البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

رِسَالَةُ الإمام الهادي(عليه السلام) إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَازِ في الْجَبْرِ وَالتَّفْوِيضِ

الباحث :  ---
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  38
السنة :  ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 16 / 2026
عدد زيارات البحث :  123
تحميل  ( 447.741 KB )
الملخّص

تبيّنُ رسالةُ الإمامِ علِيّ الهادي موقفًا وسطًا في مسألة الجبر والتفويض، فترفضُ القولَ بالجبر؛ لأنّه يقتضي نسبةَ الظلمِ إلى اللهِ تعالى، إذ لا يصحّ عقلًا أن يُجبَر العبدُ على المعصية، ثم يُعاقَب عليها. كما ترفضُ التفويضَ بمعنى إهمالِ الخلقِ وتركهم مستقلّين تمامًا؛ لأنّه ينافي سلطانَ اللهِ وقدرتَه وتدبيرَه. وتؤسّسُ الرسالةُ لمبدأ (الأمر بين الأمرين)، حيث يكون الإنسان فاعلًا مختارًا ضمن قدرةٍ منحَها اللهُ له؛ فالاستطاعة ملكٌ من الله، بها يطيعُ أو يعصي، وبها يستحقُّ الثوابَ أو العقابَ. وتوضّح أنّ التكليفَ يقومُ مع توفّر شروطٍ مثل العقلِ والقدرة، وأنّ أفعالَ العبادِ تقع بقدرةٍ أودعها اللهُ فيهم دون أن يخرجوا عن مشيئته. وبذلك يتحقّق التوازنُ بين إثبات عدلِ اللهِ وإثباتِ مسؤوليّةِ الإنسان، بعيدًا عن الإفراطِ في نفي الاختيار أو المبالغة في الاستقلالِ عن الإرادةِ الإلهيّة.

الكلمات المفتاحيّة:
الأمر بين الأمرين، الجبر والتفويض، الاستطاعة، الإمام الهادي(عليه السلام)، الفاعل المختار.


رِسَالَة الامام الهادي(عليه السلام) إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَازِ في الْجَبْرِ وَالتَّفْوِيضِ
ومِمَّا أَجَابَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ(عليه السلام) فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَازِ حِينَ سَأَلُوهُ عَنِ الْجَبْرِ والتَّفْوِيضِ أَنْ قَالَ: «من عَلِيّ بن محمّدٍ؛ سلامٌ عليكم وعلى من اتّبع الهدى ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، فإنّه ورَدَ عَلَيّ كتابُكم، وفهمتُ ما ذكرتم من اختلافِكم في دينكم، وخوضِكم في القدر، ومقالةِ من يقولُ منكم بالجبرِ، ومن يقولُ بالتفويضِ، وتفرّقِكم في ذلك، وتقاطعِكم وما ظهرَ من العداوةِ بينكم، ثمّ سألتموني عنه وبيانه لكم، وفهمت ذلك كلّه.
اعلموا - رحمَكم اللهُ - أنّا نظرنا في الآثارِ وكثرةِ ما جاءت به الأخبارُ فوجدناها عند جميعِ من ينتحلُ الإسلامَ ممّن يعقلُ عن اللهِ (جلَّ وعزَّ) لا تخلو من معنيين: إمّا حقّ فيُتّبع، وأمّا باطل فيُجتنب. وقد اجتمعت الأمّةُ قاطبةً لا اختلافَ بينهم أنَّ القرآنَ حقٌّ لا ريبَ فيه عند جميع أهل الفِرقِ، وفي حالِ اجتماعِهم مقرّون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون مهتدون، وذلك بقول رسول اللهJ: «لاتجتمعُ أمّتي على ضلالة» ، فأخبر أنّ جميع ما اجتمعت عليه الأمّةُ كلّها حقٌّ، هذا إذا لم يخالف بعضُها بعضًا، والقرآن حقٌّ لا اختلاف في تنزيله وتصديقه، فإذا شهدَ القرآنُ بتصديقِ خبرٍ وتحقيقه، وأنكرَ الخبرَ طائفةٌ من الأمّةِ؛ لزمهم الإقرار به ضرورةً حين اجتمعت في الأصلِ على تصديقِ الكتاب، فإنْ هي جحدتْ وأنكرتْ لزمَها الخروجُ من الملّة.
