الباحث : د. عمار عبد الرزاق الصغير
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 38
السنة : ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : April / 16 / 2026
عدد زيارات البحث : 168
الملخّص
يتناول البحث شكل العلاقة الإبستمولوجيّة بين عقائد ثلاثٍ تتعلّق بالفعل الإنساني، وصلته بالقدرة الإلهيّة وإرادة الانسان، ويبرهن على أحقيّة عقيدة الاختيار في الفعل الإنسانيّ حيث تنعقد الصلات الكلاميّة بين عقيدتَي القضاء والحسن العقليّ.
إنّ إدراك كون الإنسان مختارًا في أفعاله يأتي ضمن عقيدة تجمع بين الإرادة الحرّة والمدد الإلهي، وتتجاوز هذه الرؤية ثنائيّة الجبر والتفويض نحو نظريّة الأمر بين الأمرين؛ فالفعل البشري يمثّل العلّة الإعدادية التي يتنزّل وفقًا لها القضاء الإلهي كتحصيل للنتائج.
هذا الفهم يبني رقابةً ذاتيّةً متينةً؛ لأنّ الإنسان يوقن أنّ النتائج التي يترجمها القضاء الإلهي مرتبطةٌ بمقدّماتٍ يعدّ الفعل الإنساني أولاها، وأنّ العلم الإلهيّ قدّر لنا ما اخترناه لأنفسنا؛ وعلى هذا الأساس يتحوّل الإيمان بـعقيدة الأمر بين الأمرين من نظريّةٍ كلاميّةٍ إلى منهج حياة، يجمع بين التواضع لله الذي أمدّنا بالقدرة، والاعتزاز بالمسؤوليّة التي جعلتنا نصنع مصيرنا بأيدينا، فلا ركون إلى كسل الجبر، ولا غرور باستقلال التفويض.
يأتي البحث على المطالب المتقدّمة بالبيان والتحقيق عبر خمسة موضوعات: الأوّل يبيّن الدلالة الكلاميّة للعقائد الثلاث، والثاني يتناول ملاءمة عقيدة الاختيار وانسجامها مع فلسفة التكليف للعباد، والثالث درس أثر إرادة الإنسان في تشكيل فعله، والرابع بيّن ما للتسديد الإلهي من أثرٍ على حسن الاختيار للفعل، والخامس أوضح موقعيّة عقيدة الاختيار وأثرها بين عقيدتَي الحسن العقلي والقضاء الإلهي.
الكلمات المفتاحيّة:
الجبر، التفويض، الاختيار، الحسن، القبح، القضاء، القدر، الإرادة، التسديد الإلهيّ، الخذلان الإلهي.
الدلالة الكلاميّة لمطالب البحث:
الأول : الجبر والتفويض والاختيار
لا تخرج أفعال العباد عن أحد ثلاثة أنحاء: إما أن تكون ناتجةً عن إرادتهم المستقلّة عن أيّ تأثيرٍ خارجي، وإمّا أن تتم بإرادة الله وقدرته فقط، دون أن يكون لإرادة العبد أيّ تأثيرٍ فيها، وإمّا أن تؤثّر القدرة الإلهيّة مع الإرادة الإنسانيّة، في تحقيق الفعل.
والنحو الأول التفويض وهو مذهب المعتزلة: ويراد به هنا هو القول بـاستقلال الإنسان في إيجاد أفعاله، بشكلٍ ينقطع أثر الإرادة الإلهيّة عن فعله؛ سواء أكان توجيهًا مثل الأوامر والنواهي الإلهيّة، أم كان تأثيرًا مثل التوفيق والتسديد والخذلان. فلا سلطان لله وقدرته في الفعل الإنساني. ولازمه نفي الملكيّة التكوينيّة لله تعالى التي منحت الوجود للكائنات وأفاضت استمراره؛ فالمخلوق مفتقرٌ في بقائه إلى الخالق كافتقاره في أصل نشوئه، ممّا يجعل استقلاله عن السلطان الإلهيّ ممتنعًا عقلًا، لكونه خاضعًا للملكيّة التكوينيّة الدائمة .
والنحو الثاني الجبر وهو مذهب الأشاعرة: الذي هو نفي المؤثريّة لقدرة العبد وإرادته، وعدُّ أفعال العباد مخلوقةً لله مباشرةً بجميع تفاصيلها؛ ممّا يجعل الإنسان محلًّا لوقوع الفعل فقط، لا فاعلًا حقيقيًا؛ لأنّه مكرهٌ عليه، إذ الفعل مخلوقٌ لله، وحاصلٌ بإرادته، ولا إرادة للإنسان في إيجاده، ويفعله من غير أن يكون له قدرة على دفعه .
وأمّا النحو الثالث فهو الاختيار وهو عقيدة الإماميّة في أنّ الفعل الإنساني واقعٌ في رتبةٍ متوسطةٍ بين الجبر والتفويض؛ التي هي فاعليّةٌ مترتّبةٌ طوليًّا، أي إنّ الله تعالى هو منشئ القدرة فهو مسبّب الأسباب، والعبد هو المباشر للفعل باختياره وإرادته المستندة إلى الإذن الإلهيّ تكوينًا، مع بقاء القدرة الإلهيّة مهيمنةً وقادرةً على سلب هذا التمكين في أيّ آنٍ؛ فإنّ الله أعطى الإنسان القدرة والاختيار في فعل الفعل وتركه من غير جبرٍ ولا تفويض، مع قدرته على صرفه. وبناءً عليه فإنّ الفعل الإنساني - وإنْ صدر عن إرادة العبد واختياره - يظلّ مسبوقًا ومحفوفًا بالقدرة الإلهيّة التي تمدّ العبد بالوجود والتمكين لحظة وقوع الفعل، فالله تعالى هو العلّة التي تمنح الوجود ابتداءً وتديمه بقاءً، وبانقطاع هذا الفيض يمتنع صدور أيّ أثرٍ من العبد؛ إذ المعلول لا يملك غنىً عن علّته الموجِدة؛ لأنّ افتقاره في البقاء كافتقاره في الحدوث تمامًا؛ ممّا يجعل استقلاليّة الفعل عن المدد الإلهيّ محالًا عقليًّا. فتتسقّ هذه العقيدة مع البرهان العقليّ المستند إلى (قاعدة الإمكان الفقرِي)، ويعضد هذا البرهان الاستدلال القرآني في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ؛ حيث أثبت الرمي للعبد مباشرةً واختيارًا ونفاه عنه استقلالًا وتفويضًا، ليكون الفعل أمرًا بين أمرين.
