الباحث : السيد محسن الموسوي
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 39
السنة : صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 50
الملخّص
يتناول هذا البحث بالدراسة والتحليل التعاليم العَقَديّة للإمام الحسن المجتبىA، وذلك من خلال تحليل نصوصه المباشرة من خطب ورسائل ووصايا واحتجاجات. كما يسعى البحث إلى رصد أبرز التحدّيات الفكريّة والانحرافات العَقَديّة التي واجهها الإمامA في عصره، وكيفيّة مواجهة الإمامA لهذه التحدّيات. اعتمد البحث على المنهج الوصفيّ التحليليّ والتاريخيّ، بالاستناد إلى المصادر الروائيّة والتاريخيّة. ومن أبرز نتائج البحث: أصالة وعمق المنظومة العَقَديّة للإمام الحسنA وارتباطها الوثيق بالقرآن والسنّة، وتكامل وتنوع منهجيّته في تبيين المعارف (التي شملت الخطابة، والمكاتبة، والحوار، والقدوة، والوصايا)، وحكمته وبصيرته في مواجهة التحدّيات الفكريّة، وأثره الخالد كمرجعيّة فكريّة وعَقَديّة للأمة.
الكلمات المفتاحيّة:
الإمام الحسن المجتبىA، التعاليم العَقَديّة، المنهجيّة، التحدّيات الفكريّة، التوحيد، النبوّة، الإمامة، المعاد.
مقدّمة
تحتلّ دراسة الفكر العَقَديّ لأئمة أهل البيت% أهميّةً قصوى في فهم الإسلام الأصيل وتجلياته عبر العصور؛ فهم% ورثة علم النبوة، وحملة أمانة الرسالة، وأمناء الله على دينه وعباده. وكان الإمام الحسن بن علي المجتبىA، السبط الأوّل لرسول اللهJ، وثاني أئمّة الهدى، شخصيّةً محوريّةً في مرحلةٍ مفصليّةٍ من تاريخ الأمة الإسلاميّة. لقد شهد عصرهA، وخاصّة مرحلة إمامته بعد شهادة أبيه أمير المؤمنينA، تحوّلاتٍ سياسيّةً واجتماعيّةً وفكريّةً عميقةً، وبروز تحدّياتٍ عَقَديّةٍ استلزمت مواجهةً حكيمةً وبصيرةً نافذة.
إنّ أهمية هذا البحث تنبع من الحاجة إلى استجلاء الجوانب العَقَديّة في سيرة الإمام الحسنA، التي غالبًا ما تطغى عليها الدراسات السياسيّة المتعلّقة بصلحه مع معاوية. بينما كانت تعاليمه العَقَديّة ومنهجيّته في تبيين المعارف ومواجهة الانحرافات الفكرّية ركنًا أساسيًّا في حفظ هويّة الدين وصيانة أصوله.
الإطار التاريخيّ والفكريّ المضطرب لعصر الإمام الحسنA
لم تكن المرحلة الممتدة من وفاة رسول اللهJ، إلى عصر الإمام الحسنA، مجرد تسلسل لأحداثٍ سياسيّة؛ بل كانت مرحلة تحولاتٍ جذريّةٍ وعميقةٍ طالت بنية المجتمع الإسلاميّ، ونسيجه الاجتماعي، ومشربه الفكري، ممّا أفرز تحدياتٍ معقّدةً ألقت بظلالها الثقيلة على المشهد العَقَديّ والفكريّ للأمّة.
عند شهادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبA، لم تكن الأمّة قد تجاوزت بعد آثار الصدمات العنيفة والانقسامات الحادّة التي خلّفتها الفتن المتلاحقة، بدءًا من السقيفة، ومرورًا بالفتنة الكبرى التي أعقبت مقتل عثمان، وانتهاءً بحروب الجمل وصفّين والنهروان. في هذا الجو المشحون بالتوترات والترقب، بايع الناس في الكوفة، ومن ثم في الحجاز واليمن وفارس وسائر الأقطار التي دانت بالولاء لأبيهA، الإمام الحسنَ بن علي C خليفةً شرعيًّا[1].
ومع ذلك، كانت هذه البيعة محفوفةً بمخاطر جمّةٍ، نابعةٍ من طبيعة التركيبة الاجتماعيّة والسياسيّة الهشّة، خاصّة في الكوفة التي شكلت عاصمة الخلافة وقاعدة الجيش. لم تكن الكوفة كتلةً متجانسةً، بل كانت فسيفساء من القبائل العربيّة المختلفة، والموالي، وبقايا الجيوش الفاتحة، ومجموعاتٍ ذات ولاءاتٍ وانتماءاتٍ متباينة. هذه التركيبة الاجتماعيّة والسياسيّة المُعقّدة والمضطربة في الكوفة، التي شكّلت قاعدة حكم الإمام الحسنA، كانت من أهمّ العوامل التي أثّرت على قراراته، وجعلت من مهمّة مواجهة التحدّي الأموي أمرًا شبه مستحيلٍ بالوسائل العسكريّة التقليديّة.
في المقابل، كانت جبهة الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان، الذي حكمها لأكثر من عشرين عامًا واليًا ثم مدّعيًا للخلافة، تتمتع بتماسكٍ ظاهريّ أكبر. فقد استطاع معاوية، بمكره السياسي وقدرته على توظيف الأموال وشراء الولاءات، أن يبني قاعدةً قويةً ومطيعةً في الشام. كما نجح في عزل أهل الشام عن بقية العالم الإسلامي وتعبئتهم فكريًّا وعاطفيًّا لصالحه، مستغلًّا قضيّة مقتل عثمان كذريعة أساسية لحروبه ومطالبه[2]. هذا التباين في قوة الجبهتين الداخلية كان له أثر حاسم في مآل الصراع.
لم يكن الصراع في عصر الإمام الحسنA مجرد صراعٍ على السلطة، بل كان مصحوبًا بجدلٍ فكريٍّ وعَقَديٍّ عميق، وبروز تياراتٍ فكريّةٍ وعَقَديّة شكّلت تحدّيًا للفهم الأصيل للإسلام وثوابته.
لم ينته خطر الخوارج بهزيمتهم في النهروان؛ بل استمر فكرهم، القائم على التفسير الحرفي للنصوص، والتكفير بالكبائر، ورفض أيّ سلطةٍ لا تخضع لمعاييرهم الضيّقة، في التأثير على قطاعاتٍ من المجتمع. كان الخوارج يرون في التحكيم الذي قبله أمير المؤمنينA كفرًا؛ لذا عدّوا من رضيَ به أو لم يكفّره كافرًا. امتدّ هذا الموقف ليشمل الإمام الحسنA بعد قبوله بالصلح، إذ عدّه بعضهم (مذلّ المؤمنين)، أو خارجًا عن (حكم الله). لقد كانوا يمثّلون تيّارًا فكريًّا متطرّفًا يرفض أيّ مرونةٍ أو اجتهادٍ أو نظرٍ في المصالح والمفاسد، ويقدم نموذجًا خطيرًا للغلو في الدين والتعصّب الأعمى. وقد شكّل هذا التيار ضغطًا إضافيًا على الإمام الحسنA، سواء من خلال محاولة التأثير على جنوده، أو من خلال القيام بحركات تمرّدٍ مسلّحةٍ محدودة، أو من خلال تشويه صورته أمام العامة.
كانت مسألة الإمامة والخلافة هي القضيّة المركزيّة التي دار حولها الصراع الفكري والسياسي منذ وفاة رسول اللهJ. وفي عصر الإمام الحسنA، بلغ هذا الجدل ذروته. مدرسة أهل البيت% التي يمثّلها الإمام الحسنA تؤكد أنّ الإمامة منصبٌ إلهيٌّ، يُنال بالنصّ والوصيّة من النبيّJ أو الإمام السابق، وأنّ الإمام يجب أن يكون معصومًا وأعلم الناس وأفضلهم. وقد تجلّى ذلك بوضوحٍ في رسائله واحتجاجاته على معاوية، حيث استند إلى قرابته من النبيّJ، ووصيّة أبيه، وفضله، وعلمه[3].
وكان معاوية يروّج لمفهومٍ مختلفٍ للخلافة، يرتكز على القوة والغلبة، والقدرة على إخضاع الناس (ولو بالقهر)، ووراثة المُلك. لم يكن يشترط في الخليفة علمًا خاصًّا أو عصمةً أو نصًّا إلهيًّا.
أمّا مدرسة الجمهور أو أهل السنّة والجماعة، ــ وإنّ لم يكن هذا المفهوم قد تبلور بشكلٍ نهائيّ في ذلك الوقت، إلّا أنّ الأفكار التي شكلت لاحقًا مذهب أهل السنة والجماعة في الخلافة كانت موجودة ــ فهي تركّز على اختيار أهل الحلّ والعقد، أو بيعة العامّة، أو الشورى (بمفاهيمها المختلفة آنذاك)، مع عدم اشتراط العصمة أو النصّ في الخليفة. هذا التباين العميق في فهم طبيعة الحكم وأساس شرعيته كان من أهمّ أسباب الصراع الفكريّ والسياسيّ في ذلك العصر.
الدعاية الأمويّة المضلّلة وتأثيرها على الوعي العام
اعتمد معاوية ومشروعه الأمويّ بشكلٍ كبيرٍ على آلةٍ دعائيّةٍ ضخمةٍ تهدف إلى تشويه صورة أمير المؤمنينA، وأهل بيته، وإلصاق التهم بهم، وفي المقابل تلميع صورة بني أُميّة وتقديمهم كورثةٍ شرعيّين للخلافة.
