الباحث : السيد محسن الكوهكمري
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 38
السنة : ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : April / 16 / 2026
عدد زيارات البحث : 163
الملخّص
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على النبيّ الأمين، محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
من بين المسائل التي حازت اهتمامًا خاصًّا، ونالت القسط الوافر من مساحة الأبحاث الكلاميّة والحِجاجات العَقَديّة، مسألة الجبر والاختيار، وهي في الواقع ما فتئت تشغل ذهن الإنسان منذ سالف العصور؛ لما لها من انعكاساتٍ بالغة الخطورة على طبيعة تفاعله مع مجريات الحياة.
والرسالة التي بين أيدينا - وهي من تأليف حجّة الإسلام والمسلمين السيّد محسن بن محمّد تقيّ الحسينيّ الكوهكمريّ التبريزيّ - تعدّ واحدةً من الرسائل المهمّة التي تبحث في هذه المسألة من منظور عقليّ ونقليّ إسلاميّ، إذ لا يخفى أنّه قد وقع الاختلاف بين المتكلّمين فيها على ثلاثة آراء:
الأوّل: القول بالجبر، وهو مذهب الأشاعرة، أو لا أقلّ من كونه لازمًا لفكرة الكسب التي تبنّوها في هذا المقام.
الثاني: القول بالتفويض، وهو مذهب المعتزلة.
الثالث: القول بالأمر بين أمرين، وهو مذهب الإماميّة.
وقد اعتمد مصنّف هذه الرسالة منهجًا علميًّا رصينًا؛ إذ تتبّع الآراء مبيّنًا لها، متعرّضًا لما يمكن أن يُستدلّ به لكلّ منها من العقل والنقل، مناقشًا ومفنّدًا لما لا يستقيم منها، ومصوّبًا ومعضّدًا لما تقتضيه الأدلّة المحكّمة.
الكلمات المفتاحيّة:
الجبر، التفويض، الأمر بين الأمرين، الأشاعرة، المعتزلة، الإمامية.
مقدّمة التحقيق
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على النبيّ الأمين، محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
أمّا بعد، فقد أولى علماؤنا الكرام منذ سالف الأزمان اهتمامًا كبيرًا بعلم الكلام والحِجاج العَقَديّ؛ سعيًا منهم في إحقاق الحقّ وصون الحقيقة عن الضياع في ظلّ تزاحم الشبهات وتراكم الآراء والنظريّات.
ومن بين المسائل التي حازت اهتمامًا خاصًّا، ونالت القسط الوافر من مساحة الأبحاث الكلاميّة والحِجاجات العَقَديّة، مسألة الجبر والاختيار، وهي في الواقع ما فتئت تشغل ذهن الإنسان منذ سالف العصور؛ لما لها من انعكاساتٍ بالغة الخطورة على طبيعة تفاعله مع مجريات الحياة.
والرسالة التي بين أيدينا - وهي من تأليف حجّة الإسلام والمسلمين السيّد محسن بن محمّد تقيّ الحسينيّ الكوهكمريّ التبريزيّ - تعدّ واحدةً من الرسائل المهمّة التي تبحث في هذه المسألة من منظور عقليّ ونقليّ إسلاميّ، إذ لا يخفى أنّه قد وقع الاختلاف بين المتكلّمين فيها على ثلاثة آراء:
الأوّل: القول بالجبر، وهو مذهب الأشاعرة، أو لا أقلّ من كونه لازمًا لفكرة الكسب التي تبنّوها في هذا المقام.
الثاني: القول بالتفويض، وهو مذهب المعتزلة.
الثالث: القول بالأمر بين أمرين، وهو مذهب الإماميّة.
وقد اعتمد مصنّف هذه الرسالة منهجًا علميًّا رصينًا؛ إذ تتبّع الآراء مبيّنًا لها، متعرّضًا لما يمكن أن يُستدلّ به لكلّ منها من العقل والنقل، مناقشًا ومفنّدًا لما لا يستقيم منها، ومصوّبًا ومعضّدًا لما تقتضيه الأدلّة المحكّمة.
ترجمة المؤلِّف
أولًا: اسمه ونشأته
هو السيّد محسن بن السيد محمد تقي الكوهكمري التبريزي، النجفي (ت: بعد 1328 هـ) عالمٌ إماميّ، فقيهٌ، من أجلَّة تلامذة الفقيه الشيخ هادي الطهراني النجفي.
تصدّى للتدريس بعد وفاة أستاذه عام (1328هـ)، ولم يلبث بعده إلّا سنين قلائل[1].
ذُكر في هامش نقباء البشر ما نصّه: «كان من وجوه علماء النجف في عصره، ولكن للأسف أنّه خلت من ترجمته أكثر كتب التراجم للمعاصرين، كان من مبرزي تلاميذ الشيخ محمّد هادي الطهراني، وألحّ عليه عدّة من أهالي تبريز للرجوع إليها في حياة أستاذه الطهراني، ولكن لم يمكّن لهم الأستاذ، فقام المترجم له مقام أستاذه في التدريس، ويحضر درسه قرب أربعين من فضلاء الطلّاب، وكان يدرس شتاءً في مقبرة أستاذه.
ألحّ عليه عدّة من أصحابه أن يشرح لهم حقيقة الوعظ في أيّام من المحرم سنة 1329هـ، فأجابهم، وجعل عنوان وعظه تفسير سورة التين، وسألوا من الشيخ حسين بن أسد الله البهبهاني الملقّب في شعره بعلاء أن يكتب كلّ ما يمليه السيّد محسن فكتب ما أملاه بالفارسية، ثم سأله بعض أن يعربه لتعميم نفعه فعرّبه وسمّاه تنبيه الواعظين وإيقاظ المفسرين، ونسخة خطّ المؤلّف عند الشيخ أسد بن محمّد حيدر بالنجف، كما ذكره المؤلّف في مستدركات الذريعة.
توفّي المترجم له بمرض الحصبة قرب سنة 1338هـ، كما احتسبه الشيخ علي الدواني المتوفّى سنة 1427هـ، ولم يخلّف إلّا ابنًا واحدًا، وكان من أزهد الناس، وكانت قيمة كلّ ما تركه قرب عشرين تومانًا، وقاس المصائب من أبناء الزمان هو وكلّ من حضر درسه»[2].
ثانيًا: تلامذته
1- أحمد بن محمد رضا الزنجاني (ت1369هـ).
2- السيّد علي بن محمد بن علي الموسوي البهبهاني (ت1395هـ).
3- رضا بن أحمد علي السرخي السمناني (ت1380هـ).
4- الشيخ حسين بن أسد الله البهبهاني.
5- الشيخ عبد الهادي بن محمّد حسين البهبهاني (ت 1381هـ).
ثالثًا: مؤلَّفاته
الإمامة [3]
التقريرات [4]
رسالة الخمس [5]
رسالة أحسن تقويم [6]
رسالة في الغيبة
رسالة في قاعدة لا ضرر
وله رسائل أخرى مبثوثةٌ في المكتبات العامّة والشخصيّة.
النسخ المعتمدة
اعتمدنا في تحقيق هذه الرسالة على مصوّرات نسختين خطّيّتين، هما:
الأولى: نسخةٌ محفوظةٌ في مكتبة السيّد محسن الحكيمH في النجف الأشرف، وتقع ضمن مجموع بالرقم: 3418- 10، وناسخها هو حسن عليّ الهمدانيّ، وهي واضحة الخطّ، وتقع في 34 صفحة، وقد رمزنا لها بالرمز (م).
الثانية: نسخةٌ أخرى محفوظة في مكتبة السيّد محسن الحكيمH في النجف الأشرف أيضًا، بالرقم: 3452- 5، وهي واضحة الخطّ، وفي هذه النسخة تقع رسالة الجبر والاختيار في 70 صفحة ضمن مجموعٍ يتضمّن مجموعة رسائل للمصنِّف، وهي مجهولة الناسخ وتاريخ النسخ، وقد رمزنا لها بالرمز (ح).
منهج التحقيق
اعتمدنا في تحقيق هذه الرسالة على المنهج المتعارف في تحقيق المخطوطات، ويتلخّص عملنا فيها بما يأتي:
تنضيد المتن، وقد تكفّل به الأخوة في مركز الشيخ الطوسيّ للدراسات والتحقيق في النجف الأشرف، فلهم وافر الشكر والتقدير.
مقابلة المنضَّد على النسختين، مع إثبات المهمّ من اختلافاتهما في الهامش.
تقطيع النصّ وإضافة ما يلزم إضافته من علامات الترقيم.
تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والاقتباسات والآراء المذكورة في الرسالة من مصادرها الأصليّة قدر الإمكان.
إضافة عناوين للمطالب الرئيسة، وقد جعلناها بين معقوفين.
كلّ ما كان في الرسالة بين معقوفين ملحوقين بنجمة [..] فهو إضافةٌ من المصدر اقتضاها السياق، وكلّ ما كان بين معقوفين غير ملحوقين بنجمة فهو إضافة منّا اقتضاها السياق أيضًا.
وفي الختام لا يسعنا إلّا أن نتقدّم بوافر الشكر والتقدير إلى كلّ من أسهم في إنجاح هذا العمل، ولا سيّما الإخوة في مركز الشيخ الطوسيّ للدراسات والتحقيق لتوفيرهم مصوّرة المخطوط وتنضيده، وتكفّلهم بالمراجعة العلميّة وتقويم العمل، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على النبيّ محمّد وآله الطاهين.
بسم الله الرحمن الرحيم[7]
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على خاتم النبيّين وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين[8].
أما بعد، فيقول خادم الملّة والدين، محسن بن محمّد تقيّ الحسينيّ بعون الله جلّ جلاله[9]:
[المذاهب في أفعال العباد الاختياريّة]
إنّ في أفعال العباد الاختياريّة ثلاثة[10] مذاهب:
الأوّل: الجبر
الثاني: التفويض
الثالث: أمرٌ بين الأمرين
والمراد من الأوّل: أنّ فعل العبد لا مدخليّة له في وجوده غير كونه محلًّا له، وإنّما هو مخلوق بإرادة الله (عزّ وجلّ)، وأمّا إرادة العبد فلا مدخليّه لها فيه بوجه من الوجوه، إلّا أنّها مقارِنةً مع الفعل في مثل حركة المختار دون المرتعش، وبهذا فرّقوا بين الأمرين، وأمّا التأثير فلا يقولون به مطلقًا، وسمّوا المقارنة بـ(الكسب)[11].
والمراد من الثاني: عكس الأوّل، بمعنى أنّ إرادة الله (عزّ وجلّ) لا مدخليّة لها في أفعال عباده بوجه من الوجوه، إلّا أنّه خلقهم بحيث يمكن لهم إرادة الأفعال وإيجادها، فالعبد مستقلٌّ في أفعاله، فهو (عزّ وجلّ) فوّض أمر الأفعال الى مخلوقه[12].
فالحقّ أنّه لا جبر ولا تفويض، بل هو أمرٌ بين الأمرين، كما صرّح بهذا المعنى أمناء الوحي ومعادن التنزيل عليهم الصلوات والتسليمات[13].
[في بطلان القول بالجبر]
وأمّا الجبر فبطلانه ضروريّ، بل هو من أبده البديهيّات وأوضح الواضحات؛ لما يترتّب عليه من اللوازم الباطلة التي يتبرّأ منها جميع أهل الشرائع والأديان:
منها: استحالة جعل الشرائع والأديان.
ومنها: استحالة بعث الأنبياء، ونصب الأوصياء(عليهم السلام).
ومنها: عدم إمكان إنزال الكتب السماويّة؛ لأنّها متفرّعةٌ على الاختيار كما لا يخفى.
ومنها: استحالة الوعد والوعيد، واستحقاق الثواب والعقاب.
ومنها: استحالة الجنّة والنار، والحساب والميزان.
ومنها: استحالة العقاب والثواب.
ومنها: عدم إمكان العفو.
ومنها: عدم الفرق بين المؤمن والكافر؛ لما حقّقنا من البرهان[14].
ومنها: استحالة استحقاق المدح والذمّ فضلًا عنهما؛ لأنّ المحسن والمسيء على حدّ سواء، ومن المعلوم أنّ هذا المعنى ممّا ينكره من لا دين له أصلًا أيضًا.
ومنها: صحّة إسناد الأفعال الى الله (عزّ وجلّ)، بمعنى جعله فاعلًا لأفعالهم، بل لا يصحّ إسنادها إلى العباد على الوجه المذكور؛ لأنّ المستفاد في كلام أهل الجبر أنّ في فعل العبد إسنادين:
الأوّل: إسناده إلى فاعله الذي أوجده، وهو[15] الله سبحانه.
الثاني: إسناده إلى محلّه الذي هو العبد.
ومن البديهيّ اختلاف النسبتين؛ لأنّ الأولى قياميّة والثانية وقوعيّة، فالعبد من وقع فيه: الزنا، واللواط، والسرقة، وهدم الكعبة، وحرق الكتب السماويّة، وقتل الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)، وأمّا الفاعل الذي أُسند إليه هذه الأفعال وغيرها فإنّما هو الله سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
وما اعتذروا به عنه - من أنّ: مَن قام به الأفعال إنّما هو العبد، وأمّا مَن أوجدهـ[ـا] فإنّما هو الله جلّ جلاله[16] - من الخرافات المضحكة القبيحة، الناشئة من عدم تعقّل البديهيّات التي لا تخفى على من له أدنى مسكة؛ لأنّ العبد بعد كونه مَحلًّا للأفعال لا معنى لكونه مَن قام به الفعل؛ لوضوح الفرق بين قيام الفعل به ووقوعه فيه، بل لا معنى حينئذٍ لإضافة الفعل إليه، مع أنّ المواد الغير القارّة لا استناد لها إلى فاعلها إلّا باعتبار الإيجاد، فكون الشخص ضاربًا، أو قاتلًا، أو زانيًا مثلًا، ليس إلّا باعتبار إيجادها؛ لأنّ هذه الموادّ وغيرها من الأمور الغير القارّة لا يمكن فيها القيام، فلا بدّ من إسنادها[17] الى الله (عزّ وجلّ)، بل لا يمكن إسنادها إلى غيره، مع أنّه لا يمكن لأحد التفوّه بهما.
فظهر ممّا حقّقنا بطلان الدعوى، مع أنّ الفرق بين حركتي المختار والمرتعش من البديهيّات.
وما زعمه الأشعريّ من الفَرق بينهما[18]، من الخرافات، بل ليس هو عند التحقيق إلّا الإنكار، مع أنّ الفرق من الواضحات.
ومنها: كونه ظالمًا تعالى الله عمّا يقوله الظالمون علوًّا كبيرًا؛ فإنّ من أجبر عبده على العصيان، ثمّ عاقبه عليه فقد ظلمه؛ لأنّ أظهر مصاديق الظلم هو المؤاخذة من دون استحقاق، مع أنّ العقل قد استقلّ باستحالة هذا المعنى بالنسبة إليه (جلّ وعزّ)، كما أنّ النقل أيضًا يدلّ على أنّه سبحانه منزّهٌ عنه، كقوله (عزّ وجلّ) في آل عمران: (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ)[19].
وقوله: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)[20].
وقوله: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا)[21].
وقوله: (ذَٰلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ)[22].
وقوله في الأنفال: (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ)[23].
وقوله سبحانه: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[24].
وقوله تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـئًا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[25].
وقوله جلّ جلاله: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ Q فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)[26].
وقوله جلّ شأنه في سورة الحجّ: (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ)[27].
وقوله عزّ سلطانه: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[28].
وقوله جلّ شأنه: (وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ)[29].
وقوله عزّ وجلّ: (الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)[30].
وقوله تعالى: (مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ)[31].
وقوله تعالى شأنه: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ)[32].
وقوله تعالى جدّه: (قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)[33].
فظهر أنّ الآيات الشريفة صريحة في أنّه (جلّ جلاله) أعدل وأحكم، وأنّ الظلم لا يتطرّق إليه سبحانه، فمن قال بأنّه (عزّ وجلّ) يُجبر عبده على المعصية ثمّ يعاقبه عليها، فقد كذَّب اللهَ (عزّ وجلّ) وردّ عليه قوله، ومن البديهيّ أنّ المكذِّب له والرادّ عليه كافرٌ باتّفاق الأمّة والأنبياء والأئمّة (عليهم ألف الصلاة والتحيّة)[34].
كما أنّه ظهر أنّ القول بالجبر لا معنى له إلّا القول بأنّ الله سبحانه وتعالى ظالمٌ غير عادل، وأنّه ليس حكيمًا، ألا ترى أنّ رجلًا إذا ملك عبدًا مملوكًا لا يملك إلّا نفسه، ولا يملك عرضًا من عروض الدنيا، ويعلم مولاه ذلك منه[35]، فأمَرَه - على علمٍ منه - بالمسير الى السوق لحاجة يأتيه بها، ولا يملك ثَمَن ما يأتيه به[36]، ولا يُملِّكه ثَمَن ما يأتيه به[37]، وعَلِم المالك أنّ على الحاجة رقيبًا لا يطمع أحد في أخذها منه إلّا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل، والنصفة، وإظهار الحكمة، ونفي الجور، ووعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه.
فلما سار العبد الى السوق وحاول أخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها وجد عليها مانعًا يمنعه منها إلّا بالثَمَن ولا يملك العبد ثَمَنها، فانصرف إلى مولاه خائبًا بغير قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه لذلك وعاقبه عليه، فإنّه يكون ظالمًا، متعدّيًا، مبطلًا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته، وإن لم يعاقب كذَّب نفسه في وعيده إيّاه حين أوعده.
[فعلى أي حال ينتقض عدله وحكمته] بالكذب والظلم الذين ينفيان العدل والحكمة، تعالى الله[38] عمّا يقول المجبرة علوًّا كبيرًا.
أترى أنّ من له أدنى مسكة يلتزم بأنّه سبحانه يُجبر عبده على الكفر، والشرك، والظلم، وقتل الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)، وحرق الكتب السماويّة، وهدم الكعبة، وغيرها من القبائح والمنكرات؟! كلّا، ثمّ كلّا.
[أدلّة أخرى من العقل والنقل على بطلان القول بالجبر]
مع أنّ لنا براهين أُخر على الاستحالة:
منها: أنّ الله سبحانه لو كان خالقًا للأفعال لما تبرّأ منها، وقد قال[39] سبحانه: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[40]، ومن المعلوم أنّه سبحانه لم يُرد البراءة من خَلق ذواتهم، وإنّما تبرّأ من شركهم وقبائحهم.
ومنها: قوله سبحانه: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ)[41]، فلم يقل: (بفعلنا)، مع أنّه لو كان الأمر كما يزعمون فاللازم أن يقول: (بفعلنا).
ومنها: قوله تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ)[42]، ومفهوم هذا الكلام عند كلّ[43] من له أدنى مسكةٍ أنّ الموقِد للنار غير الله، وأنّ المُطفئ للنار هو الله، وكيف تقبل العقول أنّ الكلّ منه، وأنّ الموقِد للنار هو المطفي لها؟!
ومنها: قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)[44]، مع أنّه بناءً على ما زعمه الجبريّ يكون وزر المولى على عبده، بل دلّت الآية الشريفة على أنّ العبد يصدر منه الوزر، ولا معنى له إلّا الاختيار دون الجبر.
ومنها: قوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ)[45]، إذ من المعلوم أنّ استحبابهم العمى على الهداية - بعد هدايته تعالى وإرشاده - لا يُعقل إلّا على الاختيار.
ومنها: قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ)[46]، ومن المعلوم صراحته في خلاف ما زعموه من الجبر.
ومنها: قوله تعالى: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ) [47]
ومنها: قوله تعالى: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ)[48] [49] .
ومنها: قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ)[50].
ومنها: قوله سبحانه: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)[51]، ومن البديهيّ أنّ العامل غير المُجزي.
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (لتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ)[52]، ومن المعلوم أنّ الساعي والمجدّ هو العبد، مع أنّ الجزاء على طريقتهم الفاسدة ممّا لا معنى له أصلًا[53].
