الباحث : د. عمار عبد الرزاق الصغير
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 39
السنة : صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 44
الملخّص
ينطلق البحث من تقديمٍ علميٍّ يُعنى بدلالة وتفسير آية التبليغ من سورة المائدة، ومقاربتها كلاميًّا وروائيًّا بين مدرستي الشيعة والسنة، مستهدفًا تحليل دلالاتها على ولاية أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وذلك عِبر تتبع مسارات محطاتٍ رئيسةٍ ثلاثٍ في الخطاب، شكّلت الهيكل الموضوعيّ للدراسة، ليختتم البحث بالاستدلال النقليّ والعقليّ على خلافة الإمام عليّ(عليه السلام). وهذه المحطّات هي:
الأولى: الأسلوب النبويّ في تبليغ الآية: تتجلّى أهميّة القراءة التحليليّة لآية التبليغ وظروف غدير خم في كشف التوثيق الإلهيّ والنبويّ الذي جعل من ذلك اليوم حدثًا تاريخيًّا مفصليًّا لا يغيب. فما حدث هناك لم يكن عفويًّا، بل كشف عن هندسةٍ نبويّةٍ محكمةٍ مخطط لها بعناية؛ لإقامة الحجّة والإلزام على الأمّة، لقد استهدفت هذه الاستراتيجية النبويّة نقل نصّ الإمامة من كونه واقعةً تاريخيّةً مؤقّتةً إلى حركةٍ رساليّةٍ عابرةٍ للأزمان، ومرجعيّةٍ إلهيّةٍ متجدّدةٍ تقود الأمّة نحو مستقبلها.
الثانية: سوسيولوجيا الخطاب: وهنا تظهر عِظَم المسؤوليّة التي واجهها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في آية التبليغ؛ إذ كان يعلم بمخططاتٍ معارضةٍ داخليّةٍ تترقب بالدعوة، وتسعى لقلب بنيان الدين، فجاءت لغة الحسم والشرط القرآنيّ لبيان خطورة الأمر، لا لتهديد شخصه الكريم، وتوّجت بالوعد الإلهيّ بالعصمة ليؤمّن هذا البلاغ العاجل، ويحمي مستقبل الرسالة من كيد المنافقين.
الثالثة: وظيفة الفعل الإنجازيّ في النصّ: ينقل الفعل الإنجازي المعزّز بالأمر (بَلِّغْ) الخطاب الإلهيّ من حيز التعبير اللفظيّ إلى فضاء الفعل والتحقّق، ملزمًا بتنفيذ مقتضيات الولاية عبر خطواتٍ إجرائيّةٍ مباشرة. ويكشف التلازم الشرطيّ في عبارة (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) عن مرتبة هذا الأمر الذي يوازن الرسالة بأسرها؛ ويوضح هذا التلازم أنّ تريث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) السابق لم يكن امتناعًا؛ بل تحسبًا حكيمًا من ارتدادات حركة النفاق وتمرّد النفوس التي لم تترصّن عقائديًّا بعد؛ إذ كانت تنظر إلى النبوّة والدين بمنظور المُلْك والقوانين الدنيويّة.
الكلمات المفتاحيّة: الغدير، آية التبليغ، الإمام علِيّ(عليه السلام)، العصمة.
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [1]
توطئة في المداليل العامّة
وردت آية التبليغ (الآية 67) في سياق آياتٍ تمتدّ من بداية سورة المائدة، وتتمثّل دلالاتها العامّة في: الإيفاء بالعهود، والالتزام بما يتعهّد به الإنسان، والنهي عن التشريع من الهوى، والوصيّة بالعدالة والتقوى. كما تُذكّر السورة بالميثاق الذي أخذه الله من بني إسرائيل، وبعثِ اثني عشر نقيبًا فيهم، وتبيّن أنّ نقضهم للميثاق كان سببًا للعنهم ووصفهم بالخيانة والكفر.
ثم يبيّن السياق مجمل صفات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المُرسَل إليهم، مستمرًّا في كشف نقضهم وانقلابهم واتّخاذهم الأحكام هزؤًا. وتنتقل الآيات بعد ذلك لتبيان حركة النفاق ومرض القلوب، والأمر بالإعراض عن المنافقين، كاشفةً عن الصفات المشتركة بين حركة النفاق وبني إسرائيل في انقلابهم على الحقّ وتوليهم عن أمر الله. ومن هنا يأتي بيان صفة (ولي الله) وجوهر الولاية الشرعيّة في قوله تعالى ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) لتكون هذه الولاية باعثًا للمؤمن على الاستقامة والثبات.