ولا يستلزم هذا التصور تركيبًا في الفعل الصادر؛ لأنّ النسبة إلى الله تعالى هي نسبة إيجادٍ وإمداد، والنسبة إلى العبد هي نسبة اختيار ومباشرة؛ فالفعل واحدٌ بالذات، ومتعددٌ بالحيثيّة والاعتبار؛ ممّا يحفظ العدل الإلهي في الثواب والعقاب دون نفي السلطة التكوينيّة .
وفي الاختيار لا تعارض بين علم الله الأزلي وبين فعل العبد، فتعالى عالمٌ باختيار العبد قبل فعله أوتركه - إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل - فلو لم يكن مختارًا للزم كون علم الله بالعبد جهلًا.
الثاني: الحسن والقبح العقليّ
تُمثّل قاعدة الحسن والقبح العقليين الركيزة الأساسيّة لبناء الشخصيّة المسؤولة؛ فهي تعني أنّ الله تعالى منحنا عقلًا مبصرًا يدرك ببديهته وفطرته أنّ العدل والصدق قيمٌ حسنةٌ بذاتها تستحقّ الفعل والمدح من دون الحاجة الى أيّ تشريع، وأنّ الظلم والكذب رذائل قبيحةٌ تستحقّ الترك والذم.
وقد اختلفت الفرق الإسلاميّة في فاعليّة قاعدة الحسن والقبح من الجانب العقلي، فذهب الإماميّة والمعتزلة إلى وقوعها فعلًا، وذهب الأشاعرة إلى امتناعها. وتُعدّ قاعدة الحسن والقبح الأساس في أحكام العقل المستقلّة؛ لأنّ العقل من خلالها يقيّم أفعال الإنسان الاختياريّة، فيحدّد ما هو حسنٌ (ينبغي فعله)، وما هو سيّىءٌ (يجب تركه). إذ تنقسم مدركات العقل في الفكر الأصولي إلى صنفين:
أولًا: المستقلّات العقليّة
وهي القضايا التي ينفرد العقل بإدراك ملاكاتها ونتائجها دون توقّفٍ على بيانٍ شرعيّ. وتتألف البنية القياسيّة لهذا النوع من مقدّمتين عقليتين؛ الأولى تقرّر الحسن أو القبح الذاتي (كقولنا: العدل حسنٌ عقلًا، ويحسن فعله عقلًا)، والثانية تقرّر الملازمة بين حكم العقل وحكم الشارع، كقولنا: (كلّ ما حكمَ به العقل حكمَ به الشرع). وبموجب هذه الملازمة، تُدرج هذه الأحكام ضمن مبحث الملازمات العقليّة.
ثانيًا: غير المستقلّات العقليّة
وهي الأحكام التي يفتقر فيها العقل إلى الانفراد بالاستنتاج، حيث يتشكّل القياس فيها من مقدّمةٍ عقليّةٍ، وأخرى شرعيّة. ومثال ذلك (وجوب المقدّمة)؛ فالعقل يحكم بوجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به، لكنّه يحتاج ابتداءً إلى مقدّمةٍ شرعيّةٍ تثبت أصل وجوب ذي المقدمة (كوجوب الصلاة نصًّا). وسمّيت (غير مستقلّةٍ) لقصور العقل عن بلوغ النتيجة النهائيّة دون الاستناد إلى خطاب الشارع في إحدى مقدّمات القياس .
الثالث: القضاء والقدر
القضاء إمّا أن يكون بمعنى الخَلْق والإيجاد، وإمّا بمعنى الإلزام والإيجاب، وإمّا بمعنى الإعلام والإخبار. والقدر إمّا أن يكون بمعنى الخَلْق، وإمّا الكتابة. وفي معنى الاصطلاحين لغويًّا معانٍ أخرى اخترنا منها ما يناسب البحث ويوافقه .
استعمل القرآن الكريم القضاء بمعنى حكم الله، مثل قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ، أي حكمَ وأوجبَ وأمرَ فقضى، ولو كان جبرًا لما نهاهم عن غيره، ولكان الأمر عبثًا ، واستعمل القَدَر بمعنى التنظيم والتدبير(وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيرًا) ، ثم الإعلام والبيان( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) ، فذكر الشيخ الصدوق: «يجوز أن يقال: إنّ الأشياء كلّها بقضاء اللّه وقدره تبارك وتعالى بمعنى أنّ اللّه (عزّ وجلّ) قد علمها، وعلم مقاديرها» . ولهذا بين المحقّق الطوسي: «والقضاء والقدر إن أريد بهما خلق الفعل لزم المحال، أو الإلزام صحّ في الواجب خاصّة، أو الإعلام صحّ مطلقًا، وقد بيّنه أمير المؤمنين(عليه السلام)في حديث الأصبغ» . وتبعه العلّامة بقوله: «إن عني به الإلزام لم يصحّ إلّا في الواجب خاصّة، وإن عني به أنّه بينها وكتبتها وأعلم أنّهم سيفعلونها فهو صحيح؛ لأنّه قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ وبينه لملائكته، وهذا الأخير هو المتعيّن للإجماع على وجوب الرضا بقضاء الله وقدره» .