ومنها: قوله جلّ جلاله: (ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)[54]، وتوهُّم أنّ الكسب ليس إلّا مقارَنة الإرادة مع الفعل من دون أن يكون[55] لها تأثير[56]، إنّما نشأ من خفاء ما هو من بديهيّات اللغة؛ لكون الطلب مأخوذًا في مفهومه.
ومنها: قوله تعالى: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[57] .
ومنها: قوله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)[58].
ومنها: قوله: (كُلُّ ٱمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)[59].
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)[60]، فدلّ على أنّ الثواب والعقاب ليس كلّ واحدٍ منهما إلّا على كسبه واكتسابه، ولا[61] معنى للاختيار إلّا ذلك.
ومنها: قوله جلّ جلاله: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)[62]؛ لأنّه دلّ على أنّ الجائي بها غير المعطي بعشر[63] أمثالها.
ومنها: الآيات الدالّة على ذمّ العباد على المعاصي والكفر، والتوبيخ على ذلك، كقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ)[64]، (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ)[65]، (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ)[66]، (لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)[67]، (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ)[68]، (لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ)[69]، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي)[70]، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ)[71]، (لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)[72]، (وَٱللَّهُ یَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ)[73]، مع أنّ الأفعال منسوبة إلى العباد كما لا يخفى.
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَٰغِرُونَ)[74]، فإنّه دلّ على أنّ الكافر قادرٌ على الإسلام، وإلّا فلا معنى لأخذ الجزية أصلًا.
ومنها: قوله عزّ شأنه: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)[75]، (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[76]، (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)[77]، (فَمَن شَاءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا)[78]، (فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ)[79]،[9] (فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا)[80]؛ لأنّ كلًّا من التهديد، والتخيير، وإسناد الفعل إلى العباد، من أقوى البراهين على الاختيار.
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ)[81].
ومنها: قوله سبحانه: (أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ([82].
ومنها: قوله تعالى: (ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)[83].
ومنها: قوله عزّ شأنه: (وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم)[84].
ومنها: قوله تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ)[85].
فإنّ هذه الأوامر لا يُعقل لها معنى إلّا على طريقتنا[86] كما لا يخفى.
ومنها: الآيات الدالّة على التحسّر والندامة على الكفر والمعصية، وطلب الرجعة[87]، كقوله تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا)[88]، (رَبِّ ارْجِعُونِ)[89]، (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ)[90]، (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً)[91].
ومنها: الآيات الدالّة على اعتراف الأنبياء بظلم النفس، والإعاذة به (عزّ وجلّ): (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا)[92]، (سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)[93]، (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي)[94]، (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ)[95]، فإنّ كلًّا من الاستغفار، والاعتراف، والإعاذة، من أقوى الأدلّة[96] على الاختيار كما لا يخفى على المجانين والصبيان فضلًا عن العقلاء!
ومنها: الآيات التي حثّ الله تعالى فيها على الاستعانة به[97] جلّ ذكره، كقوله: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)[98]،(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[99] .
ومنها: قوله جلّ جلاله: (قَد أَفلَحَ ٱلمُؤمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُم فِي صَلَاتِهِم خَٰشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم عَنِ ٱللَّغو مُعرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَٰفِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزوَٰجِهِم أَو مَا مَلَكَت أَيمَٰنُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلعَادُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم لِأَمَٰنَٰتِهِم وَعَهدِهِم رَٰعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِم يُحَافِظُونَ)[100]، ومن الواضح أنّ كلّ فقرةٍ فقرة من هذه الآية الشريفة ظاهرة - بل صريحة - في الاختيار.
ومنها: قوله جلّ جلاله: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ)[101]؛ فإنّ ثبوت الويل للمشرك المتمرّد الكافر فرع الاختيار في الأمور الثلاثة، وإلّا فلا معنى له أصلًا كما لا يخفى.
ومنها: قوله جلّ جلاله: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ)[102]، مع أنّ الحسنة والسيئة جميعًا من الله تعالى بناءً على ما زعمه خصماء الرحمن وعبدة الشيطان، فلا معنى للتفصيل الذي فعله ربّنا إلّا على[103] ما اخترنا.
ومنها: قوله عزّ شأنه: (وَسَيَحْلِفُونَ باللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ)[104]، فتقريب الاستدلال هو أنّ الله سبحانه أكذبهم في ما قالوا: (لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) بقوله سبحانه: (وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ)، ومن المعلوم صراحة هذا الكلام في الاستطاعة والاختيار.
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[105].
ومنها: قوله تبارك وتعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[106] .
ومنها: قوله تبارك[107] وتقدّس: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)، يعني بيّنا طريق الخير وطريق الشرّ: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[108].
ومنها: قوله تعالى: (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)[109].
ومنها: قوله سبحانه: (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)[110].
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا)[111].
ومنها: قوله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)[112].
ومنها: قوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)[113] .
ومنها: قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ)[114].
ومنها: قوله جلّ شأنه: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)[115].
ومنها: قوله جلّ شأنه: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ)[116].
ومنها: قوله جلّت عظمته: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)[117].
ومنها: قوله: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ)[118].
ومنها: قوله تعالى: (وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)[119].
ومنها: قوله: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا)[120].
ومنها: قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)[121].
ومنها: قوله تعالى: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[122].
ومنها: قوله عزّ شأنه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[123].
ومنها: قوله جلّ ذكره: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ)[124].
ومنها: قوله تعالى: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)[125].
ومنها: قوله عزّ ذكره: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)[126].
ومنها: قوله تعالى: (ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ)[127].
ومنها: قوله عزّ سلطانه[128]: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى، الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ)[129].
ومنها: قوله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ)[130].
ومنها: قوله جلّ جلاله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[131].
ومنها: قوله جلّ شأنه: (إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا)[132].
ومنها: قوله تعالى: (بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[133].
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)[134].
ومنها: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)[135].
ومنها: قوله سبحانه: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)[136].
ومنها: قوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ)[137].
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[138].
ومنها: قوله جلّ جلاله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[139].
ومنها: قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)[140].
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ)[141].
ومنها: قوله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)[142].
ومنها: قوله: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)[143]، بل جميع الأوامر والنواهي الواردة في القرآن الشريف لا يُتصوّر لها[144] معنى إلّا على ما اخترناه.
ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)[145]، ومن المعلوم أنّ الأمر لو كان كما يزعمون فلا معنى لهذا السؤال.
ومنها: قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)[146].
ومنها: قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)[147].
ومنها: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) إلى قوله (فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)[148].
ومنها: قوله جلّ وعزّ:(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ)[149].
ومنها: قوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)[150].
ومنها: قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ...)[151] الآية.
ومنها: قوله تعالى في قصّة[152] قوم موسى(عليه السلام): (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)[153].
ومنها: قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ...)[154].
ومنها: قوله (لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ...)[155].
ومنها: قوله تعالى: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ...)[156].
ومنها: قوله تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ...)[157].
ومنها: قوله: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[158].
ومنها: قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ...)[159].
ومنها: قوله: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ)[160].
ووجه دلالة هذه الآيات على المختار هو أنّ المراد من البلوى والفتنة هو الاختبار، ومن المعلوم أنّه متفرّعٌ على الاختيار.
ولا يقال: إنّ الاختبار من الله (عزّ وجلّ) لا معنى له؛ لعلمه جلّ جلاله.
لأنّا نقول: إنّه (عزّ وجلّ) اختبرهم ليُعلمهم عدله ولا يعذّبهم إلّا بحجّة، ألا ترى أنّه (عزّ وجلّ) يقول: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ...)[161] الآية، ويقول: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا)[162].
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)[163]؛ لأنّ استماع القول واتّباع أحسنه لا يمكن إلّا بالاختيار؛ لأنّ الافتعال في مثل المقام لا ينطبق إلّا على الاختيار على وجه خاصّ وهو الطوع والرغبة.
ومنها: قوله تعالى: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)[164].
ومنها: قوله تعالى: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)[165].
ومنها: قوله تعالى: (أَلَم تَكُن ءَایَـٰتِی تُتلَىٰ عَلَیكُم فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَت عَلَینَا شِقوَتُنَا وَكُنَّا قَومًا ضَالِّینَ * رَبَّنَا أَخرِجنَا مِنهَا فَإِنْ عُدنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ)[166]، تدلّ هذه الآية الشريفة على ما حقّقناه من وجوه:
الأول: أنّ إقامة الحجّة لا معنى لها بناءً على ما زعموه، بل هي متفرّعة على الاختيار.
الثاني: قوله: (أَلَم تَكُن ءَایَـٰتِی تُتلَىٰ عَلَیكُم)؛ لأنّه لو كان الأمر على ما يزعمون لما كان لهذا السؤال معنى.
الثالث: قوله: (فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ).
الرابع: قولهم: (رَبَّنَا غَلَبَت عَلَینَا شِقوَتُنَا)؛ لأنّ الجواب بناءً على الجبر هو أنّك قهرتنا وأجبرتنا على ذلك.
الخامس: قولهم: (وَكُنَّا قَومًا ضَالِّینَ).
السادس: قولهم: (رَبَّنَا أَخرِجنَا مِنهَا فَإِنْ عُدنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ).
ومنها: قوله جلّ جلاله: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)[167].
ومنها: قوله جلّ وعزّ: (وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)[168]؛ لأنّ العفو لا يُعقل إلّا بعد صدور العصيان، ولا عصيان إلّا بعد العمد والاختيار.
ومنها: قوله جلّت قدرته: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ)[169]، ومن المعلوم أنّ الاعتراف بالذنب فرع صدوره عنهم بالعمد والاختيار، وإلّا فلا ذنب ولا اعتراف.
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[170].
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)[171]؛ فإنّ التوبة لا يُتصوّر لها معنى إلّا على القول بالاختيار.
وبهذا البيان ظهر أنّ الآيات الواردة في التوبة كلّها إنّما تدلّ على المختار، مع أنّ قوله (لَغَفُورٌ ...) أيضًا يدلّ عليه؛ لأنّ الغفران فرع السيئة، وهو فرع [172] عملها بالعمد والاختيار، مع أنّ الأفعال منسوبةٌ الى العباد كما لا يخفى.
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[173]، فإنّه لو كان العبد مجبورًا على الكفر بالله العظيم لما يكون لهذا الكلام معنى.
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تركنا ذكرها مخافة الإطالة.
ومنها: أنّه لو كان الأمر كما زعمه خصماء الرحمن وأولياء الشيطان لما يكون لله على الناس حجّة، بل يكون الأمر بالعكس؛ لأنّهم يقولون يوم القيامة: ربّنا ما قدرنا على طاعتك لأنّك أمنعتنا[174] منها، فيكون قولهم وعذرهم صحيحًا، مع أنّ لله على الناس الحجّة البالغة.
ومنها: أنّه لو قيل بالجبر فلا يمكن أن يقول الله لعبده: لِـمَ عصيت؟ لِـمَ فسقت؟ لِـمَ شربت الخمر؟ لِـمَ زنيت؟ كما أنّه لا يُعقل له أن يقول: لِـمَ مرضت؟ لِـمَ قَصُرْتَ؟ لِـمَ ابيضضت؟ لِـمَ اسوددت؟ مع أنّ الفرق بينهما - بمعنى الإمكان في الأوّل دون الثاني - من الواضحات.
ومنها: أنّ الأمر لو كان كما يزعمون من أنّ العبد قادرٌ على الفعل ولكن لا تأثير لقدرته بوجه من الوجوه، لكان[175] خلقها لغوًا صرفًا، ومن المعلوم استحالة صدوره عن الحكيم.
فظهر بالبراهين الساطعة والأدلّة القاطعة أنّ القول بالجبر ليس إلّا إنكار الشرائع والأديان والكتب السماويّة، كما أنّه تكذيب للنبوّة والرسالة، بل هو تكذيب لله سبحانه وتعالى، فلا إشكال ولا ريب في أنّه كفر بالله العظيم.
[أدلّة القائلين بالجبر]
وأمّا أدلتهم فأمور:
[الدليل الأوّل]
منها: أنّ العبد لو كان موجِدًا لفعله بقدرته واختياره لَتَمكّن من فعله وتركه؛ إذ القادر ما يصلح منه الفعل والترك، ولَتَوقَّف ترجيح فعله على تركه على مرجّح، أمّا على مذهب المعتزلة القائلين بوجوب المرجّح في الفعل الاختياريّ فظاهر، وأمّا على مذهب غيرهم فإنّه لا بدّ من الإرادة الحادثة.
وذلك المرجّح لا يكون صادرًا عنه باختياره وإلّا لزم التسلسل؛ لأنّا ننقل الكلام الى صدور ذلك المرجّح عنه.
ويكون الفعل عند ذلك المرجّح واجب الصدور عنه، بحيث يمتنع تخلّفه عنه؛ لأنّه إذا لم يجب الفعل حينئذٍ يجوز أن يوجَد معه الفعل تارةً، ويُعدم أخرى، فتخصيص أحد الوقتين بالوجود يحتاج الى مرجّحٍ آخر، ولا يتسلسل، بل ينتهي إلى مرجّحٍ يجب معه صدور الفعل عنه، وإذا كان الفعل مع المرجّح - الذي لا يكون صادرًا عنه باختياره - واجب الصدور عنه فيكون ذلك الفعل اضطراريًّا لازمًا، لا اختياريًّا [176]، انتهى.
ومحصّله: أنّ الفعل لا يُعقل تحقّقه في الخارج إلّا بعد تماميّة علّته، فبعد التماميّة لا يمكن تركه، كما أنّه[177] قبلها لا مجال فيه للصدور، فالفعل إمّا لا يصدر أصلًا أو واجب الصدور، ولا معنى لوجوب الصدور إلّا الجبر.
[جوابه]
وفيه: أنّ هذا الكلام إنّما نشأ من خفاء معنى القدرة[178]؛ لأنّها عبارةٌ عن كون القادر بحيث لو شاء لفعل، ولو شاء لم يفعل، ومن البديهيّ أنّها قبل تحقّق الداعي والإرادة، وأمّا بعدهما فلا بدّ من الطرف الذي تعلّق به الإرادة، وهذا لا ينافي الاختيار والقدرة، بل وجوب الصدور في هذا الحال محقِّق للاختيار؛ لأنّه لو أراد ولم يكن هنا[ك] مانع ولم يصدر منه الفعل، فمعناه أنّه ليس بقادر؛ لأنّ القادر هو المتمكّن من الفعل والترك، والمفروض أنّه غير متمكّن منه.
فوجوب الصدور بعد الإرادة الجازمة، وعدم الانصراف عنها، وعدم المانع، برهان على الاختيار لا الجبر.
والرجل لم يتصوّر البديهيّات - ومع ذلك يدّعي العلم بالنظريّات - لأنّه قد خفي عليه أنّ الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار، كما أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافيه[179]، كما أنّه لم يتعقّل أنّ الإرادة لا تتوقّف على إرادة أخرى، مع أنّ عدم التوقّف من البديهيّات!
فنقول بعون الله العليم: إنّه فَرْقٌ بين العلّة الاختياريّة وبين الغير الاختياريّة؛ لأنّ الثانية ليس صدور الفعل عنها دائرًا مدار مشيئتها، بخلاف الأولى؛ فإنّ الصدور منها إنّما يدور مدار اختيارها ومشيئتها، مثلًا إنّ الإنسان إذا حصل منه الجوع الذي هو الداعي للأكل، فله أن يختار الأكل كما أنّ له أن لا يختاره، فإذا اختاره فله أن يريد الأكل وله أن لا يريد، فهو مختار في المرحلتين، وأمّا بعد إرادته الأكل وعدم الانصراف[180] عنه فهو عاجزٌ عن الترك، فيجب صدور الأكل حينئذٍ، ولكن هذا الوجوب إنّما حصل من اختياره، كما أنّ العجز عن الترك حينئذٍ إنّما نشأ عن[181] قدرته.
بل لو لم يكن الفعل واجب الصدور في هذا الحال لجاز الترك، ومرجعه إلى سلب القدرة والاختيار عنه[182]؛ لأنّه لم يتمكّن من الفعل مع إرادته وعدم المانع وهذا معنى عدم القدرة.
مع أنّه لو تمّ هذا الدليل لدلّ على أنّ الواجب تعالى أيضًا لا يكون موجِدًا لفعله بالقدرة والاختيار؛ لجريان ما ذكروه في حقّه تعالى أيضًا.
وما أجاب به عنه إمامهم من أنّ: إرادة العبد محدَثة، فافتقرت إلى أن تنتهي إلى إرادة يخلقها الله تعالى فيه بلا إرادةٍ واختيار منه؛ دفعًا للتسلسل في الإرادات التي يُفرض صدورها منه، وإرادة الله تعالى قديمة، فلا يفتقر الى إرادة أخرى[183].
غلط لا معنى له أصلًا؛ لجريان الدليل المذكور في هذا المقام بعينه؛ لأنّا نقول: إنّ الترك إمّا ممكن مع الإرادة القديمة وإمّا[184] غير ممكن، فإن كان الأوّل فإمّا أن يتوقّف الفعل على مرجّح أو لا يتوقّف[185]، فإنْ كان الثاني كان الواجب معه موجَبَا لا قادرًا.
وإنْ كان الثاني لزم استغناء الجائز عن المرجّح.
وإن كان الأوّل كان الفعل معه واجبًا، فيكون اضطراريًّا، مع أنّ القول بالإرادة وراء الذات شرك بالله تعالى، ومن العجب توهّم توقّف الإرادة الحادثة على إرادة أخرى.
فظهر ممّا حقّقنا بطلان الدعوى والدليل معًا، كما أنّه ظهر أيضًا برهان آخر على ثبوت الاختيار المقابل للجبر.
[الدليل الثاني]
ومنها: أنّ العبد لو كان مُوجِدًا لأفعاله لكان عالمًا بتفاصيلها؛ إذ الإيجاد لا يُتصوّر بدون العلم بالموجَد، والتالي باطل[186]؛ لأنّ النائم يصدر عنه أفعال اختياريّة لا شعور له بتفاصيل كمّيّاتها وكيفيّاتها، والماشي - إنسانًا كان أو غيره - يقطع مسافة معيّنة من غير شعور له بتفاصيل الأجزاء التي بين المبدأ والمنتهى، والناطق يأتي بحروف مخصوصة على نظم مخصوص من غير شعور له بالأعضاء الخاصّة بمخارجها[187]، ولا بالهيئآت والأوضاع التي تكون لتلك الأعضاء عند الإتيان بتلك الحروف، والكاتب يُصوِّر الحروف والكلمات بتحريك الأنامل من غير شعور له بما للأنامل من الأجزاء والأعضاء[188] - أعني العظام، والعضلات[189]، والغضاريف، والأعصاب، والرباطات - ولا بتفاصيل حركاتها وأوضاعها التي بها يتأتّى تلك الصور والنقوش، انتهى .
[جوابه]
وفيه: أوّلًا: عدم صحّة إسناد المشي والنطق والكتابة إلّا إلى الله سبحانه؛ لأنّ الفاعل فيها بل في جميع الأمور الغير القارّة هو الموجِد، والموجِد لها[190] بناءً على زعمهم الفاسد هو الواجب سبحانه[191]، كما أنّ الموجِد لغيرها أيضًا كذلك عندهم.
وثانيا: أنّ الإيجاد من حيث أنّه إيجاد للفعل[192] لا يستلزم العلم بالموجَد، نعم إذا كان الإيجاد عن قصد وإرادة فلابدّ من العلم الإجماليّ بما يتعلّق به القصد والإرادة؛ لأنّ القصد لا يتعلّق بالشيء إلّا بعد تصوّره، فظهر السرّ في صدور الأفعال الاختياريّة عن النائم؛ لما بيّنا من أنّ الإيجاد من حيث هو هو لا يستلزم العلم بالموجَد.
كما أنّه ظهر الوجه في الناطق والماشي[193] والكاتب أيضًا؛ لأنّ الأفعال الصادرة منهم إنّما صدرت عن قصد وإرادة، فلا بدّ من العلم بما يفعلون حتّى يمكن لهم القصد، والمفروض حصوله على[194] وجه الإجمال، وهذا كافٍ في تحقّق تعلّق القصد بما يصنع.
