الباحث : الشيخ حسين حرب
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 38
السنة : ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : April / 16 / 2026
عدد زيارات البحث : 367
الملخّص
تعدّ مسألة أفعال العباد من أبرز المسائل التي أثارت جدلًا واسعًا بين الفرق الإسلامية؛ لما لها من ارتباطٍ وثيقٍ بمباحث العدل والتكليف والثواب والعقاب. وقد اتّخذت كلُّ فرقةٍ موقفًا خاصًّا منها؛ فالمعتزلة قالوا إنّ العبد خالقٌ لأفعاله على وجه الاستقلال، تنزيهًا لله عن أن يُسند إليه فعل القبيح، وقالت الإمامية بالقول الوسط المعروف بـ(الأمر بين أمرين)، أي إنّ العبد فاعلٌ لأفعاله، ومباشرٌ لها باختياره، من دون أن يكون خالقًا لها استقلالًا، بل هي صادرةٌ عنه بإرادة الله وقدرته.
أما الأشاعرة، فقد خالفوا الفريقين وقالوا بأنّ الله تعالى هو خالق أفعال العباد جميعًا، من غير أن يكون ذلك مستلزمًا للجبر بزعمهم، بل نسبوا الفعل إلى العبد على وجه الكسب. وقد أثار هذا الموقف مجموعةً من التساؤلات حول حقيقة الكسب وحدّه، ومقدار تأثير العبد في فعله؛ ممّا أدّى إلى تباينات داخل المذهب نفسه، بين مراحل المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين، سواء في تفسير الكسب أم في تصوّر العلاقة بين قدرة العبد وخلق الله.
ومن هنا، جاء هذا المقال ليتتبع تطوّر الرؤية الأشعريّة في هذه المسألة، من خلال عرض أقوال أعلام المذهب في مختلف مراحله، وتحليلها.
يتكوّن هذا المقال من أربعة مباحث رئيسة: يتناول المبحث الأول موقف أبي الحسن الأشعري من مسألة خلق أفعال العباد وتفسيره للكسب. ويعرض المبحث الثاني آراء المتقدّمين من الأشاعرة، متتبعًا ما وافقوا فيه مؤسّس المذهب، وما خالفوه فيه. أما المبحث الثالث، فيرصد آراء المتأخّرين من الأشاعرة، مركّزًا على تطوّرات مفهوم الكسب والجدل حول معناه. واختصّ المبحث الرابع بعرض مقاربات بعض المعاصرين من الأشاعرة.
ويُختتم المقال بخلاصةٍ تحليليةٍ تُبرز الاتجاهات المختلفة داخل المذهب الأشعري في هذه المسألة، تسبقها مناقشةٌ نقديّةٌ موجزةٌ تُقارن هذا الموقف بما قررته الإماميّة من خلال مبدأ (الأمر بين أمرين).
الكلمات المفتاحيّة:
الكسب، الاشاعرة، أفعال العباد، الجبر والاختيار.
تمهيد
تُعدّ مسألة أفعال العباد من أهمّ المسائل التي تناولها علم الكلام الإسلامي، وقد شغلت موقعًا مركزيًا في الجدل العقدي بين الفرق الإسلامية؛ نظرًا لصلتها الوثيقة بمفاهيم التوحيد، والعدل، والتكليف، والثواب والعقاب.
ويُعبّر عن هذه المسألة في كتب المتكلّمين بألفاظٍ متعدّدة، فهي تُعرف أحيانًا بـ(مسألة خلق أفعال العباد)، وتُعرف تارةً أخرى بـ(مسألة الجبر والاختيار).
وعلى الرغم من اختلاف العبارات، فإنّها ترجع جميعًا إلى السؤال المحوري التالي: من هو الفاعل الحقيقي لأفعال الإنسان؟ فهل الإنسان هو الذي يُوجد أفعاله الجوارحيّة، كالحركة والأكل، والجوانحيّة، كالإيمان والكفر، بإرادته وقدرته؟ أم أنّ الله تعالى هو الذي يخلق هذه الأفعال؟
ويُقصد بهذا السؤال البحث عن العلة الفاعلية للفعل، لا مجرد العلل الإعدادية أو المتمِّمة. أي إنّ السؤال لا يدور حول من هيّأ للفعل ظروفه، بل عمّن أخرجه من العدم إلى الوجود.
فإنْ قيل: إنّ العبد هو الفاعل لأفعاله، ثار سؤالٌ عَقَدَيٌّ مهم: هل ينسجم هذا القول مع التوحيد في الخالقية؟
أم أنّه يفضي إلى القول بتعدّد الفاعلين والاستقلال عن إرادة الله تعالى؟ وإنْ قيل: إنّ الله هو خالق أفعال العباد، أثار هذا القول إشكالاتٍ أخرى، أبرزها:
كيف يُحمّل الإنسان مسؤولية فعلٍ لم يفعله حقيقة؟
وكيف يصحّ تكليفه بما لا يدخل تحت اختياره؟
ألا يُبطل هذا الغاية من بعث الرسل والأنبياء؟
هذه الأسئلة الأساسية شكّلت محورًا لنقاشٍ طويلٍ بين الفرق الكلامية. سوف نتتبع رأي الأشاعرة في هذه المسألة، بدءًا من أبي الحسن الأشعري، مؤسّس المذهب، مرورًا بأبرز أعلامهم من الباقلاني، والجويني، والغزالي، والرازي، وصولًا إلى المتأخّرين والمعاصرين من علماء الأشاعرة، عبر عرضٍ دقيقٍ لنظريّة الكسب التي آمنوا بها في تفسير العلاقة بين القدرة الإلهية والقدرة الإنسانيّة.
المبحث الأول: أفعال العباد عند أبي الحسن الأشعري
تناول أبو الحسن الأشعري مسألة خلق أفعال العباد في أكثر من موضعٍ من كتبه الكلاميّة، وذكر أقوال الفرق فيها، وما ترتّب عليها من لوازم عَقَدَيّة، ولا سيّما في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين). غير أنَّه لم يُبيّن رأيه فيها بصورةٍ صريحةٍ ومفصّلةٍ هناك، كما فعل في كتابيه (اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)، و(الإبانة عن أصول الديانة)؛ ولذلك سيكون اعتمادنا في بيان مذهبه على هذين الكتابين، حيث قرر فيهما أصل المسألة، وبيّن أدلتها النقليّة والعقليّة، وعرّف مفهوم (الكسب) الذي يُعدّ حجر الأساس في محاولته التوفيق بين خلق الله لأفعال العباد وبين مسؤوليتهم عنها.
خلق الله لأفعال العباد
ذهب الأشعري ـ بصراحةٍ ووضوح ـ إلى أنّ الله سبحانه هو الخالق لأفعال العباد، وأنّ العبد لا يملك إيجاد الفعل ولا إخراجه من العدم إلى الوجود. فقد قال في الإبانة: «وأنّه لا خالق إلّا الله، وأنّ أعمال العباد مخلوقةٌ لله مقدّرة»[1].
واستدلّ على هذا الرأي بأدّلةٍ من الكتاب والسُنّة والعقل:
أ- الدليل النقلي
استدلّ الأشعري من القرآن الكريم بآياتٍ تثبت خلق الله لأعمال الإنسان، من أبرزها قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، [الصافات: 96]. قال في اللمع مبينًا دلالة الآية: «إنْ قال قائلٌ: لِمَ زعمتم أنّ أكساب العباد مخلوقةٌ لله تعالى؟ قيل له: قلنا ذلك؛ لأنّ الله تعالى قال ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.... فلمّا كان الجزاء واقعًا على أعمالهم، كان الخالق لأعمالهم»[2].
