائِکَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِیعٌ بَصِیرٌ﴾[26]. تم استعمال هذه الكلمة للتعبير عن اختيار وعصمة الأنبياء.

4. إثبات إمامة أهل البیت(عليهم السلام)
من إسهامات الإمام الحسين(عليه السلام) المهمّة في موضوع الإمامة، إثبات إمامة أهل البيت(عليهم السلام) بالاستناد إلى آيات القرآن الكريم، ومن أبرز هذه الآيات آية المباهلة:﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾[27]. فقد استدلّ الإمام الحسين(عليه السلام) بهذه الآية المباركة قائلًا: «أنشدكم الله، أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة، لم يأتِ إلّا به [أي الإمام علي(عليه السلام)]، وبصاحبته [أي الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام]، وابنيه [أي الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام)]؟» . فأجاب الحاضرون: «اللهمّ نعم»[28].
ووفقًا للروايات المختلفة فإنّ في هذه الآية (أَبْنَاءَنَا) تشير إلى الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، و(نِسَاءَنَا) تعني السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، و(أَنْفُسَنَا) تشير إلى الإمام علي(عليه السلام). وقد سعى الإمام الحسين(عليه السلام) من خلال الاستناد إلى هذه الآية إلى بيان الحقيقة التي مفادها أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أظهر باختياره لهذه الشخصيات الأربع المقدّسة مكانتهم الفريدة في الأمة الإسلاميّة؛ لأنّه لو وجد آخرون بمستواهم ومقامهم لكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لباهل بهم أيضًا. كما أنّ في هذه الآية تم تصوير الإمام علي(عليه السلام) على أنّه نفس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وروحه؛ ممّا يدل على خلافته المباشرة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن الآيات الأخرى التي استدلّ بها الإمام الحسين(عليه السلام) لإثبات إمامة أهل البيت(عليهم السلام) آية المودّة: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ [29]. إذ ورد في روايةٍ عن الإمام الحسين(عليه السلام): حين اجتمع المهاجرون والأنصار عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: «يا رسول الله! إنّ نفقاتك وضيوفك الذين يأتون لزيارتك على عاتقنا. هذه أموالنا وأنفسنا تحت تصرّفك؛ فخذ ما تشاء وأمسك ما تشاء» . فنزل جبرئيل(عليه السلام) في تلك اللحظة وتلا على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾[30]. والمقصود بـ(القربى) في هذه الآية هم أهل بيت النبيّ (عليهم السلام).

لكن المنافقين قالوا: «إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) امتنع عن قبول عرضنا ليجبرنا على موالاة أقاربه من بعده! إنّ هذا إلّا شيءٌ افتراه!» وكان قولهم هذا من الخطورة بمكان حتى إنّ الله تعالى أنزل في الردّ عليهم هذه الآية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[31].
وبعد ذلك، استدعاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وسألهم: «هل قلتم شيئًا؟»، فأجابوا بندم: «نعم، يا رسول الله! لقد قال بعضنا كلامًا غير لائق.” فتلا عليهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) آيات الله، فبكوا بكاءً شديدًا. ثم أنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾[32].

وأكد الإمام الحسين(عليه السلام) بالاستناد إلى آية المودّة أنّ (القربى) في هذه الآية هم أهل البيت(عليهم السلام)، وأنّ الله تعالى قد أوجب مودّتهم على جميع المسلمين. «إنّ القرابة التي أمر الله بالوصلة إليها وعظم حقّها هم نحن أهل البيت الذين أوجب الله حقنا على كل مسلم» [33].

5. بیان فضائل الإمام علي(عليه السلام) ومناقبه
من أبرز أعمال أعداء الإمام علي(عليه السلام) في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته، محاولة تشويه شخصيته ومكانته ومحو فضائله ومناقبه. وقد استمرت هذه المحاولات بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوة وسرعة أكبر، وبلغت ذروتها في عهد معاوية بن أبي سفيان، الذي أوجب سبّ عليًّا(عليه السلام) ولعنه علنًا على المنابر.

لذلك سعى الإمام الحسين(عليه السلام)، لإحياء فضائل الإمام علي(عليه السلام) ومناقبه، في المجتمع الإسلامي، وفي ذلك ترسيخ لمفهوم الإمامة الإسلامي الأصيل، ويمكن القول إنّ الإمام بهذا الإحياء يحقّق ثلاثة أهداف هي:

أولًا: منع نسيان فضائل الإمام علي ومناقبه(عليه السلام).
ثانيًا: بيان أنّ ليس كلّ أحدٍ مؤهّلًا لتولي منصب الإمامة، بل يجب أن تتوفّر فيه المؤهّلات اللازمة.
ثالثًا: إظهارٌ بنحوٍ صريحٍ أنّ الحكام الحاليين أمثال معاوية ويزيد ليسوا أهلًا لحكم الناس.