ويلاحظ في هذه السياقات أنّ النصّ يردف الحديث عن الانقلاب والخيانة والنفاق بالإشارة إلى تقلّب مواقفهم وولائهم للكافرين، وكتمانهم للبغضاء. وينتهي هذا المساق القرآني ببيان شَرطَي المغفرة، والفوز بالجنة، والخير الوفير، وهما: الإيمان والتقوى، والالتزام بالنصّ الإلهيّ، مبيّنًا أنّ القائمين بذلك هم ( أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)
وصولًا إلى آية التبليغ، نجدها تأتي بأسلوبٍ شَرطيّ حادٍّ وحاسمٍ، يربط بين التبليغ التامّ وبين كمال الرسالة وحفظها، وذلك بعد أن استوفى السياق بيان القواعد التي تحكم جريان السنن الإلهّية في الأمم السابقة. إنّ الالتفات إلى هذه السياقات المتماسكة في السورة يسهّل العثور على الدلالة الموضوعيّة التي تناسب الآية، ويساعد بدقةٍ في تحديد مقاصدها العليا، ورفع الاشتباهات الواقعة حول عوارضها الإشكاليّة.
آراء علماء العامّة في دلالة الآية ونقدها
حينما تتقدم الأحكام المسبقة على الفهم؛ فمن المؤكّد أنّ الذات المفسِّرة ستفتش على معرفةٍ لا تتقاطع مع رؤيتها. تلك المنهجيّة تكشف أنّ الذات لم تطلب الحقيقة، وإنّما التفسير الذي يؤصّل معتقداتها، ويسّوغ أحكامها القبليّة، ويستبعد كلّ ما يخالفها، حتى وإن جاءت المعرفة المنتجة واهية الأساس، وبيّنة الضلال. يتجلّى هذا المسلك المعرفيّ بوضوح في التعاطي مع (آية التبليغ) من سورة المائدة؛ إذ سعت بعض القراءات إلى إقصاء دلالتها الظاهرة، والتمسّك بتأويلاتٍ بعيدةٍ لا تستقيم مع السياق العامّ للآية أو تفاصيلها.
تأسيسًا على ذلك، يسلّط هذا البحث الضوء على أبرز آراء المفسّرين في الآية الكريمة، ويفكّك مواطن الاشتباه والخلط فيها؛ إذ قالوا بأنّ العصمة في الآية بسبب الخوف من تكذيب دعوته(صلى الله عليه وآله وسلم)، واجتماع الناس عليه وقتله. وكان ذلك في مطلع الدعوة، فهي تبيّن الاستغناء عن حراسة عمّه أبي طالب أو العبّاس من أذى الاخرين، ودلائل ذلك من روايات بيّنت نزول الآية في مكّة أو في المدينة في السنة الثانية [2]. وقال الرازي إنّه يعصمه من القتل، وإنّ الآية نزلت في يوم أُحد [3].
وتذهب هذه الآراء إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمتنع عن تبليغ الرسالة أو يتباطأ فيه ضيقًا بها، بل إنّه كان يجاهر ببعض ما نُزّل عليه، ويخفي بعضه الآخر إشفاقًا على نفسه من أذى المشركين. وتزعم هذه الروايات أنّ هذا الحال استمرّ حتى نزلت الآية الكريمة تأمره بالحسم في التبليغ، وتكفل له الحماية والعصمة من القتل[4]. ومعظم آرائهم رواياتٌ تعود إلى الحسن البصريّ وقتادة من فقهاء السلطة الأمويّة.
والثابت أنّ الآية نزلت في يوم الغدير؛ أي بعد 23 عامًا ممّا يدّعونه. بعد أن أتمّ تبليغ الرسالة كلّها، وبعد سيطرته واستضعاف اليهود والمشركين. فالثابت أنّ النبيّ بعد أن بلّغ آية التبليغ، نزل قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) [5]، ولا يعقل أنهّ تردّد في تبليغ الدعوة، وأنّ كمال الدين تم بعد تبليغه آيةً واحدة! ولا يتصوّر أنّ آية كمال الدين نزلت في مطلع الدعوة؛ فلا قيمة لهذه الآراء أمام ظاهر النصّ نفسه؛ إذ يقتضي ظهوره أن يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بلّغ الرسالة لكي تستقيم المقابلة الشرطيّة في النصّ (التي تفيد بأنّ عدم تبليغ هذا الأمر المخصوص يُعادل عدم تبليغ الرسالة بأسرها)؛ لذا فإنّ ادّعاء نزولها في بداية الدعوة يسقط منطقيًّا؛ لأنّ النبيّ حينها لم يكن قد بلّغ تفاصيل الشريعة بعد، فكيف يُحذرُّه القرآن بـأنّ عمله سيضيع، وكأنّه لم يبلّغ تلك الرسالة والشريعة، وهي لم تنزلْ بعد؟!
حديث الغدير في كتب السنّة
قبل الدخول في تحليل الخطاب ينبغي ذكر واقعة الغدير من كتب الفريقين لملاحظة المنهج العمليّ الذي اعتمده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في تنصيب الإمام علي(عليه السلام)لما له من ايحاءاتٍ ودلالاتٍ قيّمةٍ تضيء على حقيقة الموضوع.
روي في مستدرك الحاكم وفي سنن الترمذي: أنّه لمّا رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من حجّة الوداع ونزل غدير خمٍّ، أمر بدوحاتٍ فقُممن، فقال: «كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما؛ فإنّهما لن يتفرقا حتى يردا علَيَّ الحوض. ثم قال: إنّ اللهَ عزَّ وجلَّ مولاي، وأنا مولى كلِّ مؤمن، ثم أخذ بيد علِيّ ــ رضي الله عنه ــ فقال: من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه». وقال الحاكم بعد ذكر الحديث بطوله: «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بطوله... وفي رواية: قال: (أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) ثلاث مرات. قالوا: نعم. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعلِيٌّ مولاه * وحديث بريدة الأسلمي صحيحٌ على شرط الشيخين»[6].