كما استدلّ بعددٍ من الروايات، منها ما رواه في الإبانة عن عبد الله بن ربيعة، وفيه أنّ ملكًا يُبعث إلى النطفة في رحم المرأة فيكتب: «أجله، وعمله، ورزقه، وأثره، وخلقه، وشقي أو سعيد...»، ثم قال: «وإنّكم لن تستطيعوا أن تغيروا خُلقه حتى تغيّروا خَلْقه»[3].
ب- الدليل العقلي
ساق الأشعري في اللمع عدّة وجوهٍ عقليّةٍ لإثبات أنّ الله هو خالق أفعال العباد، منها:
الوجه الأول [4]:
لو كان العبد هو موجِدَ فعلِه، لكان الفعل مطابقًا لقصده، ولكن الواقع خلاف ذلك؛ إذ نجد الكافر يقصد أن يكون الكفر حسنًا، ومع ذلك لا يظهر منه إلّا القبيح، والمؤمن يقصد أن يكون الإيمان سهلًا، لكنه يقع متعبًا وشاقًا. فلو كان العبد هو الفاعل بالإيجاد، لكان فعله على وفق قصده.
الوجه الثاني[5]:
لا خلاف في أنّ الحركات الاضطرارية، كارتعاش يد المرتعش، مخلوقةٌ لله تعالى؛ لأنّها تقع بغير إرادة العبد. والأشعري يرى أنّ الحركات الاختيارية أيضًا مخلوقةٌ لله؛ لأنّ عِلّة الخلق ـ وهي الحدوث ـ متحققةٌ فيها أيضًا.
وإنْ قيل: إنّنا بالوجدان نُفرّق بين الحركتين، قيل: نعم، لكن هذا الفرق ليس من جهة الخالقيّة؛ بل من جهة الكسب؛ فالحركة الاضطرارية غير مكتسبة، أمّا الحركة الاختيارية فمقرونةٌ بقدرة حادثة للعبد، وهي ما يعبّر عنه بالكسب، وسيأتي بيانه.
نظرية الكسب
كان أكبر دافع لدى الأشعري في إثبات خلق الله لأفعال العباد هو تحقيق التوحيد في الخالقية؛ إذ يرى أنّ القول بأنّ للعبد قدرةً موجِدةً فعلًا ـ ولو بإقدار الله ـ يُفضي إلى القول بوجود فاعلٍ مستقلٍّ غير الله، وهو ما ينافي التوحيد.
وقد صرّح بذلك في الإبانة عند مناقشة رأي المعتزلة، فقال: «وأثبتوا أنّ العباد يخلقون الشر، نظيرًا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين، أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر... ولهذا سمّاهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مجوس هذه الأمة؛ لأنّهم دانوا بديانة المجوس، وزعموا أنّ للخير والشر خالقين»[6].
وهكذا ربط الأشعري بين القول بخلق العبد لأفعاله وبين الشرك في الخالقية، فجعل الموقف العَقَدَي من هذه المسألة جزءًا من التوحيد .لكن هذا الالتزام بخلق الله لأفعال العباد أثار إشكالاتٍ تتعلّق بالتكليف والجزاء ومسؤولية الإنسان؛ ممّا دفع الأشعري إلى صياغة مفهوم (الكسب) كحلٍّ توفيقي بين خلق الله للفعل، ونسبة الفعل إلى العبد.
وقد عرّف الكسب في اللمع بقوله: «حقيقة الكسب: أنّ الشيء وقع من المكتسب له بقوةٍ مُحدَثة»[7]. فالعبد، عند الأشعري، لا يُوجد الفعل، ولكنه يكسبه، أي يصدر منه الفعل بقوةٍ حادثة أوجدها الله فيه عند وقوع الفعل. وهذه القدرة الحادثة ليست سابقةً على الفعل، بل مقترنة به، وهي لا تُنتج الفعل ولا تُؤثر في وجوده، بل تُكسبه صفة النسبة للعبد.
وإنْ قيل: إنّ القدرة الحادثة مخلوقةٌ لله، فكيف يكون العبد هو الكاسب، وليس الله؟! يُجيب الأشعري بأنّ الكسب لا يساوي الخلق، فالله يخلق القدرة في العبد والفعل، والعبد يكسب بالقدرة المقارنة لحدوث الفعل، ولأنّ الفعل حدث بالقدرة المحدَثة فلا ينسب الى الله؛ لأنّ الباري لا يفعل بقدرةٍ محدَثة. قال: «لم يجز أن يكون ربّ العالمين قادرًا على الشيء بقدرةٍ محدَثة، فلم يجز أن يكون مكتسبًا للكسب وإنْ كان فاعلًا له في الحقيقة»[8].
يتّضح من مجموع ما تقدّم أنّ أبا الحسن الأشعري سعى إلى الجمع بين التوحيد في الخالقية، الذي يقتضي نسبة جميع الأفعال إلى الله، وبين إثبات مسؤولية الإنسان وتكليفه؛ فابتكر لذلك نظرية (الكسب (التي تقوم على التمييز بين فعل الله خالقًا للفعل، وفعل العبد كاسبًا له بوساطة قدرةٍ حادثةٍ. فالفعل مخلوقٌ لله من جهة الإيجاد، لكنّه منسوبٌ إلى العبد من جهة الاكتساب، وهذه النسبة ـ في تصوّر الأشعري ـ كافيةٌ لتصحيح التكليف، والثواب والعقاب، وبعث الرسل، من غير أن تستلزم القول بتعدّد الخالقين.
المبحث الثاني: أفعال العباد عند متقدّمي الأشاعرة
اتّضح ممّا سبق أنّ موقف أبي الحسن الأشعري من أفعال العباد يقوم على مجموعةٍ من المباني الكلاميّة الأساسية، يمكن تلخيصها في ما يأتي:
1- أنّ الله تعالى هو الموجِد لأفعال العباد، خلقًا وإيجادًا، وليس للعبد دورٌ في الإيجاد.
2- أنّ العبد كاسبٌ لأفعاله، أي إنّ له نسبةً في الفعل تسوّغ التكليف والجزاء.
3- أنّ الكسب يتحقّق باقتران الفعل بقدرةٍ حادثةٍ في العبد.
4- القدرة الحادثة لا تأثير لها في الفعل.
في هذا المبحث، سنتتبع مواقف المتقدّمين من أتباع الأشعري حتى القرن السادس الهجري؛ لنتبيّن مدى التزامهم بهذه المباني، وهل حافظوا عليها كما هي، أم عدّلوها ووسّعوها، أم تجاوزوها.
أولًا: القاضي أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ)
يُعد القاضي الباقلاني من أبرز المتكلّمين الأشاعرة بعد أبي الحسن، وقد التزم بالخطّ العام الذي رسمه الأشعري في مسألة أفعال العباد؛ فقد صرّح ـ بوضوحٍ ـ بأنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى، إذ قال في الإنصاف: «ويجب أن يعلم أنّ الحوادث كلّها مخلوقةٌ لله تعالى، نفعها وضرها، وإيمانها وكفرها، طاعتها ومعصيتها»[9]. كما أثبت كسب العبد لأفعاله، فقال: «ويجب أن يعلم أنّ العبد له كسبٌ، وليس مجبورًا، بل مكتسب لأفعاله من طاعة ومعصية؛ لأنّه تعالى قال: ﴿لها ما كسبت﴾ يعني من ثواب طاعة، ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ يعني من عقاب معصية»[10].
وفيما يخصّ الاستطاعة والقدرة الحادثة، أكد الباقلاني أنّ القدرة لا تتقدّم الفعل ولا تتأخّر عنه؛ بل تكون مقترنةً به، فقال :«ويجب أن يعلم أنّ الاستطاعة للعبد تكون مع الفعل، لا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه، كعلم الخلق وإدراكهم، لا يجوز تقديم العلم على المعلوم، ولا الإدراك على المدرَك»[11].