فالقول بأنّه تعالى قضى أعمال العباد وقدّرها، يعني أنّه أعلم بها الملائكة والرسل، وأخبرهم بأنّهم فاعلون لها، وكتبها في اللوح المحفوظ فهي بقضاء اللّه تعالى وقدره (أي حتم)، فلا يخرج بشيءٍ منها من قضائه وقدره، وإنْ أريد بالقضاء الإيجاب والإلزام، فاللّه تعالى ما ألزم وما أوجب إلّا الواجبات من أفعال العباد دون المباحات والقبائح. وإن أريد أنّه أوجدها وفعلها، فمعاذ اللّه أن يوجد الفواحش والكفر والفسوق والعصيان، سبحانه وتعالى وتقدّس عنها. أمّا الطاعات، فلو أوجدها لما استحقّ فاعلوها ثوابًا ولما كانوا مطيعين للّه تعالى بها .
يتّصل هذا البيان مع ما سبق من نفي القبح عن الله؛ فلو كان الله هو من أوجد المعاصي والقبائح لتعارض ذلك مع حكمته، ولو أوجد الطاعات لسلب العبد استحقاق الثواب. فالفعل الإنسانيّ قبل وقوعه يمرّ بتقديراتٍ ومساراتٍ متعدّدة، وما يتحقّق منها في الخارج واحد وقع عليه وقضى أمره لو لم يمنع عنه مانعٌ، هو ما اختاره العبد بتمكينٍ من الله ، ليكون القضاء والقدر إطارًا يجمع بين سيادة الخالق في الإمداد والتدبير، وبين مسؤوليّة المخلوق في المباشرة والاختيار حسنًا كان الاختيار أم قبيحًا.
ملاءمة الاختيار لفلسفة التكليف وحكمة الحسن والقبح العقليين
تنسجم عقيدة الاختيار تمامًا مع فلسفة التكليف؛ فكلّ الشرائع هي في الأصل خطابٌ يوجّه الإنسان نحو فعلٍ معيّنٍ أو تركه ، كالصلاة والصدق واجتناب الظلم. ولا يستقيم هذا التكليف منطقيًّا ما لم يمتلك الإنسان القدرة على التنفيذ بأن يكون موجدًا للفعل؛ إذ من المحال عقلًا أن نأمر العاجز أو ننهى من لا يملك إرادة، تمامًا كما يستحيل أن نطلب من الأعمى النظر؛ لأنّ «القدرة التي للعبد متقدّمةٌ على الفعل» ، بل كيف يمكن وصف الإنسان بالمحسن أو المسيء، ولا يُنسب إليه فعل الإحسان أو الإساءة على نحو الحقيقة؟!
ولا يتحقّق مفهوم الاختيار إلّا بوجود القدرة على سلوك طريق السمو أو السقوط. عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه (عزَّ وجلَّ) خلَقَ الخَلْق فعلم ما هم سائرون إليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيءٍ فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شيءٍ فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلّا بإذن اللّه» .
فالله تعالى وإن لم يرضَ لعباده الكفر تشريعًا، إلّا أنّه أوجدهم مختارين تكوينًا ليستفيدوا من الاختيار، ويسلكوا سبل الكمال والصلاح، ويتجنّبوا الانحراف والفساد، فلا يخرج فعلٌ في التكوين عن إرادته. وبناءً على التمييز بين ما هو مرادٌ أصالةً - كالخير والصلاح - وما هو مرادٌ تَبَعًا - كفسح المجال للإرادة البشريّة - تنقطع نسبة القبائح والشرور عن الذات الإلهيّة، وتستند مباشرة إلى إرادة الإنسان المستقلّة في اختيارها؛ فيكون مثل الكفر والمعصية ناتجًا من سوء الاختيار البشريّ .
فمن حكمة الله تعالى أن «خلق العباد قادرين ومختارين لأن يختاروا ما يشاؤون ويصلوا إلى الكمال الاختياريّ، والخلق المذكور عين لطف وحكمة؛ لأنّ التكامل الاختياريّ الذي هو من أفضل أنواع الكمالات، لا يحصل بدون اختيار العباد فيما يشاؤون. فما هو القبيح من الاستناد بدون وساطة المختارين لا وقوع له، وما وقع لا قبح فيه، وعليه يحمل ما ورد عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أنّه سئل عن أفعال العباد أهي مخلوقة لله تعالى، فقال: «لو كان خالقًا لها - أي بدون وساطة المختارين والقادرين - لما تبرّأ منها، وقد قال سبحانه: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وإنّما تبرأ من شركهم وقبائحهم » » .
ويقتضي التكامل الاختيار للإنسان بتهيئة ما يمكنه تحقيقه؛ وذلك بإرسال الأنبياء بالبراهين الواضحة، ومنح الإنسان قدرة التفكير ليتمكّن من تعيين سلوك الكمال.
ولولا التمكّن من الاختيار لما استقام التصديق بالنبوّات ولا الاستجابة للرسل، إذ إنّ الغاية من الرسالات السماويّة هي بناء الإنسان وردع الظلم، وهي أهداف لا تتحقّق إلّا مع وجود كائنٍ يمتلك القدرة والاختيار مع تمكّنه التام من خلافهما، ممّا يجعل مسؤوليته عن مصيره مسؤوليةً ذاتيّةً وتكليفًا اختياريًّا.