حديث الغدير في كتب الإماميّة
روي في مصادر الإماميّة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لما رجع من حجةّ الوداع ومعه المسلمين، أقبل حتى انتهى إلى الجحفة، فأمر أصحابه بالنزول فنزل القوم منازلهم، ثم نودي بالصلاة، فصلّى بأصحابه ركعتين، ثم أقبل بوجهه إليهم فقال لهم: «إنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّي ميّتٌ، وأنّكم ميّتون، وكأنّي قد دُعيت فأجبت، وأنّي مسؤولٌ عمّا أُرسلت به إليكم، وعمّا خلّفت فيكم من كتاب الله وحجّته، وأنّكم مسؤولون، فما أنتم قائلون لربكم؟». قالوا: نقول: قد بلغت ونصحت وجاهدت، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء. ثم قال لهم: «ألستم تشهدون أنّ لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله إليكم، وأنّ الجنة حقٌّ، وأنّ النار حقٌّ، وأنّ البعث بعد الموت حقٌّ»، فقالوا: نشهد بذلك، قال: «اللهمَّ اشهدْ على ما يقولون، ألا وإنّي أُشهدكم أنّي أشهد أنّ الله مولاي، وأنا مولى كلّ مسلمٍ، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهل تقرّون لي بذلك، وتشهدون لي به؟». فقالوا: نعم نشهد لك بذلك،
فقال: «ألا من كنت مولاه فإنّ عليًّا مولاه وهو هذا، ثم أخذ بيد علِيّ8 فرفعها مع يده حتى بدت آباطهما: ثم: قال: اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصرْ من نصره واخذلْ من خذله، ألا وإنّي فرطكم وأنتم واردون علَيّ الحوض، حوضي غدًا، وهو حوضٌ عرضه ما بين بصرى وصنعاء، فيه أقداحٌ من فضّةٍ عدد نجوم السماء، ألا وإنّي سائلكم غدًا ماذا صنعتم فيما أشهدت الله به عليكم في يومكم هذا إذا وردتم علَيَّ حوضي، وماذا صنعتم بالثقلين من بعدي فانظروا كيف تكونون خلفتموني فيهما حين تلقوني؟».
قالوا: وما هذان الثقلان يا رسول الله؟ قال: «أمّا الثقل الأكبر فكتاب الله عزَّ وجلَّ، سببٌ ممدودٌ من الله ومنّي في أيديكم، طرفه بيد الله والطرف الآخر بأيديكم، فيه علم ما مضى وما بقي إلى أن تقوم الساعة، وأمّا الثقل الأصغر فهو حليف القرآن وهو علِيّ بن أبي طالب وعترته(عليهم السلام)، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا علَيَّ الحوضَ» [7].
الأسلوب النبوي في تبليغ الآية
إنَّ القراءة التحليليّة لنصوص (آية التبليغ) وما رافقها من إعلانٍ نبويّ، تَكشف بوضوح عن الأهميّة البالغة والوسائل المتنوّعة التي اعتمدها النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للتأكيد والتوضيح. وهو ما يُظهر القيمة الاستثنائيّة للموضوع، ومدى دقّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحرصه الشديد على إيصال الرسالة بأبهى صورها وأتمّ وجوهها؛ قطعًا لكلّ عذر، وسدًّا لأيّ بابٍ من أبواب الجحود أو النكران. ويمكن تحليل ذلك بالبيان الآتي:
الاستدراج بالإلزام وأخذه؛ لتوكيد الحجّة وتثبيت الإقرار على النفس.
التأكيد على أنّ الأمر من الله وليس اجتهاديًّا أو عاطفيًّا، ومن ثم فهو شريعةٌ نازلةٌ تتصف بالدرجة الإلزاميّة نفسها للدين.
تعمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لاستعمال كلمة (ولي وأولى) لدلالاتها الصريحة على أحقيّة التصرّف والتولّي في شؤون الآخرين، فأمره أولى بالاتّباع[8]، وهو معنى يسبق بتبادره إلى الذهن قبل أيّ معنى آخر. وتقييد الولاية (بأنفسكم) إلزامٌ للمخاطب بحقّ الولاية. وأمّا الرأي القائل إنّها تعني المحبّة والنصرة فبعيدٌ عن حقيقة اللفظ الظاهر والمتبادر والمستعمل؛ لأنّ غاية الولاية التي يريدها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقوعها بعد حياته، أي استخلاف الإمام8، وأمّا معنى النصرة والمحبّة فهي ثابتةٌ من الإمام8 بحقّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا تحتاج الى مزيد بيانٍ.