كما فسّر الباقلاني الكسب بالمعنى نفسه الذي اعتمده الأشعري، وهو أنّ الكسب عبارةٌ عن وقوع الفعل بقدرةٍ حادثةٍ تقارنه. إلّا أنّه أضاف تفسيرًا جديدًا للكسب، يعبّر عن تطوّر في العرض، إذ رأى أنّ القدرة الحادثة وإن لم تُؤثّر في وجود الفعل، فإنّ لها أثرًا في وصفه، وهو ما لم يصرّح به أبو الحسن الأشعري.وقد أشار إلى ذلك بقوله في التمهيد: «فإن قالوا: لا نعقل معنى قولكم اكتسب الفعل، حتى نعقل الأمر به والنهي عنه. قيل لهم: معنى الكسب أنّه تصرّفٌ في الفعل بقدرةٍ تقارنه في محله فتجعله بخلاف صفة الضرورة من حركة الفالج وغيرها»[12]. فبحسب الباقلاني، لا يقتصر الكسب على اقتران القدرة بالفعل، بل يتضمن أثرًا ما للقدرة الحادثة في تمييز الفعل عن سائر الحركات غير الاختيارية، كالحركات الاضطرارية.
وقد نبّه الشهرستاني على هذا الفرق بين الباقلاني والأشعري، فقال في نهاية الإقدام :«ولم يثبت أبو الحسن رحمه الله للقدرة الحادثة صلاحيةً أصلًا، لا لجهة الوجود ولا لصفةٍ من صفات الوجود ... وأمّا القاضي أبو بكر فقد أثبت لها أثرًا كما سنذكره»[13].
لكن ما طبيعة هذا الأثر الذي يثبت للقدرة الحادثة؟ أجاب القاضي بأنّ هذا الأثر، أو الحال هو أمرٌ موجودٌ بالدليل، لكنّه لا اسم ولا عنوان له، أي إنّه غير قابلٍ لتحديد بعنوانٍ خاصٍّ، واسمٍ مخصوص، إلّا أنّ العقل دلّ عليه. قال الشهرستاني في سياق شرحه لهذا الوجه :«فألزمه أصحابُهُ - أي أصحاب الباقلاني- أنّك تثبت حالًا مجهولةً لا ندري ما هي؛ إذ لا اسم لها ولا معنى. قال بل هي معلومةٌ بالدليل والتقسيم الذي أرشدنا إليه كما بيّنا، فإن لم تتيسر لي عبارةٌ عنها باسمٍ خاصٍّ لم يضر ذلك؛ ألسنا أثبتنا وجوهًا واعتباراتٍ عقليةً للفعل الواحد، وأضفنا كلّ وجهٍ إلى صفةٍ أثّرت فيه مثل الوقوع فإنّه من آثار القدرة والتخصيص ببعض الجايزات، فإنّه من آثار الإرادة، والإحكام فإنّه من دلايل العلم، وعند الخصم كون الفعل واجبًا أو ندبًا أو حلالًا أو حرامًا أو حسنًا أو قبيحًا صفات زائدة على وجوده، بعضها ذاتية للفعل، وبعضها من آثار الإرادة، وكذلك الصفات التابعة للحدوث، مثل كون الجوهر متحيزًا وقابلًا للعرض، فإذا جاز عنده إثبات صفات هي أحوالٌ واعتباراتٌ زائدةٌ على الوجود لا تتعلّق بها القادرية، وهي معقولةٌ ومفهومةٌ، فكيف يستبعد مني إثبات أثرٍ للقدرة الحادث معقولًا ومفهومًا»[14].
وحاول الشهرستاني تقريب هذا الأثر أو الحال فقال: «ومن أراد تعيين ذلك الوجه الذي سمّاه حالًا، فطريقه أن يجعل حركة مثلًا اسم جنسٍ يشمل أنواعًا وأصنافًا، أو اسم نوعٍ يتمايز بالعوارض واللوازم، فإنّ الحركات تنقسم إلى أقسام، فمنها ما هو كتابة، ومنها ما هو قول، ومنها ما هو صناعة اليد، وينقسم كلّ قسمٍ إلى أصناف، فكون حركة اليد كتابةً، وكونها صناعةً متمايزان، وهذا التمايز راجع إلى حالٍ في إحدى الحركتين تتميز بها عن الثانية مع اشتراكهما في كونهما حركة. وكذلك الحركة الضرورية والحركة الاختيارية، فتُضاف تلك الحالة إلى العبد كسبًا وفعلًا، ويُشتق له منها اسمٌ خاصّ، مثل: قام وقعد، وقائم وقاعد، وكتب وقال، وكاتب وقائل .ثم إذا اتّصل به أمرٌ ووقع على وفاق الأمر سُمّي عبادة وطاعة، وإذا اتّصل به نهيٌ ووقع على خلاف الأمر سُمّي جريمة ومعصية، ويكون ذلك الوجه هو المكلَّف به، وهو المقابل بالثواب والعقاب»[15].
فإذًا هذه الحالة الحاصلة بالقدرة الحادثة حالةٌ يُشتقّ منها عنوان القيام والقعود والأكل والشرب وغيرها من العناوين، وإذا وقعت موافقةً لأمرٍ سُمّيت طاعة، وإنْ وقعت مخالفةً له سُمّيت معصية.
هذا وقد اتضح مما تقدّم أنّ القاضي الباقلاني لم يخالف أبا الحسن الأشعري في القول بخلق الله لأفعال العباد، ولا في أنّ العبد يكتسب فعله لا يخلقه، غير أنّه أضاف للقدرة الحادثة أثرًا وصفيًّا، يجعلها تميّز الفعل المكتسب عن الفعل الاضطراري، وإن لم يكن لها أيّ تأثيرٍ في وجود الفعل .ويبدو أنّ الدافع وراء هذه الإضافة هو محاولة الباقلاني تعزيز تفسير الكسب بما يكفي لتصحيح التكليف والجزاء؛ إذ إنّ مجرد مقارنة الفعل لقدرةٍ حادثةٍ من دون أن يكون لها أيّ تأثيرٍ في طبيعة الفعل لا يبدو ـ في نظره ـ كافيًا لتحميل العبد مسؤولية أفعاله.
ثانيًا: إمام الحرمين الجويني (ت 478هـ)
تعرّض إمام الحرمين الجويني لمسألة خلق أفعال العباد في عددٍ من كتبه، كـالإرشاد والبرهان في أصول الفقه، إلّا أنّ أوضح عرضٍ لرأيه، وأدقّ بيانٍ لمذهبه نجده في كتابه المتأخّر (العقيدة النظامية)، الذي يمثّل نضج موقفه، وتبلوره النهائي، وهو المعتمد في هذا المبحث. ففي الإرشاد اكتفى بالإشارة إلى المسألة من دون أن يكشف بوضوحٍ عن مذهبه، أمّا في العقيدة النظامية فقد صرّح بموقفه بشكلٍ صريحٍ ومفصّل.