فأول خبرٍ يُعرف تحقيقُه من الكتاب وتصديقُه والتماسُ شهادتِهِ عليه، خبرٌ ورَدَ عن رسولِ اللهِJ، ووجدَ بموافقة الكتاب وتصديقه بحيث لا تخالفه أقاويلهم؛ حيث قال:«إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلينِ: كتاب الله وعترتي - أهل بيتي - لن تضلّوا ما تمسكتم بهما، وأنّهما لن يفترقا حتى يَرِدا عَلَيّ الحوضَ» ، فلّما وجدنا شواهدَ هذا الحديثِ في كتابِ اللهِ نصًّا مثل قوله (جلّ وعزّ): (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ* وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) . وروت العامةُ في ذلك أخبارًا لأميرِ المؤمنينَ(عليه السلام) أنّه تصدّق بخاتمه وهو راكعٌ؛ فشكرَ اللهُ ذلك له، وأنزلَ الآيةَ فيه. فوجدنا رسولَ اللهِJ قد أتى بقوله: «من كنتُ مولاهُ فعلِيّ مولاهُ» ، وبقوله: «أنتَ منّي بمنزلةِ هارون من موسى إلّا أنّهُ لا نبيَّ بعدي» . ووجدناه يقول: «علِيّ يقضي دَيني، وينجزُ موعدي، وهو خليفتي عليكم من بعدي» .
فالخبرُ الأوّلُ الذي اُستنبطت منه هذه الأخبار خبرٌ صحيحٌ مجمعٌ عليه لا اختلافَ فيه عندهم، وهو أيضًا موافقٌ للكتاب، فلما شهدَ الكتابُ بتصديق الخبر، وهذه الشواهد الأُخرُ؛ لزمَ على الأمّة الإقرارُ بها ضرورة إذا كانت هذه الأخبار شواهدها من القرآن ناطقة، ووافقت القرآنَ، والقرآنُ وافقها، ثمّ وردتْ حقائقُ الأخبارِ من رسولِ اللهJ عن الصّادقينَ(عليه السلام)، ونقلها قومٌ ثقاتٌ معروفون؛ فصار الاقتداءُ بهذه الأخبارِ فرضًا واجبًا على كلّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ، لا يتعدّاه إلّا أهل العناد، وذلك أنّ أقاويل آل رسول اللهJ متصلة بقول الله، وذلك مثل قوله في محكم كتابه :(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) ، ووجدنا نظير هذه الآية قولَ رسولِ اللهJ: «من آذى عليًّا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللهَ، ومن آذى اللهَ يوشك أن يُنتقم منه» ، وكذلك قولهJ: «من أحبَّ عليًّا فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبَّ الله» ، ومثل قولهJ في بني وُلَيْعَة: «لأبعثنّ إليهم رجلًا كنفسي، يحبُّ اللهَ ورسولَه ويحبُّه اللهُ ورسولَه، قم يا عليُّ، فَسِرْ إليهم» ، وقولهJ يوم خيبر: «لأبعثنّ إليهم غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ، كرّارًا غير فرّار، لا يرجع حتّى يفتح الله عليه» . فقضى رسولُ اللهِJ بالفتحِ قبل التوجيه فاستشرفَ لكلامه أصحابُ رسولِ اللهJ، فلّما كان من الغد دعا عليًّا(عليه السلام) فبعثه إليهم، فاصطفاه بهذه المنقبة، وسمّاه كرّارًا غير فرّار، فسمّاه الله محبًّا للهِ ولرسولِه، فأخبر أنّ الله ورسوله يحبّانه.