يروى أنَّ أمير المؤمنين(عليه السلام) عَدَلَ مِن عند حائطٍ مائلٍ إلى حائطٍ آخر. فقيل له: يا أمير المؤمنين، تَفرُّ مِن قضاء الله؟! قال: «أفرُّ مِن قضاء الله إلى قَدَر الله عَزَّ وجَلَّ» ؛ ومقصوده (عليه السلام) أنّ اللّه كما قضى على الحائط السقوط قدر عمري باقيًا بعد ذلك، فأفرّ من قضاء الله المتعلّق بسقوط الحائط إلى قدر الله المتعلّق بحياتي ، وهذا يثبت الإرادة والقدرة على الاختيار، وحسن الفعل، وقبح ترك المحذور، «فيجمع بين القضاء الحتم واختياريّة الأفعال، بكون القضاء الحتم متعلّقًا بوجود القدرة والاختيار في العباد، فالعبد المختار مع وجوده وكونه مختارًا، ممكنٌ معلولٌ محتاجٌ إليه تعالى، ولو كان العبد مضطرًّا ومجبورًا، تخلّف قضاؤه الحتم في وجود العبد المختار» ، فإنّ الله قدّر وقوع الفعل وأنفذه بشرط صدوره عن إرادة العبد. ولمّا كان الإنسان مأمورًا شرعًا وعقلًا بتحسين المقدّمات، لأنّ القضاء النهائي سيكون ثمرةً لما قدّمه من اختيار، فيُرفع عنه عذر الجبر، ويضعه أمام مسؤوليةٍ مباشرةٍ عن مصيره.
بيّن القرآن الكريم قانون الاختيار في آيةٍ مركبّةٍ من جملتينِ شَرطيّتين، يليهما تعليلٌ: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفسِه وَمَن أَسَاء فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ للعَبِيدِ﴾ ، فقد نسب فيهما الفعل للإنسان وعلّله باختياره فلا إكراه على فعلٍ ولا جزاء من غير عملٍ، فمنحه الاختيار وعليه تحمّل النتيجة، فالله ليس بظلّامٍ له، ليكلّفه بلا قدرة على العمل، أو بما لا يُطاق، أو يسلب عنه الإرادة، أو يجبره على فعلٍ نهاه عنه. نُقل عن الإمام الرضا(عليه السلام) أنّه ذُكر الجبر والتفويض عنده، فقال: «إِنَّ الله لَم يُطَع بِإِكرَاهٍ، وَلَم يُعصَ بِغَلَبةٍ، وَلَم يُهمِلِ العِبَاد فِي مُلكِهِ، هُوَ المَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُم، وَالقَادِرُ عَلَى مَا أَقدَرَهُم عَلَيهِ، فَإِنِ ائتَمَرَ العِبادُ بِطَاعَةٍ لَم يكُن الله عَنهَا صَادًا وَلَا مِنهَا مَانِعًا، وَإِنِ ائتَمَرُوا بِمَعصِيَةٍ فَشَاءَ أَن يَحُولَ بَينَهُم وَبَينَ ذَلِكَ فَعَلَ، وَإِن لَم يَحُل وَفَعَلُوهُ فَلَيسَ هُوَ الَّذِي أَدخَلَهُم فِيهِ» . وعن الإمام الصادق(عليه السلام) : «... وأمّا العَدلُ فَأَلَّا تَنسُبَ إِلَى خَالِقِكَ مَا لامَكَ عَلَيهِ» .
والفعل الاختياري حكمٌ ضروريٌّ ينشأ من تشخيص الإنسان للحسن وفعله، والقبح وتركه، فهو يوافق بديهية العقل في حسن مدح فعل المحسن وقبح ذمه، وقبح مدح فعل المسيء، ومدح ذمّه، مثل مدح المؤمن على إيمانه، وذمّ الكافر على كفره، أي يكون للعقل دورٌ في الحكم الضروري «فإنّ كلّ عاقلٍ يحكم بحسن مدح من يفعل الطاعات دائمًا، ولا يفعل شيئًا من المعاصي، ويبالغ بالإحسان إلى الناس، ويبذل الخير لكلّ أحدٍ، ويعين الملهوف، ويساعد الضعيف، وأنّه يقبح ذمّه. ولو شرع أحد في ذمّه باعتبار إحسانه عدّه العقلاء سفيهًا، ولامه كلّ أحد.. ويحكمون حكمًا ضروريًّا بقبح مدح من يبالغ في الظلم، والجور، والتعدي، والغضب، ونهب الأموال، وقتل الأنفس، ويمتنع من فعل الخير وإنْ قلَّ، وأنّ من مدحه على هذه الأفعال عُدّ سفيهًا، ولأمه كلّ عاقل» ، (مَن يَعمَل سُوءًا يُجزَ بِهِ) . وفي حديثٍ لأمير المؤمنين(عليه السلام) في ذمّ الجبر وحسن الاختيار بأنّه لو كان الإنسان مجبورًا غير مختارٍ «لم تكن على مسيءٍ لائمة، ولا لمحسنٍ محمدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالإحسان من المحسن» .
إنَّ المدح والقدح للأشخاص المختلفين في كلّ المجتمعات البشريّة الدينيّة وغير الدينيّة، علامةٌ على أَنّ المادح أو القادح عدَّ الممدوح، أو المقدوح فيه، مختارًا في فعله، وإلاّ لما كان المدح والقدح منطقيًّا، ولا مبرَّرًا .
بناءً على ما تقدّم، تقتضي الحكمة الإلهيّة في تكليف الإنسان أن يكون مختارًا متمكّنًا من الفعل، من دون إكراه يسلب إرادته؛ إذ القدرة الاختياريّة للفعل شرطٌ أساسٌ في تكليفه واختياره الفعل بين الحسن والقبيح، أمّا اختياره للشرّ فهو قرارٌ نابعٌ من إرادته المحضة دون جبر، والفعل الحسن أو القبيح هو مقدّمةٌ لنوع القضاء المعلوم لله سابقًا.
دافعيّة الإرادة وشكل الفعل الاختياريّ
تقترن مشروعيّة مدح الفعل وذمّه بمبدأ الاختيار؛ إذ يُعدُّ استحقاق العقاب أو الثواب فرعًا لصدور الفعل عن إرادة الذات وحريّتها «وإنّما يحسن هذا المدح والذمّ لو كان الفعلان صادرين عن العبد، فإنّه لو لم يصدر عنه لم يحسن توجّه المدح والذمّ إليه» . فلو انتفت نسبة الفعل إلى العبد، لاستحال عقلًا توجيه اللوم إليه أو الثناء عليه، إذ لا يَحسُن ذمُّ من لا قدرة له على الترك، ولا مدحُ من لا خيار له في الفعل. وبناءً عليه، فإنّ القضاء الإلهيّ ومصير الإنسان يرتسمان وِفق ما تقرّره هذه الإرادة الحرّة والقدرة على اختيارها.