ذهب الجويني إلى أنّ لقدرة العبد تأثيرًا في إحداث الفعل، وذلك على وفق الدواعي التي خلقها الله تعالى فيه، فالفعل مضافٌ إلى العبد بوصفه فاعله بحسب هذه الدواعي، ومضافٌ إلى الله تعالى من جهة أنّه خالق القدرة، ومحدث الدواعي، ومهيّئ الأسباب .ويتّضح من كلامه أنّه لا يرى نسبة الفعل إلى غير الله منافيةً لتوحيد الخالقية، ما دام الإيجاد ليس استقلاليًا، بل ناشئًا عن تمكين الباري وتقديره. وقد عبّر عن هذا المذهب في العقيدة النظامية بهذا النص: «قدرة العبد مخلوقةٌ لله تبارك وتعالى باتفاق العالمين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعًا، ولكنه مضافٌ إلى الله تبارك وتعالى تقديرًا وخلقًا، فإن وقع بفعل الله تبارك وتعالى وهو القدرة، وليست القدرة فعلًا للعبد، وإنّما هي صفته، وهي ملك الله تبارك وتعالى وخلق له، وإذا كان موقع الفعل خلقًا لله، فالواقع به مضاف خلقه الرب خلقًا تبارك وتعالى، وتقديرًا.
وقد ملك الله العبد اختيارًا يصرف به القدرة، وإذا وقع بالقدرة شيئًا آلى الواقع إلى حكم الله من حيث إنّه وقع بفعل الله تعالى، ولو اهتدت لهذا الفرقة الضالة لما كان بيننا وبينهم خلاف، ولكنّهم ادّعوا استبدادًا بالاختراع، وانفرادًا بالخلق والابتداع، فضلّوا وأضلّوا، تميّزنا عنهم بتفريع المذهبين؛ فإنّا لما أضفنا فعل العبد إلى تقدير الإله، قلنا: أحدث الله تبارك وتعالى القدر في العبد على أقدار أحاط بها علمه، وهيّأ أسباب الفعل، وسلب الله العلم بالتفاصيل، وأراد من العبد أن يفعل، فأحدث فيه دواعي مستحثّةً وخيرةً وإرادة، وعلم أنّ الأفعال ستقع على قدرٍ معلوم، فوقعت بالقدرة التي اخترعها للعبد، على ما علم وأراد، وللعباد اختيارهم، واتّصافهم بالاقتدار، والقدرة خلق الله ابتداءً، ومقدورها مضافٌ إليه، مشيئةً وعلمًا وقضاءً وخلقًا وبقاءً، من حيث إنّه نتيجة ما انفرد بخلقه وهو القدرة، ولو لم يُرد وقوع مقدوره لما أقدره عليه، ولما هيّأ أسباب وقوعه. ومن هُدي لهذا استمر له الحقّ المبين، فالعبد فاعلٌ مختار، مطالبٌ، مأمورٌ، منهيٌّ، وفعله تقديرٌ لله، مرادٌ له، وخلقٌ مقضي»[16].
يُعدّ موقف الجويني هذا تحولًا بارزًا عن مسلك الأشعري والباقلاني؛ فإنّ الأشعري كان يرى أنّ الفعل من الله خَلْقًا، ومن العبد كسبًا لا تأثير فيه، والباقلاني أضاف أنّ للقدرة الحادثة أثرًا في وصف الفعل لا في وجوده، أماّ الجويني فقد ذهب إلى أنّ للقدرة أثرًا في وجود الفعل نفسه، لكن في إطارٍ من التبعيّة لإرادة لله تعالى، وتقديره؛ ولهذا رأى الشهرستاني في نهاية الإقدام أنّ الجويني قد (غلا) في باب أفعال العباد، فقال: «وغلا إمام الحرمين حيث أثبت للقدرة الحادثة أثرًا هو الوجود، غير أنّه لم يُثبت للعبد استقلالًا بالوجود ما لم يستند إلى سببٍ آخر، ثم تتسلسل الأسباب في سلسلة الترقي إلى الباري سبحانه، وهو الخالق المبدع المستقلّ بإبداعه، من غير احتياج إلى سبب»[17].
وقد استدعى هذا الرأي نقدًا من بعض الأشاعرة، لكن في المقابل، دافع عنه آخرون، مثل العلاّمة أحمد بن محمد المقدسي، الذي ألّف كتابًا بعنوان (الانتصار لإمام الحرمين فيما شُنِّع عليه من بعض النُّظار).
أما السبب الذي دعا الجويني إلى العدول عن تفسير الكسب الذي ساد قبل عصره، فهو ـ كما صرّح ـ عدم كفاية تلك التفاسير لتبرير التكليف والجزاء وبعث الرسل، حيث قال في العقيدة النظامية: «ففي المصير إلى أنّه لا أثر لقدرة العبد في فعله، قطع طلبات الشرائع والتكذيب بما جاء به المرسلون، فإن زعم زاعمٌ ممّن لم يُوفّق لمنهج الرشاد أنّه لا أثر لقدرة العبد في مقدوره أصلًا، فإذا طُولب بمتعلّق طلب الله تعالى بفعل العبد تحريمًا وفرضًا، ذهب في الجواب طولًا وعرضًا، وقال: لله أن يفعل ما يشاء، ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون، لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون. قيل: ليس لما جئتَ به حاصل، كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل.
نعم، يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولكن يتقدّس عن الخلف، ونقيض الصدق...
قائلًا: لو قيل العبد مكتسب، وأثر قدرته الاكتساب، والرب تبارك وتعالى مخترع وخالق لما العبد مكتسب؟
قيل له: فما الكسب وما معناه؟ وأُديرت الأقسام المقدّرة على هذا القائل، فلا يجد عنها مهربًا»[18].
والخلاصة أن موقف إمام الحرمين الجويني يمثّل نقطة تحوّلٍ واضحةٍ في الفكر الأشعري، فقد رفض الاقتصار على مفهوم الكسب كما فهمه من سبقه، وعدّه قاصرًا عن حلّ معضلة التكليف والجزاء.
ورأى أنّ تأثير القدرة الحادثة في وقوع الفعل لا يتعارض مع توحيد الخالقية، ما دام هذا التأثير غير مستقل، وإنّما هو بتقدير الله وتدبيره وتمكينه.
ثالثًا: أبو حامد الغزالي (ت 505هـ)
تناول الإمام أبو حامد الغزالي مسألة خلق أفعال العباد، أو ما يُعبَّر عنه أحيانًا بمبحث الجبر والاختيار، في عددٍ من كتبه الكلامية، أبرزها: الرسالة القدسية من قواعد العقائد، والاقتصاد في الاعتقاد. وقد صرّح فيهما بوضوح أنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى، وموجدة بقدرته، لا خالق لها سواه.
قال في القدسية :«الأصل الأول: العلم بأنّ كلّ حادثٍ في العالم فهو فعله وخلقه واختراعه، لا خالق له سواه، ولا مُحْدِث له إلّا إيّاه. خلق الخلق وصنعهم، وأوجد قدرتهم وحركتهم، فجميع أفعال عباده مخلوقة له، ومتعلّقة بقدرته، تصديقًا له في قوله تعالى: Pاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍO ... وكيف لا يكون خالقًا لفعل العبد، وقدرته تامة لا قصور فيها، وهي متعلقةٌ بحركة أبدان العباد، والحركات متماثلة، وتعلّق القدرة بها لذاتها»[19] .ومثله قرّره في الاقتصاد في الاعتقاد، حيث أكد أنّ الله سبحانه خالق لأفعال العباد جميعًا، وأنّ قدرته تعلّقت بها على جهة الإيجاد والاختراع.
غير أنّ الغزالي ميّز بين نسبة الفعل إلى الله تعالى من جهة الإيجاد، ونسبته إلى العبد من جهة الكسب، إذ لا يلزم من خلق الله للفعل نفي كونه فعلًا مكتسبًا للعبد ، إذ قال في الاقتصاد: «وحاصله أنّ القادر واسع القدرة، فهو قادرٌ على الاختراع للقدرة والمقدور معًا، ولما كان اسم الخالق والمخترع مطلقًا على من أوجد الشيء بقدرته، وكانت القدرة والمقدور جميعًا بقدرة الله تعالى، سُمي خالقًا ومخترعًا، ولم يكن المقدور بقدرة العبد وإن كان معها، فلم يُسم خالقًا ومخترعًا، ووجب أن يُطلب لهذا النمط من النسبة اسمٌ آخر مخالف، فطُلب له اسم الكسب، تيمّنًا بكتاب الله تعالى، فإنّه وُجد إطلاق ذلك على أعمال العباد في القرآن»[20].