وإنّما قدّمنا هذا الشرحَ والبيانَ دليلًا على ما أردنا، وقوّةً لما نحن مبيّنوه من أمر الجبرِ والتفويضِ والمنزلةِ بين المنزلتين، وباللهِ العون والقوّة، وعليه نتوكّلُ في جميع أمورنا، فإنّا نبدأُ من ذلك بقولِ الصّادقِ(عليه السلام): «لا جبرَ ولا تفويضَ ولكنْ منزلةٌ بين المنزلتين، وهي صحّة الخِلْقَة، وتخليةُ السّرْب، والمهلةُ في الوقت، والزادُ مثل الرّاحلة، والسببُ المهيّجُ للفاعلِ على فعله» . فهذه خمسة أشياء جمعَ بها الصّادق(عليه السلام) جوامع الفضل، فإذا نقصَ العبدُ منها خلّةً كان العمل عنه مطروحًا بحسبه، فأخبرَ الصّادقُ(عليه السلام) بأصلِ ما يجبُ على النّاس من طلبِ معرفتِهِ، ونطقَ الكتابُ بتصديقِه، فشهدَ بذلك محكماتُ آياتِ رسولِه؛ لأنّ الرسولَ وآلَهُ% لا يعدو شيءٌ من قولِه وأقاويلهم% حدودَ القرآن، فإذا وردت حقائقُ الأخبارِ، والتُمِسَتْ شواهدها من التنزيل فوُجِدَ لها موافقًا وعليها دليلًا كان الاقتداء بها فرضًا، لا يتعدّاه إلّا أهل العناد كما ذكرنا في أوّل الكتاب. ولمّا التمسنا تحقيقَ ما قاله الصّادقُ(عليه السلام) من المنزلةِ بين المنزلتين، وإنكارهِ الجبرَ والتفويضَ، وجدنا الكتابَ قد شهدَ له وصدّقَ مقالتَه في هذا.
وخبرٌ عنه أيضًا موافقٌ لهذا؛ أنّ الصّادقَ(عليه السلام) سُئل: هل أجبرَ اللهُ العبادَ على المعاصي؟ فقال الصّادقُ(عليه السلام): «هو أعدلُ من ذلك». فقيل له: فهل فوّضَ إليهم؟ فقال(عليه السلام): «هو أعزًّ وأقهرُ لهم من ذلك» . وروي عنه أنّه قال: «النّاسُ في القَدَرِ على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنَّ الأمرَ مفوّضٌ إليه؛ فقد وهّن اللهَ في سلطانِه فهو هالك، ورجل يزعم أنَّ اللهَ - جلَّ وعزَّ- أجبرَ العبادَ على المعاصي وكلّفهم ما لا يطيقون؛ فقد ظلّمَ اللهَ في حكمِهِ فهو هالك. ورجل يزعم أنّ اللهَ كلّفَ العبادَ ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسنَ حمدَ اللهَ، وإذا أساءَ استغفرَ اللهَ فهذا مسلمٌ بالغ» ، فأخبرَ(عليه السلام) أنَّ من تقلّدَ الجبرَ والتفويضَ ودانَ بهما فهو على خلاف الحقِّ، فقد شرحتُ الجبرَ الذي مَن دانَ بهِ يلزمه الخطأ، وأنّ الذي يتقلّد التفويضَ يلزمه الباطل، فصارت المنزلةُ بين المنزلتين بينهما.
ثمّ قال(عليه السلام): وأضربُ لكلّ بابٍ من هذه الأبوابِ مثلًا يُقرّبُ المعنى للطالبِ، ويسهّلُ له البحثَ عن شرحه، تشهدُ به محكماتُ آياتِ الكتاب، وتحقّق تصديقه عند ذوي الألباب، وباللهِ التوفيقُ والعصمة.
فأمّا الجبرُ الذي يلزم من دانَ به الخطأ فهو قولُ من زعم أنّ اللهَ (جلَّ وعزَّ) أجبرَ العبادَ على المعاصي، وعاقبَهم عليها. ومن قالَ بهذا القولِ فقد ظلّمَ اللهَ في حكمِه وكذّبه، وردَّ عليه قوله: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) . وقوله: (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) . وقوله:( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ، مع آيٍ كثيرةٍ في ذكر هذا. فمن زعم أنّه مجبرٌ على المعاصي فقد أحالَ بذنبِهِ على اللهِ، وقد ظلّمه في عقوبته، ومن ظلّم اللهَ فقد كذّبَ كتابَه، ومن كذّب كتابَه فقد لزمه الكفرُ بأجماع الأمة. ومَثَلُ ذلك مَثَلُ رجلٍ ملكَ عبدًا مملوكًا لا يملك نفسَه ولا يملك عرضًا من عرض الدنيا، ويعلمُ مولاهُ ذلك منه فأمرَهُ على علمٍ منه بالمصير إلى السّوقِ لحاجةٍ يأتيه بها، ولم يُملّكه ثمنَ ما يأتيه به من حاجته، وعلم المالكُ أنَّ على الحاجةِ رقيبًا لا يطمعُ أحدٌ في أخذها منه إلّا بما يرضى به من الثمن، وقد وصفَ مالكُ هذا العبدِ نفسَه بالعدلِ والنّصِفة وإظهارِ الحكمةِ ونفي الجور، وأوعدَ عبدَه إن لم يأتهِ بحاجتِه أن يعاقبه على علمٍ منه بالرقيبِ الذي على حاجتهِ أنّه سيمنعُه، وعلم أنَّ المملوكَ لا يملكُ ثمنَها ولم يُملِّكه ذلك، فلما صارَ العبدُ إلى السوقِ وجاء ليأخذَ حاجتَه التي بعثَهُ المولى لها، وجد عليها مانعًا يمنعُ منها إلّا بشراء، وليس يملكُ العبدُ ثمنَها، فانصرفَ إلى مولاهُ خائبًا بغيرِ قضاءِ حاجتِهِ؛ فاغتاظَ مولاهُ من ذلك، وعاقبَهُ عليه.