ومعنى الاختيار أن يكون المتولّد من أفعالنا مستندًا إلينا ؛ أي إنّ فعل الانسان ناشئٌ من نفسه، لا من إرادةٍ أخرى، بنحوٍ يكون الفعل جائز الترك لا ممتنع، أي يمكن أن يفعله، ويمكن أن يتركه - حتى لو خالف رغبة الإنسان وميله النفسي نحو فعلٍ ما - وهو ما يجمع القدرة عليه واختياره في فعله أو تركه، أي «أنّ ذات العبد علّةٌ فاعليّةٌ لوجوب الفعل بإعداد معدٍّ أو شرطيّة شيءٍ، لا أنّ غيره علّةٌ فاعليّةٌ له، فلمّا كان العبد فاعلًا للفعل ووجوبه، لم يكن الفعل مخلوقًا للّه تعالى، ولمّا كان فاعليّته لوجوب الفعل بسبب داعٍ مستندٍ بوسائط كثيرةٍ إلى الله تعالى، لم يكن الفعل مفوَّضًا إليه، وهذا معنى كون الأمر بين الأمرين» .
لذا يدرك الإنسان بعلمه الحضوري قدرته على إحداث الفعل أو تركه، فمثلًا يمكن للإنسان أن يتكلّم أو يصمت، أو يأكل أو يترك باختياره من غير إرادةٍ خارجيّةٍ ترغمه عليه، بمعنى أنّ الاختيار متأصّلٌ في النفس، وأنّ إنكار السببيّة بين الفعل واختياره خلاف حكم العلم الحضوري والوجدان، وهي سببيّةٌٌ طوليّةٌ ـ ليست عرضيةً مستقلّةً ـ تشهد على وجود رابطة العليّة والتأثير. قال العلّامة الطباطبائي v: «انتساب الفعل إلى الواجب تعالى بالإيجاد لا ينافي انتسابه إلى غيره من الوسائط، والانتساب طوليّ لا عرضيّ» . فكما أنّ وجود المخلوقين لا يتنافى مع التوحيد الذاتي؛ لأنّ وجودهم منه تعالى وفي طول وجوده، كذلك تأثيرهم في الأشياء لا ينافي حصر المؤثّر الاستقلالي فيه تعالى، كما يقتضيه التوحيد الأفعالي؛ لأنّ تأثيرهم بإذنه تعالى وينتهي إليه ، إذ «إنّ الارادة التكوينيّة علّةٌ تامّةٌ لوقوع الفعل، فعند تعلّقها بالفعل مع توافر شروط التأثير والايجاد لا يتخلّف الفعل عن الوقوع والحدوث بحالٍ من الأحوال. أمّا الإرادة التشريعيّة فليست علّةً تامّةً لوقوع الفعل، وإنّما هي جزءٌ من أجزاء العلّة لوقوع الفعل، وليست هي الجزء الأخير الذي به تتم العلّة فيصدر عنها الفعل، وإنّما الجزء الأخير الذي تتم به العلّة فيصدر عنه الفعل هو إرادة الإنسان، فإن أراد الإنسان الفعل تمّت العلّة ووقع الفعل، وإن لم يرده لا يقع.
وبتعبيرٍ آخر: إنّ اللّه أراد وقوع الفعل المأمور به شرعًا، وأراد عدم وقوع الفعل المنهي عنه شرعًا، لكن إرادته تعالى هنا إرادة شرعيّة لا كونيّة، وترك تماميّة العلّة لاختيار الإنسان؛ وذلك ليصحّ التكليف، ويحسن الحساب، وما يترتب عليه من ثوابٍ أو عقاب. ومن هنا سمّيته بـ(الاختيار) للزوم وجود عنصر الاختيار في تحقّق الفعل الإرادي من الإنسان» .
إنّ الفعل الإرادي تابعٌ للقصد والداعي اللذين يحدّدان صفته من حيث الحُسن والقبح. ورغم أنّ ترجيح الفعل وفاعليّة الإرادة يتأثران بالمصالح والضرورات، فإنّ هذه العوامل تُعدُّ مقتضيات ومُهيِّئات للفعل لا عللًا تامّةً له؛ وبذلك لا يُسلب من المكلَّف حريّة الاختيار، بل يبقى الفعلُ في نهايته مرجوعًا إلى محض إرادته، وهي العلّة الأخرة من سلسلة علل الفعل، قال العلّامة الحِلّي: «إنّا نعلم بالضرورة: أنّ أفعالنا إنّما تقع بحسب قصودنا ودواعينا، وتنتفي بحسب انتفاء الدواعي، وثبوت الصوارف» . فقدرة الاختيار والإعراض من الإنسان بحسب الداعي، وخلاف الحكمة أن يكون الداعي في قرار الإنسان حسنًا فيتركه أو سيّئًا فيقدم عليه، مثل الطعام عند الجوع وتركه حين معرفته مسمومًا أو الشراب عند العطش وتوفره وتركه إذا كان محذورًا، فكلّ هذه الاختيارات مع توفّر الداعي وانتفاء المانع إنّما تقع بحسن الاختيار أو قبحه.
فالمسبّب هو الاقتضاءات والحكمة وحسن الاختيار العقليّ في الفعل أو الترك، وهي سببيّةٌ طبيعيّةٌ بين قدرة الذات الفاعلة والفعل، أي بين الفعل النفسيّ الباعث للإيجاد والفعل الخارجي المتحقّق. وهي سببيّةٌ طوليّةٌ غير مستقلّةٍ عن النظام العلّي الذي أوجده الله تعالى وربط الموجودات به، فهي قدرةٌ بإذن الله وإرادته، فلا يكون إلّا ما يريده الله ، فلا يخرج عن التوحيد الأفعاليّ؛ لانتهاء العلل إليه.