ومع هذا التقرير، لم يبيّن الغزالي حقيقة الكسب على نحوٍ واضح، ولم يقدّم تعريفًا دقيقًا له، بل اكتفى بالإشارة إلى أنّه نوعٌ من التعلّق مغاير لتعلّق الإيجاد والاختراع .وهذا الموقف يُعدّ عودةً إلى تقريرات أبي الحسن الأشعري، لكنّه لم يلبث أن تجاوزه في مرحلةٍ لاحقةٍ من تطوّره الفكري .ففي كتابه الأربعين في أصول الدين، عدل الغزالي عن القول بالاكتفاء بخلق الله وحده للفعل، إلى تبنّي مذهب أبي إسحاق الإسفراييني، الذي يرى أنّ الفعل يحصل بمجموع قدرتين: قدرة العبد وقدرة الله، من غير أن يكون للعبد استقلالٌ بالتأثير .قال في الأربعين: «والمذهب الحقّ هو أنّ المؤثِّر مجموع القدرتين، قدرة الله وقدرة العبد، فالأفعال الصادرة عن العباد كلها بقضاء الله وقدره، ولكن للعباد اختيار، فالتقدير من الله، والكسب من العبد، وهذا المذهب وسط بين الجبر والقدر»[21].
وهذا التحوّل في موقف الغزالي يدلّ على أنّ ما قرّره في كتبه الأولى لم يكن كافيًا في نظره لتصحيح التكليف؛ فأضاف عنصر تأثير قدرة العبد، لا على جهة الاستقلال، بل من خلال ضمّها إلى قدرة الله تعالى، بنحو يصدر الفعل عن مجموع القدرتين .وبذلك يكون قد تجاوز الموقف الأشعري الأصلي، واقترب من مذهب التأثير غير المستقلّ لقدرة العبد، في محاولةٍ للتوفيق بين أصل التوحيد الإلهي في الخلق، ومقتضيات العدالة الإلهية في الثواب والعقاب.
تحوّلات تصوّر الكسب عند متقدّمي الأشاعرة
اتّضح من خلال ما سبق أنّ المتقدّمين من أعلام الأشاعرة كانوا متّفقين على أصل القول بأنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى، لكنّهم اختلفوا في تفسير الكسب وموقع قدرة العبد في الفعل .فالأشعري، مؤسّس المذهب، نفى أن يكون لقدرة العبد أيّ تأثيرٍ حقيقي في الفعل، وجعل الكسب مجرد مقارنة قدرة العبد للفعل من غير أن يكون لتلك القدرة أثرٌ في إيجاده .ثم جاء القاضي الباقلاني، فخطا خطوةً أخرى إذ أثبت تأثير قدرة العبد في وصف الفعل لا في إيجاده، محاولًا توسيع مفهوم الكسب بما يُبقي على خلق الله للفعل، دون إنكار دور ما للعبد فيه. أمّا إمام الحرمين الجويني، فقد ذهب إلى أنّ الفعل يحدث بقدرة العبد، ولكن لا على وجه الاستقلال، بل تبعًا للداعي الذي يخلقه الله في العبد، ففعل العبد يقع بقدرته الذاتيّة لكن تحت تأثير باعثٍ يخلقه الله فيه.
وأمّا الغزالي، فقد كان في بداية أمره أقرب إلى تقرير ما ذكره الأشعري من نفي التأثير، إلّا أنّه في المرحلة الأخيرة من تفكيره الكلامي، خصوصًا في كتابه الأربعين في أصول الدين، عدل عن ذلك وذهب إلى القول بأنّ الفعل يحصل بتأثير مجموع قدرتين: قدرة العبد، وقدرة الباري، لا بقدرة العبد وحدها، ولا بقدرة الله وحدها، بل بتأثيرٍ مركّبٍ منهما.
وهكذا تكشف مسيرة متقدّمي الأشاعرة عن تحوّلٍ تدريجي في تفسيرهم لمسألة الكسب، بدءًا من نفي التأثير التام لقدرة العبد عند الأشعري، إلى محاولة إثبات نوعٍ من التأثير غير المستقلّ لقدرة العبد عند من جاء بعده.
المبحث الثالث: أفعال العباد عند متأخّري الأشاعرة
بعد أن استعرضنا آراء متقدّمي الأشاعرة في مسألة خلق أفعال العباد، وتبيّن كيف اختلفت أنظارهم في تفسير الكسب، ننتقل في هذا المبحث إلى بيان موقف المتأخّرين من هذه المسألة. وذلك من خلال الوقوف على ما قرّره المتأخّرون من علماء الأشاعرة، كفخر الرازي، وعضد الدين الإيجي، وسعد الدين التفتازاني، وغيرهم، لننظر كيف فسّروا الكسب، وهل قدّموا فيه تصورًا جديدًا يختلف عمّا قرّره المتقدّمون، أو التزموا بما مضى مع بعض التوضيح والبيان.
أولًا: الفخر الرازي (ت 606 هـ)
يُعدّ الفخر الرازي من أبرز متكلّمي الأشاعرة، ومن الذين كان لهم دورٌ في تطوير منهجهم في تناول المسائل العَقَدَية. وقد تناول مسألة أفعال العباد في عددٍ من مؤلّفاته، محافظًا على جوهر مذهب الأشعري في القول بخلق الباري سبحانه لأفعال العباد، لكنّه قارب هذه المسألة كما قاربها إمام الحرمين الجويني، حيث يرى أنّ العبد هو الذي يُحدث الفعل بقدرته، لكن على وفق الداعي الذي يخلقه الله تعالى فيه. قال في (معالم أصول الدين) :المختار عندنا أن عند حصول القدرة والداعية المخصوصة يجب الفعل، وعلى هذا التقدير يكون العبد فاعلًا على سبيل الحقيقة، ومع ذلك فتكون الأفعال بأسرها واقعةً بقضاء الله تعالى وقدره» [22].
لكن الرازي لم يكتفِ بهذا التصوّر؛ بل صرّح بأنّ هذا النمط من المقاربة يستلزم القول بالجبر، إلّا أنّه رأى أنّ الالتزام به متعيّن؛ لأنّ المسألة في نظره لا تنفكّ عن إثبات وجود الصانع، فإما أن يُلتزم بالجبر، وإمّا أن يُنكر الصانع، ولا ثالث بينهما .قال في المطالب العالية :«إنّ كثيرًا من المحقّقين قالوا: إنّ مسألة الجبر والقدر ليست مسألةً مستقلّةً بنفسها، بل هي بعينها مسألة إثبات الصانع... فإنْ صحّت هذه القضية وجب الحكم بافتقار كلّ الممكنات إلى المؤثّر والمرجّح... فثبت أنّه لو صَحَّ قولُنا الممكن لا بد له من مرجّح، فالقول بالجبر لازم، وإنْ فسدت هذه المقدمة، فحينئذٍ يتعذر علينا الاستدلال بإمكان الممكنات على إثبات الصانع، فثبت إمّا القول بالجبر، وإمّا القول بنفي الصانع»[23].