أليس يجبُ في عدلِه وحكمِه أن لا يعاقبَهُ وهو يعلم أنّ عبدَهُ لا يملكُ عرضًا من عروضِ الدنيا، ولم يُملّكه ثمنَ حاجتِه؟ فإنْ عاقبَهُ عاقبَهُ ظالمًا متعديًا عليه، مبطلًا لما وصف من عدلِه وحكمتِه ونَصِفَتِهِ، وإن لم يعاقبْه كذّبَ نفسَه في وعيدِه إيّاه حين أوعده بالكذبِ والظّلمِ اللذينِ ينفيانِ العدلَ والحكمةَ. تعالى عمّا يقولونَ علوًّا كبيرًا؛ فمن دانَ بالجبرِ أو بما يدعو إلى الجبرِ فقد ظلَّمَ اللهَ ونسبَه إلى الجورِ والعدوانِ إذ أوجبَ على من أجبرَ العقوبةَ. ومن زعم أنّ اللهَ أجبرَ العبادَ فقد أوجبَ على قياس قولِهِ إنّ اللهَ يدفعُ عنهم العقوبة، ومن زعم أنَّ اللهَ يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذّبَ اللهَ في وعيدِهِ حيث يقولُ: (بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَة وَأَحَٰطَت بِهِ خَطِيٓـَٔتُهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصحَٰبُ ٱلنَّارِ هُم فِيهَا خَٰلِدُونَ) . وقوله: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأكُلُونَ أَموَٰلَ ٱليَتَٰمَىٰ ظُلمًا إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَارٗا وَسَيَصلَونَ سَعِيرٗا) . وقوله: (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوفَ نُصلِيهِم نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَٰهُم جُلُودًا غَيرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) ، مع آيٍ كثيرةٍ في هذا الفنّ، فمن كذّبَ وعيدَ اللهِ يلزمه في تكذيبه آيةً من كتابِ اللهِ الكفرُ، وهو ممّن قال الله: (أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ ٱلكِتَٰبِ وَتَكفُرُونَ بِبَعضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُم إِلَّا خِزيٌ فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَيَومَ ٱلقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعمَلُونَ) بل نقول: إنّ اللهَ ـ جلَّ وعزَّ ـ جازى العبادَ على أعمالِهم، ويعاقبُهم على أفعالِهم بالاستطاعةِ الّتي ملّكهم إيّاها، فأمرهم ونهاهم بذلك، ونطقَ كتابُه: ( مَن جَآءَ بِٱلحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجزَىٰٓ إِلَّا مِثلَهَا وَهُم لَا يُظلَمُونَ) . وقال جلَّ ذكرُهُ: ( يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ مَّا عَمِلَت مِن خَيرٍ مُّحضَرًا وَمَا عَمِلَت مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَو أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفسَهُ) . وقال: (ٱليَومَ تُجزَىٰ كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَتۚ لَا ظُلمَ ٱليَومَ) ، فهذه آياتٌ محكماتٌ تنفي الجبرَ ومن دانَ به. ومثلها في القرآن كثيرٌ اختصرنا ذلك لئلّا يطول الكتاب. وبالله التوفيق.