تهيئة النفوس بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ألستُ أولى بكم من أنفسكم»، فلمّا أقرّوا له بذلك، ألزمهم الحجّة، وبلازم إقرارهم قال لهم: «من كنتُ مولاه فعلِيٌّ مولاه». فلا جواب إلّا الإقرار حينها بالولاية له أمام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
التأكيد بالدعاء «اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصرْ من نصره، واخذلْ من خذله». وهو كاشفٌ عن أمرين: رضا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عمّن يواليه، وسخطه على من سيخذله ويعاديه، وينكث البيعة.
بقاء الرقابة النبويّة على التزامهم بما أبلغهم يوم الغدير، بعد حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والنصّ على جزاء المتخلّفين منهم في يوم القيامة عند الحوض بقوله: «ألا وإنّي سائلكم غدًا ماذا صنعتم فيما أشهدتُ اللهَ به عليكم في يومكم هذا، إذا وردتم علَيَّ حوضي، وماذا صنعتم بالثقلين من بعدي... ».
تصديق القرآن بكمال الرسالة بهذه البيعة عبر نزول قوله تعالى(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) [9]، في تلك المناسبة، وتعقيب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول هذه الآية بقوله: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، والولاية لعلِيّ بن أبي طالب».
البنية اللفظيّة للآية، وتعليق الرسالة على هذا التبليغ، والتكفّل بالعصمة في حفظ الأمر يوحي بعظمته وخطورة تركه.
جملة من القرائن الحاليّة كتحشيد المسلمين عند مكان الغدير، والخطبة والمراسيم الخاصة بالتنصيب كنصب المكان العالي، والإمساك بيد الإمام، ورفعها عاليًا أمام الحشود، وتوصية الحاضر بإبلاغ الغائب، والدعاء للثابتين، واللعن للخاذلين والمعادين، تلك القرائن كلّها وغيرها ممّا لايسع ذكرها تدلّ على العناية الخاصّة بتبليغ الولاية، وتبرهن على مركزيّة الإمامة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
تستهدف هذه الاستراتيجيات النبويّة الكشف عن العمق الدلالي لنصّ الإمامة؛ لتخرجه من إطار الواقعة التاريخيّة العابرة، وتضعه في قلب الفضاء التداوليّ العابر للأزمان. ومن خلال استنطاق سياقات النصّ ومحيطه الاجتماعيّ والعلميّ، يتحوّل الخطاب من مجرد إبلاغٍ تاريخيّ جامدٍ إلى حركةٍ رساليّةٍ متجدّدةٍ تتسع بمرور الأجيال. وتتيح لنا هذه المقاربة استكشاف خلفيّات النصّ ومرجعيّات تكوينه، وكيفيّة توظيف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للظروف المحيطة بالبلاغ لتحقيق مقاصد وغايات بالغة الأهميّة.
سوسيولوجيا الخطاب وتحليله النقديّ
يتعلّق تعيين المناصب الإلهيّة بمعرفة الله بالإنسان، وحكمته في اختياره للنظام الأصلح، وهذا من لطف الله ورحمته وعنايته بالإنسان، فهو لا يُكلِّف نفسًا إلّا وسعها، ولا يأتيها إلّا بما يناسبها، ولا يختار لها إلّا الأحسن. ومثل هذا سائر ألطافه في خلق الإنسان وتوفير ما يحتاجه ووضع عنه ما يكره. هذا البيان يتناول تعيين المنصب الإلهيّ من جهة رحمته تعالى بالإنسان، وليس من جهة الاقتضاءات التي وضعها الحكماء والكلاميّون في تقريراتهم؛ مثل العصمة وضرورة العلم والكمال للمنصب الإلهيّ، وبخلافه لزوم الجهل والنقص؛ كلا فالمدار هنا اللطف. بالإنسان بوصفه محل التكليف. النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)
أجمع معظم المفسّرين والباحثين في (آية التبليغ) على وجود مخاوف لدى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تجاه القضيّة التي أمرت الآية بإعلانها، وهي قضيّة كان على علمٍ مسبقٍ بها. هذا الأمر يطرح تساؤلًا جوهريًّا: ما سبب هذا التخوّف رغم أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمتلك السلطة العليا والقرار النافذ؟ هل كانت الذهنيّة العامّة للمجتمع غير ناضجة، والوعي لا يتقبّل بسهولة هذا القرار واستيعابه؟ أم لوجود معارضةٍ داخليّةٍ تضمر الاعتراض على قراراته، وتسعى لتعطيل تنفيذها، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم بنواياها المثيرة للتخوف؟
يرجّح البحث الاحتمال الثاني بوصف الأول يمكن قياسه على بداية الدعوة حينما كانت غريبةً، ولم تتقبلها الذهنيّة العامة، أمّا في نهايتها وقد اعتاد مجتمع الجزيرة على التشريعات الجديدة فلا يُتصوّر هذا الاحتمال.