تمثّلت هذه الدعاية في:
سبّ أمير المؤمنينA على المنابر، وهو ما سنّه معاوية وجعله سياسةً رسميّةً في المناطق الخاضعة لنفوذه[4]. هذا السبّ لم يكن مجرد شتم، بل كان يهدف إلى طمس فضائل الإمام عليA، وتشويه صورته في أذهان الأجيال الجديدة التي لم تعاصره.
وضع الأحاديث المكذوبة في فضائل بني أُميّة، أو في ذمّ أهل البيت%، فقد استأجر معاوية بعض ضعاف النفوس من الرواة لوضع أحاديث تخدم مشروعه السياسيّ.
تأويل النصوص الدينيّة بما يخدم أغراضهم، مثل محاولة تفسير بعض الآيات أو الأحاديث بنحوٍ يدعم شرعيّة حكمهم، أو يبرر أفعالهم.
نشر الشائعات والأكاذيب؛ لإثارة الفتنة، وتفريق صفوف المسلمين.
كان على الإمام الحسنA أن يواجه هذه الحرب الدعائيّة الشرسة بتبيان الحقائق، والدفاع عن سيرة أبيه الطاهرة، وتأكيد فضائل أهل البيت%، وفضح أساليب التضليل الأمويّة. وقد ظهر ذلك في احتجاجاته ومناظراته[5].
المسائل الكلاميّة الناشئة وتحدّياتها
بدأت بعض المسائل الكلاميّة الدقيقة، التي لم تكن مطروحةً للنقاش العام في عهد النبيّJ، والخلفاء الأوائل بالحدة التي بدت عليها لاحقًا، تثير جدلًا واسعًا في أوساط المسلمين. ومن أبرز هذه المسائل قضيّة القضاء والقدر وعلاقتها بالفعل الإنساني. وقد أدّت النقاشات حول هذه المسألة إلى ظهور اتجاهاتٍ مختلفةٍ، بعضها يميل إلى الجبر المطلق، وبعضها إلى التفويض المطلق.
لقد فرض هذا المناخ الفكريّ والسياسيّ والاجتماعيّ المعقّد والمتوتر، مسؤولياتٍ جسامًا على عاتق الإمام الحسن المجتبىA. فقد كان عليه أن يحافظ على جوهر العقيدة الإسلاميّة من أيّ تحريفٍ أو تزييفٍ، وأن يقدّم الفهم الصحيح للمعارف الدينيّة للأمّة، وأن يواجه التيارات الفكريّة المنحرفة بالحجّة والبرهان، وأن يسعى في الوقت نفسه لحقن دماء المسلمين والحفاظ على وحدتهم قدر الإمكان.
التعاليم العَقَديّة الأساسيّة للإمام الحسن المجتبىA
يمثّل هذا العنوان الركيزة الأساسيّة لدراستنا، إذ يسبر أغوار المنظومة العَقَديّة التي أرساها الإمام الحسن المجتبىA في مرحلةٍ مفصليّةٍ من تاريخ الإسلام، اتّسمت بتياراتٍ فكريّةٍ متلاطمةٍ وتحدّياتٍ عَقَديّةٍ ناشئة. إنّ التعاليم العَقَديّة لأئمة أهل البيت%، بوصفهم عِدْل القرآن الكريم وأمناء الوحي وورثة علم النبوة، لا تُعدّ اجتهاداتٍ فكريّةً أو آراء كلاميّة، بل هي تجسيدٌ حيٌّ وبيانٌ مُفصّلٌ لأصول الدين الحنيف كما نزلت على قلب المصطفىJ. وفي هذا الإطار، تتجلّى أهميّة تعاليم الإمام السبطA في دورها المحوري لتأصيل المبادئ الإيمانيّة الجوهريّة، وتصحيح المفاهيم التي قد يشوبها الغموض أو التحريف، وترسيخ دعائم العقيدة الإسلاميّة الصافية في مواجهة التيّارات الفكريّة التي بدأت تؤثّر في الوعي الإسلامي العام.
إنّ مرحلة إمامة الإمام الحسنA، وإن كانت قصيرة نسبيًا ومليئةً بالتحدّيات السياسيّة، فإنّها لم تخلُ من بصماته العَقَديّة الواضحة. فقد واجهA بداية ظهور مسائل كلاميّةٍ دقيقةٍ، وشبهاتٍ حول مفاهيم أساسيّة كالإمامة والقضاء والقدر، بالإضافة إلى الحاجة المستمرة لتذكير الأمّة بأسس التوحيد الخالص، ومقتضيات النبوّة الخاتمة والمعاد.
يهدف هذا الفصل، بناءً على ذلك، إلى استجلاء وتأصيل المرتكزات الأساسيّة للفكر العَقَديّ عند الإمام الحسنA من خلال تحليل نصوصه المباشرة – سواء كانت خطبًا، أو رسائل، أو وصايا، أو احتجاجات، أو أدعية – المتناثرة في المصادر الروائيّة والتاريخيّة المعتبرة. سيتم التركيز على كيفيّة تناولهA لأهمّ أبواب الاعتقاد: التوحيد الإلهي بمراتبه المتعدّدة وصفاته الكماليّة، ومفهوم النبوة ومكانة النبي الخاتم محمّدJ، وخصائص رسالته العالميّة، ومبدأ الإمامة كضرورةٍ لاستمرار الهداية الإلهيّة ومصاديقها، بالإضافة إلى قضيّة المعاد، وحقيقة الحياة الدنيا، والاستعداد للآخرة، مع الإشارة إلى بعض المسائل العَقَديّة الأخرى التي وردت في تراثه الشريف. إنّ التحليل المعمّق لهذه التعاليم سيكشف عن عمق البصيرة العَقَديّة للإمام الحسنA، وقدرته على تقديم رؤيةٍ إسلاميّةٍ متكاملةٍ وأصيلة، شكّلت حصنًا فكريًّا للأمّة في مواجهة التحدّيات، ومنارة هدايةٍ للأجيال اللاحقة.
التوحيد الإلهي وصفاته الكماليّة
يُشكل التوحيد الإلهي النقطة المركزيّة والمحور الأساس الذي تدور حوله جميع عقائد الإسلام وشرائعه وقيمه الأخلاقيّة؛ فهو ليس مجرد إقرارٍ بوحدانيّة الخالق، بل هو منظومةٌ معرفيّةٌ وسلوكيّةٌ متكاملةٌ تحدّد علاقة الإنسان بربه وبالكون وبنفسه. لقد كان دأب الأنبياء والرسل% عبر التاريخ هو الدعوة إلى توحيد الله الخالص ونبذ كلّ أشكال الشرك والوثنيّة. واستمرارًا لهذا النهج، اضطلع أئمّة أهل البيت%، ومنهم الإمام الحسن المجتبىA، بمسؤوليةٍ جسيمةٍ في تأصيل هذا المبدأ وتعميقه في وعي الأمة، وتنزيه الذات الإلهيّة عن كلّ ما قد يلصق بها من أوصاف المخلوقين أو تصوّرات العقول القاصرة.
لقد واجه الفكر الإسلاميّ في مراحله الأولى، وخاصّة مع اتساع رقعة الدولة الإسلاميّة ودخول ثقافاتٍ وأديانٍ مختلفة تحت لوائها، تحدّيات فكريّةً تتعلّق بفهم كنه الذات الإلهيّة وصفاتها. فبرزت اتجاهاتٌ كلاميّةٌ حاولت إخضاع الغيب للمقاييس الحسيّة؛ ممّا أدّى إلى ظهور نزعاتٍ تجسيميّةٍ أو تشبيهيّة، وفي المقابل، ظهرت اتجاهاتٌ أخرى مالت إلى التعطيل ونفي الصفات بشكلٍ قد يفرغ مفهوم الألوهيّة من محتواه الحيّ الفاعل.
أكّد الإمام الحسنA في مواضع متعدّدة، وبأبلغ العبارات، على أنّ الله واحدٌ أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأنّ معرفته الحقّة لا تتمّ إلّا بتنزيهه المطلق عن مشابهة المخلوقين في ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم، وعن كلّ ما يخطر بالبال أو يتصوّره الوهم من كيفيّاتٍ أو حدود. ففي خطبته البليغة التي ألقاها وهو غلامٌ صغيرٌ في مسجد الكوفة بأمر أبيه أمير المؤمنينA، ـ والتي أدهشت الفصحاء وأثارت إعجاب أبيه حتى قبله بين عينيه مستشهدًا بقوله تعالى: Pذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌO[6]ـ قدّم الإمامA وصفًا عميقًا للذات الإلهيّة يفيض بالتنزيه والتقديس: «الحمدُ للهِ الواحدِ بغيرِ تشبيهٍ، الدائمِ بغيرِ تكوينٍ، القائمِ بغيرِ كلفةٍ، الخالقِ بغيرِ منصبةٍ، الموصوفِ بغيرِ غايةٍ، المعروفِ بغيرِ محدوديّةٍ، العزيزِ لم يزل قديمًا في القدم، رُدِعت القلوبُ لهيبته، وذُهِلت العقولُ لعزّته، وخضعت الرقابُ لقدرتِه. فليس يخطرُ على قلبِ بشرٍ مبلغُ جبروتِه، ولا يبلغُ الناسُ كنَه جلالِه، ولا يفصحُ الواصفونَ منهم لكنهِ عظمتِه، ولا يقومُ الوهمُ منهم التفكّر على مضامينه [سيبه]. ولا تبلغُه العلماءُ بألبابِها، ولا أهلُ التفكّرِ بتدبيرِ أمورِها. أعلمُ خلقِهِ بهِ الذي بالحدِّ لا يصفُه. يُدرك الأبصارَ، ولا تُدركُه الأبصارُ، وهو اللطيفُ الخبيرُ»[7].