[الدليل الثالث]
ومنها: أنّ العبد لو كان موجِدًا لفعل نفسه بالاستقلال، فإذا فرضنا أنّه أراد تحريك جسمٍ في وقت، وأراد الله تعالى سكونه في ذلك الوقت، فإمّا أن يقع المرادان جميعًا وهو ظاهر الاستحالة.
أو لا يقع شيء منهما وهو أيضًا محال؛ لامتناع خلوّ الجسم في غير آن الحدوث عن ا لحركة والسكون، ولأنّ التخلّف عن المقتضي لا يكون إلّا لمانعٍ، ولا مانع لكلٍّ من المرادين سوى وقوع الآخر[195]، فلو امتنعا جميعًا لزم أن يقعا جميعًا وهو ظاهر الاستحالة.
وإمّا أن يقع أحدهما دون الآخر فلزم الترجيح بلا مرجّح؛ لأنّ التقدير استقلال كلٍّ من القدرتين بالتأثير من غير تفاوت [196]، انتهى.
ومحصّله: أنّه لو قلنا بقدرة العباد للزم تساوي قدرتهم مع قدرته في الفهم[197]، فيترتّب عليه ما زعمه من المحذور.
[جوابه]
أمّا الجواب فهو: أنّ الجاهل إمّا مُفرِط أو مُفرِّط؛ لأنّه زعم أنّ العبد لو كان قادرًا في فعل نفسه للزم تزاحم قدرته مع قدرة من أعطاها له، وهذا عين الإفراط، كما أنّ سلب القدرة عن العباد في مرحلة التأثير عين التفريط؛ وليس ذلك إلّا من جهة خفاء ما هو من أوائل البديهيّات عند المجانين والصبيان فضلًا عن غيرهم! أترى أنّ الصبيان والمجانين لا يعلمون بأنّ الله القادر الحكيم أقدر القادرين، وأنّه هو الغالب على كلّ شيء، وأنّ قدرته فوق جميع أنحاء القدرة، كلّا ثمّ كلّا!
فظهر أنّه لا منافاة بين القول بأنّ قدرة العبد تامّة في التأثير، وبين القول بأنّ قدرة الله (عزّ وجلّ) أتمّ وأكمل، فإذا حصل التزاحم فيتقدّم قدرته تعالى؛ لكونها أقوى وأشدّ.
وهل يخفى على المجانين أنّ السببين إذا تزاحما تقدّم الأقوى على الأضعف مع تماميّة كلّ منهما في التأثير؟! كلّا ثمّ كلّا، مع أنّ التعبير بالتزاحم[198] في المقام ليس إلّا من باب ضيق المجال؛ لأنّه لا تزاحم بين الخالق والمخلوق بالضرورة.
[الدليل الرابع]
ومنها: أنّ الفاعل يجب أن يكون مخالفًا لفعله في الجهة التي تعلّق الفعل بها - وهي الحدوث - فيجب أن يكون الفاعل للحدوث مخالفًا لفعله في الحدوث، والعبد محدَث، فلا يكون فاعلًا للفعل الحادث[199]، انتهى.
[جوابه]
وفيه: أوّلًا: منع وجوب كون الفاعل مخالفًا لفعله في الحدوث، فلا مانع من كون المحدَث محدِثًا.
وثانيًا: إنّ العبد ليس فاعلًا للحدوث؛ لأنّه أمر اعتباريّ منتزَع من الإيجاد، فلا يُعقل تعلّق الفعل به، بل الفعل إنّما تعلّق بالماهيّة، بمعنى أنّ كون الفاعل فاعلًا ليس إلّا باعتبار إيجادها، فهنا مؤثّر، ومتأثّر، وتأثير، وأثر، أمّا المؤثّر فنفس الفاعل، والمتأثّر هو الماهيّة، والتأثير هو الإيجاد، والأثر نفس الوجود.
وأمّا الحدوث فإنّما هو أمرٌ منتزعٌ من إيجاد الماهيّة، فلا يمكن تأثير الفاعل فيه، وإلّا لزم الدور.
إن قلت: إنّ المراد أنّ الفاقد لا يكون معطيًا، فالعبد محدَث بمعنى أنّه أخذ الوجود من غيره، وليس وجوده من قبل نفسه حتّى يكون معطيًا، فلا يمكن له إحداث الأفعال، فثبت أنّ الخالق للأفعال والمحدِث لها هو الواجب القديم جلّ شأنه.
قلت: إنّ الوجود وجودان: وجود أصليّ ووجود ربطيّ، أمّا الأوّل فهو وجود الجواهر، كما أنّ الثاني عبارة عن وجود الأعراض، والممتنع هو الأوّل دون الثاني، بل المقصود الأصليّ من خلق العباد ليس إلّا ذلك.
[الدليل الخامس]
ومنها: أنّ العبد لو كان مُوجِدًا لفعل نفسه لجاز أن يوجِد الجسم أيضًا؛ لأنّ المصحّح لتعلّق الإيجاد بفعل نفسه هو الإمكان، وهو متحقّق في الجسم[200]، انتهى.
[جوابه]
أقول: إنّا[201] لا نسلّم أنّ المصحّح هو الإمكان، بل العلّة المؤثّرة إنّما هي القدرة، وأمّا الإمكان فإنّما هو معتبر لصلوح المورد لتأثيرها، ومن المعلوم أنّ وجود الأجسام وجود أصليّ، بخلاف وجود الأفعال فإنّه وجود ربطيّ، فمجرّد القدرة لا تكفي في خلق الأجسام، بل يدور خلقها وإيجادها مدار القدرة التامّة، وليس تلك إلّا قدرة الله (جلّ جلاله).
فظهر أنّ استحالة خلق الأجسام للعبد إنّما هي مستندة إلى ضعف المقتضي لا إلى وجود المانع كما توهّمه بعض الحكماء الإلهيين[202]، مع أنّ الفاقد للشيء لا يمكن أن يكون معطيًا لغيره[203] كما بيّناه سابقًا، ومن البديهيّ أنّ العبد فاقد للوجود الأصليّ - بمعنى أنّه أخذه من غيره - فكيف يمكن أن يكون معطيًا لغيره؟! لأنّ إعطاء هذا الوجود فرع الاستغناء عنه، والمفروض احتياجه إليه وكسبه إيّاه من غيره، بخلاف الوجود الربطيّ، فانّ العبد غير محتاج إليه؛ لأنّه واجد لما هو أقوى وأشدّ.
[الدليل السادس]
ومنها: أنّه لو كان العبد قادرًا على إيجاد فعله لكان قادرًا على إيجاد مثله أيضًا؛ لأنّ حكم الأمثال واحد، لكنّا قاطعون بأنّه يتعذّر علينا أن نفعل الآن مثل ما فعلنا سابقًا بلا تفاوتٍ وإنْ بذلنا جهدنا[204] في التدبير والاحتياط [205]، انتهى.
[جوابه]
أقول: إنّ الأفعال مختلفة - كما أنّ قدرة العبد أيضًا كذلك - باختلاف الأزمنة؛ لأنّ منها ما يمكن إيجاد مثله، ومنها ما لا يمكن.
فأمّا الذي لا يمكن، فإمّا لعدم الإحاطة بما فُعِل في الزمان الأوّل، أو لسقوط العبد عن القوّة السابقة.
وإنْ شئت قلتَ: إنّ الأفعال لا اختلاف فيها، وإنّما الاختلاف إنّما نشأ من الإحاطة بما فُعِل وعدمها، ومن سقوط العبد عن القوّة السابقة وعدمه.
[الدليل السابع]
ومنها: أنّه لو كان موجِدًا لأفعاله لكان بعض أفعاله خيرًا من فعله تعالى؛ لأنّ الإيمان فعل العبد، وخلق المؤذيات فعل الله تعالى، ولا شكّ أنّ الإيمان خيرٌ من خلق المؤذيات[206]، انتهى.
[جوابه]
وفيه: أوّلًا: أنّه لا نسبة بين فعلنا وبين فعله تعالى، كما أنّه لا نسبة بيننا وبينه سبحانه.
وثانيا: أنّ خيريّة الإيمان ليست من جهة صدوره من العبد، بل من جهة تعلّقه به جلّ وعزّ، ألا ترى أنّ الإيمان بالشيطان شرٌّ محض[207] مع أنّه فعل العبد، فظهر أنّ الإيمان بالله فيه لحاظان:
الأوّل: لحاظ تعلّقه بالنسبة إلى الله (عزّ وجلّ).
الثاني: لحاظ صدوره من العبد.
ومن المعلوم أنّ الخيريّة[208] إنّما هي بالاعتبار الأول.
فظهر أنّ خيريّة الإيمان ليست إلّا باعتبار تعلّقه به عزّ شأنه، كما أنّ خيريّة خلق المؤذيات أيضًا كذلك؛ لأنّ كلّ ما يصدر من الله الحكيم خيرٌ محض؛ لاشتماله على حِكَمٍ ومصالح، ومن البديهيّ أنّ ما اشتمل على حكمة وصلاح لا يُعقل كونه شرًّا، كما لا يُتصوّر كونه قبيحًا.
فمحصّل ما حقّقناه أنّه لا مانع من كون بعض ما يتعلّق به (عزّ وجلّ) خيرًا من الآخر، مثل الإيمان بالله وخلق المؤذيات.
[الدليل الثامن]
ومنها: أنّ الأمّة مجتمعون على صحّة الشكر لله تعالى، بل بوجوبه على نعمة الإيمان، فلو كان الإيمان بإيجاد العبد لم يصحّ الشكر لله تعالى عليه؛ إذ لا معنى لشكر الغير[209] على فعل نفسه[210]، انتهى.
[جوابه]
أقول[211]: إنّ شكر المنعم ليس واجبًا، وإنّما الكفران ظلمٌ، نعم استقلّ العقل برجحانه.
وأمّا الجواب عمّا زعمه من الدليل فأمران:
الأوّل: أنّ الإيمان بالله العظيم من المناصب الجليلة، والمقامات الرفيعة، والمنازل الشريفة، ومن المعلوم أنّ الوصول الى هذه الدرجة العظمى، والبلوغ إلى هذه المنزلة الكبرى، إنّما يتوقّف على دفع الأعداء من الشيطان والهوى والنفس الأمّارة وغيرها مما لا يمكن للعبد دفعها[212] إلّا بإعانة الله تعالى وتوفيقه، فالشكر ليس إلّا على إعانته وتوفيقه جلّ سلطانه.
الثاني: أنّ الشكر على النعمة، ومن المعلوم ترتّب أعظمها على الإيمان، كالجنّة المأوى وغيرها؛ لما وعده الله تعالى بالنسبة الى عبده.
[الدليل التاسع]
ومنها: قوله (جلّ وعزّ): (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)[213] .
تقريب الاستدلال: أنّ الله (عزّ وجلّ) كما خلقكم فكذا خلق أعمالكم، ومن المعلوم أنّه عين المطلوب[214].
[جوابه]
وفيه: أنّ ما قبل الآية الشريفة إنّما يدلّ على أنّها أجنبيّةٌ عمّا توهمه أعداء الرحمن وأولياء الشيطان؛ لأنّه (عزّ وجلّ) قال: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )[215]، ومن البديهيّ أنّ المراد من قوله تعالى: (مَا تَنْحِتُونَ) ليس إلّا الأصنام، فالمقصود أتعبدون الأصنام التي صوّرتموها مع أنّ الله (عزّ وجلّ) خلقكم وخلق ما تنحتون؟!
فظهر أنّ المراد توبيخ عبدة الأصنام ومنعهم من عبادتها، مع إقامة البرهان العقليّ على أنّ الأصنام ليست موردًا للعبادة، بل المستحقّ لها هو الذي خلقكم وخلق أصنامكم، فأقام (عزّ وجلّ) برهانين على أنّها لا تستحقّ العبادة:
الأوّل: الأصنام مخلوقة لله (عزّ وجلّ) كما أنّكم مخلوقين له، فكيف يجوِّز عقولكم ترك[216] عبادة خالقكم، وعبادة ما هو مخلوق مثلكم؟!
الثاني: أنّ الأصنام فيها جنبتان:
الأولى: ذواتها التي هي مثلكم مخلوقة لله (عزّ وجلّ).
الثانية: صورها وأشكالها.
فالخالق للأولى هو الله (عزّ وجلّ)، وللثانية هو المخلوق، فكيف يمكن عبادة الخالق لمخلوقة؟! فهذان برهانان عقليّان على استحالة عبادة الأصنام.
فظهر أنّ الآية الشريفة أجنبيّةٌ عمّا زعمه الشيطان وحزبه، مع أنّ قوله تعالى: (أَتَعْبُدُونَ...) لا يمكن إلّا على القول بالاختيار؛ لأنّ منعه (عزّ وجلّ) عمّا أجبرهم عليه[217] لا يقول به المجنون فضلًا عن غيره!
مع أنّ كلمة (مَا) إمّا موصولة في المقامين، وإمّا مصدريّة كذلك، وإمّا مختلفة:
فإنْ كانت الأولى، فقد ظهر استحالة دلالتها على ما زعموه.
وإنْ كانت الثانية، فالمراد من العمل إمّا خصوص النحت، وإمّا مطلق العمل:
فإنْ كان الأوّل لزم الكذب؛ لأنّ عبدة الأصنام لم يعبدوا النحت، وإنّما كانوا يعبدون الأصنام المركّبة من الأمرين، مع أنّ الناحت حينئذٍ هو الله، ومن المعلوم فساده من وجوه:
الأوّل: أنّ إضافة النحت وإسناده الى المشركين منافية لإضافته إليه (عزّ وجلّ).
الثاني: أنّ نحت الأصنام ليس إلّا لغرض العبادة، ومن المستحيل أنّه (عزّ وجلّ) ينحتها لهذا الغرض، كما أنّه لا يُعقل أن ينحت الأصنام للغرض المذكور ثمّ يمنع عن عبادتها بقوله: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ)، فظهر بالبراهين القطعيّة استحالة إرادة هذا المعنى.
وإنْ كان الثاني، ففيه - مضافًا إلى ما مرّ من وجوه الفساد والكذب -: أنّه يستحيل حينئذٍ التوبيخ والمنع من عبادة الصنم؛ لأنّ من الأعمال عبادة الأصنام، [و]المفروض كونها مخلوقة لله تعالى، فلا معنى لتوبيخ العباد بالنسبة إلى ما هم مقهورون عليه، بل يكون قوله سبحانه دليلًا على معذوريّتهم في ذلك، مع أنّ كون الآية الشريفة في مقام التوبيخ والإنكار والمنع من البديهيّات التي لا تخفى على المجانين والصبيان.
وإنْ كانت الثالثة، فلا يخلو من شقّين[218]:
الأوّل: كون كلمة (مَا) موصولةً في الأولى، ومصدريّةً في الثانية.
الثاني: عكس الأوّل.
فعلى الأوّل المراد من العمل: إمّا خصوص النحت، وأمّا مطلق العمل، فإنْ كان الأوّل فلا ترتبط الفقرة الثانية بالفقرة الأولى، مع أنّها برهان لها!
مع أنّه يلزم حينئذٍ أن يكون الناحت هو الله سبحانه، وقد بيّنا وجوه فساده في الوجه الأوّل من الوجه الثاني.
وإنْ كان الثاني فيرد عليه جميع ما ورد على الوجه الأوّل، مع زيادة أنّه سبحانه يمنع عباده عمّا أجبرهم عليه من عبادة الأصنام التي هي من جملة الأعمال، بل تكون الآية الشريفة حينئذٍ دليلًا على معذوريّتهم في عبادة الصنم كما مرّ في الوجه الثاني من الوجه الثاني، فلا توبيخ ولا منع حينئذٍ، مع أنّ كونها في مقام المنع والتوبيخ من الواضحات التي لا تخفى على من له أدنى مسكة.
وعلى الثاني يكون المعنى: أتعبدون نحتكم والله خلقكم وخلق أصنامكم؟! ومن المعلوم فساده؛ لأنّهم لم يعبدوا النحت، وإنّما كانوا[219] يعبدون ما فيه ذلك، مع أنّ إضافة النحت إليهم إنّما تدلّ على الاختيار؛ لأنّه لو قيل بالجبر الفاسد لما يكون لهذه الإضافة معنى؛ لأنّ الفاعل حينئذٍ هو الله تعالى، مع أنّ المنع عن عبادة النحت غلط أيضًا؛ لأنّ العبد مجبورٌ في أفعاله التي منها النحت وعبادته، مع أنّ التفكيك خلاف الظاهر، فالمناسب كون المراد شيئًا واحدًا في المقامين .
فظهر ممّا حقّقنا أنّ المراد هو الوجه الأوّل من الوجوه المتقدّمة، فيكون معنى الآية الشريفة هو ما ذكرناه من المنع عن عبادة الأصنام، وإقامة البرهان على أنّها ليست صالحةً للعبادة؛ لأنّها مخلوقة مثلكم، بل مخلوقة لكم من حيث الصور والأشكال، وإنّما المستحقّ للعبادة هو الله الذي خلقكم وخلق أصنامكم من حيث الذوات، فليست هذه الآية الشريفة إلّا كقوله (عزّ وجلّ): (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)[220].
فاتّضح ممّا مرّ أنّ الآية الشريفة أجنبيّةٌ عمّا نسجه عنكبوت أولياء الشيطان، مع أنّه يمكن أن يُقال: إنّ المراد من الخلق ليس خلق تكوينٍ، بل خلق تقديرٍ، فيكون المعنى: أنّ الله تبارك وتعالى مقدّر لأفعال العباد، ومعرّف لنا مقاديرها وما نستحقّ عليها من الجزاء.
[الدليل العاشر]
ومنها: قوله (جلّ وعزّ)[221]: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)[222].
[جوابه]
وفيه: أوّلًا: أنّه لا عموم فيه[223] بالنسبة إلى الأفعال؛ حيث إنّ المشركين جعلوا لله شركاء الجنّ[224]، وقالت اليهود: إنّ عزيز ابن الله، وقالت النصارى: إنّ المسيح هو ابن الله[225]، وقال المشركون: إنّ الملائكة بنات الله سبحانه[226]، فأراد الله تعالى إبطال ما قالوا، فقال سبحانه وتعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ )[227]، فدلّت الآية الشريفة على أنّه لا يُعقل له شريك، ولا يُتصوَّر له أولاد؛ لأنّ كلّ ما يُتصوّر كونه شريكًا له وولدًا فهو مخلوق له (عزّ وجلّ)، مع أنّه سبحانه أقام برهانًا آخر على الاستحالة أيضًا.
فظهر أنّ الآية الشريفة أجنبيّةٌ عن الأفعال؛ لأنّها لا يُتصوّر توهّم كونها شركاء أو أولادًا له جلّ جلاله.
وثانيًا: أنّ العامّ - على تقدير تسليم عمومه - مخصّصٌ بالأدلّة العقليّة والسمعيّة التي ذكرناها سابقًا تفصيلًا [228].
وثالثًا: أنّه لو سلّمنا بقاء العامّ على عمومه، فنقول: إنّه[229] لا دلالة فيها على ما زعموه أيضًا؛ لأنّ الخلق قد يكون بالمباشرة وقد يكون بالتسبيب، فلا مانع من كونه (عزّ وجلّ) خالقًا للأفعال بالتسبيب[230] لا بالمباشرة، كما أنّه (عزّ وجلّ) جعل النار سببًا للإحراق، وإنْ كان[231] فَرْقٌ بينهما بالجبر والاختيار.
ورابعًا: أنّ المراد من الخلق إنّما هو خلق تقديرٍ لا خلق تكوين، وأنّ أفعال العباد مخلوقةٌ له (عزّ وجلّ) بهذا المعنى.
وبهذا البيان ظهر حال آية أخرى أيضًا، وهي قوله (عزّ وجلّ): (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)[232]؛ لأنّها مثل الآية السابقة ليست في مقام العموم بالنسبة الى أفعال العباد، بل إنّما تدلّ على نفي الشريك عن الله سبحانه.
والشاهد على ذلك ما قبل الآية الشريفة وما بعدها؛ لأنّه (عزّ وجلّ) قال: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِQ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)[233]، فظهر أنّ فقرات الآية تنادي بأعلى صوتٍ على أنّها أجنبيّةٌ عمّا زعموه.