أمّا في تفسير الكسب، فقد كان الرازي من أوضح من بيّن أنّه لا يرى له مضمونًا حقيقيًا، بل عدّه اسمًا بلا مسمّى؛ إذ إنّ جميع التفسيرات المقدَّمة له – باستثناء ما ذكره الجويني إنْ صحّ عدّه تفسيرًا للكسب – لا تَصلُح لتبرير التكليف، ولا تُخرج العبد من الجبر والاضطرار .قال في المحصّل: «وعند هذا التحقيق يظهر أنّ الكسب اسمٌ بلا مسمّى»[24].
وهكذا، فإنّ ما قرّره الرازي في مسألة أفعال العباد هو في حقيقته امتدادٌ لمذهب الجويني، إلّا أنّه يُفارق الأخير في صراحة العبارة؛ إذ أقرّ الرازي بأنّ هذا النمط من التفسير جبرٌ لا محيص عنه، بينما تحاشى الجويني التصريح بذلك.
ثانيًا: عضد الدين الإيجي (ت 756 هـ)
تعرّض عضد الدين الإيجي لمسألة أفعال العباد في كتابه المواقف، وهو من أشهر كتبه الكلامية، وقد نال عنايةً بالغةً بالشرح والتعليق من أعلام الأشاعرة المتأخّرين. وقد سلك الإيجي في هذه المسألة مسلك أبي الحسن الأشعري، فأثبت أنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى، وأنّ العبد لا يفعلها بقدرته الحادثة، بل هو كاسبٌ لها فحسب.
وأمّا تفسير الكسب عنده، فقد تبنّى فيه ما نُسب إلى الأشعري من أنّه عبارة عن مقارنة القدرة الحادثة للفعل، من غير تأثيرٍ حقيقي في إيجاده. وعليه، فإنّ الإيجي لم يُقدّم تطويرًا في تصوير الكسب، ولا تبنّى تأويلًا مغايرًا لما قرّره الأشعري، بل ظلّ ملتزمًا بإطار التفسير التقليدي للمذهب، دون تعديل في المبنى أو المضمون[25].
ثالثًا: سعد الدين التفتازاني (ت 792 هـ)
لم يحد سعد الدين التفتازاني في تقرير مسألة أفعال العباد عن الاتجاه الذي قرّره المتقدّمون من الأشاعرة؛ فقد نصّ في شرح المقاصد على أنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى، وأنّها تنسب إلى العبد لا من جهة الإيجاد والاختراع، بل من جهةٍ أخرى مغايرة، هي ما يُعبَّر عنه بالكسب، وهو المسلك نفسه الذي اختاره الغزالي في بعض كتبه، كما تقدّم .قال: «وملخّص الكلام ما أشار إليه الإمام حجّة الإسلام الغزالي، وهو أنّه لما بطل الجبر المحض بالضرورة، وكون العبد خالقًا لأفعاله بالدليل، وجب الاقتصاد في الاعتقاد، وهو أنّها مقدورةٌ بقدرة الله تعالى اختراعًا، وبقدرة العبد على وجهٍ آخر من التعلّق يُعبر عنه عندنا بالاكتساب... فحركة العبد باعتبار نسبتها إلى قدرته تُسمّى كسبًا له، وباعتبار نسبتها إلى قدرة الله تعالى خلقًا، فهي خلق للرب، ووصف للعبد وكسب له، وقدرته خلق للرب ووصف للعبد، وليس كسبًا له»[26].
وقد سعى التفتازاني في شرح العقائد النسفية إلى بيان طبيعة هذا التعلّق المغاير، ففسّر الكسب بأنّه توجّه العبد بإرادته وعزمه نحو الفعل، فيقع الفعل من الله تعالى خَلقًا وإيجادًا عقيب هذا التوجه.
قال: «وتحقيقه أنّ صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد الله تعالى الفعل عقيب ذلك خَلق... فالفعل مقدور الله تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور العبد بجهة الكسب» [27].
يتّضح من مجموع عباراته أنّه حاول أن يقدّم تفسيرًا مغايرًا للكسب عمّا ورد عند المتقدّمين من الأشاعرة، ساعيًا من خلاله إلى تبرير مسؤولية العبد عن فعله، وإمكان التكليف والجزاء، وبعث الرسل، دون أن يخرج في ذلك عن الإطار العام لمذهب الأشاعرة في خلق الأفعال.
رابعًا: محمد بن يوسف السنوسي (ت 895 هـ)
يُعدّ محمد بن يوسف السنوسي من أبرز أعلام المتأخّرين في علم الكلام عند الأشاعرة، وهو صاحب المتون العَقَدَيّة المشهورة التي عُكف على شرحها وتدريسها، ومن أهمّها العقيدة الصغرى والوسطى والكبرى، وقد لقيت عنايةً واسعةً بالشرح والتعليق.
حافظ السنوسي على تقرير مذهب أبي الحسن الأشعري في مسألة أفعال العباد، حيث ذهب إلى أنّ الله تعالى هو خالق أفعال العباد، وأنّه لا تأثير لقدرتهم الحادثة فيها، بل تقع الأفعال مقارنةً لقدرتهم من غير أن تكون صادرةً عنها. قال في شرح العقيدة الكبرى: «وبهذا الدليل بعينه، أعني دليل التمانع، يُستدل على أنّه (جل وعلا) هو الموجد لأفعال العباد، ولا تأثير لقدرتهم الحادثة فيها، بل هي موجودةٌ مقارنة لها»[28].
كما صرّح بتفسير الكسب بما قرره الأشعري، فجعل الكسب عبارةً عن مقارنة القدرة الحادثة للفعل، من غير أن يكون للقدرة تأثيرٌ في وقوع الفعل، وإنّما يقع الفعل من الله تعالى مصاحبًا لقدرة العبد.
قال في شرح العقيدة الوسطى: «وكسب العبد عبارة عن إيجاد الله تعالى المقدور فيه، كالحركة والسكون مثلًا، مصاحبًا لقدرة حادثة فيه تتعلّق بذلك المقدور، من غير تأثيرٍ لها فيه أصلًا، وهذا الكسب هو متعلّق التكليف الشرعي، وأمارة الثواب والعقاب شرعًا لا عقلًا»[29].
وممّا سبق يتّضح أنّ السنوسي لم يخرج عن التصوّر الأشعري المتقدّم في تفسير الكسب، بل أعاد تقريره بعباراتٍ شارحة، دون أن يُحدث فيه تطويرًا أو تعديلًا.
خلاصة موقف متأخّري الأشاعرة في خلق أفعال العباد وتفسير الكسب يتّضح من خلال استعراض مواقف متأخّري الأشاعرة في مسألة خلق أفعال العباد والكسب أنّهم وإن حافظوا إجمالًا على الإطار العام الذي أسّسه أبو الحسن الأشعري – القائل بخلق الله تعالى لأفعال العباد، وأن الكسب مجرد اقتران الفعل بالقدرة الحادثة دون تأثيرٍ حقيقي للعبد – فإنّ بعضهم قدّم تصوّراتٍ مغايرةً أو مطوّرة، سواء في تفسير الكسب أم في كيفية نسبة الفعل إلى العبد.
فمن جهة، حاول سعد الدين التفتازاني أن يمنح الكسب مضمونًا أكثر وضوحًا وفاعلية، ففسّره بأنّه توجّه العبد وعزمه على الفعل، فيقع الفعل من الله تعالى على وفق هذا العزم. وبهذا فسّر الكسب بوصفه جهةً متميّزةً من جهات التعلّق بالفعل، تُسوّغ التكليف وتُثبت للعبد نوعًا من التأثير المعنوي، وليس مجرد اقتران.