ووفقًا لرواية سليم بن قيس الهلالي، فإنّ الإمام الحسين(عليه السلام) في مناشدته للناس استشهد بفضائل مثل:
1 . أخوة الإمام علي(عليه السلام) لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. فضيلة سد الأبواب
3 . حديث الغدير
4. حديث المنزلة
5. فضيلة المباهلة
6 . حديث الراية
7. حديث الثقلين
8 . تبليغ سورة براءة
9. فضائل أخرى مثل سبقه في الإيمان وزواجه من السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
وقد أخذ الإمام(عليه السلام) الإقرار من الناس على تصديق هذه الفضائل. قال سليم: فكان فيما ناشدهم الحسين(عليه السلام)، وذكّرهم أن قال: «أنشدكم الله أتعلمون أنّ عليّ بن أبي طالب كان أخا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين آخى بين أصحابه، فآخى بينه وبين نفسه، وقال: (أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة)؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه، ثم ابتنى فيه عشرة منازل، تسعة له، وجعل عاشرها في وسطها لأبي . ثم سدّ كلّ بابٍ شارعٍ إلى المسجد غير بابه، فتكلّم في ذلك من تكلّم، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه؛ ولكن الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه». ثم نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، وكان يجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فولد لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وله فيه أولاد؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوّةٍ قدر عينه يدعها من منزله إلى المسجد، فأبى عليه. ثم خطب(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّ الله أمر موسى أن يبني مسجدًا طاهرًا لا يسكنه غيره وغير هارون وابنيه، وإنّ الله أمرني أن أبني مسجدًا طاهرًا لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه؟ قالوا: اللهمَّ نعم . قال: أنشدكم الله، أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نصبه يوم غدير خم فنادى له بالولاية، وقال: (ليبلغ الشاهدُ الغائبَ)؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أنشدكم الله، أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال له في غزوة تبوك: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأنت ولي كلّ مؤمنٍ بعدي)؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أنشدكم الله، أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم يأتِ إلّا به وبصاحبته وابنيه؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أنشدكم الله، أتعلمون أنّه دفع إليه اللواء يوم خيبر، ثم قال: (لأدفعه إلى رجلٍ يحبُّه اللهُ ورسولُه، ويحبُّ اللهَ ورسولَه، كرّارٌ غير فرّارٍ يفتحها الله على يديه)؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه ببراءة، وقال: (لا يبلّغ عنّي إلّا أنا أو رجلٌ منّي)؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم تنزل به شدّةٌ قط إلّا قدّمه لها ثقةً به، وأنّه لم يدعه باسمه قط إلّا أن يقول: (يا أخي)، و(ادعوا لي أخي)؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قضى بينه وبين جعفر وزيد، فقال له: « يا عليُّ، أنت منّي وأنا منك، وأنت ولي كلّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ بعدي»؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أتعلمون أنّه كانت له من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ يومٍ خلوةٌ، وكلّ ليلةٍ دخلة، إذا سأله أعطاه، وإذا سكت أبداه؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فضّله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة(عليها السلام): «زوّجتك خيرَ أهل بيتي، أقدمهم سلمًا، وأعظمهم حلمًا، وأكثرهم علمًا»؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أنا سيّد ولد آدم، وأخي علي سيّد العرب، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنة، وابناي الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بغسله، وأخبره أنّ جبرئيل يعينه عليه؟ قالوا: اللهمَّ نعم .قال: أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في آخر خطبةٍ خطبها: «أيّها الناس، إنّي تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، فتمسّكوا بهما لن تضلوا»؟ قالوا: اللهمَّ نعم . فلم يدعْ شيئًا أنزله الله في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) خاصّة، وفي أهل بيته من القرآن، ولا على لسان نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا ناشدهم فيه، فيقول الصحابة: (اللهمَّ نعم، قد سمعنا)، ويقول التابعي: (اللهمَّ قد حدّثنيه من أثق به، فلان وفلان) . ثم ناشدهم أنّهم قد سمعوه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (من زعم أنّه يحبّني ويبغض عليًّا فقد كذب، ليس يحبّني وهو يبغض عليًّا) فقال له قائل: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: لأنّه مني وأنا منه، من أحبّه فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبَّ الله، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله)؟ فقالوا: (اللهمَّ نعم، قد سمعنا). وتفرّقوا على ذلك»[34].