يفتتح الإمامA وصفه لله تعالى بتأكيد وحدانيّته المطلقة، مقرونة بنفي التشبيه، وهو ردٌّ صريحٌ على أيّ محاولةٍ لتصوّر الذات الإلهيّة بصورةٍ ماديّة. عبارة (بغير تشبيه)، تنفي أيّ نوعٍ من أنواع المماثلة. وقوله (الدائم بغير تكوين المعروفِ بغيرِ محدوديّةٍ، العزيزِ لم يزل قديمًا في القدم، رُدِعت القلوبُ لهيبته، وذُهِلت العقولُ لعزّته، وخضعت الرقابُ لقدرتِه. فليس يخطرُ على قلبِ بشرٍ مبلغُ جبروتِه، ولا يبلغُ الناسُ كنَه جلالِه، ولا يفصحُ الواصفونَ منهم لكنهِ عظمتِه)، يشير إلى أزليّة الله تعالى وقدم وجوده، وأنّ وجوده ليس حادثًا. و(القائم بغير كلفة، الخالق بغير منصبة)، ينفي عن الفعل الإلهيّ أيّ شائبة نقصٍ أو تعب. أمّا (الموصوف بغير غاية، المعروف بغير محدوديّة)، فيؤكّد على أنّ إدراكنا لصفات الله ومعرفتنا به هي معرفةٌ محدودةٌ، فصفاته تعالى لا تنتهي إلى غاية يمكن الإحاطة بها. وتصوّر عبارات (ردعت القلوب لهيبته... ولا تبلغه العلماء بألبابها...) عظمة الله وجلاله الذي يفوق كلّ تصوّرٍ بشريّ، وأنّ العقول البشريّة قاصرةٌ عن الإحاطة بكنه ذاته.
وفي وصيّته الخالدة لأخيه سيّد الشهداء الإمام الحسينA، يجدّد الإمام الحسنA هذا العهد التوحيديّ بإقرارٍ صريحٍ بوحدانيّة الله المطلقة وأحقّيته بالعبادة والحمد: «أوصى أنّه يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّه يعبده حقّ عبادته، لا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذلّ، وأنّه خلق كلّ شيءٍ فقدّره تقديرًا، وأنّه أولى من عُبد، وأحقّ من حُمد، ومن أُطیع فشكر، ومن عُصي فغفر، ومن تاب إليه قبل، ومن استُقیل أقاله... »[8].
هذه الشهادة تؤكّد على التوحيد الخالص ونفي الشريك، والإقرار بالعبوديّة الحقّة لله. كما تنفي الشريك عن الله في ملكه وحاجته إلى ولي، مستحضرةً معنى قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾[9]. وتثبت صفة الخلق والتقدير الإلهيّ الشامل، كما في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾[10]. وتختم ببيان أحقيّة الله بالعبادة والحمد، وإشارةٍ إلى لطفه ورحمته في شكر الطائعين ومغفرة العاصين، ممّا يجمع بين جلال التوحيد وجمال الرحمة الإلهيّة.
القضاء والقدر
شكّلت مسألة القضاء والقدر وعلاقتها بالاستطاعة وحريّة الاختيار، إحدى المعضلات الفكريّة التي واجهت المسلمين. وقد تصدّى الإمام الحسنA لبيان الموقف العَقَديّ الأصيل والمتوازن، وهو ما يُعرف بمبدأ (الأمر بين الأمرين)، لا جبر ولا تفويض. وتُعدّ رسالته الشهيرة إلى الحسن البصريّ من أهمّ الوثائق التي تشرح هذا الموقف. فبعد أن بلغه اضطراب الحسن البصريّ في هذه المسألة، كتب إليه الإمامA رسالةً جامعةً، يؤكد فيها على أنّ الإيمان بالقدر (بمعنى علم الله الأزلي) جزءٌ أساسٌ من الإيمان، ويرفض بنحوٍ قاطعٍ نسبة المعاصي إلى الله تعالى. ويوضّح أسس (الأمر بين الأمرين)، بقوله: «إنّ الله (عزَّ وجلَّ) لم يُطع مُكرِهًا، ولم يُعصَ مغلوبًا، ولم يُهمل العباد سدىً من المملكة، بل هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما عليه أقدرهم».
ويبين دور المشيئة الإلهيّة في الطاعة والمعصية، مؤكدًا أنّ الله يوفّق للطاعة، وقد يمنع من المعصية بلطفه، ولكن إذا وقعت المعصية فهي باختيار العبد. ويستشهد بالقرآن الكريم والحجج العقليّة لدحض مقولات الجبريّة والمفوّضة، ويخلص إلى أنّ الله «أمرهم تخييرًا ونهاهم تحذيرًا، وكلّف الضعيف ما يطيق، ولم يكلّف القوي فوق طاقته»[11].
الرضا بقضاء الله والتسليم لأمره عند المصائب والابتلاءات
من لوازم التوحيد الصحيح، الرضا بقضاء الله تعالى والتسلیم لأمره في ما یتعلّق بالمصائب. فعندما توفیت إحدى بناته، کتب إلیه بعض أصحابه یعزونه، فردّ علیهم بكتابٍ جاء فیه: «أما بعد، فقد بلغني کتابكم تعزوني بفلانة، فعند الله أحتسبها تسلیمًا لقضائه، وصبرًا على بلائه، فإنْ أوجعتنا المصائب، وفجعتنا النوائب، فإنّ الذي نرجو من ثواب الله علیها أرجى عندنا ممّا فاتنا منها، والسلام علیكم ورحمة الله وبرکاته»[12].
هذا الموقف یعكس إیمانًا عمیقًا بأنّ کلّ ما یجري في الكون هو بتقدیر الله وحكمته، وأنّ الصبر والتسلیم عند المصائب هو من شیم المؤمنین، وأنّ ما عند الله خیرٌ وأبقى. فالاحتساب وطلب الأجر من الله، والتسليم لقضائه، والصبر على بلائه، مع الاعتراف بالألم الطبيعي للمصيبة، وتوجيه الأنظار إلى الثواب الأخروي الأعظم، كلّها معانٍ إيمانيّةٌ عميقةٌ تجلّت في ردّ الإمامA.
النبوة ومقام الرسول الأعظمJ
تشكل النبوّة الركن الثاني من أركان الإيمان، وهي الصلة بين الخالق والمخلوق. ويأتي في ذروة هذا الصرح، مقام خاتم الأنبياء، سيّدنا محمّد J. لقد أولى أئمّة أهل البيت%، ومنهم الإمام الحسنA، عنايةً فائقةً لبيان هذا المقام النبويّ. كان الإمام الحسنA دائم الإشارة إلى جدّه المصطفىJ، بأوصاف الكمال والجلال التي وردت في القرآن الكريم، مؤكّدًا على الأبعاد العالميّة والإنسانية لرسالته. ففي خطبته الشهيرة بعد شهادة أبيه أمير المؤمنينA، افتخر الإمامA بنسبته إلى النبيّJ قائلًا: «أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد رسول الله J. أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير»[13].
هذا التعريف بالنفس من خلال الانتساب إلى رسول اللهJ وصفاته القرآنيّة (البشير، النذير، الداعي إلى الله، السراج المنير) ليس مجرد فخر عائلي، بل هو تأكيد على الامتداد الرسالي والوراثة العلمية والروحية، وتذكير للأمة بطبيعة الرسالة التي يمثل الإمامA استمرارًا لها. وفي رسالته الهامة إلى معاوية بن أبي سفيان، يصف الإمام الحسنA بعثة النبيJ وأثرها الحضاري العظيم، مؤكّدًا على عالميّة رسالته: «فإنّ الله تعالى بعث محمدًاJ رحمةً للعالمين، ومنّةً للمؤمنين، وكافّةً للناس أجمعين، ليظهر به الحقّ، ويدحض به الباطل، ويذلّ به أهل الشرك، ويعزّ به العرب عامّة، ويشرف به من شاء منهم خاصّة، فقال في كتابه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾[14]»[15].
هنا يؤكّد الإمامA عالميّة رسالة النبيّJ وشمولها، وأنّها رحمةٌ للعالمين كافّة، ومنّةٌ عظيمة خصّ الله بها المؤمنين. كما يبين أهداف الرسالة السامية في إقامة الحقّ وإزهاق الباطل. لم يكن ارتباط الإمام الحسنA بجدّه المصطفىJ مجرد ارتباط نسبي، بل كان ارتباطًا علميًّا وروحيًّا عميقًا، فقد نشأ في أحضان النبوة، وتلقى مباشرةً من معينها. فقد روي عنهA أنه «كان يحضر مجلس رسول الله ﷺ وهو ابن سبع سنين، فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي أمّه فاطمة$ فيلقي إليها ما حفظه... »[16].