ومن جهةٍ أخرى، طرح الفخر الرازي تصوّرًا مغايرًا في كيفية خلق الله لأفعال العباد؛ فلم يذهب إلى أنّ الله يخلق الفعل مباشرةً وبالاستقلال كما هو مذهب الأشعري، بل ذهب إلى أنّ العبد محدثٌ للفعل بقدرته بحسب الدواعي التي يحدثها الباري فيه، ومع ذلك انتهى الرازي إلى القول بأنّ الكسب اسمٌ بلا مسمى، وأنّ الجبر لازمٌ لا محيص عنه؛ ممّا يُظهر حجم الإشكال الذي ظلّ يواجه المتكلّمين الأشاعرة في هذه المسألة.
وفي المقابل، حافظ بعض المتأخّرين – كعضد الدين الإيجي والسنوسي– على الموقف الأشعري الأصلي من دون محاولة تطويرٍ أو تعديل، فقرّروا أنّ الكسب هو مجرد مقارنة القدرة الحادثة للفعل الحادث، وأن لا تأثير لقدرة العبد فيه، وأنّ هذه المقارنة وحدها هي محلّ التكليف ومناط الثواب والعقاب.
وعليه، فإنّ مواقف متأخّري الأشاعرة وإن بدت من حيث الإجمال محافظةً على مبدأ خلق الله لأفعال العباد إلّا أنّ بعضها انفتح على تصوّراتٍ تفسيريةٍ مختلفةٍ في مضمون الكسب وكيفية خلق الفعل، بينما بقي بعضها الآخر ملتزمًا حرفيًا بمقولات الأشعري دون تجديد يذكر.
المبحث الرابع: أفعال العباد عند المعاصرين من الأشاعرة
بعد الفراغ من استعراض آراء المتقدّمين والمتأخّرين من الأشاعرة، ننتقل في هذا المبحث إلى بيان موقف بعض المعاصرين من الأشاعرة، ونقتصر في ذلك على ما ذكره الشيخ سعيد فودة، وهو من أبرز متكلّمي الأشاعرة المعاصرين، وله عدّة مؤلّفات في تقرير عقيدة الأشاعرة، منها (شرح العقيدة الطحاوية)، ويُعدّ هذا الكتاب من أهم كتبه الكلاميّة.
وقد تناول في هذا الشرح مسألة أفعال العباد، وخلص إلى ما انتهى إليه جمهور الأشاعرة من أنّ الله تعالى هو خالق أفعال العباد ومخرجها من العدم إلى الوجود، فيقول «فأنت ترى أيّها القارئ كيف أثبت الله تعالى لنفسه الخلق في آياتٍ، ونفاه عن غيره في آياتٍ أخرى، فثبت من هذا حصر الخلق في الله تعالى، وبعد ذلك لا يجوز أن يدّعي واحدٌ لنفسه القدرة على الخلق مطلقًا»[30].
غير أنّ هذا الحصر للخلق في الله سبحانه لا يستلزم الجبر عنده؛ لأنّ الاختيار – في تصوّره – غير مرتبطٍ بإيجاد الفعل ولا مشروط به، بل مناط الاختيار هو إرادة العبد للفعل، وإن كان إيجاده صادرًا عن غيره. يقول في ذلك :«هل حصر الخلق في الله تعالى يلزم منه أنّ العباد كلّهم مجبورون في أفعالهم؟
قلنا: هذا سؤالٌ ناتجٌ عن سوء فهمٍ وضيق فكرٍ، فالخلط بين مفهوم الجبر والخلق، واشتراط الاختيار بالخلق، بمعنى أنّ ادّعاء أنّه لا اختيار إلّا بالخلق هو السبب في ذلك .وتحرير هذا المحل أن نقول: إنّ الخلق هو الإيجاد بعد العدم، والمخلوق هو الموجود بعد العدم .والاختيار هو حصول إرادة الفعل فيك، ولا يشترط في الاختيار أن تخلق أنت الفعل، بل لو أوجده لك غيرك وأنت اخترته فقط، لصحّ أن يقال إنّك الذي اخترت هذا الفعل، وصحّ نسبة الفعل إليك على طريق الكسب مع أنّك لم توجده»[31].
ثم يبيّن معنى الكسب بأنّه إيجاد الباري سبحانه للفعل الذي يريده العبد من دون أن يكون لإرادة العبد وقدرته أيّ تأثيرٍ في إحداث الفعل وإيجاده، فيقول: «وحاصل معنى الكسب هو أنّ الله تعالى لما علم منذ الأزل ما سوف يفعله الإنسان من أفعال، وذلك كلّه على حسب إرادته وفي الأوقات المعيّنة بعد وجوده، فإنّه (جلّ شأنه) يخلق للعبد الفعل الذي عَلِم أنّه سوف يريده»[32].
وهكذا، يتّضح من خلال استعراض موقف الشيخ سعيد فودة أنّ جملة من المتكلّمين المعاصرين من الأشاعرة استمرّوا على ما قرّره المتأخّرون في بيان خلق الله لأفعال العباد، وذكر ما يُصحّح تكليف العبد وبعث الرسل إليه، دون الخروج عن الإطار العام لمذهب الأشعري.
هذا، ويجدر التنبيه إلى أنّ لبعض علماء الأزهر المعاصرين، كالإمام محمد عبده، مواقف مغايرة في هذه المسألة، لكن لا يصحّ عدّهم من الأشاعرة بالمعنى الدقيق، إذ قد صرّحوا بنقد المذهب الأشعري، وسعوا إلى تأسيس موقفٍ عَقَدَيّ يتوسّط بين الأشاعرة والمعتزلة؛ ولذا أعرضنا عن ذكر آرائهم في هذا المقام.
مناقشةٌ نقديّة: موقف الإماميّة من أفعال العباد
لم يتمكّن الأشاعرة من رفع الإشكاليّة المزدوجة المتمثّلة فيما يجده الإنسان بوجدانه من كونه فاعلًا مختارًا لأعماله، وما يترتّب على القول بخلق الله للأفعال من إشكال التكليف والثواب والعقاب. ويرجع سبب ما وقعوا فيه إلى تصوّرهم غير الدقيق لمفهوم التوحيد في الخالقية؛ إذ ظنّوا أنّ مقتضى التوحيد ألّا يكون هناك خالقٌ غير الباري سبحانه على أيّ نحو، حتى لو كان ذلك بإقداره وتمكينه لعبده، فحصروا الخلق في الله وحده، ونفوا أيّ دورٍ إيجادي للعبد، فاضطروا إلى ابتداع مفهوم (الكسب) الذي لم ينجح في معالجة الإشكال. ووجه عدم النجاح أنّ الكسب – بتفاسيره المختلفة – لا يمنح المبرر العقلي لتحميل العبد مسؤولية أفعاله؛ إذ مجرد مقارنة الفعل لقدرة العبد لا يكفي لإثبات هذه المسؤولية؛ ألا ترى أنّ صديق زيدٍ لو مات حال إرادة زيد لموته، فإنّ مجرد الإرادة لا تكفي لتحميله مسؤولية موته؟ وكذلك الحال في نسبة الفعل إلى العبد بمحض مقارنة القدرة، فإنّها نسبةٌ اعتباريةٌ لا تنهض لتأسيس التكليف والجزاء.
وأما ما ذكره الجويني، فإنّه وإن أثبت للعبد نوعًا من الإيجاد لأفعاله تبعًا للدواعي التي يخلقها الله فيه، إلّا أنّ هذا لا يحلّ الإشكال؛ لأنّ تلك الدواعي نفسها من فعل الله، وليس للعبد ألّا يفعل على وفقها. فكيف يصح تحميله المسؤولية إذا كان محكومًا بما يخلقه الله فيه من دوافع؟! وعليه فإنّ مجرد القول بأنّ العبد يُوجِد فعله لا يكفي لتصحيح التكليف والعقاب، ما لم يكن هذا الإيجاد على نحوٍ يُثبت له قدرة واختيارًا حقيقيين تبرّران نسبة الفعل إليه ومساءلته عنه.