فالأجوبة التي أجبنا بها عنه في الآية السابقة بعينها جاريةٌ في هذه الآية الشريفة أيضًا.
[الدليل الحادي عشر]
ومنها: قوله جلّ جلاله: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)[234].
[جوابه]
أقول: إنّ في الآية الشريفة وجوهًا واحتمالات[235]:
الأوّل: رفع لفظة (كُلَّ) على الابتداء، وخبره قوله (بِقَدَرٍ)، والجملة الفعليّة صفة الشيء، وقوله (بِقَدَرٍ) بمعنى المقدَّر والمؤجَّل، فيصير المعنى حينئذٍ: أنّ كلّ شيء خلقناه مقدَّر أو مؤجَّل، ومن البديهيّ عدم دلالتها على ما زعموه لاستحالة[236] إثبات الصغرى بالكبرى.
الثاني: نصب اللفظة بمضمر يفسّره الظاهر، وقوله (بِقَدَرٍ) حال مطلقًا، فيكون المعنى: إنّا خلقنا كلّ شيء مقدَّرًا أو مؤجَّلًا، فلا دلالة لها على دعواهم أيضًا؛ لأنّ المعنى: ما خلقنا شيئًا غير مقدَّر ولا مؤجَّل، كقولك: إنّا أكلنا كلّ شيء بالملح، ومن المعلوم أنّ المراد ليس أكْل كلّ شيء، بل المقصود أنّه ما أكلنا شيئًا بغير ملح، فالعموم بهذا الاعتبار بمعنى: أنّ كلّ ما أكلنا أكلناه بالملح، فهذا أيضًا عامّ لا تخصيص فيه، لكنّه[237] لا ربط له بما توهّموه من أنّ أفعال العباد مخلوقة لله (عزّ وجلّ).
ثمّ لو سلّمنا ذلك، فنقول بالتخصيص كما مرّ سابقًا، ولو تنزّلنا وقلنا بالعدم، فلا ينفع لهم أيضًا؛ لما ذكرنا من التسبيب، ولو أغمضنا عنه فنقول بخلق التقدير.
الثالث: أنّها في مقام الطعن على القدريّة الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه، كما يدلّ عليه ما عن بعض مَن فضّلهم الله تعالى على العالمين من أنّ: «القدريّة مجوس هذه الأمّة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية (يَوْمَ يُسْحَبُونَ ...) إلى قوله: (...بِقَدَرٍ)[238]»[239].
ومن أنّه: «ما أنزل الله هذه الآيات إلّا في القدريّة: (إِنَّ ٱلمُجرِمِینَ ....) إلى قوله (...بِقَدَرٍ)[240]»[241].
ومن أنّه: «نزلت هذه الآية في القدريّة: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ Q إِنَّا كُلَّ شَیءٍ خَلَقنَـٰهُ بِقَدَرٍ)[242]»[243].
والمقصود من القدريّة في هذا المقام المفوّضة؛ لأنّهم يقولون: إنّ الله (عزّ وجلّ) خلق الأشياء مقدّرةً محدودةً مرتّبة، ثمّ لا تصرُّف له سبحانه في ملكه، بل العباد مستقلّون في أمورهم وأفعالهم .
فظهر أنّ قوله (عزّ وجلّ): (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)[244] بعد قوله سبحانه: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ)[245]، ليس إلّا إعادة ما قالوا ونسبوه إليه سبحانه طعنًا واستهزاءً، كما أنّه إذا نسب شخص إلى زيد مثلًا أمرًا باطلًا قبيحًا، وسُلّط زيد عليه وأراد تعذيبه من هذه الجهة، فيقول ما نسبه إليه حين التعذيب طعنًا واستهزاءً وغضبًا، فظهر أنّ الآية الشريفة أجنبيّة عمّا زعمه أولياء الشيطان وجنوده.
[الدليل الثاني عشر]
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ)[246].
وقالوا في تقريب الاستدلال ما هذا لفظه: «والحصر فيه ظاهر إذا كان هو ضمير الشأن، أو ضميرًا مبهمًا يفسّره الله»[247].
وأمّا إذا كان صفة، فذكر الإمام: «أنّه لمّا كان الله عَلَمًا، والعَلَم لا يدلّ إلّا على الذات المخصوصة بمنزلة الإشارة، لم يجز أن يكون الحكم عائدًا إليه؛ إذ لا معنى لقولنا: إنّ هذا العين ليس إلّا هذا العين، ويلزم أن يكون عائدًا الى الوصف على معنى أنّه الخالق لا غير»[248].
[جوابه]
وفيه: أوّلًا: أنّ الضمير ليس للشأن، ولا مبهمًا يفسّره لفظ الجلالة، بل الضمير عائد إلى الذات، ولفظ الجلالة كاشف عن العنوان، وهذا المقدار من المغايرة كافٍ في صحّة الحمل.
ومن هذا الباب قولنا: (زيد زيد)، و(هذا زيد)، و(هو زيد)، و(أنت زيد)، و(أنت الله)، ومن البديهيّ أنّ الضمير في مثل هذه المقامات ليس للشأن، ولا مبهمًا يفسّره الظاهر، وليس ذلك إلّا أنّ الشخص في عالم العقل ينحلّ إلى أمرين:
الأوّل: الذات المعرّاة عن العنوان في عالم اللحاظ.
الثاني: نفس العنوان.
وأمّا الخالق فإنّما هو صفة لله، فليس قوله (عزّ وجلّ): (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ)[249] إلّا كقولنا: (هو زيد العالم)، هل يتوهّم من له أدنى خبرة ببديهيّات العلوم العربيّة انحصار العلم في زيد؛ لأنّ الضمير للشأن، أو مبهم يفسّره الظاهر، كلّا ثمّ كلّا.
فظهر أنّ توهّم أنّ الخالق خبرٌ، لا معنى له، كما أنّ جعل الضمير للشأن أو مبهمًا يفسّره الله، أيضًا كذلك.
ومن الغريب ما توهّمه إمامهم من أنّ الخالق إذا كان صفة فلا بدّ من عود الضمير إلى الوصف لا إلى الله، إذ لا معنى لقولنا: (إنّ هذا العين ليس إلّا هذا العين)؛ فإنّ هذا التوهّم إنّما يكشف عن قلّة بضاعته في المراحل العلميّة؛ لأنّ صحّة قولنا: (هذا زيد)، و(هو زيد) من البديهيّات التي لا تخفى على العوامّ.
وأغرب من ذلك قوله: (ويلزم أن يكون عائدًا إلى الوصف على معنى أنّه الخالق لا غير)؛ لأنّ مرجع الضمير إمّا هو الله، أو الوصف، أمّا الأوّل فإنّما هو خروج عن الفرض لكونه خبرًا[250]، فحينئذٍ لا صفة، وأمّا الثاني فلا معنى له أيضًا كما أعترف به فيما إذا كان الضمير راجعًا إلى الله.
فظهر ممّا حقّقنا أنّ الآية الشريفة لا تفيد الحصر، كما أنّه ظهر حال ما أجابوا به عنها أيضًا من أنّ الحصر عليه تعالى كما يدلّ عليه بعض الآيات بحسب الادّعاء[251]؛ لأنّ الإقدار والتمكين وتيسّر الأسباب لمّا كان منه تعالى، فكأنّه هو الفاعل لا غير؛ لأنّا حقّقنا أنّه لا حصر حتّى يُحتاج الى هذا التكلّف البارد.
وثانيًا: أنّه لو سلّمنا وقلنا به، فلا دلالة على مرامهم أيضًا؛ لاحتمال أن يكون المراد من الخلق: التقدير، لا الإيجاد والتكوين، ومن المعلوم أنّ حصر الخلق بهذا المعنى لا ينافيه ما نحن بصدده؛ لأنّه لا مقدِّر للأشياء إلّا الله، وأنّ العباد هم الذين يوجدون أفعالهم بالمعنى الذي سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى، ولا منافاة بينهما كما لا يخفى.
وثالثًا: أنّه لو سلّمنا الأمرين، فنقول: إنّ الآية الشريفة إنّما تدلّ على أنّ الذي[252] اختصّ هو (عزّ وجلّ) بإيجاده ليس إلّا الجواهر، كالسماء والأرض وغيرهما، وأمّا أفعال العباد فإنّما هي ساكتة عنها، والدليل على ذلك أمور:
الأوّل[253]: ظاهر اللفظ، والمنشأ لهذا الظهور هو انصراف الإطلاق.
الثاني: أنّ ما قبل الآية الشريفة إنّما يدلّ على أنّه (عزّ وجلّ) في مقام نفي الشريك؛ لأنّه جلّ جلاله قال: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ Q هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ Q هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ..)[254]، ومن البديهيّ أنّ المشركين قد جعلوا لله شريكًا في خلق السموات والأرض وما بينهما من الجواهر، أمّا أفعال العباد فلا نظر إليها بوجه من الوجوه كي تكون موردًا للنفي[255] والإثبات.
الثالث: أنّ ما بعد الآية الشريفة صريح في ما حقّقنا؛ فإنّه جلّ جلاله قال: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ)، ومن الواضح أنّ كلّ واحدٍ من العنوانين لا يمكن إلّا في الجواهر كما لا يخفى.
[الدليل الثالث عشر]
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)[256].
[جوابه]
وفيه: أوّلًا: أنّه لا منافاة بين كون الأفعال مخلوقةً للعباد وبين كونها من عند الله (عزّ وجلّ)؛ لأنّ أساسها منه عزّ سلطانه؛ لأنّهم يُوجِدون الأفعال بما أعطاهم الله (عزّ وجلّ) لهم من السلطنة والقدرة، ألا ترى أنّه إذا أعطى شخصٌ لشخصٍ دراهم مثلًا، فاتّجر بها المُعطى له وانتفع بها، فيصلح له أن يقول إنّه من المعطي، وليس ذلك إلّا من جهة أنّه الأساس منه.
وثانيًا: أنّها أجنبيّة عمّا زعموه؛ لأنّ الله (عزّ وجلّ) قال: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)[257].
وأمّا سرّ كونها أجنبيّةً عمّا توهّموه، فإنّ المراد من الحسنة النعمة، كما أنّ المقصود من السيئة البليّة والمصيبة؛ لأنّ الحسنة تقع على النعمة أو الطاعة، والسيئة على البليّة والمعصية، قال الله تعالى: (وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[258]، وقال:(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)[259].
والمعنى: وإنْ تصبهم نعمةٌ من خصبٍ ورخاءٍ وصحّةٍ وأمنٍ وسعةٍ نسبوها إلى الله، وإنْ تصبهم بليّةٌ ومصيبةٌ من قحطٍ وشدّةٍ من مرضٍ وخوفٍ وضيقٍ أضافوها إليك وقالوا: هي من عندك، وما كانت إلّا بشؤمك، كما حكى الله عن قوم موسى(عليه السلام): (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ)[260]، فردّ الله عليهم: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، يعني النعمة والبليّة، والدليل على ذلك أمور:
الأوّل: أنّه (عزّ وجلّ) عبّر بالإصابة وجعل كلّ واحدةٍ من الحسنة والسيئة فاعلًا، ومن المعلوم حينئذٍ استحالة إرادة الأعمال؛ لأنّه لا يصلح أن يقال: إنْ تصبهم صلاة أو زنا، ولكنّه يصحّ أن يقال: إنْ تصبهم نعمةٌ أو بليّة، كما قال الله (عزّ وجلّ): (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ Q الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ ...)[261].
الثاني: أنّ التفصيل بناءً على إرادة الأعمال لا وجه له كما لا يخفى.
الثالث: قوله (عزّ وجلّ)[262]: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، أي: من كيسه (عزّ وجلّ)، إذ من المعلوم أنّ هذا التعبير لا يلائم إلّا على ما أخترناه؛ لأنّ الصلاة والزنا مثلًا لا يمكن أن يقال إنَّهما من كيس الله تعالى حتّى على القول بالجبر الفاسد، بل التعبير حينئذٍ: (من الله)، لا (من كيس الله سبحانه)، بخلاف النعمة والبليّة.
الرابع: قوله (عزّ وجلّ): (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) كما مرّ آنفًا، مع أنّ هذا الاحتمال يكفي في السقوط عن الاعتبار.
وثالثًا: أنّ ما بعد الآية الشريفة صريح في خلاف ما زعموه؛ لأنّه (عزّ وجلّ) قال: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ)[263]، مع أنّه بناءً على الجبر الباطل لا بدّ أن يقول: كلٌّ من الله، كما قال (عزّ وجلّ) في الآية السابقة: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ).
وأمّا ما يُتوهّم من التنافي بين الآيتين الشريفتين، فإنّما نشأ من عدم التدبّر في الخصوصيّات؛ لأنّه فَرْقٌ بين كون الشيء من عند الله تعالى وبين كونه منه سبحانه؛ لأنّ مفاد الأوّل عبارة عن كونه من كيسه (عزّ وجلّ)، ومفاد الثاني أنّه السبب لذلك، فالمعنى: أنّ الحسنة من كيسه سبحانه، كما أنّ السبب في ذلك هو (عزّ وجلّ) أيضًا لا العبد، بخلاف السيئة؛ فإنّها وإنْ كانت من كيسه تعالى أيضًا، إلّا أنّ السبب فيها ليس إلّا العبد؛ لأنّه بارتكابه الأعمال القبيحة صار سببًا لصدور البليّة وخروجها من كيسه سبحانه.
فالمحصّل: أنّ النعمة إحسانٌ وامتحانٌ، وأنّ البليّة الصادرة من كيسه (عزّ وجلّ) انتقامٌ ومُجازات، قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)[264]، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)[265]، فلا تنافي ولا تهافت أصلًا.
فظهر ممّا حقّقنا أنّ الله حكيمٌ غير ظالم، كما أنّه ظهر أيضًا أنّ الآية الشريفة أجنبيّةٌ عمّا زعمه حزب الشيطان، بل ظهر أنّها دلّت على الاختيار كما لا يخفى.
[الدليل الرابع عشر]
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)[266].
وتقريب الاستدلال: أنّ الله (عزّ وجلّ) يريد الإيمان وسائر الطاعات اتّفاقًا، فيجب أن يكون موجدهما هو الله تعالى[267].
[جوابه]
وفيه: أوّلًا: أنّ الله (عزّ وجلّ) لا يريد الكفر، والشرك، والظلم، وقتل الأنبياء والأوصياء، وهدم الكعبة المشرّفة، وغيرها من المعاصي اتّفاقًا، بل يكرهها إجماعًا، فيجب ألّا يكون موجدها هو الله سبحانه، فالموجد لها حينئذٍ إمّا العبد وإمّا لا موجد لها أصلًا، والثاني باطلٌ بالضرورة فتعيّن الأوّل.
وثانيًا: أنّ الله جلّ جلاله يريد صدور الإيمان وسائر الطاعات من العباد باختيارهم، فلا يجب أن يكون الموجِد هو الله تعالى، بل الواجب أن يكون موجدها هو العبد.
وثالثًا: أنّ قوله (عزّ وجلّ): (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) ليس إلّا كقوله سبحانه: (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)[268]، ولا معنى له إلّا أنّه سبحانه لا شريك له في ملكه، ولا مانع ولا رادع عن إرادته[269]، بل إرادته تكفي في وقوع فعله في الخارج.
ورابعًا: أنّه في مقام الردّ على مجوس هذه الأمّة، الذين أرادوا[270] أن يصفوه بعدله فأخرجوه عن سلطانه.
وخامسًا: أنّه لو كان الأمر كما زعموه من الدلالة على الجبر الفاسد، لكان منافيًا لما قبله، وهو قوله (عزّ وجلّ): (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ Q إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ)[271].
كما أنّه يكون منافيًا لما بعده أيضًا، وهو قوله عزّ سلطانه: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ)[272].
فظهر أنّ ما زعمه الأباليس وأبناء الشياطين ليس إلّا تدليس وتلبيس[273]
[الدليل الخامس عشر]
ومنها: قوله: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ Q أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ...)[274].
تقريب الاستدلال: أنّه (عزّ وجلّ) احتجّ على علمه بما في القلوب من الدواعي والقصائد والخواطر بكونه خالقًا لها، على طريق ثبوت اللازم - أعني العلم بثبوت الملزوم، أعني الخلق - وفي أسلوب الكلام إشارةٌ إلى أنّ كلًّا [من] اللزوم وثبوت الملزوم واضحٌ لا ينبغي أن يُشكّ فيه؛ ولهذا يُستدلّ بالآية على عدم كون العبد خالقًا لأفعاله [بـ]ـطريق نفي الملزوم، أعني خلقه، بنفي اللازم، أعني علمه بتفاصيلها[275].
ومحصّله: أنّ الله (عزّ وجلّ) استدلّ على علمه بما في القلوب بكونه خالقًا لها، ومن المعلوم أنّه لا يمكن إلّا بعد الملازمة بينهما، فلا يمكن الخلق إلّا بعد العلم، فلو لم يكن العلم لَمَا يُعقل الإيجاد، فهذا برهانٌ على أنّ العبد لا يمكن له إيجاد أفعاله؛ لأنّه فرع العلم التفصيليّ بتفاصيلها المفروض انتفاؤه في المقام.
[جوابه]
وفيه: أنّه تكرار لما ذكره سابقًا من الدليل العقليّ[276]، غاية الأمر أنّه ذكر في المقام وجه الملازمة، ومن المعلوم أنّ بيان وجه[277] الملازمة والسكوت عنه لا يوجب تعدّد الدليل وتغايره، وقد بيّنا سابقًا أنّ إيجاد الأفعال من حيث أنّه إيجاد للأفعال لا يتوقّف على العلم[278]، وهذا هو السّر في صدور الأفعال من النائم، وإنّما المتوقّف عليه هو القصد إلى الفعل؛ لأنّ قصد الشيء لا يمكن إلّا بعد العلم به، ولكنّا بيّنا سابقًا أنّ العلم الإجماليّ - المفروض حصوله للعبد - يكفي في تحقّق قصده.
مع أنّ ما قبل الآية الشريفة صريحة في الاختيار من وجوه.
[الدليل السادس عشر]
ومنها: قوله (عزّ وجلّ) حكايةً: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ)[279]، (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ)[280]، (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)[281].
[جوابه]
فانظر بعين الإنصاف إلى أنّ هذا النحو من الاستدلال هل يصدر من سكران؟! فإنّ الدعاء لا يُعقل أن يدلّ على الجبر؛ لأنّ المقصود الاستعانة وطلب التوفيق، بل لو دلّ ليدلّ على أمرٍ بين أمرين كما لا يخفى.
[الدليل السابع عشر]
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ)[282].
[جوابه]
وفيه: أنّ هيأة الأفعال إنّما تدلّ على إيصال المبدأ، ومن المعلوم أنّه أعمّ من المباشرة؛ لأنّه قد يكون بالتسبيّب، فاحتمال خلقه الضحك والبكاء مساوٍ مع احتمال خلق قوّتيهما، فلا يمكن حينئذٍ الاستدلال.
مع أنّ سابق الآية الشريفة إنّما يدلّ على الاختيار، وهو قوله (جلّ جلاله): (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ Q وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ Q ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ)[283].
[الدليل الثامن عشر]
ومنها: قوله (عزّ وجلّ): (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)[284]؛ لأنّه ظاهر - بل صريح - في أنّه (عزّ وجلّ) فاعل سيرهم في البرّ والبحر، ولا معنى له إلّا الجبر[285].
[جوابه]
وفيه: أنّ قوله جلّ جلاله بعد ذلك: (حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ Q فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [286] يدلّ على الاختيار من وجوه:
منها: قوله (عزّ وجلّ): (حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ).
ومنها: قوله تعالى: (وَفَرِحُوا بِهَا).
ومنها: قوله سبحانه: (وَظَنُّوا).
ومنها: قوله جلّ جلاله: (دَعَوُا اللَّهَ).
ومنها: قوله جلّ شأئه: (مُخْلِصِينَ).
ومنها: قوله جلّ شأنه: (لَنَكُونَنَّ).
ومنها: قوله عزّ سلطانه: (مِنَ الشَّاكِرِينَ).