أمّا التفويضُ الذي أبطلَه الصادقُ(عليه السلام) وخطّأ من دانَ به وتقلّده فهو قولُ القائلِ: «إنّ اللهَ ــ جلَّ ذكرُهُ ــ فوّضَ إلى العبادِ اختيارَ أمرهِ ونهيِهِ، وأهملهم».
وَمَثَلُ ذلك مَثَلُ رجلٍ ملكَ عبدًا ابتاعَه ليخدمَه، ويعرفَ له فضلَ ولايتِه، ويقف عند أمرِهِ ونهيه، وادّعى مالكُ العبدِ أنّه قاهرٌ عزيزٌ حكيم، فأمرَ عبدَه ونهاهُ ووعدَهُ على اتّباع أمرهِ عظيمَ الثّواب، وأوعدَهُ على معصيتِهِ أليمَ العقاب، فخالفَ العبدُ إرادةَ مالكِهِ، ولم يقف عند أمرهِ ونهيه، فأيّ أمرٍ أمرَهُ أو أيّ نهيٍ نهاهُ لم يأتهِ على إرادة الولي، بل كان العبدُ يتبعُ إرادةَ نفسه واتّباع هواه، ولا يطيقُ المولى أن يرده إلى اتّباع أمرِهِ ونهيه، والوقوف على إرادته، ففوّض اختيارَ أمرهِ ونهيهِ إليه، ورضيَ منه بكلّ ما فعله على إرادةِ العبدِ لا على إرادةِ المالكِ وبعثه في بعضِ حوائجه، وسمّى له الحاجةَ، فخالفَ على مولاه، وقصدَ لإرادةِ نفسِه، واتّبعَ هواه، فلّما رجعَ إلى مولاه نظرَ إلى ما أتاه بهِ فإذا هو خلاف ما أمرَهُ به، فقال له: لمَ أتيتني بخلافِ ما أمرتك؟ فقال العبدُ: اتّكلتُ على تفويضك الأمرَ إليَّ فاتبعت هوايَ وإرادتي؛ لأنّ المفوَّضَ إليه غير محظورٍ عليه، فاستحال التفويض. أوَ ليس يجبُ على هذا السبب إمّا أن يكون المالكُ للعبدِ قادرًا يأمر عبده باتّباع أمرِهِ ونهيه على إرادتِهِ لا على إرادةِ العبد، ويملّكه من الطاقةِ بقدرِ ما يأمرُهُ به وينهاهُ عنه، فإذا أمرَهُ بأمرٍ ونهاه عن نهيٍ عرّفه الثوابَ والعقابَ عليهما، وحذّره ورغّبه بصفة ثوابه وعقابه، ليعرف العبدُ قدرةَ مولاه بما ملّكه من الطّاقة لأمرِهِ ونهيهِ وترغيبه وترهيبه، فيكون عدلُهُ وإنصافُهُ شاملًا له، وحجّته واضحةً عليه للاعتذار والإنذار، فإذا اتّبعَ العبدُ أمرَ مولاه جازاه، وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه. أو يكون عاجزًا غير قادرٍ ففوّضَ أمرَهُ إليه، أحسنَ أم أساءَ، أطاعَ أم عصى، عاجز عن عقوبته وردِّه إلى اتّباعِ أمرِهِ، وفي إثباتِ العجزِ نفي القدرة والتألّه، وإبطال الأمر والنهي، والثواب والعقاب، ومخالفة الكتاب، إذ يقول: (وَلَا يَرضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلكُفرَ وَإِن تَشكُرُوا يَرضَهُ لَكُم) وقوله عزّ وجلّ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) وقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وقوله:( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) . وقوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) .
فمن زعمَ أنّ اللهَ تعالى فوّضَ أمرَه ونهيه إلى عبادِه فقد أثبت عليه العجزَ، وأوجب عليه قبولَ كلِّ ما عملوا من خيرٍ وشرٍّ، وأبطلَ أمرَ اللهِ ونهيه ووعَده ووعيدَه لعلّة ما زعمَ أنّ الله فوّضها إليه؛ لأنّ المفوَّضَ إليه يعملُ بمشيئتِه، فإنْ شاء الكُفْرَ أو الإيمانَ كان غير مردودٍ عليه ولا محظور، فمن دانَ بالتفويضِ على هذا المعنى فقد أبطلَ جميعَ ما ذكرنا من وعدِهِ ووعيدِهِ وأمره ونهيهِ، وهو من أهلِ هذه الآية: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ، تعالى اللهُ عمّا يدينُ به أهلُ التفويضِ عُلُّوًا كبيرًا.