وقد روى الإمام الحسنA العديد من الأحاديث مباشرةً عن جدّهJ في مختلف جوانب الدين، ممّا جعله حلقة وصلٍ رئيسة في نقل السنّة النبويّة. ومن هذه الأحاديث: في العبادات والأدعية: حديث دعاء القنوت في الوتر: «علّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهمَّ اهدني فيمن هديت... »[17]. في الأخلاق والسلوك والورع: حديث «دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يريبك، فإنّ الصدق طمأنينة، وإنّ الكذب ريبة»[18]. في الأحكام الشرعيّة الخاصّة بأهل البيت%: حديثه عن منع النبيّJ له من أكل تمرةٍ من تمر الصدقة وهو طفل، وقول النبيّJ: «إنّا آل محمّدٍ لا تحلّ لنا الصدقة»[19]. إنّ مكانة الإمامA بوصفه إمامًا معصومًا تضمن أمانته ودقته في نقل السنّة، وشمولية روايته لمختلف أبواب الدين، ومواجهته لمحاولات طمس السنّة أو تحريفها.
يؤكّد الإمام الحسنA أنّ رسالة النبيّJ لم تكن محصورةً في قومٍ أو زمانٍ، بل كانت رسالةً عالميّةً خاتمة. ويتّضح هذا من خلال روايتهA للحديث المهم الذي دار بين النبيّJ، ونفر من اليهود، وفيه تصريح النبيّJ بأنّه «خاتم النبيين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين»، وأنّ رسالته «إلى الناس جميعًا»، كما أكدت الآية الكريمة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾[20].
إنّ سؤال اليهود عن نطاق الرسالة يعكس الذهنيّة التي قد تحصر النبوّة، وإجابة النبيّJ القاطعة، ونزول الآية القرآنيّة كحسمٍ إلهيّ، ورواية الإمام الحسنA لهذا الحديث، كلّها تؤكّد على تبنّيهA لهذا المفهوم الجوهريّ وتأصيله.
الإمامة: مفهومها، ضرورتها، ومصاديقها
تُعدّ قضيّة الإمامة، في منظور مدرسة أهل البيت%، من أهمّ الأصول العَقَديّة بعد التوحيد والنبوّة، بل هي الامتداد الطبيعي والضروري للنبوّة الخاتمة. وقد اضطلع الإمام الحسن المجتبىA بدورٍ محوريّ في تأصيل هذا المفهوم وتثبيته في وعي الأمة، خاصّة في ظلّ التحدّيات السياسيّة والفكريّة التي عصفت بالمجتمع الإسلامي في عصره. أكّد الإمام الحسنA أنّ الإمامة اختيارٌ إلهيٌّ مباشر، وعهدٌ ربانيٌّ يُعهد به إلى أشخاصٍ محدّدين. الإمام هو الحجّة البالغة لله على خلقه، والقائم بأمره، وهادي الأمة. ففي وصيّته لجنادة بن أبي أمية، يذكر الإمامA حديث جده رسول اللهJ الذي يؤكّد على الطبيعة الإلهيّة لاختيار الأئمّة وعددهم: «والله، إنّه لعهدٌ عهده إلينا رسول الله ﷺ، أنّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إمامًا من ولد علي وفاطمة، ما منّا إلّا مسمومٌ أو مقتول»[21].
يكون ذلك امتدادًا لما أمر علي بن أبي طالبA ابنه الحسنA أن يكتب إلى معاوية، حيث وصف الإمامA أهل البيت% ومكانتهم ودورهم الإمامي، مما يوضح مفهوم الإمامة وخصائص أصحابها: «أمّا بعد، ... نحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم المنايا والبلايا، وفصل الخطاب ... نحن نورٌ لمن تبعنا، وهدى لمن اقتدى بنا ... بنا فتح الله الدين، وبنا يختمه»[22].
هذا التشبيه البليغ يصوّر الأئمّة% بالنجوم الهادية، ويؤكّد على استمراريّة خطّ الإمامة. كما يحدّد خصائصهم كأمناء الله، وأصحاب علمٍ خاصٍّ، ومصدر للنور والهداية، وأنّ مسيرة الدين مرتبطةٌ بهم. ويؤكّد أنّ ولايتهم وطاعتهم جزءٌ لا يتجزّأ من الإيمان. كانت الوصية من النبيّJ إلى أمير المؤمنينA، ثم منه إلى الإمام الحسنA، هي الحجة الأقوى. ففي رسالةٍ كتبه إلى معاوية بعد شهادة أبيهA، قال بوضوح: «... وإنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما نزل به الموت ولّاني هذا الأمر من بعده، وأوصى إليّ بذلك»[23]. هذه الوصية ليست شخصيّةً، بل فعل نبويّ وإماميّ يحدّد الخليفة الشرعي، وهي سنّةٌ جاريّةٌ في الأنبياء، وحجّة ملزمة على الأمّة. وتشير الروايات إلى تسليم أمير المؤمنينA للإمام الحسنA كتب العلم ومواريث النبوة كعلامات للإمامة[24]. استشهد الإمامA بآياتٍ قرآنيّةٍ تشير إلى مكانة أهل البيت%. ففي خطبته بعد استشهاد أبيهA، استدلّ بآية المودّة: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾[25]، وآية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[26].
كان الإمامA يستحضر أحاديث جدّهJ كحديث الثقلين الذي يجعل التمسك بأهل البيت% قرینًا للتمسك بالقرآن، وحديث السفينة الذي يصورهم كسفينة النجاة، والأحاديث الخاصّة في فضل الحسنينC مثل «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة”[27] و«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»[28].
كان الإمامA حريصًا على بيان استمراريّة خطّ الإمامة. ففي وصيّته لمحمد بن الحنفية، صرح بإمامة الإمام الحسينA من بعده، وأنّها «وراثة من النبي J»، و«عند الله جلّ اسمه في الكتاب»، وأنّها سلسلةٌ متصلةٌ من الاصطفاء والاختيار الإلهيّ، وأوصاه بالولاء للإمام الجديد ونصرته[29]. وفي وصيّته لجنادة بن أبي أمية، أشار إلى حديث النبيّJ عن الأئمّة الاثني عشر من ولد علي وفاطمة%[30].
ارتبط مفهوم الإمامة في فكر أهل البيت% بصفاتٍ جوهريّةٍ كالعلم اللدني والعصمة. أكد الإمامA على أنّ الأئمّة% يتمتعون بعلمٍ خاصٍّ مستمدٍّ من الله تعالى أو موروثٍ عن رسول اللهJ. ففي رسالته إلى (عبد الله بن) جندب، يقول عن أهل البيت%: «عندنا علم المنايا والبلايا، وفصل الخطاب، ومواليد الإسلام، وإنّا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق... »[31]. هذا يشمل العلم بالمستقبل، والقدرة على الحكم بالحقّ، والعلم بتفاصيل الشريعة، والقدرة على تمييز بواطن الناس. وقد تجلّى هذا العلم في إجابته على أسئلة الخضرA المعقّدة[32]، وقدرته على حلّ المسائل الفقهيّة الدقيقة وهو غلام[33]. كما يدلّ على ذلك ما ورد عنهA في وصيّته لمحمد بن الحنفية، قال كلامًا يدلّ على ما في صدره من علومٍ وأسرارٍ إلهيّةٍ عميقةٍ، وربما كان بعضها يتعلّق بأحداثٍ مستقبليّةٍ كبرى: «ألا وإنّ في رأسي كلامًا لا تنزفه الدلاء، ولا تغيّره نعمة الرياح، كالكتاب المعجم في الرق المنمنم، أهم بإبدائه، فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل ... ولو وجدت له حمَلة لنشرته، ولكن أقلّ القليل، والله المستعان»[34].
مفهوم العصمة المطلقة لأهل البيت% حاضرٌ بقوةٍ في تعاليم الإمامA، وهو من أهمّ شروط الإمامة. والدليل الأبرز هو استشهاده المتكرّر بآية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[35].
المعاد وحقيقة الحياة الدنيا
يشكل الإيمان بالمعاد ركنًا أساسيًّا من أركان العقيدة الإسلاميّة. ولقد أولى الإمام الحسنA هذا الأصل الاعتقاديّ عنايةً، مؤكّدًا حتمية الموت وضرورة الاستعداد للآخرة، ومحذرًا من الاغترار بالدنيا الفانية. لم تكن دعوته مجرد ترهيب، بل دعوة إلى حياةٍ واعيةٍ هادفة. كان الإمامA يركز على حقيقة الموت التي لا مفرّ منها، وضرورة التيقظ والاستعداد لها. ففي وصيّته الشهيرة لجنادة بن أبي أميّة، قالA: «استعد لسفرك، وحصّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنّك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه. واعلم أنّك لا تكسب من المال شيئًا فوق قوتك إلّا كنت فيه خازنًا لغيرك»[36].
هذا التوجيه المباشر يشبه الموت بالسفر الذي يتطلّب استعدادًا وزادًا هو التقوى والعمل الصالح، ويؤكّد أنّ الموت قد يأتي بغتة. الصورة البلاغيّة للإنسان الذي يطلب الدنيا والموت يطلبه تهدف لإيقاظه من غفلته. كما أنّ التوجيه بعدم الاستغراق في هموم المستقبل على حساب الحاضر، والتذكير بحقيقة المال الزائد عن الحاجة، كلّها دعوات لعدم الحرص المذموم على الدنيا. أكّد الإمامA على أنّ الدنيا ليست دار قرار، بل مرحلة انتقاليّة ودار امتحان. ففي تتمة وصيّته لجنادة، يقولA: «واعلم أنّ في حلالها حسابًا، وفي حرامها عقابًا، وفي الشبهات عتابًا. فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك... واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدًا»[37].