ومنها: قوله سبحانه: (إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ)
ومنها: قوله تعالى: (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم).
ومنها: قوله جلّت عظمته: (بِمَا كُنتُمْ).
ومنها: قوله تعالى: (تَعْمَلُونَ).
مع أنّه بناءً على الجبر الفاسد لا معنى لقولهم: (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)؛ لكونهم مجبورين في أفعالهم التي منها الشكر والكفران، فلا معنى له إلّا الاختيار.
مع أنّ ما قبل الآية الشريفة أيضًا صريحة فيه؛ لأنّه (عزّ وجلّ) قال:(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ)[287]، ومن المعلوم أنّه (عزّ وجلّ) يذمّهم في مكرهم، بل يحكم بحماقتهم في ذلك، ولا معنى له إلّا الاختيار؛ لأنّه لو كان الأمر كما توهّمه الشياطين فلا يمكن الذمّ والحكم بالحماقة كما لا يخفى، مع أنّه (عزّ وجلّ) قال: (إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا)، وقال: ( قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا).
وأمّا قوله جلّت قدرته (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، فإنّما يدلّ على أنّه (عزّ وجلّ) هو المُنشئ والسبب لكونهم سائرين فيهما، ولا معنى لجعله إيّاهم سائرين إلّا أنّه يمكّنهم منه بتهيئة[288] أسبابه، كما يدلّ على ذلك قوله (عزّ وجلّ): (حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ ...) إلخ.
فظهر أنّ الاستدلال على الجبر الفاسد بمثل هذه الآية الشريفة الصريحة في الاختيار من وجوه كثيرة يكشف عن جنون المستدلّ وحماقته، وإلّا فالعاقل يستحيل أن يصدر منه مثل هذا الاستدلال كما لا يخفى.
[الدليل التاسع عشر]
ومنها: قوله جلّ جلاله: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ)[289].
وتقريب الاستدلال هو: أنّه (عزّ وجلّ) صرّح بأنّ إمساك الطيور في الجوّ على خلاف الطبع ليس إلّا من الله القادر، ولا معنى له إلّا الجبر[290]؛ إذ من المعلوم أنّه لو كان لهنّ مدخليّة في الإمساك لَمَا[291] يكون للحصر معنى، فثبت أنّ أفعال الحيوانات - فضلًا عن أفعال الإنسان - مخلوقةٌ له (جلّ جلاله).
[جوابه]
وفيه: أنّ المستدلّ لم يقرأ القرآن، بل لم[292] يرَ سابق الآية الشريفة ولاحقها، ومع ذلك تصدّى للحرب مع الله العزيز! لأنّه (عزّ وجلّ) يقول في السورة التي فيها هذه الآية: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ * إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)[293]، ومن المعلوم أنّ إحدى عشرة فقرة من هذه الآية الشريفة صريحة في بطلان الجبر.
مع أنّ سابق الآية الشريفة أيضًا صريح في الاختيار؛ لأنّه (عزّ وجلّ) قال: (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ)[294]؛ لأنّ تكذيبهم لا يمكن إلّا بالاختيار، كما أنّ قوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) لا يُعقل إلّا على ما اخترناه، بل قوله تعالى: (صَافَّاتٍ)، وكذا قوله: (يَقْبِضْنَ) أيضًا كذلك.
وأمّا قوله (عزّ وجلّ): (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ)، فمعناه: أنّه (عزّ وجلّ) دبّر بقدرته ما دبّر من القوادم والخوافي[295]، وبنى الأجسام على أشكال وخصائص قد تأتّى منها جريهن في الجوّ، إنّه بكلّ شيء بصير، يعلم كيف يخلق وكيف يدبّر العجائب، فظهر أنّ الآية الشريفة إنّما تدلّ على ما اخترناه من الأمر بين الأمرين.
[الدليل العشرون]
ومنها: قوله (جلّ جلاله): (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ)[296].
وتقريب الاستدلال: هو أنّه لا إشكال ولا ريب في أنّ صحّة السلب من أعظم علائم المجاز وأوضحها، ولهذا يصحّ أن يقال: (إنّ البليد ليس بحمار)، فقولك: (إنّ البليد حمار) مجاز؛ لما بيّنا من صحّة السلب، فإذا ثبت لك أنّ من مميّزات المجاز صدق سلبه بخلاف الحقيقة، فافهم أنّ هذه الآية تكفح وجوه القدريّة[297] بالردّ؛ وذلك أنّ الله تعالى أثبت الفعل للخلق ونفاه عنهم، ولا محمل لذلك إلّا أنّ ثبوته لهم مجاز، والفاعل والخالق حقيقة هو الله تعالى، فأثبته لهم مجازًا[298] ونفاه عنهم حقيقة.
وإيّاك أن تعرّج على تعكيس[299] الزمخشريّ في تأويل الآية؛ فإنّه نظر أعوج، وباطل مُخَلَّج[300]، والحقّ أبلج، والله الموفق لكرمه[301]، انتهى.
[جوابه]
وفيه: أوّلًا: أنّ الأمر لو كان كما توهّمه المستدلّ للزم بطلان الشرائع والأديان والجنّة والنار، ولزم أيضًا أن يكون إرسال الرسل وإنزال الكتب عبثًا، بل محالًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فبداهة بطلان اللوازم من أوضح القرائن على أنّ المراد عكس ما توهّمه المتوهّم.
وثانيًا: أنّ قوله (عزّ وجلّ): (إِذْ رَمَيْتَ) لا يمكن التجوّز فيه؛ لأنّه إمّا في المادّة، أو في الهيأة، أو في التاء:
أمّا الأوّل، فباطل بالضرورة؛ لأنّ المفروض بقاء الكلمة على معناها الحقيقيّ.
وأمّا الثاني، فلا يُعقل؛ لأنّ التجوّز في الهيئات أمرٌ غير معقول؛ لأنّ الهيأة ليست كلمةً حتّى تُستعمل في خلاف ما وُضعت له مع أنّها لا استعمال فيها، بل الهيأة لا معنى لها أصلًا كما حقّقناه في مباحث الألفاظ[302].
وأمّا التاء، فكذلك مع أنّ المراد منها خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا التجوّز في الإسناد كما في مثل: (نطقت الحال)، فلا يُتصور له معنى في المقام؛ لأنّ المقصود ليس تنزيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) منزلة الربّ تعالى؛ للمقابلة، مع أنّه جلّ جلاله أتى بصيغة الماضي واختار كلمة (إِذْ)، وليس ذلك إلّا للاهتمام والتأكيد في بيان أنّ الرمي إنّما صدر وتحقّق منه (صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه الحقيقة.
وثالثًا: أنّ ما قبل الآية الشريفة صريحة من وجوهٍ كثيرةٍ في بطلان الجبر؛ لأنّه (عزّ وجلّ) قال: (إذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)[303]؛ إذ من المعلوم صراحتها في أنّه (عزّ وجلّ) نصر المؤمنين بإنزال الملائكة، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وأنّه أمرهم بتثبيت المؤمنين وجزِّ رؤوس المشركين، ولهذا قال (عزّ وجلّ): (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ).
فليس قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) إلى قوله تعالى (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)[304]، بمعنى: أنّ الرمية من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن الله جلّ جلاله، كما هو الحال في قوله (عزّ وجلّ): (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)؛ لأنّ من قتله الملائكة فإنّ الله قتله، وأمّا من قتله المؤمنون فيصحّ أن يقال أيضًا أنّه (عزّ وجلّ) قتله من جهة إلقاء الرعب في قلوبهم، فالقاتل هو الله والملائكة والمؤمنون ولا جبر، فالرمي من الله ومن النبيّ ولا جبر أيضًا.
مع أنّ الآية الشريفة تدلّ على ما حقّقنا من وجوهٍ كثيرةٍ أيضًا:
منها: قوله تعالى: (أَنِّي مَعَكُمْ)، أي: في إعانة المؤمنين؛ لأنّ جبر المشركين على قتال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقهر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على قتالهم، وقوله سبحانه للملائكة: (أَنِّي مَعَكُمْ) في نصره، لَعِبٌ لا ينبغي له إلّا القائل بالجبر.
ومنها: قوله تعالى: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) لما بيّنا.
ومنها: قوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، لعين ما حقّقنا.
ومنها: قوله تعالى: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ).
ومنها: قوله تعالى: (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ).
ومنها: قوله: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)
ومنها: قوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)؛ لاستحالة العقاب بناءً على الجبر الفاسد فضلًا عن شدّته؛ لاستحالة صدور الظلم من الله، تعالى الله[305] عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ومنها: قوله تعالى: (فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ)؛ لأنّ الكافر والمؤمن بناءً على هذه الطريقة الخبيثة على حدّ سواء، بل الكافر أولى بالإحسان من المؤمن.
ومنها: قوله تعالى: (فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ)؛ لأنّ النهي عن الإدبار غير معقولٍ حينئذٍ.
ومنها: قوله: (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) إلى قوله (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ)؛ لما بيّنا من أنّ الإعراض حينئذٍ[306] ليس أمرًا اختياريًّا لهم حتّى يقال: فقد باء وانصرف بغضبٍ من الله، مع أنّه سبحانه منزّهٌ عن أن يُجبرهم على الإعراض والانصراف، ثمّ يغضب عليهم لأجله؛ لكونه ظلمًا، تعالى الله عمّا يقوله الظالمون علوًّا كبيرًا.
ومنها: قوله تعالى: (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ).
ومنها: قوله: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
ورابعًا: أنّ شأن نزول الآية الشريفة[307] يُكذّب دعواه؛ لأنّ قريشًا لمّا جاءت بخيلائها وكِبَرِها، أتّى النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) جبرئيلُ (عليه السلام)، فقال: «خذ قبضةً من تراب، فارمهم بها، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ (عليه الصلاة والسلام): أعطني قبضةً من حصاة الوادي، فأعطاه، فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، ولم يبق مشركٌ إلّا شُغل[308] بعينه، فانهزموا وردفهم المؤمنون فيقتلونهم ويأسرونهم، ثمّ[309] لمّا انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل: قتلت وأسرت، فنزلت [الآية]» [310].
[فـ]ـأثبت الرمي[311] لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّه وُجد منه صورةً، ونفاه عنه معنىً؛ لأنّ أثره الذي لا يدخل في قدرة البشر فعل الله سبحانه، فكأنّه فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنّها لم توجد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فظهر أنّ الله (عزّ وجلّ) كأنّه فاعل الرمي، وأنّ الفاعل الحقيقيّ هو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، نعم حيث كان هذا الأثر العظيم المترتّب على فعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من الله العزيز فكأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس فاعلًا له[312]، وإنّما الفاعل له هو الله.
فظهر أنّ الآية إنّما تدلّ على عكس ما توهّمه المستدلّ، كما أنّه ظهر أنّ الحقّ ما ذهب إليه الزمخشريّ في هذا المقام؛ لأنّه قال ما هذا لفظه: «وما رميت أنت يا محمّد إذ رميت، ولكنّ الله رمى، يعني: أنّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة؛ لأنّك لو رميتها لما بلغ أثرها إلّا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنّها كانت رمية الله حيث أثّرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّ صورتها وُجدت منه، ونفاها عنه؛ لأنّ أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله (عزّ وجلّ)، فكأنّ الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنّها لم توجد من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أصلًا»[313]، وهذا الكلام في غاية المتانة وكمال الجودة، وقد أقمنا البراهين القطعيّة على استحالة دلالتها على ما توهّمه الجبريّة.
ومن العجب ما ذكره المتوهّم بعد الاستدلال بها على الجبر؛ لأنّه قال: «وإيّاك أن تعرّج على تعكيس الزمخشريّ في تأويل الآية؛ فإنّه نظر أعوج، وباطل مُخَلَّج، والحقّ أبلج، والله الموفّق لكرمه»[314]، مع أنّه ظهر ممّا حقّقنا سابقًا أنّ من له أدنى مسكة لا يخطر بباله ما توهّمه، بل المتوهّم لهذا المعنى من المجانين، ولا ينبغي لأن يقال في حقّه أنّه معوجّ وأنّ نظره أعوج.
كما أنّ ما ذكره من أنّ (الباطل مُخَلَّج)، في غاية الوضوح، ولكن الكلام في تمييز الحقّ من الباطل وقد اتّضح ممّا حقّقنا أنّ ما ذهب إليه من الجبر المترتّب عليه بطلان الشرائع والأديان، والوعد والوعيد، والجنّة والنار، وعبثيّة إرسال الرسل وإنزال الكتب، وغيرها من اللوازم الفاسدة التي لا يلتزم بها إنسان، هو الباطل المُخَلَّج.
وأعجب الأمور أنّه جعل ما ذكره الزمخشريّ تأويلًا مع أنّا بيّنا بالقرائن القطعيّة أنّه لا معنى للآية الشريفة إلّا ذلك، وأعجب من ذلك قوله: (والله الموفّق لكرمه).
وأمّا قوله: (والحقّ أبلج) فمّما لا ريب فيه، ولكن الناس مختلفون لأنّ منهم من يعترف بالحقّ الأبلج الأوضح، ولكنه أقلّ قليل، ومنهم من يُلبس الحقّ بالباطل، ويُسمن الباطل بالحقّ والحقّ بالباطل، ويقول: (والباطل مُخَلَّج، والحقّ أبلج)، وقد قال الله (عزّ وجلّ) فيهم: (لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)[315].
[التحقيق في مفاد أخبار السعادة والشقاوة]
أمّا أخبار السعادة والشقاوة[316]، فمحصّلها: أنّ الله (عزّ وجلّ) خلق[317] مقتضي للأمرين، [أي] إنّما خلق الاقتضاء، بمعنى: أنّ في العبد قوّتين: قوّة الطاعة، وقوّة المعصية، وكلّ واحدةٍ منهما مقتضية، وليست علّةً تامّةً حتّى يكون جبرًا.
نعم نفس الاقتضاء من الله (عزّ وجلّ)، فالعبد مجبورٌ في هذه المرحلة، وأمّا ترتيب الآثار عليه فإنّما هو تحت قدرته وسلطانه.
وهذا معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«الشقيّ من شقي في بطن أمّه، والسعيد من سعد في بطن أمّه» [318]، وليس له معنى إلّا أنّ الشقاوة والسعادة الاقتضائيّة أمران راجعان إلى التكوين، وخارجان عن اختيار العبد، لا الفعليّة.
والدليل على ذلك هو ما رُوي من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) [أنّه]: «خرج قابضًا على شيئين في يده، ففتح يده اليمنى ثمّ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الرحمن الرحيم في أهل الجنّة بأعدادهم وأحسابهم وأنسابهم، مجمل عليهم لا ينقص منهم أحدًا ولا يُزاد فيهم أحدًا، وقد يُسلك بالسعداء طريق الأشقياء حتّى يقال: هم منهم، هم هم، ما أشبههم بهم، ثمّ يدرك أحدهم سعادته قبل موته ولو بفواق ناقة، وقد يُسلك بالأشقياء طريق أهل السعادة حتّى يقال: هم منهم، هم هم، ما أشبههم بهم، ثمّ يدرك أحدهم شقاءه ولو قبل موته بفواق ناقة، وقال[319] النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): العمل بخواتيمه العمل بخواتيمه» [320] .
ورُوي أيضًا عن بعض من فضّلهم الله تعالى على العالمين أنّه: «اختصم رجلان بالمدينة، قدريٌّ ورجلٌ من أهل مكّة، فجعلاه (عليه السلام) [321] بينهما، فأتياه وذكرا كلامهما، فقال(عليه السلام): إن شئتما أخبرتكما بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالا: قد شئنا، فقال(عليه السلام): قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: كتاب كتبه الله بيمينه - وكلتا يديه يمين - فيه أسماء أهل الجنّة بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم، مجمل عليهم لا يزيد فيهم رجلًا ولا ينقص منهم رجلًا، وقد يُسلك بالسعيد طريق الأشقياء حتّى يقول الناس: كان منهم، ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمّ تدركه السعادة، وقد يُسلك بالشقيّ طريق السعداء حتّى يقول الناس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمّ يتداركه الشقاء، مَن كتبه الله سعيدًا ولو لم يبق من الدنيا إلّا فواق ناقة ختم الله له بالسعادة» [322].
[فإنّ] قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (وقد يُسلك ...) الخ، صريح في أنّ السعادة والشقاوة أمرانِ ثابتانِ بحسب الاقتضاء، وإلّا فلا يمكن سلوك السعيد مسلك الأشقياء وسلوك الشقيّ مسلك السعداء.
ورُوي أيضًا: «إنّ الله خلق قومًا لحبّنا، وخلق قومًا لبغضنا، فلو أنّ الذين خلقهم لحبّنا خرجوا من هذا الأمر إلى غيره لأعادهم إليه وإن رغمت آنافهم»[323]، [فـ]ـقوله(عليه السلام): »فلو أنّ الذين خلقهم لحبّنا خرجوا ... « الخ، ليس إلّا كقوله: (وقد يُسلك ...) الخ، ولا معنى له إلّا أنّ السعادة الذاتيّة - وكذا الشقاوة - ليست علّة تامّة بحيث لا يمكن للعبد المنع من تأثيرها.
وأمّا قوله(عليه السلام): (لأعادهم إليه وإنْ رغمت آنافهم)، فليس إلّا كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ولو لم يبق من الدنيا إلّا فواق ناقة ختم الله له بالسعادة«، وكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثمّ يدرك أحدهم سعادته قبل موته ولو بفواق ناقة»، ولا معنى للجميع إلّا أنّه (عزّ وجلّ) يوفّقهم لها بجوده وكرمه وإحسانه.
ورُوي أيضًا: «إنّ الله (عزّ وجلّ) خلق السعادة والشقاوة قبل أنْ يخلق خلقه، فمن علم الله سعيدًا لم يبغضه أبدًا، وإنْ عمل شرًّا أبغض عمله ولم يبغضه، وإنْ علمه شقيًّا لم يحبّه أبدًا، وإنْ عمل صالحًا أحبّ عمله ولم يحبّه... » [324] الخبر، ومن البديهيّ صراحتها في أنّ السعيد يمكن أن يصدر منه الشرّ، كما أنّها صريحة في أنّ الشقيّ لا مانع من أن يصدر عنه الخير.
فظهر أنّ الروايات إنّما دلّت على أنّ السعادة والشقاوة ليست علّةً تامّةً للطاعة والعصيان، وإنّما هما أمران اقتضائيّان، وقد بيّنت هذا المعنى بعباراتٍ مختلفة.
وأمّا قوله(عليه السلام): «إنّ الله (عزّ وجلّ) خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه« [325]، فليس معناه ما توهّمه بعض[326] الأركان (قدّس الله تعالى أسرارهم)، بل المراد منه ما حكم به معدن الوحي وأمين التنزيل(عليه السلام)، ومحصّله: «أنّ الله تبارك وتعالى بعث إلى الحمل ملكين خلّاقين يصوّرانه ويكتبان رزقه وأجله، وشقيًا أو سعيدًا»[327].
فظهر أنّ معنى خلق السعادة والشقاوة قبل خلق الخلق ليس إلّا أنّه قبل ولوج الروح، ولا معنى له أيضًا إلّا قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (الشقيّ من شقي في بطن أمّه، والسعيد من سعد في بطن أمّه).
فظهر أنّ جميع الروايات الواردة في هذا الباب تفسير لما صدر من خاتم النبيّين (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا معنى له إلّا ما بيّناه من أنّ الشقاوة والسعادة أمران اقتضائيّان.
وقد اتّضح ممّا حقّقنا معنى ما ورد عن بعض مَن فضّلهم الله تعالى على العالمين من أنه: (تلج النطفتان في الرحم، فأيّتهما كانت أكثر جاءت تشبهها، فإنْ كانت نطفة المرأة أكثر جاءت تشبه أخواله، وإن كانت نطفة الرجل أكثر جاءت تشبه أعمامه.