ومن هنا يظهر أنّ جميع محاولات الأشاعرة، على اختلافها، لم تفلح في حلّ الإشكال من أساسه. أمّا الإمامية، فببركة إرشادات أئمة أهل البيت%، قدّموا معالجةً وافيةً من خلال مبدأ (الأمر بين أمرين)، فاعدّوا العبد فاعلًا حقيقيًّا لأفعاله بإرادته واختياره، لكن فعله لا يقع في عرض إرادة الله، بل في طولها وتمكينه. فالله هو المفيض للقدرة والوجود، والعبد يمارس فعله بتلك القدرة على وجهٍ يحقّق نسبة الفعل إليه واقعًا. وبهذا جمعوا بين التوحيد في الخالقية، حيث لا خالق بالاستقلال إلّا الله، وبين العدل الإلهي الذي يستلزم صحة التكليف والثواب والعقاب، إذ لا يُحاسب الإنسان إلّا على ما صدر منه عن اختيارٍ حقيقي.
الخاتمة
خلص البحث إلى أنّ الأشاعرة أصرّوا على حصر الخلق في الله تعالى، فجعلوا جميع أفعال العباد مخلوقةً له، وأثبتوا للعبد نسبة الفعل على وجه الكسب. غير أنّ تفسير الكسب لم يثبت عندهم على معنى واحد؛ فقد تدرّج من مجرّد المقارنة بين القدرة الحادثة والفعل عند أبي الحسن الأشعري، إلى إضافة أثرٍ وصفيّ للقدرة عند الباقلاني، ثم إلى القول بتأثير القدرة في وجود الفعل تبعًا للدواعي الإلهية عند الجويني، وصولًا إلى رأي الغزالي القائل بتأثير مجموع القدرتين: قدرة الله وقدرة العبد، ثم عودة بعض المتأخّرين إلى التقرير التقليدي الذي يجعل الكسب مجرّد اقتران لا أثر له، بل عدّه الرازي اسمًا بلا مسمّى. وفي العصر الحديث استمرّ خطّ الأشاعرة على هذا النهج في إبراز خلق الله تعالى للأفعال، مع الإبقاء على الكسب كصيغةٍ لنسبة الفعل إلى العبد.
غير أنّ هذه المحاولات جميعًا لم تفلح في رفع الإشكال الجوهري المتمثّل في الجمع بين وجدان الإنسان لكونه فاعلًا مختارًا، وبين القول بخلق الله لأفعاله؛ إذ إنّ مفهوم الكسب – على اختلاف صياغاته – لم يقدّم مبرّرًا عقليًا كافيًا لتحميل العبد مسؤولية أفعاله، فبقي أقرب إلى حلٍّ لفظيّ منه إلى معالجةٍ حقيقية. ومن هنا، جاء نقد الإمامية لهذا الاتجاه، وطرحوا بديلًا أوضح في ضوء مبدأ (الأمر بين أمرين)، الذي يجمع بين التوحيد في الخالقية، بنفي الاستقلال عن الله تعالى، وبين العدل الإلهي الذي يقتضي صحة التكليف والثواب والعقاب من خلال إثبات اختيارٍ حقيقي للعبد. وبهذا قدّموا معالجةً أكثر انسجامًا مع العقل والنقل، وأقرب إلى ما يثبته الوجدان من مسؤولية الإنسان عن فعله.
فهرس المصادر والمراجع
الأشعري، أبو الحسن، الإبانة عن أصول الديانة، تحقيق: صالح بن مقبل بن عبد الله العصيمي التميمي، الرياض، مدار المسلم للنشر، ط1، 2011م.
الأشعري، أبو الحسن، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، تحقيق: حسن الشافعي، دار الحكماء للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 2021م.
الباقلاني، القاضي ، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، تحقيق وتعليق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، الطبعة الثانية، 2000م.
الباقلاني، القاضي، التمهيد، تصحيح: الأب رتشرد مكارثي اليسوعي، المكتبة الشرقية، بيروت، 1957م.
الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، نهاية الإقدام في علم الكلام، تحرير وتصحيح: ألفريد جيوم، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 2009م.
الجويني، إمام الحرمين، العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، د.ط.
الغزالي، أبو حامد، قواعد العقائد (القدسية)، تحقيق: موسى محمد علي، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1985م.
الغزالي، أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد، عناية: أنس محمد عدنان الشرفاوي، دار المنهاج، جدة، د.ط.
الغزالي، أبو حامد، الأربعين في أصول الدين، دار القلم، دمشق، ط1، 2003م.
الرازي، فخر الدين، المفصل في شرح المحصل، تأليف: نجم الدين علي بن عمر القزويني الكاتبي، تقديم: سعيد فودة، دار الأصلين للدراسات والنشر، عمان، د.ط.
الرازي، فخر الدين، المطالب العالية في العلم الإلهي، تحقيق: أحمد حجازي السقا، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1987م.
الرازي، فخر الدين، معالم أصول الدين، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، بيروت، د.ط.
الإيجي، عضد الدين، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، د.ط.
التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد، تحقيق وتعليق: عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1998م.
التفتازاني، سعد الدين، شرح العقائد النسفية مع حاشية جمع الفرائد بإنارة شرح العقائد، مكتبة المدينة، كراتشي، ط2، 2012م.
السنوسي، محمد بن يوسف، شرح العقيدة الكبرى، تحقيق: السيد يوسف أحمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2006م.
السنوسي، محمد بن يوسف، شرح العقيدة الوسطى، دار التقوى، القاهرة، ط1، 2019م.
فودة، سعيد، الشرح الكبير على العقيدة الطحاوية، دار الذخائر، بيروت، د.ط.
-----------------------------------------------------
[1] الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، ص 220.
[2] الأشعري، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص 177.
[3] الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، ص 574.
[4] راجع الأشعري، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص 179.
[5] راجع المصدر نفسه، ص 184.
[6] الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، ص 187-193.
[7] الأشعري، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص 186.
[8] المصدر نفسه، ص 183.
[9] الباقلاني، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز جهله، ص 41.
[10] المصدر نفسه، ص 43.
[11] المصدر نفسه، ص 44.
[12] الباقلاني، التمهيد، تصحيح الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي، ص 307.
[13] الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، ص 67.
[14] المصدر نفسه، ص 68.
[15] المصدر نفسه، ص 69.
[16] الجويني، العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، ص 46-48.
[17] الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، ص 72.
[18] الجويني، العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، ص 43-45.
[19] الغزالي، قواعد العقائد، ص 193-194.
[20] الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، ص 158-159.
[21] الغزالي، كتاب الأربعين في أصول الدين، ص 27.
[22] الفخر الرازي، معالم أصول الدين، ص 83.
[23] الفخر الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي، ج 9 ص 16-17.
[24] نجم الدين القزويني الكاتبي، المفصّل في شرح المحصل، ص 1039.
[25] راجع الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص 311، وشرح الجرجاني للمواقف، ج 8، ص 163.
[26] التفتازاني، شرح المقاصد، ج 4، ص 226.
[27] التفتازاني، شرح العقائد النسفية، ص 213.
[28] السنوسي، شرح العقيدة الكبرى، ص 286.
[29] السنوسي، شرح العقيدة الوسطى، ص 376.
[30] سعيد فودة، الشرح الكبير على العقيدة الطحاوية، ص 1208.
[31] المصدر نفسه، ص 1208.
[32] المصدر نفسه، ص 1211.