هذا التقسيم الثلاثي (حلالها حساب، حرامها عقاب، شبهاتها عتاب) يدعو للحذر الشديد. وتشبيه الدنيا بالميتة يجسد مفهوم الزهد الحقيقي.
والقاعدة الذهبية «واعمل لدنياك ... ». تقدم منهجًا متوازنًا للحياة يجمع بين إعمار الدنيا والاستعداد للآخرة. قدّم الإمامA تشخيصًا نفسيًّا واجتماعيًّا لسبب نفور الناس من الموت. فقد روي أنّه سُئل: (ما بالنا نكره الموت ولا نحبه؟) فقالA: «لأنّكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب»[38]. هذا التشخيص الدقيق لداء التعلّق المذموم بالدنيا يربط بين سلوك الإنسان في إعمار دنياه وإهمال آخرته، وبين شعوره بكراهية الانتقال إلى ما أهمله. وفي روايةٍ أطول، يميز الإمامA بين الموت كـ(أعظم سرور يرد على المؤمنين)، و (أعظم ثبور يرد على الكافرين).
منهجيّة الإمام الحسنA في تأسيس المعارف وتثبيتها
لم يكن دور الإمام الحسن المجتبىA مقتصرًا على امتلاك المعرفة الإلهيّة، بل تعدّاه إلى الاضطلاع بمسؤوليّة تبيين هذه المعارف للأمة. إنّ عمليّة نقل المعرفة تتطلّب منهجيّةً واعيةً وأدواتٍ فعّالة.
المرجعيّة العليا للقرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة
يُشكّل القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة المصدرين الأساسيين للمعرفة والتشريع في الإسلام. ولم تكن تعاليم أئمّة أهل البيت% إلّا شرحًا وتفصيلًا لهما. كان القرآن الكريم هو النبراس الأول الذي استضاء به الإمام الحسنA في كلّ شؤونه، والمنطلق الأساس في تعاليمه وحججه. لم يكنA مجرد قارئ للقرآن، بل كان عالمًا ربانيًّا بتأويله وتفسيره. كثيرًا ما كان الإمامA يستشهد بالآيات القرآنيّة لدعم مواقفه. ففي خطبته بعد شهادة أبيه، استدلّ بآية المودّة وآية التطهير لإثبات مكانة أهل البيت%[39]. هذا الاستدلال يربط بين النصّ القرآنيّ ومصداقه الخارجي، ويقدم تفسيرًا إماميًّا للآية، ويؤكّد على الإرادة الإلهيّة في التطهير.
وفي رسائله إلى معاوية، استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾[40]، لإقامة الحجّة عليه. وحتى في وصيّته المتعلّقة بدفنه، احتجّ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾[41]، ليثبت حقّ أهل بيته[42]. امتدّ تعامل الإمامA مع القرآن إلى تفسير آياته وبيان معانيها. ففي حديث أنّ الإمام الحسنA كان يقول : «إنّ هذا القرآن فيه مصابيح النور، وشفاء الصدور، فليجل جالٍ بصره، وليلجم الصفة قلبه، فإنّ التفكير حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، ينجو به من المهالك»[43].
هذا القول هو بيان لمنهج التعامل مع القرآن، ودعوة إلى التدبّر والتفكّر فيه. «فليجل جالٍ بصره (أو بضوئه)»، دعوة إلى إمعان النظر في آياته. و«ليلجم الصفة قلبه» قد تعني أن يصفي قلبه من الصفات التي تحجب عنه فهم القرآن. والتأكيد على أنّ «التفكير حياة قلب البصير» هو دعوةٌ صريحةٌ إلى تفعيل العقل.
السنّة النبويّة الشريفة المصدر الثاني للتشريع والفهم؛ ولذا، كان الإمامA شديد الحرص على نقل أحاديث جدّهJ والاحتجاج بها. لقد روى الإمامA أحاديث نبويّةً متنوعةً شملت جوانب عَقَديّةً وتشريعيّةً وأخلاقيّة. منها حديث دعاء القنوت في الوتر، وحديث الورع «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وحديث حرمة الصدقة على آل محمد[44]. ومن الأحاديث الأخرى ذات الدلالات الهامة التي رواها أو استشهد بها، حديث الغدير في بعض طرقه: «من كنت مولاه فعلي مولاه ...»[45]. إنّ مكانة الإمامA بوصفه إمامًا معصومًا تضمن أمانته ودقّته في النقل، وشموليّة روايته، ومواجهته لمحاولات طمس السنّة.
الخطابة والموعظة
تميّزت خطب الإمامA بتنوّع مضامينها لتشمل مختلف جوانب الحياة. كان الإمامA يولي أهميّةً كبرى لتثبيت أصول العقيدة. ففي خطبته بعد شهادة أبيه، ركّز على بيان حقّه في الإمامة ومكانة أهل البيت% استنادًا إلى أسسٍ عَقَديّةٍ، مستدلًّا بآية التطهير وآية المودّة، ومؤكّدًا انتسابه للنبوّة والوصاية[46]. وفي خطبته وهو غلام، بدأ بحمد الله وتوحيده وتنزيهه، ثم ختمها بتأكيد محوريّة دور أبيه كبابٍ للأمان والإيمان[47].
في المواقف السياسيّة الحرجة، كان الإمامA يستخدم الخطابة لتعبئة الأمّة أو لكشف الحقائق. فعندما تقاعس أهل الكوفة عن نصرته، خطب فيهم موبّخًا ومحذّرًا، وكاشفًا عن حقيقة تخاذلهم، وفاضحًا حقيقة عدوّه معاوية وبني أميّة، ومحذّرًا من نواياهم المستقبليّة تجاه الدين[48]. وبعد إبرام الصلح مع معاوية، خطب خطبةً بليغةً لم تكن مجرد إعلان للصلح، بل كانت بيانًا سياسيًّا وعَقَديًّا، نفى فيها ادّعاء معاوية، وأكّد أحقّيته هو بالخلافة، وبيّن أسباب الصلح (حقن الدماء وصلاح الأمة)، ولوّح بأنّ الأمر قد يكون فتنةً ومتاعًا إلى حين[49]. لم تخلُ خطب الإمامA من المواعظ الأخلاقيّة. ففي وصيّته لجنادة بن أبي أميّة، قدّم مواعظ في الزهد والتقوى والعمل للآخرة، وربط العزّ الحقيقي بطاعة الله، ونصح بالاعتدال في طلب الرزق[50].
المكاتبات والرسائل
شكّلت المكاتبات والرسائل أداةً تواصليّةً وفكريّةً استراتيجيّةً بالغة الأهميّة في منهج الإمام الحسنA. فكانت وسيلةً لنقل الأفكار، وتوضيح المواقف، وإقامة الحجّة على الخصوم، وتوجيه الأتباع، وحفظ السجلات والعهود.
تعدّ المراسلات التي جرت بين الإمام الحسنA ومعاوية بن أبي سفيان من أبرز الشواهد على منهج الإمامA في استخدام الرسالة كأداةٍ سياسيّةٍ وفكريّة. بعد مبايعة الناس للإمامA، بادر بمكاتبة معاوية يدعوه إلى بيعته ويذكره بحقّ أهل البيت%، مؤكّدًا شرعيّته المستمدّة من وصيّة أبيه، وداعيًا معاوية إلى الإنصاف وحقن الدماء، ومحذّرًا من البغي، ومعلنًا استعداده للمواجهة إن لزم الأمر[51]. وعندما رد معاوية برسائل مليئةٍ بالمغالطات، كان الإمامA يردّ عليها برسائل أخرى يفنّد فيها ادّعاءاته، ويكشف تناقضاته، ويدافع عن أهليّة أبيه للخلافة، ويرفض شرعيّة مطالبة معاوية بالشام، ويذكره بحتميّة انتصار الحقّ[52].
لم تقتصر رسائل الإمامA على معاوية، بل شملت شخصيّاتٍ أخرى. فرسالته المنهجيّة إلى الحسن البصري في مسألة القضاء والقدر، تعدّ نموذجًا لاستخدام المكاتبة في معالجة المسائل العَقَديّة الدقيقة وتصحيح المفاهيم، بأسلوبٍ علميّ رصينٍ، ووضوحٍ وتفصيل، وتأصيلٍ شرعيٍّ وعقليّ، وروح النصح والإرشاد[53]. كتبA إلى زياد بشأن سعيد بن سرح يأمره برد مظلمته. وردّه الحاسم على زياد بشأن نسبه المزور «من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سمية... الولد للفراش، وللعاهر الحجر»، يعكس عدم سكوته على الظلم، ودفاعه عن الحقوق، واستخدامه للحجّة الشرعيّة، وشجاعته في قول الحقّ، والإيجاز البليغ[54].