وقال: تحول النطفة في الرحم أربعين يومًا، فمن أراد أن يدعو الله (عزّ وجلّ) ففي تلك الأربعين قبل أن تُخلق، ثمّ يبعث الله (عزّ وجلّ) ملك الأرحام فيأخذها، فيصعد بها إلى الله (عزّ وجلّ)، فيقف ما شاء الله، فيقول: يا إلهي ذكر أم أنثى؟ فيوحي الله (عزّ وجلّ) إليه من ذلك ما يشاء، ويكتب، ثمّ يقول: إلهي أشقيّ أم سعيد؟ فيوحي الله (عزّ وجلّ) من ذلك ما يشاء، ويكتب الملك، فيقول: اللهمّ كم رزقه، وما أجله؟ ثمّ يكتب، ويكتب كلّ شيء يصيبه في الدنيا بين عينيه، ثم يرجع به فيردّه في الرحم[328]، فذلك قول الله (عزّ وجلّ): (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا)[329])[330].
فهذه الرواية الشريفة الساطعة منها أنوار العصمة والطهارة شرحلٌ لما صدر من سيّد الأنبياء (عليه وآله آلاف التحيّة والثناء)، كما أنّ قوله(عليه السلام):«ففي تلك الأربعين قبل أن تُخلق» صريح في أنّ السعادة والشقاوة قبل ولوج الروح بمعنى أنّ خلق اقتضائهما قبل ولوجها، فدلّت الرواية الشريفة على أنّ الشقاوة والسعادة إنّما خُلقتا قبل خلق الخلق بهذا المعنى، فهذه الرواية مفسّرة لما في رواية أخرى سابقة من أنّ الله (عزّ وجلّ) خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه.
إن قلت: إنّ هذه الرواية ظاهرة - بل صريحة - في أنّ السعادة والشقاوة كالذكورة والأنوثة، [فـ]كما أنّ الذكورة والأنوثة[331] الفعليّة من الله (عزّ وجلّ)، فكذا الشقاوة والسعادة الفعليّة، ولا معنى لذلك إلّا الجبر.
قلت: إنّه قد اتّضح من الروايات السابقة أنّ اقتضاء السعادة والشقاوة ممّا يرجع إلى الله (عزّ وجلّ)، وأمّا فعليّتها فلا، بل المرجع فيها هو العبد، فبعد انضمام الروايات السابقة يتّضح أنّ المراد أنّ اقتضاء السعادة والشقاوة كالذكورة والأنوثة الفعليّة، إنّما هي مخلوقةٌ له (عزّ وجلّ)، وأمّا كَتْب الرزق والأجل والسعادة والشقاوة فليس المراد منه ما يُترائى، بل المقصود إنّما هو ضبط هذه الأمور وإتقانها، ولا معنى له إلّا إيجاد ما يقتضيها، كما أنّ كَتْب الذكورة والأنوثة لا معنى له إلّا إيجادهما، مع أنّ المعنى الحقيقيّ للكتب ليس هو الخطّ بل هو عبارة عن الإتقان الضبطيّ، وحيث أنّه عين ضبط المعاني وحفظها وإتقانها فيُطلق عليه الكَتْب، وقد حقّقنا هذا المعنى في محلّه تفصيلًا[332].
فظهر أنّ جميع الروايات مفسّرة لما صدر من سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّه ظهر أنّ بعضها يفسّر بعضًا، كما أنّه أتّضح أنّ الأخبار المذكورة لا تدلّ إلّا على ما حقّقناه من الاقتضاء، فلا جبر.
وقد أشار (عزّ وجلّ) لهذا المعنى في القرآن أيضًا؛ لأنّه (جلّ جلاله) قال: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ)[333]، إلى أن قال: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا)[334]، فإنّه (عزّ وجلّ) أتى بالمعلوم في الأولى وبالمجهول في الثانية، وليس ذلك إلّا للتنبيه على أنّ الشقاوة الموجبة للنار ليست كالسعادة المورثة للجنّة؛ فإنّ الأولى فعل العبد، بخلاف الثانية؛ فإنّها بعون الله وتوفيقه.
فظهر أنّ السيئات من أنفسنا، بخلاف الحسنات؛ فإنّها من الله، بمعنى إعانته وتوفيقه، كما هو مدلول الآية والرواية أيضًا، ومن المعلوم أنّ هذا المعنى مناف للجبر.
[التحقيق في مفاد رواية أبي بصير الواردة في المقام]
قد بقي في المقام روايةٌ صَعُبَ على الأركان فهمها، قال في المجلّد الثالث من البحار: «زيد الدقاق، عن الكلينيّ، عن عليّ بن محمّد، رفعه عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي بصير، قال: كنت بين يدي أبي عبد الله(عليه السلام) جالسًا [و] قد سأله سائل فقال: جُعلت فداك يا بن رسول الله! من أين لَحِق الشقاء أهل المعصية حتّى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبوعبد الله(عليه السلام): «أيّها السائل، عَلِم الله (عزّ وجلّ) [أن] لا يقوم أحدٌ من خلقه بحقّه، فلمّا علم بذلك وهب لأهل محبّته القوّة على معصيتهم؛ لسبق علمه فيهم، ولم يمنعهم إطاقة القبول منه؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق، فوافقوا ما سبق لهم في علمه وإن قدروا أن يأتوا حلالًا ينجيهم عن معصيته، وهو معنى شاء ما شاء، وهو سرّ»»[335].
ثمّ قال:
«بيان: هذا الخبر مأخوذٌ من الكافي، وفيه تغييراتٌ عجيبةٌ تورث سوء الظنّ بالصدوق، وأنّه إنّما فعل ذلك ليوافق مذهب أهل العدل، وفي الكافي هكذا: أيّها السائل حكم الله (عزّ وجلّ) لا يقوم أحد من خلقه بحقّه، فلّما حكم بذلك وهب لأهل محبّته القوّة على معرفته، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، ووهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم؛ لسبق علمه فيهم، ومنعهم إطاقة القبول منه، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حلالًا ينجيهم من عذابه؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق، وهو معنى شاء ما شاء، وهو سر[336]»[337].
فنقول بعون الله (جلّ جلاله): إنّ ما نقله المجلسيّ عن الكافي أيضًا لا يدلّ إلّا على ما حقّقنا من الأمر بين الأمرين، بمعنى أنّ المقتضي من الله (عزّ وجلّ) وترتيب الأثر عليه من العبد؛ لأنّ مقصود السائل هو أنّ الشقاوة الموجبة للعذاب على العمل السوء هل هي من الله (عزّ وجلّ) أو من[338] العبد؟ فعلى الأوّل لا يمكن العقاب، وعلى الثاني لا إشكال في الصحّة، فأجاب الإمام(عليه السلام) بما محصّله: أنّ الله (عزّ وجلّ) لا مدخليّة له في معصية عباده، غير أنّه تعالى وهب لهم القوّة عليها، ألا ترى أنّه(عليه السلام) يقول: «حَكَم الله أن لا يقوم أحد من خلقه بحقّه، فلمّا حكم بذلك وهب ... » الخ، وليس مقصوده(عليه السلام) من هذا الكلام إلّا بيان أنّه (عزّ وجلّ) ليس علّة لعصيان خلقه، بل الخلق هم السبب في ذلك؛ لأنّ العلم ليس علّة للمعلوم؛ بالضرورة، وإنّما هو تابع له.
نعم، بعد العلم بعدم قيامهم بحقّه وهب لهم قوّةً يقتدرون بها على العصيان، وهذا سرّ لا يعلمه إلّا هو.
وقوله(عليه السلام): «وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله»، معناه: أنّ مجرّد القوّة لا تكفي في تحقّق الطاعة؛ لكون الهوى مانعًا عنها، فهو (عزّ وجلّ) دفع عنهم المانع، أي: وفّقهم للطاعة بسبب ما هم أهله من المحبّة التي هي السعادة الذاتيّة الاقتضائيّة.
وقوله(عليه السلام): «ومنعهم إطاقة[339] القبول منه»، معناه: أنّه (جلّ جلاله) منع عنهم المعصية، ولا معنى لمنع المعصية عن العبد إلّا هبته قوّة رادعة له، كما يقتدر بها على المنع من العصيان المترتّب على ما يقتضيه من القوّة الموهوبة، والدليل على ذلك هو أنّ الإطاقة[340] لا معنى لها إلّا التحمّل والقبول في المقام، وهو[341] ليس إلّا قبول الهبة[342] من الله الواهب.
وحرف الجرّ المقدّر لا يمكن دخولها على الإطاقة[343]؛ لأنّ المعنى حينئذٍ أنّه (عزّ وجلّ) منعهم عن إطاقة القبول، أي: عن تحمّل قبول هبة الله، فالمحصّل أنّه سبحانه منعهم عن المعصية، ومن المعلوم استحالة إرادة هذا المعنى؛ لأنّ المعنى حينئذٍ أنّ الله (عزّ وجلّ) أجبرهم على غير المعصيّة بعد إعطاء قوّتها، مع أنّ الرواية تدلّ على خلافه من وجوه:
منها: قوله(عليه السلام): «حكم الله (عزّ وجلّ) أن[344] لا يقوم أحدٌ[345] من خلقه بحقه».
ومنها: قوله(عليه السلام): «فلمّا حكم بذلك».
ومنها: قوله(عليه السلام): «ووهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم؛ لسبق علمه فيهم».
ومنها: قوله(عليه السلام): «فوافقوا»؛ لأنّه بناءً على الاحتمال المذكور لا بدّ أن يقال: (فخالفوا).
ومنها: قوله(عليه السلام) بعد ذلك: «سبق لهم في علمه».
ومنها: قوله(عليه السلام): «ولم يقدروا أن يأتوا حالًا تنجيهم من عذابه».
ومنها: قوله(عليه السلام): «لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق».
فظهر أنّه لا يمكن إرادة هذا المعنى من هذا الكلام، وإلّا لزم التناقض والتهافت من وجوه كما بيّنا، فتعيّن أنّ حرف الجرّ لا بدّ من دخولها على الضمير، أي: (منع عنهم المعصية)، بمعنى أنّه (جلّ جلاله) جعل فيهم قوّةً يقتدرون بها على المنع من المعصية.
فالمحصّل أنّ فيهم قوّة الطاعة وقوّة المعصية، والمرجع في إعمالها ليس إلّا الخلق، وحيث أنّه (عزّ وجلّ) علم بتمرّدهم وطغيانهم، ووهب لهم قوّة الطاعة والمعصية، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، أي: عصوا كما كان الله عالمًا به قبل صدوره منهم.
وقوله(عليه السلام) : «ولم يقدروا أن يأتوا حالًا تنجيهم من عذابه؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق»، نصٌّ في الاختيار؛ للتعليل الصريح فيه؛ لأنّ العلم تابعٌ للمعلوم، فالمعنى أنّ: عجزهم عن الطاعة ليس من جهة أنّ الله سبحانه أجبرهم على العصيان، بل من جهة علمه (عزّ وجلّ) بعدم قيامهم بحقّه وعصيانهم بقدرتهم واختيارهم قبل تحقّق العصيان منهم، فلو قدروا على ترك العصيان مع علمه تعالى بوجوده لزم انقلاب علمه جهلًا، وهذا محال بالضرورة، كما أنّ الله (عزّ وجلّ) عالم الآن بأنّه يخلق زيدًا في الغد مثلًا، ولا يمكن أن لا يخلقه فيه؛ للزوم انقلاب علمه جهلًا، وهذا[346] مع أنّه مختارٌ في خلق زيدٍ في الغد، وليس مجبورًا، كما أنّه فاعلٌ مختارٌ في جميع أفعاله.
فظهر أنّ هذه الرواية أصرح الروايات وأوضحها في ما حقّقناه من الأمر بين الأمرين؛ لأنّها دلّت على أنّ قوّة الطاعة وتوفيق العمل من الله سبحانه، أمّا اختيار العمل بعد الأمرين فإنّما يدور مدار مشيئة العبد وإرادته.
كما دلّت أيضًا على أنّ قوّة المعصية من الله تعالى، وأمّا نفس المعصية فإنّما هي مستندة إلى العبد، ومعلولة منه بواسطة قدرته واختياره.
والدليل على ذلك كلّه تمسّكه(عليه السلام) بعلمه تعالى الذي هو تابعٌ للمعلوم، وليس بعلّة، كما هو الحال في علم غيره أيضًا.
ومن العجب ما زعمه المحقّق المجلسيّ (قدّس الله تعالى أسراره) من أنّ الصدوقH غيّرها بتغييراتٍ عجيبةٍ تورث سوء الظنّ به، وأنّه إنّما فعل ذلك ليوافق مذهب أهل العدل[347]؛ لأنّه قد ظهر ممّا حقّقنا أنّ الرواية لم تكن مخالفةً لمذهب أهل العدل حتّى يغيّرها الصدوق كي يوافق مذهبهم، مع أنّه يمكن أن تكون الرواية في النسخة التي عند الصدوق على ما نقله، فلا تغيير حينئذٍ حتّى يورث سوء الظنّ به ويوجب، بل العجب كلّ العجب منهH.
[التحقيق في مفاد رواية ابن أبي عمير]
كما أنّه ظهر من هذه الرواية معنى رواية أخرى أيضًا، فعن ابن أبي عمير قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما الصلاة والسلام) عن معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الشقيّ من شقي في بطن أمّه، والسعيد من سعد في بطن أمه»؟
فقال: «الشقيّ من علم الله وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل[348] أعمال الأشقياء، والسعيد من علم الله وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل[349] أعمال السعداء».
قلت له: فما معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اعملوا فكلّ ميسّر لما خُلق له»؟
فقال: «إنّ الله (عزّ وجلّ) خلق الجنّ والإنس ليعبدوه، ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله (عزّ وجلّ): (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[350]، فيسّر كلًّا[351] لما خُلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى» [352].
فإنّ السائل زعم التعارض بين قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الشقيّ من شقي... » الخ، وبين قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اعملوا[353] فكلّ متيسّرٌ لما خُلق له»؛ لأنّ الأوّل ظاهر في الجبر - على زعمه - والثاني في الاختيار، وهذا هو السبب والداعي للسؤال.
فأجاب الإمام(عليه السلام) بما محصّلة: أنّ العمل الصادر من الشقيّ والسعيد لا ربط له به (عزّ وجلّ)، غير أنّه (عزّ وجلّ) عالمٌ بأنّه سيعمل[354] عمل الأشقياء أو السعداء، ومن المعلوم أنّ العلم تابعٌ للمعلوم، وليس بعلّة.
نعم، قوّة الشقاوة والسعادة من الله (عزّ وجلّ)، ولكنّهما ليستا علّةً تامّةً حتّى يكون جبرًا، بل هما مقتضيان، فدلّت الرواية الشريفة على ما دلّت عليه الرواية السابقة.
وحيث إنّ السائل لم يصل إلى مراده؛ لقلّة بضاعته وقصور باعه، فسأل ثانيًا عن معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اعملوا فكلّ متيسّر لما خُلق له»، فأجاب الإمام(عليه السلام) بما هو أقرب إلى فهمه، ومحصّله: أنّ الأمر لو كان على ما زعمه المجبرة من أنّ الشقاوة الذاتيّة علّة تامّة للعصيان لدلالة هذه الرواية ونحوها، للزم أنّ الله خلق خلقًا ليعصوه، مع أنّ الأمر ليس كذلك بل خلقهم ليعبدوه؛ لقوله (عزّ وجلّ): (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[355]، ثمّ قال(عليه السلام): «فيسّر كلًّا[356] لما خُلق له فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى»، يعني أنّه إذا ثبت بالبرهان أنّ العبد قادرٌ على العبادة - التي هي عين الهداية - فالويل لمن استحبّ الضلالة عليها، وأشار (عليه السلام) إلى الآية الشريفة الصريحة في بطلان الجبر، وهي قوله (عزّ وجلّ): (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ..)[357].
فمحصّل السؤال هو: وجود المنافاة بين الحديثين الشريفين؛ لأنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ متيسّرٌ لما خُلق له» إنّما يدلّ على أنّ جميع المكلّفين قادرون على ما خُلقوا له من العبادة، مع أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الشقيّ من شقي في بطن أمّه... » الخ، دلّ على أنّ الناس مختلفون؛ لأنّ منهم من يقدر عليها وهو السعيد، ومنهم من لا يقدر على ذلك وهو الشقيّ.
ومحصّل الجواب: أنّ الشقاوة والسعادة الذاتيّة وإنْ كانتا من الله (عزّ وجلّ)، ولكنّهما ليستا علّةً تامّةً للعمل، وإنّما هما مقتضيان له، فالعمل الصادر من السعيد والشقيّ إنّما هو معلولٌ عنهما باختيارهما، غاية الأمر أنّه (عزّ وجلّ) عالمٌ من أوّل الأمر بأنّ من الناس من يعمل باختياره عمل السعيد، ومنهم من يعمل عمل الشقيّ كذلك، ومن البديهيّ أنّ العلم لا أثر له؛ لأنّه تابعٌ للمعلوم، فثبت أنّ الكلّ متيسّرٌ لما خُلق له من العبادة، فمن عمل عمل الأشقياء فهو ممّن استحبّ العمى على الهدى.
وحيث إنّ السائل لم يهتد الى مراد الإمام (عليه السلام)، فسأل ثانيًا عن معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلٌّ متيسّر لما خُلق له»، فأجاب الإمام (عليه السلام) بما هو أقرب إلى ذهنه، فقال: «إن الله تبارك وتعالى خلق الإنس والجنّ ليعبدوه، ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله (عزّ وجلّ): (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[358]، فيسّر كلًّا[359] لما خُلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى».
ومحصّل هذا الجواب ليس إلّا ما ذكره أوّلًا، غاية الأمر اختلاف اللسان؛ لتقريب الأذهان.
فظهر أنّ هذه الرواية الشريفة ليست إلّا كالرواية السابقة في الدلالة على بطلان الجبر.
[التحقيق في مفاد رواية معاوية بن وهب]
ومن الروايات ما رُوي عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) [يقول]: «إنّ في ما[360] أوحى الله إلى موسى(عليه السلام) وأنزل في التوراة: إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا، خلقت الخلق، وخلقت الخير وأجريته على يدي من أُحبّ، فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلّا أنا، خلقت الخلق، وخلقت الشرّ وأجريته على يدي من أريد، فويل لمن أجريته على يديه» [361]، ومن المعلوم أنّها لا تدلّ إلّا على ما تدلّ [عليه] الروايات السابقة من الأمر بين الأمرين؛ لأنّ الله (عزّ وجلّ) كما خلقَ الخلق، فكذا خلق قوّة الخير والشرّ، فهما أيضًا مخلوقتان له سبحانه.
وأما كونها علّةً تامّةً للخير والشرّ، فلا دلالة فيها عليها بوجهٍ من الوجوه، بل تدلّ على أنّهما مقتضيتان لهما، وإلّا فلا معنى لقوله (عزّ وجلّ): «طوبى لمن أجريته على يديه»؛ لأنّ المحسن والمسيء بناءً على الجبر الفاسد على حدّ سواء، بل المسيء أولى من المحسن حينئذٍ لما بيّنا سابقًا[362].
فظهر أنّ المراد: أنّ الله (عزّ وجلّ) خلق الخلق ووهب لهم قوّةً مقتضية للطاعة وقوّة أخرى مقتضية للمعصية، ومن أراد الله أن يهديه يوفّقه لطاعته ويهيئ له أسبابها، ومن أراد الله أن يُضلّه يكله على نفسه، وهذا معنى قوله (عزّ وجلّ): «وأجريته على يدي من أحبّ»، «وأجريته على يدي من أُريد»، فلا معنى لإجراء الخير على يدي من يُحبّ إلّا إعانته بتهيئة أسبابه، كما أنّه لا معنى لإجراء الشر على يدي من يريد إلّا عدم إعانته، وإيكاله على نفسه، وعدم منعه عنه.
فظهر أنّ هذه الرواية ليست إلّا كقوله (عزّ وجلّ):(وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ)[363]، و(مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ)[364]، و(يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ)[365].
مع أنّه لو كان المراد ما توهّمه المجبرة، فلا معنى للاختلاف في المقامين، مع أنّه (عزّ وجلّ) قال في الخير: «وأجريته على يدي من أُحبّ»، وقال في الشرّ: «وأجريته على يدي من أُريد».