الخاتمة
من خلال البحث الذي تم إجراؤه حول رؤية الإمام الحسين(عليه السلام) فيما يتعلّق بأصول الإمامة، وكواحدٍ من المجدّدين للمفاهيم المتعلّقة بها، تم التوصّل إلى النتائج الآتية:
1. قام الإمام الحسين(عليه السلام) خلال جميع مراحل حياته، وخاصّةً في فترة حكم والده أمير المؤمنين(عليه السلام)، وبعد ذلك في عهد معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية، بشرح إمامة أهل البيت (عليهم السلام). وذلك من أجل الحفاظ على مفهوم الإمامة حيًّا، حيث كانت الظروف تسير بطريقةٍ تقود إلى نسيان الناس كليًّا للإمامة وشروطها ووظائفها وخصائصها.
2. جميع الموضوعات التي طرحها الإمام الحسين(عليه السلام) حول الإمامة كانت مرتبطةً بالظروف السائدة في ذلك الوقت. وكان له(عليه السلام) أهداف مهمّة في شرح كلٍّ من أصول الإمامة والمفاهيم المتعلّقة بها مثل تعريف الإمامة، وضرورة وجود الإمام، والعصمة، وبيان فضائل ومناقب الإمام علي(عليه السلام).
3. كانت أهداف الإمام الحسين(عليه السلام) من شرح الإمامة والمفاهيم المرتبطة بها هي بيان المكانة الرفيعة للإمامة، وعدم أهليّة أيّ شخصٍ لتولي هذا المنصب، وإحياء فضائل ومناقب الإمام علي(عليه السلام) في المجتمع. وكان هذا الشرح يستهدف بشكلٍ غير مباشرٍ بني أميّة الذين اغتصبوا منصب الإمامة والخلافة عن أهل البيت (عليهم السلام) دون أن يكون لديهم المؤهّلات اللازمة.
4. بعد دراسةٍ متأنيةٍ لأصول الإمامة كما طرحها الإمام الحسين(عليه السلام)، يتّضح أنّ الإمامة ليست مجرد منصبٍ سياسيّ أو زعامةٍ دنيويّة، بل هي مقامٌ إلهي مرتبطٌ بالهداية الربانيّة والحفظ من الضلال. وقد أكد الإمام الحسين(عليه السلام) في مواقف عديدة أنّ الإمامة تستمد شرعيتها من النصّ الإلهي وليست خاضعةً لاختيار البشر؛ لأنّها تتطلّب العصمة والعلم اللدني، وهما صفتان لا يطلع عليهما إلّا الله تعالى.
5 . الإمامة منصبٌ إلهي وليست انتخابيّة: بيّن الإمام الحسين(عليه السلام) أنّ اختيار الإمام هو من شؤون الله تعالى، كما جاء في رواياتٍ عديدة. وهذا ينسجم مع العقل والمنطق؛ لأنّ العصمة والعلم الإلهي لا يمكن للبشر تقييمهما، بل يحتاجان إلى تعيينٍ من قبل الله.
6 . العصمة شرطٌ أساسيٌّ في الإمام: أكد الإمام الحسين(عليه السلام) أنّ الإمام يجب أن يكون معصومًا؛ لأنّ دوره لا يقتصر على القيادة السياسيّة، بل يشمل حفظ الدين وتفسير الوحي، وهذا لا يتأتى إلّا بعصمةٍ تكفل له عدم الخطأ والانحراف.
7. بيّن الإمام الحسين(عليه السلام)، أنّ إمامة أهل البيت(عليه السلام) تثبت من خلال الآيات القرآنيّة مثل آية المباهلة، وآية المودة، والروايات مثل حديث الغدير، وهي غير قابلةٍ للنقاش.
8. من أهمّ أعمال الإمام الحسين(عليه السلام) في الفترة التي كان الإمام علي(عليه السلام) يُلعن ويسبّ على المنابر شرقًا وغربًاــ في محاولة لمحو ذكراه إلى الأبد ــ كان إحياء فضائل الإمام علي(عليه السلام) ومناقبه.