وما مادام لإرادة الإنسان حريّة وقدرة في تعيين نوع الفعل وشكله، فهي فاعلةٌ في شكل القضاء على الإنسان؛ لأنّ «القَضاء والقَدَر في مجال أفعال الاِنسان لا ينافيان اختياره، وما يوصف به من حرّية الاِرادة قط؛ لأنَّ التقديرَ الإلَهيَّ في مجال الاِنسان هو فاعليّتُهُ الخاصّة، وهو كونه فاعلًا مختارًا مريدًا، وأن يكون فعلُهُ وتركُهُ لأيّ عَمَلٍ تحت إختياره وبإرادته. إنّ القضاء الإلهي في مجال فعلِ الإنسان هو حتميَّتُهُ وتحقُّقهُ القطعيُّ بعد إختيار الإنسان له بإرادته» .
ومعنى أن تكون أفعالنا بقضاء الله وقدره أنّها واقعةٌ بإيجابه وحكمه وعلمه، وليست بإيجاده تعالى وخلقه، إذ الإيجاد جبر وإكراه، خلافًا للإيجاب والحكم، حينما يترك أن يختار بإراداته إيجاد الفعل بعد أن بيّن الله تعالى نتيجته ومآله على وفق تقديرٍ مسبقٍ.
ننتهي إلى القول بأنّ فعل الإرادة وتأثرها بالقصود والدواعي والضرورات والاقتضاءات هو المؤثّر على نوع الفعل حسنًا كان أو قبيحًا، وينتهي هذا إلى أنّ الإنسان هو من يرسم قضاءه بلا إكراه ولا تفويض مستقل، وهو ماعناه المعصوم بالأمر بين الأمرين.
أثر التسديد الإلهيّ لحسن الاختيار
ويتدخّل التسديد الإلهي في أفعال العباد من دون أن يصل إلى الإكراه، وذلك حينما يسهّل الله للعبد أن يختار طريق الخير من دون محوٍ لإرادته. كما يتدخّل الخذلان الإلهيّ في بعض الأفعال القبيحة من دون أن يصل إلى مرحلة سلب الاقتدار من الفعل أو تركه، بل يرفع عنايته عنه مع بقائه مقتدرًا على الفعل والترك؛ لأنّ الخذلان فقدان للمدد والمساعدة. مثل ذلك مثل الإيمان بالله، فإنّ العبد يشكر الله تعالى ليس على الإيمان نفسه، بل على إقداره وتمكينه وتوفيقه على تحصيل أسبابه .
تتضح أصول هذا في جواب أمير المؤمنين(عليه السلام) عمّن سأله عن القدر، فقال(عليه السلام): «... أما إذا أبيَتَ فإنّي سائلُك: أخبرني أكانت رحمة الله للعباد قبل أعمال العباد أم كانت أعمال العباد قبل رحمة الله؟ قال: فقال له الرجل: بل كانت رحمة الله للعباد قبل أعمال العباد... قال: وانطلق الرجل غير بعيدٍ، ثم انصرف إليه، فقال له: يا أمير المؤمنين، أبالمشيّة الأولى نقوم ونقعد ونقبض ونبسط؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): وإنّك لبعيدٌ في المشيّة، أما إنّي سائلك عن ثلاثٍ لا يجعل الله لك في شيءٍ منها مخرجًا: أخبرني أخلق الله العباد كما شاء أو كما شاؤوا؟ فقال: كما شاء، قال: فخلق الله العباد لما شاء أو لما شاؤوا؟ فقال: لما شاء، قال: يأتونه يوم القيامة كما شاء أو كما شاؤوا؟ قال: يأتونه كما شاء، قال: قم فليس إليك من المشيّة شيءٌ» .
ويستفاد من الحديث تأثير العامل الإلهيّ على شكل الفعل فمن جهة هو اختيار الإنسان، ومن جهةٍ أخرى تأثير التسديد الإلهي؛ فقد علّق العلّامة الطباطبائي v على أسبقيّة صفة الرحمة الإلهيّة وتقدّمها على الفعل الإنساني قائلًا: « ولا معنى لتقدّمها مع عدم ارتباطها بها وتأثيرها فيها، فقد نظم الله الوجود بحيث تجري فيه الرحمة والهداية والمثوبة والمغفرة، وكذا ما يقابلها، ولا يوجب ذلك بطلان الاختيار في الأفعال، فإنّ تحقّق الاختيار نفسه مقدّمةٌ من مقدّمات تحقّق الأمر المقدَّر، إذ لولا الاختيار لم تتحقّق طاعة ولا معصية، فلم يتحقّق ثوابٌ ولا عقابٌ، ولا أمرٌ ولا نهيٌّ، ولا بعثٌ ولا تبليغ، ومن هنا يظهر وجه تمسّك الإمام (عليه السلام) بسبق صفة الرحمة على العمل، ثم بيانه (عليه السلام) أنّ لله مشيّةً في كلّ شيءٍ، وأنّها لا تغلو ولا تغلبه مشيّة العبد، فالفعل لا يخطئ مشيّته تعالى، ولا يوجب ذلك بطلان تأثير مشيّة العبد، فإنّ مشية العبد إحدى مقدّمات تحقّق ما تعلّقت به مشيّته تعالى، فإن شاء الفعل الذي يوجد بمشيّة العبد فلا بدّ لمشيّة العبد من التحقّق والتأثير» .
يعتقد بعضٌ أنّ السلوكيّات الخاطئة والعصيان ناشئٌ من التقدير الإلَهيّ فلا يمكن تغييره، ممّا يضعِف لديهم روح المبادرة، إلّا أنّ المنطق الدينيّ يؤكّد أنّ الإنسان ليس مجرد متلّقٍ للأحداث؛ بل هو صانعٌ لقراره، فبإرادته الواعية وتوفيق الوحي وتوجيهاته أمتلك التمكين الكامل؛ ليختار طريق الصلاح أو الانجراف نحو الخطأ (إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) .