الحوار والمناظرة والاحتجاج العقلي
يُعدّ الحوار الهادف والمناظرة العلمية من أبرز الأساليب التي اعتمدها الأئمّة% في تبيين الحقائق. ولم يكن الإمام الحسنA بعيدًا عن هذا المنهج، بل وظفّه بكفاءةٍ عاليّة. اشتهر الإمامA ببلاغته وقوّة حجّته في مناظراته مع خصومه، خاصّة معاوية وأعوانه. ففي المجالس التي كان يعقدها معاوية، كان الإمامA يتصدّى لمحاولات النيل من أهل البيت%. ففي إحدى هذه المجالس، ردّ على معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة ومروان بخطبةٍ بليغةٍ بيّن فيها فضائل أهل البيت% ومثالب بني أمية، وأفحمهم جميعًا. منهجه في هذا الاحتجاج تضمّن الردّ المباشر والتفصيلي، والمقارنة الصريحة بين الأصل والنسب والسيرة، والاستناد إلى الحقائق التاريخيّة والمواقف النبويّة، والشجاعة في قول الحقّ، واستخدام أسلوب الدعاء عليهم وجعل الحاضرين شهودًا[55].
بعد الصلح، واجه الإمامA انتقاداتٍ من بعض أصحابه. فكان يدخل معهم في حواراتٍ هادئةٍ، يوضّح فيها أسباب قراره، وأنّ الظروف لم تكن مواتيةً للحرب، وأنّ الصلح كان الخيار الأفضل لحقن الدماء وحفظ البقية الباقية من شيعة أبيه[56].
القدوة الحسنة والتربية العمليّة
لا تكتمل عمليّة تبيين المعارف إلّا بالقدوة الحسنة والسلوك العملي. ولقد كان الإمام الحسنA يدرك هذه الحقيقة، فكانت حياته ترجمةً صادقةً لما يدعو إليه. اشتهر الإمامA بحلمه الذي فاق الوصف. قصته مع الرجل الشامي الذي سبّه، وكيف قابله الإمامA بالحلم والصفح والعرض الكريم للمساعدة «أيها الشيخ، أظنك غريبًا...»، ممّا أدّى إلى توبة الرجل واعترافه بفضل الإمامA[57]. هذا الموقف يمثّل قمة ضبط النفس، والتعليم العملي لقيمة الحلم، وتجسيدًا لتعاليم القرآن والسنّة، وإظهارًا لحقيقة أخلاق أهل البيت%.
كان الإمامA من أكرم الناس، حتى لقب بـ (كريم أهل البيت). فقد «قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات»[58]. وعطاؤه السخي للرجل المحتاج حتى أعطى طيلسانه كأجرة للحمال[59]. وقصّته المؤثّرة مع الغلام الأسود الذي كان يطعم كلبًا، فاشترى الإمامA الغلام والبستان وأعتقه ووهبه له[60]. هذا الكرم يعكس زهدًا عمليًّا، وتعليمًا لقيمة الرحمة، وجزءًا أصيلًا من شخصيّته الإماميّة، ووسيلة لتعليم التوكل على الله. كان الإمامA مثالًا للعابد الخاشع. فقد حج «خمسًا وعشرين حجة ماشيًا»[61]. وكان «إذا توضأ ارتعدت مفاصله واصفر لونه» ويقول: «حقٌّ على كلّ من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفّر لونه، وترتعد مفاصله»[62]. ودعاؤه عند دخول المسجد: «إلهي، ضيفك ببابك، يا محسن، قد أتاك المسيء ... »[63]. وحتى بكاؤه عند الموت كان «لهول المطلع، وفراق الأحبّة»[64]. هذه العبادة تجسد الإيمان، وتعلم كيفيّة العبادة الخاشعة، وتظهر التواضع في العبادة، والاستعداد الدائم للموت. بالرغم من نسبه ومقامه، كان الإمامA متواضعًا. فقد مرّ على فقراء يأكلون كسيرات خبزٍ على الأرض، فنزل وأكل معهم قائلًا: «إنّ الله لا يحبّ المستكبرين»، ثم دعاهم إلى ضيافته وأكرمهم[65]. هذا السلوك يعكس تواضعًا عمليًا، وتقديرًا لمشاعر الفقراء، وتعليمًا لقيمة التواضع، ورد الجميل بالإحسان، وإزالة الحواجز بين القائد والرعية.
كان الإمامA مربّيًا حكيمًا ومعلّمًا قديرًا، يستخدم أساليب تربويّةً تتسم بالرفق. القصة المشهورة لتعليمه وأخيه الحسينC الوضوء الصحيح لشيخٍ كبيرٍ كان لا يحسن الوضوء، من خلال تظاهرهما بالاختلاف وطلب الحكم من الشيخ بعد أن يتوضّأ كلذٌ منهما أمامه. فلما رأى الشيخ وضوءهما الصحيح، أدرك خطأه بنفسه وشكرهما[66]. هذا الأسلوب يحفظ كرامة المتعلّم، ويشجّعه على اكتشاف الخطأ بنفسه، ويعلم بالقدوة العمليّة، ويعكس الرفق والشفقة والذكاء التربويّ، ويترك أثرًا إيجابيًّا عميقًا.
كان الإمامA ينتهز الفرص لتقديم النصح. ففي وصيّته لجنادة، ربط العزّ الحقيقيّ بطاعة الله، ونصح بالاعتدال في طلب الرزق. منهجه في التوجيه كان يركز على القيم الجوهريّة، ويستخدم لغةً سهلةً ومؤثّرة، ويربط بين الإيمان والسلوك، ويراعي أحوال المخاطبين.
الوصايا الجامعة
تعدّ الوصيّة من الأساليب البليغة في نقل الخلاصات الفكريّة. ولقد كان لأئمّة أهل البيت%، ومنهم الإمام الحسنA، وصايا متعدّدةٌ وجّهوها في مناسباتٍ مختلفة. تنوّعت وصايا الإمامA لتشمل جوانب متعددةً، عكست اهتماماته ومسؤوليّاته. كانت قضيّة الإمامة وتحديد الإمام اللاحق من أهمّ المسائل. ففي وصيّته للإمام الحسينA، أكّد على حقّه في الدفن بجوار جدّهJ. أما وصيّته لمحمد بن الحنفيّة، فكانت أكثر صراحةً في تحديد الإمام من بعده، حيث نصّ على إمامة أخيه الحسينA وأنّها (وراثةٌ من النبي ﷺ)، وسلسلةٌ متّصلةٌ من الاصطفاء الإلهي، وأوصاه بالبر بالحسينA ونصرته، مع التوصية بكتمان الأمر حتى وفاته[67].
وفي وصيّته لجنادة بن أبي أميّة، أشار إلى حديث النبيّJ عن الأئمّة الاثني عشر، وأنّهم «ما منّا إلّا مسمومٌ أو مقتول». فهذه الوصيّة تعدّ مدرسةً متكاملةً في الزهد والأخلاق. منها قوله: «يا جنادة... وإذا أردت عزًا بلا عشيرة... فاخرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعة الله... وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به...»، ويقدّم فيها معايير لاختيار الأصحاب الصالحين[68]. هذه الوصيّة تقدّم مفاهيم بديلةً للقيم الدنيويّة، وتوجّه إلى الإحسان في العبادة، وتضع قاعدةً ذهبيّةً في التعامل مع الناس.
كان الإمامA يتمتّع ببصيرةٍ تمكّنه من استشراف المستقبل. وصيّته للإمام الحسينA بعدم إراقة محجمة دمٍ في حال منع دفنه بجوار جدّهJ تعكس هذا الاستشراف، وتأكيده على الحقّ الشرعي، وحرصه الشديد على حقن الدماء، وإحالته الخصومة إلى الله ورسوله[69]. وكذلك وصيّته لابنه القاسم بن الحسن C بنصرة عمّه الحسينA في كربلاء، تظهر اهتمامه بمستقبل الدعوة وضرورة التضحية[70].
مواجهة الإمام الحسنA للتحدّيات الفكريّة والانحرافات العَقَديّة
لم تخلُ ساحة الفكر الإسلامي في عصر الإمام الحسنA من تحدّياتٍ وانحرافاتٍ عَقَديّة. وقد تصدّىA لهذه التحدّيات بمنهجيّةٍ حكيمةٍ، جمعت بين الحجّة الدامغة، والصبر الاستراتيجي، والسعي الدؤوب لإقامة الحجّة وكشف الزيف. شكّل المشروع السياسيّ والفكريّ لبني أميّة التحدّي الأكبر للإمام الحسنA. لم يكن هذا المشروع مجرد نزاعٍ سياسيّ، بل كان يهدف إلى تغيير هويّة الإسلام. وقد واجه الإمامA هذا المشروع الخطير بكلّ ما أوتي من حكمةٍ وبصيرة. أكّد الإمامA أنّ حقّه في الخلافة مستمدٌّ من الشرعيّة الإلهيّة. ففي رسالته إلى معاوية، بعد تأكيد شرعيّته كأمير للمؤمنين، والتذكير بالأسس الدينيّة للقيادة، ونقد ما جرى بعد وفاة النبيJ من إقصاء لأهل البيت%، والاحتجاج بالوصيّة، دعاه إلى الإنصاف ونبذ البغي، وحذّره من مغبّة إراقة الدماء، معلنًا استعداده للمواجهة إن لزم الأمر. وعندما ردّ معاوية برسائل مليئةٍ بالمغالطات، كان الإمامA يردّ عليها برسائل أخرى يفنّد فيها ادّعاءاته، ويكشف تناقضاته، ويدافع عن أهليّة أبيه للخلافة، ويرفض شرعيّة مطالبة معاوية بالشام، ويذكّره بحتميّة انتصار الحقّ[71].