فظهر أنّ الرواية أيضًا تدلّ على ما حقّقنا من البرزخ بين الجبر والتفويض، كما أنّه ظهر أنّه لا يذهب إلى هذا النحو من الخرافات إلّا المجنون.
[في بطلان القول بالتفويض]
وأمّا التفويض - وهو كون العبد فاعلًا مستقلًّا في إيجاد أفعاله، بلا مدخليّة لإرادة الله سبحانه فيه سوى أنّه تعالى أوجد العبد وجعله صاحب إرادة مستقلّة، يفعل ما يشاء ويترك ما يريد[366] - فلا معنى له إلّا عزل الربّ عن ربوبيّته، ومن المعلوم استحالته؛ لأنّ السلطنة الربوبيّة من الأحكام لا الحقوق، فلا يقبل النقل والانتقال والإسقاط:
أمّا الأوّل والثاني؛ فلأنّ الواسطة في العروض هو عنوان الربّ، ومن المحال تحقّقه في غيره (عزّ وجلّ).
وأمّا الثالث؛ فلكونه (عزّ وجلّ) علّة تامّة للسلطنة الربوبيّة، فيستحيل إسقاطها، فلا يمكن عزلها عن هذه المرتبة.
مع أنّه لو كان العبد هو المرجع في الأفعال وإرادتها للزم أحد الأمرين:
الأوّل: أنّه (عزّ وجلّ) عَلِم بأنّ العباد يتظاهرون عليه ويغلبون، فعزل نفسه عن السلطنة وفوّضها إليهم.
الثاني: أنّه (جلّ جلاله) عَلِم بأنّه عاجزٌ عن تدبير مملكته والتصرّف في ملكه، [فـ]ـفوّض الأمر إليهم.
ومن المعلوم بطلان الأمرين معًا؛ لاستحالة كونه مغلوبًا وعاجزًا، وإلّا يكون الرعيّة أقدر من سلطانها[367] وهذا محال.
ولا يقال: إنّه يمكن أن يكون مصلحةً أخرى هي الموجبة له.
لأنّا نقول: أيّ مصلحةٍ توجب سقوط السلطان عن سلطنته، وتورث كونه رعيّة، وكون الرعيّة سلطانًا، تعالى الله عمّا يقول مجوس هذه الأمّة علوًّا كبيرًا.
مع أنّ قوله (عزّ وجلّ): (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)[368]، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)[369]، وغيرهما من الآيات[370] والأخبار[371]، إنّما يدلّ على بطلانه.
بل القول بالتفويض إبطال للأوامر والنواهي، بل الشرائع والأديان جميعًا، بل لا معنى للعقاب أصلًا؛ لأنّ معنى التفويض ليس إلّا إمضاء ما صدر من المفوَّض إليه، فلا عقاب حينئذٍ للكافر، والمشرك، والزاني، ومن يقتل الأنبياء والأوصياء، ويهدم الكعبة المشرّفة، وغيرهم من العصاة.
كما أنّه بناءً على التفويض لا معنى لإرسال الرسل وإنزال الكتب أصلًا؛ لأنهما متفرّعان على بقاء السلطنة؛ لأنّ الأمرين من شؤون السلطنة، فإذا فُرض زوالها - والعياذ بالله - فلا معنى لهما أصلًا كما لا يخفى، فقال العالم(عليه السلام) - بعد كلام طويل -: «فأمّا التفويض الذي أبطله الصادق (عليه الصلاة والسلام) وخطّأ من دان به، فهو قول القائل: إنّ الله تعالى فوّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه، وأهملهم» [372].
وفي هذا الكلام دقيقٌ لم يذهب إلى غوره إلّا الأئمّة (عليهم الصلاة والسلام) من عترة آل الرسول (صلوات الله عليهم أجمعين)، فإنّهم(عليهم السلام) قالوا: «لو فوّض الله تعالى إليهم على جهة الإهمال لكان لازمًا له رضا ما اختاروه واستوجبوا به من الثواب، ولم يكن عليهم في ما اجترموا[373] العقابَ اذا كان الإهمال واقعًا.
وتنصرف هذه المقالة على معنين: إمّا أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم، ضرورةً، كره ذلك أم أحبّه، فقد لزمه الوهن.
أو يكون جلّ وتقدّس عجز عن تعبّدهم بالأمر والنهي على إرادته، ففوّض أمره ونهيه إليهم، وأجراهما على محبّتهم؛ إذ عجز عن تعبّدهم بالأمر والنهي على إرادته، فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان.
ومَثَلُ ذلك مَثَلُ رجلٍ مَلَكَ عبدًا ابتاعه ليخدمه، ويعرف له فضل ولايته، ويقف عند أمره ونهيه، وادّعى مالك العبد أنّه قادرٌ قاهرٌ عزيزٌ حكيم، فأَمَرَ عبدَه أو نهاه، ووعده على اتّباع أمره عظيم الثواب، وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره ونهيه، فأيّ أمرٍ أمره به أو نهيّ نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد تَبَع إرادة نفسه، وبعثه في بعض حوائجه وفيها الحاجة له، فصدر العبد بغير تلك الحاجة خلافًا على مولاه، وقصد إرادة نفسه واتّبع هواه، فلمّا رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه[374] فإذا هو خلاف ما أمره، فقال العبد: اتّكلت على تفويضك الأمر إليّ فاتّبعت هواي وإرادتي؛ لأنّ المفوَّض إليه غير محظور عليه؛ لاستحالة اجتماع التفويض والتحظير[375].
ثم قال (عليه الصلاة والسلام): فمن زعم أنّ الله فوّض قبول أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، وأوجب عليه قبول كلّ ما عملوا من خير وشرّ، وأبطل أمر الله تعالى ونهيه.
ثمّ قال (عليه الصلاة والسلام): إنّ الله خلق الخلق بقدرته، وملّكهم استطاعة ما تعبّدهم به من الأمر والنهي، وقَبِلَ منهم اتّباع أمره، ورضي بذلك منهم، ونهاهم عن معصيته وذمّ من عصاه وعاقبه عليها، ولله الخيرة في الأمر والنهي، يختار ما يريد ويأمر[376] به، وينهى عمّا يكره، ويثيب ويعاقب بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتّباع أمره واجتناب معاصيه؛ لأنّه العدل ومنه النصفة والحكومة، بالغ الحجّة بالإعذار والإنذار، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمّدًا (صلوات الله عليه وآله)، وبعثه بالرسالة إلى خلقه.
ولو فوَّض اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أميّة بن الصلت وأبي مسعود الثقفيّ؛ إذ كانا عندهم أفضل من محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)[377] يعنونهما بذلك.
فهذا هو القول بين القولين، ليس بجبر ولا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين (صلوات الله تعالى عليه وآله الطاهرين) حين سأله عباية بن ربعيّ الأسديّ عن الاستطاعة، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): تملَّكتها من دون الله؟ فسكت عباية بن ربعيّ، فقال له: قل يا عباية، قال: وما أقول؟ قال(عليه السلام): إن قلت تملّكها مع الله قتلتك، وإن قلت تملَّكها من دون الله قتلتك، قال وما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول تملَّكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملّككها كان ذلك من عطائه، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه، وهو المالك لما ملَّكك، والمالك لما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون عن الحول والقوّة حيث يقولون: لا حول ولا قوّة إلّا بالله.
فقال الرجل: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال(عليه السلام): لا حول بنا عن معاصي الله إلّا بعصمة الله، ولا قوّة لنا على طاعة الله إلّا بعون الله، قال: فوثب الرجل وقبّل يديه ورجليه... » [378]، الخبر.
ومن المعلوم دلالة الرواية الشريفة - الساطعة منها أنوار العصمة والطهارة - على أمورٍ ثلاثة:
الأوّل: حقيقة التفويض.
الثاني: بطلانه.
الثالث: حقيقة الأمر بين الأمرين.
فظهر أنّ معنى (لاحول ولا قوة إلّا بالله) ليس إلّا الأمر بين الأمرين كما صرّح به أمين الوحي ومعدن التنزيل (سلام الله عليه).
مع أنّ قوله (عزّ وجلّ): (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[379]، من أقوى الأدلّة على البطلان كما لا يخفى، وكذا قول النبيّ (صلى الله عليه وآله الطاهرين): «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن» [380]، مع أنّ معدن الوحي وأمين التنزيل (سلام الله عليه) قد حكم بأنّ المفوّضة مجوس هذه الأمّة[381].
[المناقشة في أدلّة المعتزلة على التفويض]
وقد حُكي عن المعتزلة احتجاجهم على ذلك بالمعقول والمنقول:
[أ- دليلهم من العقل]
أمّا المعقول[382]: فهو أنّ العبد لو لم يكن مختارًا أو متمكّنًا من الفعل والترك لقَبُح تكليفه[383].
[جوابه]
وفيه: أنّه ردٌ على الجبر لا الأمر بين الأمرين، فهو ينفي الجبر ولا يُثبت التفويض؛ لأنّ الحقّ الذي هو مذهب الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)، ونطقت به الآيات والأخبار والعقل ليس إلّا تمكّن العبد من الفعل والترك مع كون الاستطاعة وتوفيق العمل من الله (عزّ وجلّ)، ومن المعلوم حسن التكليف حينئذٍ.
وأمّا على القول بالتفويض فلا يمكن التكليف لما بيّنا من المنافاة بينهما[384]، كما لا يُعقل على الجبر أيضًا.
فظهر أنّ هذا الدليل إنّما يدلّ على المختار، كما أنّه ظهر أنّه دليلٌ على فساد الجبر والتفويض معًا، فالاستدلال لإثبات دعوى بما يدلّ على نفيها[385] من العجائب.
[ب- أدلّتهم النقليّة]
وأمّا المنقول: فكقوله تعالى: (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)[386]، وقوله تعالى: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)[387]، وقوله: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)[388]، وقوله تعالى: (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[389]، وقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)[390]، وغير ذلك[391].
[جوابها]
وفيه: أوّلًا: أنّه استدلالٌ بالقرآن على بطلانه؛ لأنّه بناءً على التفويض الفاسد لا يُعقل إنزال الكتب، ولا[392] إرسال الرسل؛ لأنّهما من فروع بقاء السلطنة وعدم تفويضها إلى العبد، وبعده لا سلطنة، فلا كتاب، ولا رسالة، ولا نار، ولا عقاب، نستجير بالله من وساوس الشيطان.
وثانيًا: أنّ الآيات المزبورة إنّما تدلّ على بطلان الجبر والتفويض معًا، أمّا الأوّل؛ فلما حقّقنا سابقًا.
وأمّا الثاني؛ فلأنّ حقيقة التفويض عبارةٌ عن إسقاط الربّ عن ربوبيّته، فلا معنى حينئذٍ لقوله (عزّ وجلّ): (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)[393]؛ لأنّ الإساءة بعد التفويض لا يُعقل لها معنى بكون[394] المفوَّض مخطئًا.
وكذا قوله تعالى: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، وقوله (عزّ وجلّ): (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)؛ لأنّ الرهانة والجزاء مع التفويض متناقضان، مع أنّ السوء حينئذٍ لا معنى له.
كما أنّ الأمر بالإيمان والكفر في قوله سبحانه: (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، لا يُتصوّر له معنى؛ لأنّه (عزّ وجلّ) بناءً على هذه الطريقة الخبيثة معزولٌ عن رتبة الربوبيّة والسلطنة، ومن البديهيّ أنّ السلطان المعزول لا أمر له ولا نهي.
فظهر من هذا البيان حال قوله (عزّ وجلّ): (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ )، وكذا حال غيره ممّا توهّمه مجوس هذه الأمّة.
كما أنّه ظهر أنّ المعقول والمنقول إنّما يدلّان على ما ذهب إليه الأنبياء والأوصياء (عليهم الصلاة والسلام) من الأمر بين الأمرين.
إلى هنا جفّ قلمه الشريف[395].
فهرس مصادر التحقيق
القرآن الكريم
الأصفى في تفسير القرآن، المولى محمّد محسن الفيض الكاشانيّ (ت1091هـ)، تحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الإسلاميّة، الناشر: مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلاميّ، ط1، 1418هـ.
الكافي، للشيخ محمّد بن يعقوب الكلينيّ (ت329هـ)، تحقيق ونشر: دارالحديث للطباعه والنشربقم، ط1
الإنصاف فيما تضمنه الكشّاف، أحمد بن محمّد الإسكندريّ المالكيّ (ت683هـ)، الناشر: مكتبة ومطبعة مصطفى البابيّ الحلبيّ وأولاده بمصر، عباس ومحمّد محمود الحلبيّ وشركاهم ـ خلفاء، سنة الطبع 1385هـ، 1966.
الاحتجاج، أحمد بن عليّ الطبرسيّ (ت620هـ)، تحقيق: محمّد باقر الخرسان، الناشر: دار النعمان للطباعة والنشر ـ النجف الأشرف، 1386_1966.
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، العلّامة محمّد باقر المجلسيّ (ت111هـ)، تحقيق يحيى العابديّ، الناشر: مؤسّسة الوفاء، بيروت ـ لبنان، ط2.
التوحيد، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ (ت381هـ)، تحقيق: هاشم الحسينيّ الطهرانيّ، الناشر: جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة بقم، ط1.
تأويلات أهل السنّة (تفسير الماتريديّ)، أبو منصور محمّد بن محمّد بن محمود الماتريديّ (ت333هـ)، تحقيق: د. مجدي باسلوم، الناشر: دار الكتب العلميّة، منشورات محمّد عليّ بيضون، بيروت ، ط1.
التفسير الكبير، محمّد بن عمر الرازيّ (ت606هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3.
تفسير القمّيّ، أبو الحسن عليّ بن إبراهيم القمّيّ (ت329هـ)، تحقيق: السيّد طيّب الموسويّ الجزائريّ، الناشر: مؤسّسة دار الكتاب للطباعة والنشر بقم، ط3، 1404هـ.
شرح المقاصد، مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازانيّ (ت792هـ)، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، الناشر: الشريف الرضيّ ـ افست، قم، ط1، 1409.
شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمدانيّ (ت415هـ)، تعليق: أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، الناشر: دار إحياء التراث العربيّ ـ بيروت، ط1، 1422.
صحيح مسلم، مسلم بن الحجّاج النيسابوريّ (ت261هـ)، تحقيق ونشر: دار الفكر، بيروت.
علل الشرائع، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ (ت381هـ)، تحقيق: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، الناشر: منشورات المكتبة الحيدريّة ومطبعتها، النجف الأشرف، 1385 ـ 1966.
الفَرق بين الفِرق، عبد القاهر بن طاهر بن محمّد البغداديّ (ت429هـ)، تحقيق: الشيخ إبراهيم رمضان، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ، ط1، 1415هـ.
الفِصَل في الملل والأهواء والنحل، عليّ بن أحمد بن حزم الظاهريّ (ت456هـ)، الناشر: دار الصادر، بيروت، ط1، 1317هـ.
القضاء والقدر، فخر الدين محمّد بن عمر الرازيّ (ت606هـ)، تحقيق: محمّد المعتصم بالله البغداديّ، الناشر: دار العربي، ط2، 1414هـ.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، محمود بن عمر الزمخشريّ (ت538هـ)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابيّ الحلبيّ وأولاده بمصر عباس ومحمد محمود الحلبيّ وشركاهم ـ خلفاء، الطبعة الأخيرة 1385هـ.
المواقف، القاضي عضد الدين الإيجيّ (ت756هـ)، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، الناشر: دار الجيل، بيروت، ط1، 1417هـ.
المحصول في علم أصول الفقه، محمد بن عمر الرازيّ (ت606)، تحقيق: د. طه جابر فيّاض العلوانيّ، الناشر: مؤسّسة الرسالة، ط2، 1412هـ.
المحصّل، محمّد بن عمر الرازيّ (ت606هـ)، تحقيق: د. حسين أتاي، الناشر: دار الرازيّ، ط1، 1411هـ.
المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبّار الهمذانيّ (ت415هـ)، تحقيق: د. توفيق الطويل ـ سعيد زايد، الناشر: الدار المصرية، سنة الطبع: 1965م.
المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد الطبرانيّ (ت360هـ)، تحقيق: أبو معاذ أبو الفضل طارق بن عوض الحسينيّ، الناشر: دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، سنة الطبع 1415هـ.
المحاسن، أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ (ت274هـ)، تحقيق:السيّد جلال الدين الحسينيّ، الناشر: دار الكتب الإسلاميّة، طهران، سنة الطبع 1370ش.
--------------------------------------------
[1] يُنظر: نقباء البشر: 113، طبقات الفقهاء: 14/986.
[2] ينظر: نقباء البشر: 113-114.
[3] الذريعة: 2/333.
[4] الذريعة: 4/383.
[5] الذريعة: 7/255.
[6] الذريعة: 11/35.
[7] في أوّل (ح): (رسالة في الجبر والتفويض لحجّة الإسلام والمسلمين آقا سيّد محسن تبريزيّ أعلى الله مقامه).
[8] في (م): ( وبه ثقتي) بدل (الحمد لله ربّ العالمين ... إلى يوم الدين).
[9] في (م): (تعالى) بدل (جلّ جلاله).
[10] في (ح): (ثبت) بدل (ثلاث).
[11] يُنظر: الملل والأهواء والنحل: 3/54.
[12] يُنظر: الفرق بين الفِرَق: 113.
[13] يُنظر: الكافي: 1/377، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين.
[14] لم نعثر عليه في ما توافر بين أيدينا من مصنّفات المؤلّف.
[15] (2) في (م): (هو) بدل (أوجده وهو).
[16] يُنظر: شرح المقاصد:4/223، 225.
[17] في(م): (إسناده) بدل (إسنادها).
[18] يُنظر: شرح المقاصد: 4/225.
[19] سورة آل عمران: الآية 182.
[20] سورة النساء: الآية 42.
[21] سورة النساء: الآية 49.
[22] سورة الأنعام: الآية 131.
[23] سورة الأنفال: الآية 51.
[24] سورة العنكبوت: الآية 40.
[25] سورة يونس: الآية 44.
[26] سورة النحل: الآيتان 33-34.
[27] سورة الحجّ: الآية 10.
[28] سورة المؤمنون: الآية 62.
[29] سورة غافر: الآية 31.
[30] سورة غافر: الآية 17.
[31] سورة فُصّلت: الآية 46.
[32] سورة الزخرف: الآية 76.
[33] سورة ق: الآيتان 29،28.
[34] في (م): (عليهم السلام) بدل (عليهم ألف الصلاة والتحية).
[35] في (م): (ويعلم ذلك مولاه) بدل (ويعلم مولاه ذلك).
[36] في النسختين: (بها)، وما أثبتناه أصوب.
[37] (ولا يُملِّكه ثمن ما يأتيه به) ليس في (م).
[38] (الله) ليس في (م).
[39] في (م) زيادة (الله).
[40] سورة التوبة: الآية 3.
[41] سورة العنكبوت: الآية 40.
[42] سورة المائدة: الآية 64.
[43] (كل) ليس في (م).
[44] سورة فاطر: الآية 18.
[45] سورة فُصّلت: الآية 17.
[46] سورة البقرة: الآية 79.
[47] سورة يوسف: الآية 83.
[48] (منها: قوله تعالى: بَلْ سَوَّلَتْ... لَهُ نَفْسُهُ) ليس في (م).
[49] سورة المائدة: الآية 30.
[50] سورة إبراهيم: الآية 22.
[51] سورة النساء: الآية 123.
[52] سورة طه: الآية 15.
[53] (أصلًا) ليس في (م).
[54] سورة غافر: الآية 17.
[55] في (ح): (تكون).
[56] يُنظر: تأويلات أهل السنّة، ج1، ص 167.
[57] سورة النمل: الآية 90.
[58] سورة المدّثر: الآية 38.
[59] سورة الطور: الآية 21.
[60] سورة البقرة: الآية 286.
[61] في (م): (ليس) بدل (لا).
[62] سورة الأنعام: الآية 160.
[63] في (م): ((لعشر) بدل (بعشر).
[64] سورة الكهف: الآية 55.