على هذا الأساس يمكن تصنيف مخاوف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه علِمَ بما سيحدث وما ستصنعه تلك المعارضة للحكم الإلهيّ، وعلى هذا فالأمر لا يعدو أن يكون خوفه يعكس شعورًا نفسيًّا، وليس امتناعًا من التبليغ بالولاية كما سيأتي. وأمّا لغة التصعيد والشرط في الآية فهي لبيان عِظَم ما سيبلّغه، ويحمله من بعده أوليائه، وليس تهديدًا قائمًا على وجود امتناعٍ فعليّ عن التبليغ. «وكان من المترقّب أن يخالفه الناس ويقلبوا الأمر على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث تنهدم أركان ما بناه من بنيان الدين وتتلاشى أجزاؤه، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يتفرّس ذلك، ويخافهم على دعوته؛ فيؤخّر تبليغه إلى حينٍ بعد حينٍ ليجد له ظرفًا صالحًا وجوًّا آمنًا عسى أن تنجح فيه دعوته، ولا يخيب مسعاه؛ فأمره الله تعالى بتبليغٍ عاجلٍ، وبيّن له أهميّة الحكم، ووعده أن يعصمه من الناس، ولا يهديهم في كيدهم، ولا يدعهم يقلبوا له أمر الدعوة»[10].
بناءً على ما سبق، يُصنَّف تخوّف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه ألمٌ نفسيٌّ ناتجٌ عن استشرافه للمواقف السلبيّة التي ستتخذها المعارضة ضدّ الحكم الإلهي، ومن ثَمّ فإنّ هذا الخوف يمثل استجابةً وجدانيّةً طبيعيّةً، ولا يعني مطلقًا التردّد أو الامتناع عن تبليغ أمر الولاية. أمّا صيغة الشرط والتصعيد في الآية الكريمة (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، فهي أسلوبٌ بيانيٌّ يهدف إلى تأكيد الأهميّة القصوى للموضوع، وعدم تحمله التأخير لتوفّر دواعي الإعلان وسط هذا الجمهور؛ ممّا يصعب نكرانه حينها، وليست صيغة تهديدٍ حقيقيّة تدلّ على احتمال امتناع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن التبليغ.
إنّ الآية نزلت مفردةً لا تتصل بسياق الموضوع حول اليهود؛ لأنّها خروجٌ عنه في دلالاتها العامّة وأغراضها، إذ إنّ اليهود وقتها لم يبقَ عندهم ما يخاف منه على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يعصمه من كيدهم؛ لكونهم أقليّةً ضعيفةً أقرّت بالجزية، فلا قوّة يخشى منها التبليغ، صحيح أنّ الآية تشترك في سياقٍ متّصلٍ بصفات اليهود والمنافقين متعلّقٍ في نكث العهود والغدر والخيانة…الخ.
وقد بيّن القرآن أنّ الخطاب الموجَّه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية يتعلّق بأمرٍ سبق أن أُنزل إليه، وليس المقصود أنّ الأمر في هذه الآية، بل إنّها جاءت للكشف عن عظيم أهميّته، وضرورة المبادرة إلى إعلانه وعدم تأخير تبليغه. فذلك الأمر ثابتٌ في علم الله تعالى ومنزَّلٌ على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، غير أنّ الإعلان عنه للناس لم يكن قد وقع بعد. وعلى هذا الأساس، لا يصحّ حمل قوله تعالى: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ على أصل تبليغ الدين أو عموم الرسالة؛ لأنّ الدين وأحكام الرسالة كانت قد بُيّنت وأُبلِغت ونزلت قبل آية التبليغ. وإذا كان المراد أمرًا واحدًا مخصوصًا أُمر النبيّ بتبليغه على نحوٍ عاجلٍ وحاسمٍ، فلا وجه لصرف الآية إلى عموم الرسالة، بل المتعيّن حملها على الأمر الذي لم يكن قد أُعلن رسميًّا بعد، وهو ولاية علي بن أبي طالب من بعده c [11].
فما أعلنه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبلّغ به وإن كان لم يسمّه تعالى إشعارًا لتعظيمه، وليس لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في تكوينه دخل «ولم يصرّح باسم هذا الذي أنزل إليه من ربّه، بل عبّر عنه بالنعت، وأنّه شيء أنزل إليه، إشعارًا بتعظيمه ودلالة على أنّه أمرٌ ليس فيه لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صنع، ولا له من أمره شيءٌ ليكون كبرهانٍ آخر على عدم خيرة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتمانه وتأخير تبليغه، ويكون له عذرًا في إظهاره على الناس، وتلويحًا إلى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مصيبٌ في ما تفرّسه منهم، وتخوّف عليه، وإيماء إلى أنّه ممّا يجب أن يظهر من ناحيته(صلى الله عليه وآله وسلم) وبلسانه وبيانه»[12]. ولرفع توهّم أنّ موقف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الأمر كان ناشئًا عن عاطفةٍ شخصيّةٍ أو اجتهادٍ خاصٍّ، تكشف دلالات الآية أنّ التبليغ كان مستندًا إلى نصٍّ إلهيٍّ صريح؛ ولذلك خاطب القرآن النبيَّ بعنوان (الرسول)؛ ليتناسب ذلك مع كون الأمر المأمور بتبليغه حكمًا إلهيًّا منزَّلًا، لا مدخل للرأي الشخصيّ فيه، وإنّما كان دور الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تلقّي الرسالة وأداءها إلى الناس فحسب.