اتّخذ المتكلّمون من استحالة القبح على الذات الإلهيّة مرتكزًا لنقض مقولة الجبر؛ إذ يلزم عنها نسبة الأفعال القبيحة الصادرة من الإنسان إلى الله تعالى، وهو أمرٌ مستنكرٌ في العقل والشرع. بخلاف القول بالاختيار، الذي يحصر نسبة القبح في فعل العبد، ليظهر فعله كاشفًا عن الخذلان الإلهيّ له في ذلك المورد نتيجة سوء اختياره، لا عن صدور القبيح منه سبحانه. وهذا ما يجعل من فلسفة الحسن والقبح أحد الركائز التي قامت عليها عقيدة الاختيار.
الحصيلة المعرفيّة:
اختيار الانسان عقيدة تتوسط الحسن العقلي والقضاء الإلهيّ
ومفاد القول في الاختيار أنّه يصدر عن إرادةٍ واعية؛ إثر مواءمةٍ بين النفس والفعل وارتفاعٍ للنفور عنه؛ إذ يحكم العقل بموجبه أنّ اختيار فعلٍ ما سبيلٌ نحو الكمال، وأنّ العدول عن نقيضه استقباحٌ لما فيه من نقص. وسواءٌ أكان الإقدام على الفعل لملائمته الطبع بوصفه كمالًا مثل إعانة المحتاجين والعدل، أم كان الإعراض عن نقيضه استهجانًا له ونفرةً منه بوصفه نقصًا مثل الاستغلال والاحتكار والظلم؛ فإنّ ذلك كلّه منوطٌ بإدراك الفاعل لِـما ينبغي فعله؛ فيغدو الإقدام عليه محلًّا لمدح العقلاء - بما هم عقلاء - أو ممّا ينبغي أن يترك، فلو أقدم عليه لكان موضع لوم وانتقاص العقلاء بما هم عقلاء ، فإدراك ما ينبغي فعله، وما لا ينبغي لم يأتِ إلّا بعد أن يدرك العقل ملاءمة الشيء للنفس أو مجافاته لها، أو يدرك كمال الشيء أو نقصه.
والإدراك بهذا المعنى هو الذي يُسمّى بالعقل العملي؛ أي: ما ينبغي أن يُعْمَل مثل حسن العدل وقبح الظلم، ويقابله ما يُسمّى بالعقل النَّظري؛ أي: ما ينبغي أن يُعْلَم كإدراك العقل أنّ الكلّ أعظم من الجزء، وأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.
تلك المساحة التي يدعو الإدراك العقل فيها إلى العمل أو الترك بعد العلم، أي: يكون سببًا لحدوث الإرادة في نفسه للعمل وفعل ما ينبغي ؛ فيُقدِم عليه طوعًا التماسًا لذلك الكمال، أو يتركه لدفع ذلك النقص؛ كما هو الحال في خُلقَي الكرم والشجاعة؛ إذ يدرك العقل أنّ أفعال الكرم ممّا يُستحسن فعلُها فيفعلها، وأنّ أفعال البخل ممّا يُستقبح إتيانُها فيتجنبها؛ إذ الموضوعات تنطوي على قيمٍ ذاتيّةٍ جاذبةٍ للعقل على فعلٍ أو منفرّة له، بغير إكراهٍ أو قهرٍ.
القضاء والقَدَر هما علم الله الأزلي وتدبيره الفعلي في نظام الخِلْقة وتفاصيل الوجود؛ ففي مرتبة العلم يمثّلان المخطّط الإلهي الدقيق والنظام الشامل الذي رسمه الخالق لكلّ شيءٍ قبل وجوده، فالله سبحانه رسم مقادير الأشياء وأتمّ نظامها قبل خلقها، أمّا في مرتبة الفعل فكلّ مخلوقٍ له نظامٌ وتصميمٌ يسمّى القَدَر، وله تحقّقٌ فعليٌّ ونهائيٌّ يسمّى القضاء؛ إذ إنّ كلّ فعلٍ مقدّرٍ بالمقادير، ومستندٍ إلى عّلته التامّة الموجبة له. ويدلّ قوله تعالى: (إِذَا قَضَى أَمرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) على هذا التنفيذ المباشر للأمر الإلهي، ليكون الكون كلّه محكومًا بين علمٍ سابقٍ وأمرٍ نافذٍ يجسّد عظمة الخالق وإحكام نظامه . فحين نعلم أنّ لكلّ شيءٍ هندسةً ربانيّةً دقيقةً وهي القَدَر، وأمرًا نافذًا بوقته المعلوم وهو القضاء؛ ندرك أنّنا نتحرّك في ظلّ نظامٍ مُحكمٍ يجمع بين رعاية الخالق وسعي المخلوق.
ومآل هذا البيان إلى أنّ وصف اختيار الإنسان بالحسن أو القبح ناتجٌ من كون الإرادة البشريّة جزءًا أصيلًا في اختيار الإنسان لفعله؛ وعلى هذا الأساس جرى القدر الإلهي بربط النتائج بمقدّماتها الاختياريّة. فإنّ «أفعالنا من جهةٍ هي أفعالنا حقيقةً، ونحن أسبابها الطبيعيّة، وهي تحت قدرتنا واختيارنا، ومن جهةٍ أخرى هي مقدورةٌ لله تعالى وداخلةٌ في سلطانه؛ لأنّه هو مفيض الوجود ومعطيه، فلم يجبرنا على أفعالنا حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي؛ لأنّ لنا القدرة والاختيار فيما نفعل، ولم يفوّض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق والحكم والأمر، وهو قادرٌ على كلّ شيءٍ، ومحيطٌ بالعباد» . فالله (عزَّ وجلَّ) قدّر النتائج بناءً على مقدّماتها، ومن أهمّ هذه المقدّمات اختيار الإنسان وحريّة إرادته بلا إكراه وجبر؛ لأنّ العقل يدرك أنّ الأفعال لها صفاتٌ ذاتيّةٌ فالعدل حسن والظلم قبيح بذاتهما بمعزلٍ عن القَدَر؛ لذا فإنّ إرادة الإنسان هي العلّة التي ترجّح كفّة الفعل الحسن على القبيح.