لم يكن الإمامA يرى في معاوية منافسًا سياسيًّا، بل يدرك أنّه ممثّلٌ لمشروعٍ يهدف إلى تحريف الإسلام. ففي خطبته أمام أهل الكوفة، وصف معاوية وبني أمية بأنّهم «لم يؤمنوا بالله ولا برسوله قط، ولا أظهروا الإسلام ... إلّا فرقًا من السيف»، وأنّهم «يبغون دين الله عوجًا»، وأنّ هذا ما أخبر به رسول اللهJ[72]. هذا التوصيف يكشف عن عمق رؤية الإمامA.
قرار الصلح مع معاوية كان قرارًا استراتيجيًّا حكيمًا، فرضته الضرورة القاهرة، وكان يهدف إلى حقن دماء المسلمين، والحفاظ على البقيّة الباقية من المؤمنين، وكشف حقيقة معاوية. شروط الصلح (العمل بالكتاب والسنّة، عدم العهد لأحد، أمان الناس وشيعة علي، ترك سبّ أمير المؤمنين)، كانت بمنزلة حجّةٍ دائمةٍ على معاوية الذي نقضها، ممّا فضح نواياه[73]. وقد صرّح الإمامA بأنّ الصلح كان «لصلاح الأمة»، وأنّه قد يكون «فتنة لكم ومتاع إلى حين»[74].
امتدّت مواجهة الإمامA لتشمل رموز المشروع الأموي. كان زياد بن أبيه واليًا لمعاوية وعُرف ببطشه. تصدّى الإمامA لممارساته. فعندما تعرّض زياد لسعيد بن سرح، كتب إليه الإمامA يأمره برد مظلمته. ولما رد زياد بجفاء، واجهه الإمامA بحقيقة نسبه المزور برسالة قاصعة: «من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سميّة ... الولد للفراش، وللعاهر الحجر»[75]. هذه المواجهة تعكس عدم سكوته على الظلم، ودفاعه عن الحقوق، واستخدامه للحجّة الشرعيّة، وشجاعته. كان مروان بن الحكم من أشدّ المعادين لأهل البيت%. موقفه من منع دفن الإمام الحسنA بجوار جدّهJ كشف عن حقده[76]. وعندما كان مروان يسبّ أمير المؤمنينA، كان الإمامA يرد عليه تارةً بالصبر وتارةً بالحجّة، قائلًا له في إحدى المرات: «إنّي والله لا أمحو عنك شيئًا ... »[77].
لم تقتصر التحدّيات الفكرية على المشروع الأموي، بل امتدت لتشمل تياراتٍ أخرى. وقد تصدّىA لهذه الانحرافات بالحجّة والبرهان. يهدف هذا المبحث إلى استكشاف كيفيّة تعامل الإمامA مع هذه التيّارات. شكل الخوارج تحدّيًا فكريًّا وعسكريًّا. بعد صلح الإمامA، عدّ قسمٌ منهم كلا الطرفين على غير الحقّ. عندما طلب معاوية من الإمامA الخروج لقتال الخوارج، كان جواب الإمامA حاسمًا: «أما بعد؛ فلو آثرت أن أقاتل أحدًا من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإنّي تركتك لصلاح الأمّة، وحقن دمائها. فذاك الذي خرج فإنّما خرج عليك، وأنت أولى بقتاله ... »[78]. فهذا الجواب يحدّد العدو الحقيقي، ويؤكد حكمة الصلح، ويلقي المسؤوليّة على معاوية، وهو موقفٌ استراتيجيٌّ، وليس تبريرًا للخوارج، ويحافظ على استقلاليّة الموقف.
شهد العصر جدلًا حول القضاء والقدر. رسالة الإمامA إلى الحسن البصري كانت بيانًا شافيًا، أكدت على الإيمان بالقدر (علم الله الشامل)، ورفضت نسبة المعاصي إلى الله، وأسست لمبدأ «الأمر بين الأمرين» (لا جبر ولا تفويض)، وأوضحت العلاقة بين القدرة الإلهيّة والاستطاعة البشريّة، وبيّنت دور المشيئة الإلهّية في الطاعة والمعصية، واستدلّت بالقرآن والحجّة العقليّة، وخلصت إلى أنّ الله «أمرهم تخييرًا ونهاهم تحذيرًا»[79]. فمنهج الإمامA في هذه الرسالة تميّز بالمبادرة لتصحيح الخطأ، والأسلوب العلمي الهادئ، والوضوح والتفصيل، والتأصيل الشرعي والعقلي، وروح النصح والإرشاد.
لم تقتصر التحدّيات على الخصوم الخارجيين، بل امتدّت لتشمل تخاذل بعض الأتباع. وقد تعامل الإمامA مع هذا الوضع بصبرٍ وحكمةٍ، وسعى إلى إقامة الحجّة، وتوضيح الحقائق، وكشف الدوافع، وتحميل كلّ طرفٍ مسؤوليته. واجه الإمامA تخاذل أهل الكوفة بخطبٍ قويّةٍ وصريحةٍ، كشف فيها عن حقيقة نواياهم، وحذّرهم من عواقب تقاعسهم. ففي خطبته في المدائن بعد محاولة اغتياله، والتي أشار فيها إلى أنّهم غرّروا به كما غرّروا بأبيه، ووصفهم بأنّهم «عبيد الدنيا»، وحملهم مسؤولية المستقبل، وعبر عن يأسه من وفائهم، وأعاد التأكيد على حقيقة المشروع الأموي، وشبههم بالقرية الظالم أهلها[80]. أثار قرار الصلح جدلًا واسعًا وانتقادات حتى من بعض خواص أصحاب الإمامA. وقد تصدّىA لهذه الشبهات بصبرٍ وحكمةٍ، مبينًا الأسباب الحقيقيّة التي دعته إلى هذا القرار. فقال في خطبته بعد الصلح، أوضح الإمامA أنّ الدافع الأساس لقراره هو مصلحة الأمة، مؤكّدًا أحقّيته بالخلافة، ومبينًا الدوافع النبيلة للصلح، ومذكّرًا بشروط البيعة، وملوّحًا بأنّ الأمر قد يكون اختبارًا وفتنة[81].
وعندما واجه انتقاداتٍ من أصحابه مثل سليمان بن صرد الخزاعي، وحجر بن عدي، والمسيب بن نجبة، كان الإمامA يستقبل انتقاداتهم بصدرٍ رحبٍ، ويوضّح لهم أنّ ما فعله كان الخيار الوحيد المتاح، وأنّه لو وجد أنصارًا لما تردد في القتال، وشبّه صلحه بصلح الحديبية، مؤكّدًا أنّ قراره كان يهدف للمصلحة العليا للأمة[82]. منهجه في التعامل مع هذه الانتقادات تميز باستيعاب الغضب، والتوضيح بالحجّة، والتشبيه بمواقف نبويّة، والتأكيد على المصلحة العليا، والصبر على الأذى. لقد تجلّى صبر الإمامA وحلمه بأبهى صوره في تعامله مع الاتهامات وسوء الفهم. فبالرغم من الألم، ظلّ متماسكًا، حكيمًا، صبورًا، يسعى إلى توضيح الحقائق بالحسنى، ويتحمّل الأذى في سبيل الله ومصلحة الأمة.
الخاتمة
في ختام هذه الدراسة التي سعت إلى استجلاء الأبعاد العَقَديّة والفكريّة والمنهجيّة في سيرة الإمام الحسن المجتبىA، يمكننا أن نخلص إلى مجموعةٍ من النتائج التي تؤكّد على الدور المحوري الذي اضطلع به الإمام السبطA بوصفه قائدًا ربانيًّا، ومرجعيّةً عَقَديّةً للأمة.
أولًا: أصالة وعمق المنظومة العَقَديّة للإمام الحسنA وارتباطها الوثيق بالوحي: لقد أثبتت الدراسة أنّ الإمامA قدّم منظومةً عَقَديّةً متكاملةً في التوحيد (مؤكّدًا على تنزيه الله ومبدأ الأمر بين الأمرين)، والنبوة (مبرزًا مقام الرسول الأعظم J وعالمية رسالته)، والإمامة (مرسّخًا مفهومها كأصلٍ عَقَديٍّ وعهدٍ إلهيّ واستمرارٍ لخط الأئمّة الاثني عشر)، والمعاد (محذّرًا من الدنيا وحاثًّا على الاستعداد للآخرة)، بالإضافة إلى مسائل عَقَديّةٍ أخرى مهمّة.
ثانيًا: تكامل وتنوّع منهجيّة الإمام الحسنA في تبيين المعارف: اتّبع الإمامA منهجيّةً متعددةً الأبعاد وفعّالة، شملت الاستناد المطلق إلى القرآن والسنّة، والخطابة البليغة والمؤثّرة، والمكاتبات الدقيقة والموثقّة، والحوار العلمي والمناظرة العقليّة، والقدوة الحسنة المتجسّدة في سيرته، واستخدام الوصايا لنقل الخلاصات الفكريّة.
ثالثًا: حكمة وبصيرة في مواجهة التحدّيات الفكريّة والانحرافات العَقَديّة: واجه الإمامA تحدياتٍ جسيمة (المشروع الأموي، التيّارات المنحرفة، التخاذل الداخلي) بحكمةٍ بالغةٍ وبصيرةٍ نافذةٍ، ففنّد الادّعاءات، وصحّح المفاهيم، وتعامل مع الظروف القاهرة بقراراتٍ استراتيجيّةٍ (كالصلح) تهدف إلى تحقيق المصالح العليا للأمة.