لذا كان من المقتضى أن يُوجّه هذا الإعلان إلى حشودٍ جماهيريّةٍ غفيرةٍ؛ قطعًا للطريق على المنافقين، ومنعًا لهم من الاستفراد بالأمر، سواء بالتعطيل والتشكيك، أو بالتحريف والتوجيه، كما جرى سابقًا حين استخلف النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الإمامَ [عليًّا] في غزوة تبوك وغيرها. فضلاً عن حسم أيّ محاولةٍ للطعن في عدالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو اتّهامه بالمحاباة والاجتهاد الشخصيّ في قبال النصّ الإلهي. وفي ضوء هذه المعطيات، غدا من الطبيعي أن تشرئبّ أعناق فئةٍ من الناس للاستيلاء على هذا المقام؛ لكونهم ينظرون إليه بمنظور السلطة والمُلك الدنيوي، ولا يروق لهم أن يؤول إلى غيرهم، وهو الأمر الذي يفسّر مخاوف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتوجّسه من تحركات هذه الفئة.
وظيفة الفعل الإنجازيّ في النصّ
يمثّل الفعل الإنجازيّ الهدف التواصليّ الذي يحقّقه المتكلّم حينما يتلفّظ بالقول؛ فهو انتقالٌ بالخطاب من مرحلة التعبير إلى حيز الفعل والتحقّق. ومن ثَم، لا يعدّ كلّ قولٍ فعلًا كلاميًّا ما لم ينطوِ على إنجازٍ حقيقيّ يتجاوز الأثر الإقناعيّ أو التأثيريّ أو الترغيبيّ، بخلاف أفعال الأمر والنهي والوعيد والتهديد التي تقتضي التنفيذ والامتثال. ويبرز الفعل الإنجازيّ بوصفه الوظيفة الأساسيّة التي يتغيّاها النصّ، وتتضافر سائر البنى اللغويّة والروابط لتأكيد هذه المهمّة. ويتجسّد هذا الفعل في البيان الإلهيّ: ﴿بَلِّغْ﴾ و﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾؛ إذ يتجاوز الطلب هنا حدود اللفظ إلى وجوب إنجاز تبليغ أمر الولاية، وتحقيق مقتضياته عبر جملةٍ من الأفعال التنفيذيّة. وبناءً على ذلك، ينتقل البحث من رصد القوة الإنجازيّة للفعل إلى استقراء أسبابه ومقاصده وغاياته الكامنة ورائه.
يكشف الشرط في الآية عن أنّ هذا الأمر المأمور بتبليغه يعادل في درجة حضوره حضور الرسالة الإسلاميّة، وليس ذلك «إلّا لمكان أهميّته ووقوعه من الأحكام في موقع لو أهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالًا لأمر سائر الأحكام ...الآية حينئذٍ كاشفة عن أنّ الله سبحانه كان قد أمر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بحكمٍ يتمّ به أمر الدين ويستوي به على عريشة القرار» [13]. فالشرط (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) ليس توبيخًا أو تهديدًا حقيقيًّا! وأحسب أن لغتها الخطابيّة المرتفعة تكشف عن عظيم ما تمّ إنزاله على النبيّ بابلاغه وعدم تحمّله التأخير، فهو حثٌّ مشدّدٌ على التبليغ في هذه المناسبة بعد حجّة الوداع، مناسبة تعالج في كثافة الحضور سبب التأخير، ولو كان التأخير فيه مخالفةً لما ارتضته السماء. فما أعلن في ذلك اليوم، وتم إبلاغه هو الأمر المُنزل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، المرسل إليه كرسلة تحمل موضوعًا محددًّا، يقتضي بيانه العصمة من الله بسبب ارتدادات آثاره وتبعاته.
وعلى هذا، يظهر أنّ الأمر المأمور بتبليغه كان من الخطورة والأهميّة بحيث دفع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى التريّث في إعلانه إلى الوقت الذي يراه أنسب لتحقيق المصلحة ودفع المفسدة. وليس المقصود أنّه كان يخشى على نفسه أو يريد تعطيل التبليغ، بل إنّما كان يتحسّب لما قد تثيره حركة النفاق من فتنٍ واضطراباتٍ تؤثّر في مسار الدعوة الإسلاميّة ووحدة المجتمع الإسلاميّ.
وهذا مناسب جدًّا مع البيان الإجماليّ الذي بيّنته الصورة حول حركة النفاق والتمرّد عن الأديان، فإنّ هذا محتملٌ جدًّا ومن الحكمة أن يحذره النبيّ ويخشى آثاره؛ إذ ينظر المنافقون وكثيرٌ من المسلمين إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نظرة الملك في صورة النبوة، وإلى الدين نظرة القوانين الملكية في هيأة الدين، وذلك ما يضاعف من خوف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لم تترصن شخصيّاتهم في الدين بعد.