فهرس المصادر
القرآن الکریم
ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق: علي شيري، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1408هـ.
ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: الزاوي والطناحي ، ط4، مؤسسة إسماعيليان، قم، 1364ش.
ابن أعثم الكوفي، أحمد بن محمد، الفتوح، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406هـ.
ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، قم، 1404هـ.
ابن كثير، السيرة النبوية، تحقيق: صدقي جميل العطار، ط1، دار الفكر، بيروت، 1425هـ.
ابن منظور، لسان العرب، ط3، دار الفكر، بيروت، 1414هـ.
ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، مؤسسة نشر علامة، قم، (د.ت).
البخاري، صحيح البخاري، تحقيق: أحمد زهوة وأحمد عناية، دار الكتاب العربي، بيروت، (د.ت).
البحراني، السيد هاشم، البرهان في تفسير القرآن، ط2، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1427هـ.
الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، مطابع النعمان، النجف، 1386هـ.
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ط2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1408هـ.
الطوسي، محمد بن الحسن، المصباح المتهجد، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، 1991م.
الصدوق، محمد بن علي، أمالي الصدوق، ط2، قم، منشورات الأربعة عشر المعصومين، 1386ش.
____________، عيون أخبار الرضا، ط2، قم، مكتبة طوس، 1363ش.
____________، كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق: الغفاري، ط5، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1429هـ.
الكليني، الكافي، تحقيق: الغفاري، ط3، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1388هـ.
الفراهيدي، العين، تحقيق: المخزومي والسامرائي، ط1، قم، منشورات أسوة، 1414هـ.
الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير، مكتبة لبنان، بيروت، (د.ت).
الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الحسين، تحقيق: السماوي، قم، نشر أنوار الهدى، 1418هـ.
الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، دار المعروف، (د.ت، د.م).
سليم بن قيس الهلالي، كتاب سليم بن قيس، تحقيق: محمد باقر الأنصاري، قم، 1428هـ.
السيد المرتضى، الأمالي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، 1998م.
العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، الباب الحادي عشر، تحقيق: مهدي المحقق، ط1، طهران، مؤسسة الدراسات الإسلامية، 1365ش.
____________، سرمایه إيمان، قم، نشر الزهراء، 1362ش.
اللاهيجي، عبد الرزاق، گوهر مراد، طهران، وزارة الإرشاد الإسلامي، 1372ش.
المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، تحقيق: مؤسسة آل البيت، ط2، بيروت، دار المفيد، 1414هـ.
____________، النكت الاعتقادية، المؤتمر العالمي، ط1، قم، 1413هـ.



--------------------------------------
[1] الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير، 1/32، الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص 24.
[2] معجم مقاييس فى اللّغة، ص 48، ولسان العرب، ج 1، ص 157.
[3] ابن فارس، معجم مقاييس في اللغة، ص 48؛ الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير، 1/32 - 31؛ ابن منظور، لسان العرب، 1/157؛ الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص 24.
[4] اللاهيجي، عبد الرزاق، سرمایه ایمان، ص 107 وگوهر مراد، ص 461 و462.
[5] الإسراء: الآیة 71.
[6] ابن أعثم الكوفي، الفتوح: 5/77، ومقتل الحسین(عليه السلام)، 1/ 220.
[7] الشوری: الآیة 7، الشيخ الصدوق، الأمالي، ص 217.
[8] الطبري، تاریخ الطبری، 4/262، ابن الأثير، الکامل في التاریخ، 4/21.
[9] الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجِّد:ص86.
[10] السجدة: الآیة 24.
[11] الأنبیاء: الآیة 73 .
[12] النساء: الآیة 59.
[13] النساء: الآیة 83 .
[14] لطبرسي، الاحتجاج، ص 299، ابن شهر آشوب، المناقب، 4/67.
[15] الطبري، تاریخ الطبری، 4/262، ابن الأثير، الکامل في التاریخ، 4/21.
[16] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد، 2/79، الطبري، الطبري، تاریخ الطبري، 4/303، ابن الأثير، الکامل في التاریخ، 4/47.
[17] الباب الحادي عشر مع شرحيه النافع يوم الحشر، ومفتاح الباب، ص: 44.
[18] الصدوق، کمال الدین، وتمام النعمة، 2/454.
[19]البخاري، صحیح البخاري، ص 734، ابن شهر اشوب، کتاب المناقب، ح 3620، وکتاب المغازي، ح 4373 وح 4378، وصحیح مسلم: ص 1062، کتاب الرؤیا، ح 5894.
[20]ابن كثير، السيرة النبوية، 2/46.
[21] الطوسي، محمد بن الحسن، المصباح المتهجد: ص 86.
[22] ابن الأثير، النهایة في غریب الحدیث والأثر، 3/249، الراغب الاصفهاني، المفردات في غریب القرآن، ص 516.
[23] المفيد، محمد بن محمد، النکت الاعتقادیّة، ص 37، وبا همین مضمون در أمالي المرتضى، 2/347، والباب الحادي عشر: ص 9.
[24] الطوسي، محمد بن الحسن، المصباح المتهجّد:ص 86.
[25] آل عمران: الآیة 33.
[26] الحج: الآیة 75.
[27] آل عمران: الآیة 61 .
[28] کتاب سلیم بن قیس: 321.
[29] الشوری: الآیة 23.
[30] الشوری: الآیة 23.
[31] یونس: الآیة 38.
[32] الصدوق، الأمالي للصدوق: 621، الكليني، الکافي، 1/296، الصدوق، وعیون أخبار الرضا، 1/213.
[33] البحراني، السيد هاشم، البرهان في تفسیر القرآن، 4/124.
[34] الهلالي، سليم بن قيس، کتاب سلیم بن قیس، 321.