رابعًا: الأثر الخالد للإمام الحسنA كمرجعيّة فكريّة وعَقَديّة ومنارة هدايةٍ للأجيال: أنّ تعاليم الإمامA ومنهجيّته ومواقفه كان لها أثرٌ بالغٌ في الحفاظ على نقاء العقيدة الإسلاميّة، وتوجيه الفكر الإسلامي، وترسيخ مفهوم الإمامة، وتقديم نموذجٍ للقيادة الحكيمة. سيرته وفكره يمثّلان منارة هدايةٍ ومصدرًا للإلهام.
وختامًا، فإنّ الغوص في بحر علوم الإمام الحسن المجتبىA، وفكره الثاقب، ومنهجه القويم وسيرته العطرة هو رحلةٌ معرفيّةٌ وروحيّةٌ لا تنتهي، وما هذه الدراسة إلّا محاولة متواضعة لإضاءة بعض جوانب هذه الشخصيّة الإسلاميّة الفذّة التي ملأت الدنيا علمًا وحكمةً وصلاحًا. نسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم، وأن يوفّقنا للسير على هدى كتابه وسنّة نبيه ومنهج أوليائه الصالحين. وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، والحمد لله رب العالمين، أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.
المصادر
أبو الفرج الأصفهاني، علي بن حسين، مقاتل الطالبیین، لبنان- بيروت، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1419هـ.
أحمد بن حنبل، مسند أحمد، لبنان- بيروت، مؤسّسة الرسالة، 1421هـ.
ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، إیران- قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.
ابن أبي شيبة، عبد الله، المصنّف في الأحاديث والآثار، السعودية- الرياض، مكتبة الرشيد، 1409هـ.
ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح، لبنان – بيروت، دار الأضواء، 1411هـ.
ابن الأثير، علي بن محمد، الكامل في التاريخ، لبنان- بيروت، دار صادر، 1385.
ابن شعبة، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول، إيران- قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404هـ.
ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالبA، إيران- قم، علامه، 1379.
ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق، لبنان-بيروت، دار الفكر، 1415هـ.
ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء، لبنان – بيروت، دار الأضواء، 1410هـ.
الأحمدي الميانجي، علي، مكاتيب الأئمة% ، إيران- قم، دار الحديث، 1426هـ.
الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الأئمة، إيران- تبريز، بني هاشمي، 1381.
البحراني، هاشم، حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار%، إيران- قم، مؤسسة المعارف الإسلامیّة، 1411هـ.
———، مدينة معاجز الأئمّة الاثني عشر، إيران- قم، مؤسسة المعارف الإسلامیة، 1413هـ.
الحلواني، حسین بن محمد، نزهة الناظر وتنبیه الخاطر، إيران- قم، مدرسة الإمام المهديf، 1408هـ.
الخزّاز، علي بن محمد، كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر، إيران- قم، بيدار، 1401هـ.
الراوندي، سعيد بن هبة الله. الخرائج والجرائح، إيران- قم، مؤسسة الإمام المهديf، 1409هـ.
الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، إيران-طهران، کتابچی، 1376.
———، علل الشرائع، إيران- قم، مکتبة الداوري، 1966م.
———، معاني الأخبار، إيران- قم، مؤسسة النشر الإسلامي- مؤسسة الإمام الصادق A، 1403هـ.
الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج علی أهل اللجاج، ايران- مشهد، نشر المرتضی، 1403هـ.
الطبري الآملي، محمد بن علي، بشارة المصطفی لشیعة المرتضی، العراق- النجف، المطبعة الحيدرية، 1383.
الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، لبنان-بيروت، دار التراث، 1967م.
الطوسي، محمد بن حسن، الأمالي، إيران- قم، دار الثقافة، 1404هـ.
الطيالسي، أبو داود، مسند أبي داود الطيالسي، مصر، دار هجر، 1419هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، إيران- طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ.
الكوفي، فرات بن إبراهيم، تفسير فرات الكوفي، إيران-طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، مؤسسة الطبع والنشر، 1410هـ.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، لبنان-بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.
المسعودي، علي بن حسين، إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب، إیران- قم، انصاريان، 1426هـ.
المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، إيران- قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413هـ.
معهد باقر العلوم، موسوعة كلمات الإمام الحسن المجتبىA، إيران-طهران، پژوهشکده باقر العلومA، 1392.
[1] أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبیین، 61؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 16/31.
[2] الطبري، تاريخ الأمم والملوك، 4/440 وما بعدها، حول ولاية معاوية على الشام وتوطيد حكمه.
[3] راجع: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 16/31-34.
[4] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 3/413-414.
[5] راجع: معهد باقر العلوم، موسوعة كلمات الإمام الحسن المجتبى A، 226-231.
[6] آل عمران :34.
[7] الكوفي، تفسير فرات الكوفي، 79-80.
[8] الطوسي، الأمالي، 158.
[9] الإسراء: 111
[10] الفرقان: 2
[11] ابن شعبة، تحف العقول، 231.
[12] الطوسي، الأمالي، 202.
[13] المفيد، الإرشاد، 2/ 8.
[14] الزخرف: 44
[15] ابن شهر آشوب، مناقب، 4/ 31.
[16] م. ن، 4/7.
[17] أحمد بن حنبل، مسند أحمد، 3/245؛ الإربلي، كشف الغمة، 1/535.
[18] الطيالسي، مسند أبي داود الطيالسي، 2/499؛ الحلواني، نزهة الناظر وتنبیه الخاطر، 28.
[19] أحمد بن حنبل، مسند أحمد، 3/250؛ الإربلي، كشف الغمة، 1/535.
[20] الأعراف: 158. الصدوق، الأمالي، 187.
[21] الخزاز، كفاية الأثر، 227.
[22] الأحمدي الميانجي، مكاتيب الأئمة A، 3/13.
[23] الإربلي، كشف الغمة، 1/571.
[24] الكليني، الكافي، 1/297-298.
[25] الشورى: 23
[26] الأحزاب: 33. راجع: المفيد، الإرشاد، 2/8.
[27] ابن أبي شيبة، المصنف، 6/378 (بطرق مختلفة)؛ الصدوق، الأمالي، 558 (عن الإمام الحسن[ع] نفسه).
[28] الصدوق، علل الشرائع، 1/211.
[29] الكليني، الكافي، 1/300.
[30] الخزاز، كفاية الأثر، 226-227.
[31] الأحمدي الميانجي، مكاتيب الأئمة A، 3/13.
[32] الصدوق، علل الشرائع، 1/96-98.
[33] الكليني، الكافي، 7/202-203.
[34] م. ن، 1/300-301.
[35] الأحزاب: 33. المفيد، الإرشاد، 2/9.
[36] الخزاز، كفاية الأثر، 227.
[37] م.ن. 227-228.
[38] الصدوق، معاني الأخبار، 389-390.
[39] المفيد، الإرشاد، 2/9.
[40] الزخرف : 44. الإربلي، كشف الغمة، 1/570.
[41] الأحزاب: 53
[42] الكليني، الكافي، 1/302.
[43] الحلواني، نزهة الناظر وتنبیه الخاطر، 73.
[44] راجع: الحلواني، نزهة الناظر وتنبیه الخاطر، 28؛ الإربلي، كشف الغمة، 1/535.
[45] الطبري الآملي، بشارة المصطفی، 196.
[46] المفيد، الإرشاد، 2/9-10.
[47] الكوفي، تفسير فرات الكوفي، 79-80.
[48] الراوندي، الخرائج والجرائح، 2/574.
[49] ابن أعثم الكوفي، الفتوح، 4/290-291.
[50] الخزاز، كفاية الأثر، 226-227.
[51] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 16/31-32.
[52] راجع: م. ن، 16/37-39.
[53] ابن شعبة، تحف العقول، 231.
[54] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 16/194.
[55] راجع: الطبرسي، الاحتجاج، 1/269-2/292.
[56] راجع: المجلسي، بحار الأنوار، 44/110-133.
[57] راجع: ابن شهر آشوب، مناقب، 4/19.
[58] البحراني، حلية الأبرار، 4/59.
[59] ابن شهر آشوب، مناقب، 4/16.
[60] ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، 13/246.
[61] ابن شهر آشوب، مناقب، 4/14.
[62] المجلسي، بحار الأنوار، 43/339.
[63] ابن شهر آشوب، مناقب، 4/14.
[64] الكليني، الكافي، 1/461.
[65] ابن شهر آشوب، مناقب، 4/23.
[66] المجلسي، بحار الأنوار، 43/319.
[67] راجع: الكليني، الكافي، 1/300-303.
[68] الخزّاز، كفاية الأثر، 226-227.
[69] راجع: الكليني، الكافي، 1/301 و302-303.
[70] راجع: البحراني، مدينة معاجز الأئمة، 3/366-368.
[71] راجع: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 16/31-39.
[72] الراوندي، الخرائج والجرائح، 2/574.
[73] ابن أعثم الكوفي، الفتوح ،4/290-291.
[74] الإربلي، كشف الغمة، 1/571.
[75] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 16/194.
[76] راجع: المفيد، الإرشاد، 2/17-18.
[77] المجلسي، بحار الأنوار، 43/352.
[78] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 3/409.
[79] ابن شعبة، تحف العقول، 231-232.
[80] المسعودي، إثبات الوصية، 158-159؛ كذلك، راجع: المفيد، الإرشاد، 2/11-13.
[81] الإربلي، كشف الغمة، 1/571.
[82] راجع: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، 1/183-187.