[65] سورة النساء: الآية 39.
[66] سورة ص: الآية 75.
[67] سورة آل عمران: الآية 71.
[68] سورة المدّثّر: الآية 49.
[69] سورة آل عمران: الآية 99.
[70] سورة طه: الآية 124.
[71] سورة البقرة: الآية 86.
[72] سورة المائدة: الآية 63.
[73] سورة العنكبوت: الآية 45.
[74] سورة التوبة: الآية 29.
[75] سورة فُصّلت: الآية 40.
[76] سورة الكهف: الآية 29.
[77] سورة المدّثّر: الآية 37.
[78] سورة المزّمّل: الآية 19.
[79] سورة عبس: الآية 12.
[80] سورة النبأ: الآية 39.
[81] سورة آل عمران: الآية 133.
[82] سورة الأحقاف: الآية 31.
[83] سورة الأنفال: الآية 24.
[84] سورة الزمر: الآية 55.
[85] سورة الزمر: الآية 54.
[86] في (م): (طريقين) بدل (طريقتنا).
[87] في (م): (الرحمة) بدل (الرجعة).
[88] سورة فاطر: الآية 37.
[89] سورة المؤمنون: الآية 99.
[90] سورة السجدة: الآية 12.
[91] سورة الزمر: الآية 58.
[92] سورة الأعراف: الآية 23.
[93] سورة الأنبياء: الآية 87.
[94] سورة النمل: الآية 44.
[95] سورة هود: الآية 47.
[96] في(م): (البراهين) بدل (الأدلة).
[97] في النسختين: (منه)، وما أثبتناه أصوب.
[98] سورة النحل: الآية 98.
[99] سورة الفاتحة: الآية 5.
[100] سورة المؤمنون: الآيات 1-9.
[101] سورة فُصّلت: الآيتان 6، 7.
[102] سورة النساء: الآية 79.
[103] (على) ليس في (ح)
[104] سورة التوبة: الآية 42.
[105] سورة الزلزلة: الآية 7.
[106] سورة البقرة: الآية 286.
[107] في (م): (تعالى) بدل (تبارك).
[108] سورة الإنسان: الآية 3.
[109] سورة آل عمران: الآية 182.
[110] سورة الحجّ: الآية 10.
[111] سورة الأنعام: الآية 132.
[112] سورة الأنعام: الآية 132.
[113] سورة الأعراف: الآية 28.
[114] سورة يونس: الآية 108.
[115] سورة الزمر: الآية 51.
[116] سورة النور: الآية 11.
[117] سورة ص: الآية 28.
[118] سورة الزمر: الآية 7.
[119] سورة الزمر: الآية 7.
[120] سورة غافر: الآية 40.
[121] سورة فُصّلت: الآية 46.
[122] سورة التحريم: الآية 7.
[123] سورة الطور: الآية 19.
[124] سورة النجم: الآية 23.
[125] سورة النجم: الآية 28.
[126] سورة النجم: الآية 29.
[127] سورة النجم: الآية 30.
[128] في (م): (اسمه) بدل (سلطانه).
[129] سورة النجم: الآيتان 31، 32.
[130] سورة النجم: الآيات 39-41.
[131] سورة آل عمران: الآية 97.
[132] سورة الأحزاب: الآية 57.
[133] سورة البقرة: الآية 81.
[134] سورة النساء: الآية 10.
[135] سورة النساء: الآية 56.
[136] سورة البقرة: الآية 85.
[137] سورة آل عمران: الآية 30.
[138] سورة آل عمران: الآية 102.
[139] سورة الذاريات: الآية 56.
[140] سورة النساء: الآية 36.
[141] سورة الأنفال: الآية 20.
[142] سورة البقرة: الآية 197.
[143] سورة الحجّ: الآية 77.
[144] في (م): (له لنا) بدل (لها).
[145] سورة الانفطار: الآية 6.
[146] سورة التغابن: الآية 16.
[147] سورة الطلاق: الآية 7.
[148] سورة المجادلة: الآيتان 3-4.
[149] سورة محمّد: الآية 31.
[150] سورة العنكبوت: الآية 2.
[151] سورة ص: الآية 34.
[152] في (م): (قضيّة) بدل (قصّة).
[153] سورة طه: الآية 85.
[154] سورة الأعراف: الآية 155.
[155] سورة الأنعام: الآية 165.
[156] سورة آل عمران: الآية 152.
[157] سورة القلم: الآية 17.
[158] سورة الملك: الآية 2.
[159] سورة البقرة: الآية 124.
[160] سورة محمّد: الآية 4.
[161] سورة طه: الآية 134.
[162] سورة الإسراء: الآية 15.
[163] سورة الزمر: الآية 18.
[164] سورة النساء: الآية 27.
[165] سورة المؤمنون: الآية 103.
[166] سورة المؤمنون: الآيات 105-107.
[167] سورة الشورى: الآية 30.
[168] سورة الشورى: الآية 30.
[169] سورة غافر: الآية 11.
[170] سورة الأعراف: الآية 96.
[171] سورة الأعراف: الآية 153.
[172] (السيئة، وهو فرع) ليس في (م).
[173] سورة البقرة: الآية 28.
[174] في قصاصةٍ مستقلةٍ بين هذه الصفحة والتي تليها من المخطوط فائدة يبدو أنّ موضعها هنا، وقد جاء فيها: «أفعال، مشتمل على مادّة وهيأة، فالأولى تفيد إيصال مفاد الفعل المجرّد الى المحلّ، فقولك: أعلمته: أنّ العلم المتحقّق في المحلّ صدر منّي، والمتكلّم أوصل المبدأ إليه، وهو السبب لتحقّق العلم فيه، بخلاف التفعيل فإنّه يفيد أمرًا زائدًا عليه، وهو: الإيصال، وكونه ناظرًا الى اتّصاف المحلّ به».
[175] في (ح): (ليكون).
[176] يُنظر: المواقف: 3/217.
[177] في (م): (أنّ) بدل (أنّه).
[178] في (م): (الصدور) بدل (القدرة).
[179] في (م): (لا ينافي الاختيار) بدل (لا ينافيه).
[180] في (م): (انصرافه) بدل (الانصراف).
[181] في (ح): (من) بدل (عن).
[182] في (م): (سلب الاختيار والقدرة عنه) بدل (سلب القدرة والاختيار عنه).
[183] يُنظر: المواقف: 3/209.
[184] في (م): (أو) بدل (إما).
[185] في (م): (فإذا كان الثاني، كان الواجب تعالى موجَبًا لا قادرًا) بدل (فإن كان الأوّل ... أو لا يتوقّف).
[186] يُنظر: المحصّل: 457، المحصول: 5/182.
[187] في النسختين: (الخاصّ مخارجها) بدل (الخاصّة بمخارجها)، وما أثبتناه أنسب.
[188] في (م): (الأعضاء والأجزاء) بدل (الأجزاء والأعضاء).
[189] في (ح): (والفضلات).
[190] (لها) ليس في (م).
[191] في (م) زيادة: (تعالى).
[192] (للفعل) ليس في (م).
[193] (والماشي) ليس في (ح).
[194] في (ح): (وعلى).
[195] في النسختين: (الأخير)، وما أثبتناه أصوب.
[196] يُنظر: المحصّل: 457- 458.
[197] كذا في النسختين.
[198] في (م): (المزاحم) بدل (التزاحم).
[199] يُنظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل: 8/ 265.
[200] يُنظر: شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/235.
[201] (إنّا) ليس في (م).
[202] لم نعثر عليه.
[203] (لغيره) ليس في (ح).
[204] في (ح): (الجهد).
[205] يُنظر: شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/235.
[206] يُنظر: شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/236.
[207] (محض) ليس في (م).
[208] في (ح): (الجزئيّة).
[209] في (م): (العبد) بدل (الغير).
[210] يُنظر: شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/236.
[211] في (م): (وفيه) بدل (أقول).
[212] في (م): (وقوعها) بدل (دفعها).
[213] سورة الصافّات: الآية 96.
[214] ينظر شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/240.
[215] سورة الصافّات: الآيتان 95-96.
[216] في النسختين: (بترك)، وما أثبتناه أنسب.
[217] (عليه) ليس في (م).
[218] في (م): (شيئين) بدل (شقّين).
[219] (كانوا) ليس في (م).
[220] سورة الأعراف: الآية 191.
[221] في (م): (عزّ وجلّ) بدل (جلّ وعزّ).
[222] سورة الزمر: الآية 62. واستدلّ بها في شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/238 و241.
[223] (فيه) ليس في (م).
[224] إشارة إلى قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)، سورة الأنعام: الآية 100.
[225] إشارة إلى قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، سورة التوبة: الآية 30.
[226] إشارة إلى قوله تعالى: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا)، سورة الإسراء: الآية 40. واستدلّ بها في شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/238 و241.
[227] سورة: الأنعام: الآيات 100- 102.
[228] تقدّمت في ص90. (وأمّا الجبر فبطلانه ضروريّ)
[229] (إنّه) ليس في (م).
[230] (فلا مانع من كونه عزّ وجلّ خالقًا للأفعال بالتسبيب) ليس في (م).
[231] (كان) ليس في (م).
[232] سورة الرعد: الآية 16.
[233] سورة الرعد: الآيتان 15 - 16.
[234] سورة القمر: الآية 49. استدلّ بها في شرح المقاصد (التفتازاني): 4/238.
[235] في (م): (احتمالات ووجوهًا) بدل (وجوهًا واحتمالات).
[236] في النسختين: (في الاستحالة)، وما أثبتناه أصوب.
[237] في (م): (ولكنّه) بدل (لكنّه).
[238] سورة القمر: الآيتان 48- 49.
[239] يُنظر: التوحيد (للشيخ الصدوق): 382.
[240] سورة القمر: الآيات 47- 49.
[241] يُنظر: ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 212.
[242] سورة القمر: الآيتان 48- 49.
[243] يُنظر: ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 213.
[244] سورة القمر: الآية 49.
[245] سورة القمر: الآية 48.
[246] سورة الحشر: الآية 24.
[247] ينظر شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/241.
[248] ينظر القضاء والقدر (للرازيّ): 131.
[249] (هوَ اللَّهُ الْخَالِقُ) ليس في (م).
[250] في (ح): (جزءًا) بدل (خبرًا).
[251] لم نعثر عليه
[252] في (م): (ما) بدل (الذي).
[253] في النسختين: (منها) بدل (الأوّل)، وما أثبتناه أنسب للسياق.
[254] سورة الحشر: الآيات 22- 24.
[255] في (ح): (للنص) بدل (للنفي).
[256] سورة النساء: الآية 78. استدلّ بها للمقام في شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/244.
[257] سورة النساء: 78.
[258] سورة الأعراف: 168.
[259] سورة هود: 114.
[260] سورة الأعراف: 131.
[261] سورة البقرة: الآيتان 155 - 156.
[262] في النسختين زيادة: (بقوله هذه).
[263] سورة النساء: الآية 79.
[264] سورة الشورى: الآية 30.
[265] سورة النحل: الآية 53.
[266] سورة البروج: الآية 16.
[267] ينظر شرح المقاصد (للتفتازانيّ):4/244.
[268] سورة آل عمران: الآية 40.
[269] (عن إرادته) ليس في (م).
[270] (أرادوا) ليس في (م).
[271] سورة البروج: الآيتان 10-11.
[272] سورة البروج: الآية 19.
[273] في (ح): (بتلبيس وتدليس) بدل (تدليس وتلبيس).
[274] سورة الملك: الآيتان 13-14.
[275] القضاء والقدر (للفخر الرازي): 128.
[276] تقدّم في ص114 (أنّ العبد لو كان موجدًا لأفعاله لكان عالمًا..)
[277] (وجه) ليس في (ح).
[278] تقدّم في ص115 (أنّ الإيجاد من حيث أنّه إيجاد للفعل..)
[279] سورة البقرة: الآية 128. استدلّ بها الفخر الرازيّ في القضاء والقدر: 139.
[280] سورة إبراهيم: الآية 40.
[281] سورة مريم: الآية 6. استدلّ بها الفخر الرازيّ في القضاء والقدر: 144.
[282] سورة النجم: الآية 43. استدلّ بها التفتازانيّ في شرح المقاصد: 4/244.
[283] سورة النجم: الآيات 39- 41.
[284] سورة يونس: الآية 22.
[285] يُنظر: شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/244.
[286] سورة يونس: الآيتان 22-23.
[287] سورة يونس: الآية 21.
[288] (على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ... إلا أنّه يمكّنهم منه بتهيئة) ليس في (ح).
[289] سورة الملك: الآية 19.
[290] يُنظر: مفاتيح الغيب (للفخر الرازي): 30/70، وللاستزادة ينظر شرح المقاصد (للتفتازانيّ): 4/245.
[291] في (م): (لا) بدل (لما).
[292] في (م): (ولم) بدل (بل (لم).
[293] سورة الملك: الآيات 8 -12.
[294] سورة الملك: الآيتان 18-19.
[295] (القوادم: أربع ريشات في مقدّم الجناح...، والمناكب: اللواتي بعدهنّ إلى أسفل الجناح، والخوافي: ما بعد المناكب)، لسان العرب: 12/469.
[296] سورة الأنفال: الآية 17.
[297] في (م): (القدرة) بدل (القدريّة).
[298] في (م): (أثبت الفعل للخلق) بدل (فأثبته لهم مجازّا).
[299] في (ح): (التعكيس) بدل (تعكيس).
[300] مُخَلَّج: أي مضطرب، ينظر: لسان العرب: 3/259.
[301] ينظر الإنصاف فيما تضمّنه الكشّاف: 149.
[302] لم نعثر عليه.
[303] سورة الأنفال: الآيات 12- 17.
[304] (فليس قوله تعالى وما رميت ... ولكنّ الله قتلهم) ليس في (م).
[305] (الله) ليس في (م).
[306] (حينئذٍ) ليس في (م).
[307] في النسختين زيادة: (أن).
[308] في (ح): (مثقل)، وفي (م): (مشتغل)، وما أثبتناه من المصدر.
[309] (ثم) ليس في (م).
[310] يُنظر: مجمع البيان: 4/445، تفسير الأصفى: 1/449.
[311] في (ح): (الدين) بدل (الرمي).
[312] (له) ليس في (م).
[313] الكشّاف:2/149.
[314] تقدم تخريجه في ص (؟؟؟) (مخلج)
[315] سورة آل عمران: الآية 71.
[316] ينظر صحيح مسلم: 8/45، وللاستزادة ينظر بحار الأنوار: 5/154، ب السعادة والشقاوة.
[317] (خلق) ليس في (ح).
[318] يُنظر: صحيح مسلم: 8/45، وللاستزادة ينظر تفسير القمّيّ: 1/253.
[319] في النسختين: (فقال)، وما أثبتناه من المصدر.
[320] يُنظر: قرب الإسناد: 34.
[321] أي الإمام الصادق(عليه السلام) كما في المصدر.
[322] يُنظر المحاسن: 1/340.
[323] المصدر نفسه: 280.
[324] يُنظر: التوحيد (للشيخ الصدوق): 357.
[325] يُنظر: المحاسن: 1/279، التوحيد (للشيخ الصدوق): 357.
[326] (بعض) ليس في (م).
[327] في النسختين: (وسعيدًا) بدل (أو سعيدًا)، وما أثبتناه أنسب.يُنظر: الكافي: 11/354، باب بدء خلق الإنسان وتقلّبه في بطن أمّه، ح3.
[328] في النسختين زيادة: (من)، وما أثبتناه موافق للمصدر.
[329] سورة الحديد: الآية 22.
[330] علل الشرائع: 1/95 – 96.
[331] (كما أنّ الذكورة والإنوثة) ليس في (م).
[332] لم نعثر عليه.
[333] سورة هود: الآية 106.
[334] سورة هود: الآية 108.
[335] التوحيد (للشيخ الصدوق): 354، وفي بعض نسخه: (حالًا) بدل (حلالًا).
[336] الكافي: 1/374، ب الابتلاء والاختبار، ح2، وفيه (حالًا) بدل (حلالًا).
[337] بحار الأنوار: 5/156.
[338] في النسختين: (ومن)، وما أثبتناه أنسب.
[339] في (م): (إطاعة) بدل (إطاقة)، وما أثبتناه من (ح) موافق للمصدر.
[340] في (م): (الإطاعة) بدل (الإطاقة).
[341] (هو) ليس في (ح).
[342] في (ح): (الجهة).
[343] في (م): (الإطاعة) بدل (الإطاقة).
[344] (أن) ليس في (ح)، وما أثبتناه من (م) موافق للمصدر.
[345] في (ح): (إلّا)، وما أثبتناه من (م) موافق للمصدر.
[346] (وهذا) ليس في (ح).
[347] تقدّم تخريجه في ص152سوء الظن.
[348] في النسختين: (يستعمل)، وما أثبتناه من المصدر.
[349] في الأصل: (يستعمل)، وما أثبتناه من المصدر.
[350] سورة الذاريات: الآية 56.
[351] في النسختين: (تيسّر كلّ) بدل (فيسّر كلًّا)، وما أثبتناه من المصدر.
[352] التوحيد (للشيخ الصدوق): 356 .
[353] (اعملوا) ليس في (ح).
[354] في النسختين: (يستعمل)، وما أثبتناه أصوب.
[355] سورة الذاريات: الآية 56.
[356] في النسختين: (تيسّر كلّ)، وما أثبتناه من المصدر.
[357] سورة فُصّلت: الآية 17.
[358] سورة الذاريات: الآية 56.
[359] في النسختين: (تيسّر كلّ) بدل (فيسّر كلًّا)، وما أثبتناه من المصدر.
[360] في المصدر: (ممّا) بدل (في ما).
[361] المحاسن: 1/343 .
[362] لأنّ المحسن والمسيء على حدّ سواء.
[363] سورة آل عمران: الآية 26.
[364] سورة الأعراف: الآية 186.
[365] سورة النحل: الآية 93.
[366] يُنظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل: 8/10 .
[367] كذا، ولعلّ الصواب: (سلطانه)
[368] سورة الأحزاب: الآية 36.
[369] سورة يونس: الآية 100.
[370] منها قوله تعالى (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ)، سورة الأنبياء: الآية 19.
[371] منها ما رواه هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «الله أكرم من أنْ يُكلّف الناس ما لا يطيقون، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد»، الكافي: 1/389، باب الجبر والقدَر والأمر بين الأمرين، ح14.
[372] تحف العقول: 463، الاحتجاج: 2/254.
[373] في (م): (أجرموا) بدل (اجترموا)، وما أثبتناه من (ح) موافق للمصدر.
[374] في النسختين: (مولاه) بدل (ما أتاه)، وما أثبتناه من المصدر.
[375] في (م): (التحسير) بدل (التحظير)، وما أثبتناه من (ح) موافق للمصدر.
[376] في النسختين: (ويأمره)، وما أثبتناه من المصدر.
[377] سورة الزخرف: الآية 31.
[378] يُنظر: الاحتجاج: 2/254.
[379] سورة الفاتحة: الآية 5 .
[380] الكافي (الروضة): 15/207، ح39.
[381] يُنظر: التوحيد (للشيخ الصدوق): 382.
[382] (أمّا المعقول) ليس في (م).
[383] حكاه عنهم في المواقف: 3/218 .
[384] تقدّم في ص؟؟؟. (لأنّ معنى التفويض ليس إلّا إمضاء ما صدر)
[385] في النسختين: (نفيه)، وما أثبتناه أصوب.
[386] سورة فُصّلت: الآية 46.
[387] سورة النساء: الآية 123.
[388] سورة الطور: الآية 21.
[389] سورة الكهف: الآية 29.
[390] سورة فُصّلت: الآية 40.
[391] يُنظر: شرح الأصول الخمسة: 238.
[392] (لا) ليس في (م).
[393] سورة فُصّلت: الآية 40.
[394] في النسختين: (لكون)، وما أثبتناه أصوب.
[395] في خاتمة (ح): (رضوان الله عليه، طاب ثراه، آمين).وفي خاتمة (م): (أعلى الله مقامه، كتبه العاصي حسنعلي همداني، عفى الله عن جرائمه).