أما العصمةُ التي حاطَهُ اللهُ بها، فمؤدّاها الحفظُ والوقايةُ من كلّ سوءٍ وأذًى؛ سواءٌ أكان بدنيًّا، أم لسانيًّا، أم نفسيًّا، فضلًا عن وقايته من مكائد المتضررين من تنصيب الإمام علي8 وفتنهم. وقد نعتهم النصُّ بالكافرين دلالةً على نأيهم عن الهدى، وإيذانًا بإحباط كيدهم؛ إذ جعل اللهُ كيدَهم في ضلال، وخذلَهم بقطع الأسباب التي يبتغون بها الشرَّ والإفساد، وعرقلة مساعيهم، وحرمهم من نيل مآربهم في إبطال الحق[14]، وهذا ما أشار إلى رمزيّته ذيلُ الآية الذي «يكشف عن أنّ قومًا كافرين من الناس همّوا بمخالفة هذا الحكم النازل، أو كان المترقب من حالهم أنّهم سيخالفونه مخالفةً شديدةً، ويتّخذون أيّ تدبيرٍ يستطيعونه لإبطال هذه الدعوة، وتركه سدًى لا يؤثّر أثرًا، ولا ينفع شيئًا، وقد وعد الله رسوله أن يعصمه منهم، ويبطل مكرهم، ولا يهديهم في كيدهم»[15].
إمامة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب8
كتب علماء الإماميّة كثيرًا من البحوث حول خلافة أمير المؤمنين8 بعد رسول الله، ولعلّ (كتاب الغدير) للعلّامة الأميني هو أبرز ما كتب في ذلك، إذ مثّل موسوعةً علميّةً تثبت خلافتة بالأدلة النقليّة الواضحة متحريّةً نصوص الخلافة ومؤيّداتها في التراث السنّي عبر عشرة مجلّداتٍ كبيرة. ومن أُسّس النقل لإثبات ولاية الإمام علِيّ هو أن يكون منصوصًا عليه بما يؤيّد خلافته وإمامته. وأمّا غيره من الخلفاء بعد رسول الله فلم يكن منصوصًا عليهم أو يتوفّر موقفٌ يبين ذلك.
يضع الشيخ المفيد خلاصة جملةٍ من الروايات والأحداث التي قدّمها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في التمهيد لولاية أمير المؤمنين الإمام علي8، وبيان منزلته وقيمته، «وأمّا الذي من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فمثل قوله: «أنت خليفتي من بعدي»، و«أنت وصيي وقاضي دَينيّ»، و«سلّموا عليه بأمرة المؤمنين»، و«أقضاكم علِيّ»، و«تعلّموا منه ولا تعلّموه»، و«اسمعوا له وأطيعوا»، و«من كنت مولاه فعلِيٌّ مولاه»، و«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي»، و«اللهمَّ آتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير»، و«أنا مدينة العلم وعلِيّ بابها»، و«نعم الراكبان هما وأبوهما خير منهما»، و«لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبّه اللهُ ورسولُه، كرّارًا غير فرّار». ومثل: إخائه، وتزويجه بابنته، وتعميمه بعمامته، وركوبه على ناقته. وأمثال ذلك»[16].
وروي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «عليّ إمامكم وخليفتي عليكم من بعدي» [17] وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلِيّ: «أنت الخليفة بعدي» [18]، وقد أخذ بيده مرة، وقال: «هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا» [19]. وعن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «يا عليّ، أنت أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي وقاضي دَيني» [20]وروي عن ابن عبّاس قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ عليًّا وصيّي وخليفتي، وزوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة ولداي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني» [21].
وفي مسند [ابن] حنبل عن سلمان (رضوان الله عليه) أنّه قال: قلت لرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله، من وصيّك؟
فقال: «يا سلمان، من كان وصيّ موسى؟» قلت: يوشع بن نون، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ وصيّي ووارثي وقاضي دَيني ووافي مواعيدي علِيّ بن أبي طالب» [22] وعن رجلٍ عن الشافعيّ بسنده عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لكلّ نبيّ وصيّ ووارث وإنّ وصيّي ووارثي عليّ بن أبي طالب» [23].
والأدلة الدالة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) من حيث العقل كثيرة، ويمكن بيان معاقدها الكليّة من وجوه[24]:
الأول: الإمام يجب أن يكون معصومًا، وغير علي لم يكن معصومًا بالإجماع، فتعينت إمامته.
الثاني: يُشترط في الإمام ألّا يسبق منه كفر أو شرك أو معصية، والمشايخ قبل الإسلام كانوا يعبدون الأصنام، فلا يكونون أئمة، فتعيّن علِيّ(عليه السلام) للإمامة؛ إذ هو المتعيّن لها من بين الأمّة بعد نفيها عن غيره.
الثالث: الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيّته، وغير علِيّ لم يكن الأفضل، فتعيّن هو(عليه السلام).