تتكامل رؤية القضاء والقدر مع قاعدة الاختيار لتشكّل منظومةً كلاميّةً ذات أثرٍ تربويّ قوامها العدل والمسؤوليّة؛ فالقضاء في أفعال العباد ليس جبرًا على الفعل؛ إذ لو كان الإنسان مجبرًا لكانت الأوامر والنواهي عبثًا يتنزّه عنه الحكيم. أمّا القَدَر فهو تنظيم وتدبير، ويعني علم الله بمقادير الأشياء وكتابتها في اللوح المحفوظ بناءً على ما سيختاره العبد بمحض إرادته، ممّا يجعل التقدير الإلهي إحاطةً علميةً وإعلامًا للملائكة، لا قسرًا للعبد على سلوكه. إنّ الله علم بما سيختاره الإنسان بمحض إرادته. أمّا القضاء الفعلي فلا يتحقّق إلّا باستجماع الأسباب، التي تشكّل الإرادة الإنسانيّة الركن الأساس فيها، ممّا يجعل الإنسان مسؤولًا عن حسن اختياراته لكونها ما سيقضي الله عبرها التقدير الإلهيّ. ذلك أنّ نظام القَدَر ربط النتائج الطيّبة بالاختيارات الحسنة، والنتائج السيئة بالاختيارات القبيحة؛ ليكون تنفيذ القضاء جاريًا على وفق استحقاقٍ عقليّ بناه الإنسان بفعله.
قائمة المصادر
ابن منظور، محمد بن مكرم الرويفعي الإفريقى (ت: 711هـ)، لسان العرب، ط2، بيروت: دار صادر،1414 هـ.
آصف محسني، محمد، صراط الحق في المعارف الإسلاميّة والأصول الاعتقاديّة، ط1، قم: ذوي القربى، 1428هـ.
الآمدي، علي بن أبي علي الثعلبي (ت: 631 هـ) ، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، بيروت: المكتب الإسلامي.
الحرّاني، الحسن بن علي، تحف العقول، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط2، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، 1404 ه.
الحكيم، محمد تقي، الأصول العامّة في الفقه المقارن، ط1، إيران، مطبعة ذوي القربى، قم، 1428.
الحِلّي، الحسن بن يوسف بن المطهَّر (العلّامة) (ت: ٧٢٦ هـ)، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ط 5، تحقيق: جعفر السبحاني، إيران، مؤسّسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، ١٤34هـ.
----------، نهج الحق وكشف الصدق، السعودية: علّق عليه: الشيخ عين الله الحسني الأرموي، قدّم له: السيّد رضا الصدر، قم: دار الهجرة، 1414 ق.
الخرّازي، محسن، بداية المعارف الإلهيّة في شرح عقائد الإماميّة، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، 1366 ش.
الرازي، فخر الدين، المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق: طه جابر العلواني، ط٣، مؤسّسة الرسالة، ١٤١٨-١٩٩٧.
الزنجاني، إبراهيم الموسوي، عقائد الإماميّة الاثني عشريّة، ط5، قم: انتشارات حضرت مهدى، 1402 ه - 1982 م.
السبحاني، جعفر، العقيدة الإسلاميّة على ضوء مدرسة أهل البيت ع، ط1، قم: مؤسّسة الصادق 8، 1419 ه - 1998 م.
---------- مفاهيم القرآن، ط٤، إيران: مؤسّسة الإمام الصادق، قم: ١٤٣١.
الحمصي، سديد الدين، المنقذ من التقليد والمرشد الى التوحيد، 1/193، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم،1412.
شبر، عبد الله (ت: 1242 ه)، حق اليقين في معرفة أصول الدين، ط1، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1418 ه - 1997م.
شريعتمدار، الاسترآبادي، محمد جعفر، البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة، الإعداد والتحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الإسلامي، ط1، قم: بوستان كتاب، 1424هـ.
الصدوق، محمد علي بن الحسين بن بابويه القمي، التوحيد، تحقيق: السيّد هاشم الحسيني الطهراني، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي.
----------، معاني الأخبار، تحقيق: علي أكبر الغفاري، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي.
الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، ط١٤، تحقيق: عباس علي السبزواري، إيران/ قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، ١٤١٧.
----------، الميزان في تفسير القران، إيران: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.
الطبرسي، الاحتجاج، تحقيق: محمد باقر الخرسان، العراق: دار النعمان، ١٣٨٦ -١٩٦٦.
الغزالي، محمد بن محمد الطوسي، المستصفى، ط ١، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت: دار الكتب العلميّة، ١٤١٣ -١٩٩٣.،
الفضلي، عبد الهادي، خلاصة علم الكلام، قم: مؤسّسة دار الكتاب الإسلامي.
الكفعمي، جمال الدين أحمد بن علي، معارج الأفهام إلى علم الكلام، تحقيق: عبد الحليم عوض الحِلي، كربلاء: دار مخطوطات العتبة العبّاسيّة، 1430هـ - 2009م.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، ط، 2، بيروت: مؤسّسة الوفاء، 1403 ه، 1983 م.
المظفّر، محمد رضا، أصول الفقه، ط٤، تحقيق: رحمة الله اﻷراكي، إيران/ قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، ١٤٢٨.
المفيد، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، الإرشاد في معرفة حجج الله علي العباد، تحقيق: مؤسّسة آل البيت % لتحقيق التراث، ط2، قم: دار المفيد، 1414 ه - 1993م.