الرابع: الإمامة رئاسة عامّة، وإنّما تُستحق بالكمال في: الزهد، والعلم، والعبادة، والشجاعة، والإيمان، وثبت أنّ عليًّا هو الجامع لهذه الصفات على الوجه الأكمل الذي لم يلحقه فيه غيره، فيكون هو الإمام دون سواه. زيادةً إلى فهم أهل البيت(عليهم السلام) الذين ثبتت عصمتهم وصيانتهم عن الخطأ والاشتباه بنصّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ ولذا أعظموا يوم الغدير، وأكدوا على تعظيمه واتّخاذه عيدًا؛ لكونه يوم النَّصْبِ الإلهيّ لأمير المؤمنين8 للإمامة والخلافة، حتى غدا مفاد الحديث عند الشيعة دلالةً قطعيّةً ويقينيّةً لا تقبل الشك. بل يمكن الاستدلال بـ (حديث المنزلة) على ثبوت خلافته وإمامته الفعليّة في حياة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)أيضًا [25].
أما إمامة سائر الأئمّة بعده8 فقد نصّت الروايات عليهم واحدًا تلو الآخر، ولما كان كلّ واحدٍ منهم معصومًا فإنّ قوله المعصوم دالٌّ على إمامة من يليه من الأئمة، وهم أمناء الله على الشريعة (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [26]، و«كلّ من قال بوجوب العصمة والأفضليّة والنصّ قال بإمامتهم... وأّن الله قال ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [27]... فإنّه أمرَ أمرًا مطلقًا بالطاعة لأولي الأمر، ولا يجوز ذلك إلّا للمعصوم، وإلّا لزم الأمر بالقبيح، وهو محالٌ عليه تعالى. ولا معصوم غيرهم بالإجماع فيكونون هم المرادون، وهو المطلوب.... وقد نقل الإماميّة تواتر النصّ عليهم بأسمائهم من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو مشهورٌ في الأحاديث... نقل الإماميّة أيضًا تواتر نصّ كلّ واحدٍ منهم على من بعده، ولمّا ثبت عصمة الأوّل وإمامته وجب قبول قوله فيمن بعده.... وإنّ كلّ واحدٍ منهم ادّعى الإمامة، وظهر المعجز على يده، وكان أفضل أهل زمانه فيكون إمامًا»[28]. وتقتضي قاعدة اللطف وجود إمام في كلّ عصرٍ يحمل وظيفة القادة الدينيّة كما هي في الرسالة.
------------------------------------
[1] المائدة: 67.
[2] ظ: الزمخشري، الكشاف، 1/ 659؛ الرازي، مفاتيح الغيب، 12/50؛ السيوطي، الدر المنثور، 2/ 289-299.
[3] ظ: مفاتيح الغيب، 12/ 48-50.
[4] ظ: الشافعي، الأم 4/ 168 ينقله عن جماعة بصيغة (قيل)؛ السيوطي، الدر المنثور، 2/298؛ الواحدي، أسباب النزول؛ 1/139النيسابوري، الوسيط، 2/208.
[5] المائدة: 3.
[6] الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج ٣/١٠٩؛ الترمذي، السنن، 5/633.
[7] الكليني، (ثقة الإسلام) محمد بن يعقوب، الكافي، ج1/ باب: ما نص الله عز وجل ورسوله على الأئمة عليهم السلام واحدا فواحدا، ص 287، ح1، باب: الإشارة والنص على أمير المؤمنين عليه السلام 294-296، ح3؛ الصدوق، الأمالي، ص 12، 81، 106، 107، وكتاب التوحيد، ص 212، والخصال، ص 66-65، 211، 219، 311، وغيرها؛ الطوسي، محمد بن الحسن( شيخ الطائفة)، تهذيب الأحكام، 3/ باب فضل المساجد والصلاة فيها وفضل الجماعة وأحكامها،ص264-263، ح66.
[8] النحاس، أحمد أبو جعفر، معاني القرآن، 5/325.
[9] المائدة: 3.
[10] الطباطبائي، العلّامة محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 6/25.
[11] ظ: الطباطبائي، العلّامة محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 38/6 وما بعدها.
[12] م.ن، 6/27
[13] الطباطبائي، العلامة محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 6/25.
[14] ظ الطباطبائي، العلّامة محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 6/44. والشيرازي، الشيخ ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 3/577.
[15] الطباطبائي، العلّامة محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 6/25.
[16] المفيد، النكت الاعتقاديّة، 40.
[17] الصدوق، معاني الأخبار، 272، وفيه « أنّ عليًّا إمامكم بعدي وخليفتي عليكم ».
[18] المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، 1/ 156.
[19] أبو القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، تفسير فرات، 1/ 301 ـ 303.
[20] الصدوق، الأمالي، 523، المجلس 94، ح 6.
[21] الصدوق، الأمالي، 382، المجلس 72، ح 6.
[22] ابن شهر آشوب المازنداني، مناقب آل أبي طالب، 3/ 58، فصل في أنّه الوصيّ والوليّ.
[23] ابن شهر آشوب المازنداني، مناقب آل أبي طالب، 3/ 58؛ المجلسي، بحار الأنوار، 36/ 329.
[24] ظ: العلّامة الحِليّ، الحسن بن يوسف بن المطهَّر، نهج الحق وكشف الصدق، 171.
[25] خرازي، بداية المعارف، 2/109.
[26] الأنبياء: 73.
[27] النساء: 59
[28] الفاضل المقداد السيوريّ، اللوامع الإلهيّة، 341 وما بعدها بتصرّف.