لكن نقول: إنَّ اللهَ ـ جلَّ وعزَّ ـ خلقَ الخلقَ بقدرتِه، وملّكهم استطاعةً تعبّدَهُم بها، فأمرَهم ونهاهم بما أرادَ فقبلَ منهم اتّباعَ أمرَه ورضيَ بذلك لهم، ونهاهم عن معصيتِهِ، وذمَّ من عصاهُ وعاقبَهُ عليها، وللهِ الخيَرَةُ في الأمرِ والنهي، يختارُ ما يريدُ ويأمرُ به، و ينهى عمّا يكره ويعاقبُ عليه بالاستطاعةِ التّي ملّكها عبادَه لاتّباع أمرِهِ واجتنابِ معاصيه؛ لأنّه ظاهرُ العدلِ والنَّصفةِ والحكمةِ البالغة؛ بالغُ الحجّةِ بالإعذارِ والإنذار، وإليه الصّفوة، يصطفي من عبادِهِ من يشاء لتبليغ رسالتِهِ واحتجاجِهِ على عبادِه، اصطفى محمّدًاJ، وبعثَهُ برسالاتِهِ إلى خلقِهِ، فقالَ من قالَ من كفّارِ قومِهِ حسدًا واستكبارًا: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) ‌، فأبطلَ اللهُ اختيارَهم، ولم يجزْ لهم آراءَهم حيث يقول: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون) ، ولذلك اختارَ من الأمورِ ما أحبَّ ونهى عمّا كرِهَ، فمن أطاعَه أثابَه، ومن عصاهُ عاقبَه، ولو فوَّضَ اختيارَ أمرِهِ إلى عبادِهِ لأجازَ لقريشٍ اختيارَ أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلْتَ وأبي مسعود الثقفيِّ، إذ كانا عندهم أفضل من محمّدJ.
فلّما أدّبَ اللهُ المؤمنينَ بقولِه: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) ، فلم يُجِزْ لهم الاختيارَ بأهوائهم، ولم يقبلْ منهم إلّا اتِّباع أمرِهِ واجتناب نهيه على يديْ من اصطفاه، فمن أطاعه رشد، ومن عصاه ضلَّ وغوى، ولزمتْهُ الحجّةُ بما ملَّكهُ من الاستطاعةِ لاتّباع أمرهِ واجتنابِ نهيهِ، فمن أجلِ ذلك حَرَمَهُ ثوابَه وأنزلَ به عقابَه.
وهذا القولُ بين القولين ليس بجبرٍ ولا تفويض، وبذلك أخبرَ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عبايةَ بن ربعيّ الأسديّ حين سأله عن الاستطاعة الّتي بها يقومُ ويقعدُ ويفعلُ، فقال أميرُ المؤمنين(عليه السلام): «سألتَ عن الاستطاعةِ تملكُها من دون اللهِ أو مع الله؟» ، فسكتَ عباية، فقال له أميرُ المؤمنين(عليه السلام): (قل يا عباية)، قال: وما أقولُ؟ قال(عليه السلام): «إنْ قلتَ: إنّك تملكُها مع الله قتلتُك، وإنْ قلتَ: تملكُها دونَ اللهِ قتلتُك»، قال عباية: فما أقولُ يا أميرَ المؤمنين؟ قال(عليه السلام): «تقولُ: إنّك تملكُها باللهِ الّذي يملكُها من دونك، فإن يُمَلِّكْها إيّاك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكَها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملّكك، والقادر على ما عليه أقدركَ، أمّا سمعت الناسَ يسألون الحوْلَ والقوّةَ حين يقولون: لا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله؟». قال عباية: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال(عليه السلام): «لا حولَ عن معاصي اللهِ إلّا بعصمةِ الله، ولا قوّةَ لنا على طاعةِ الله إلّا بعونِ الله»، قال: فوثبَ عبايةُ فَقَبَّلّ يديه ورجليه.
ورُوِيَ عن المؤمنين(عليه السلام) حين أتاهُ نجدة يسألُهُ عن معرفةِ الله، قال: يا أميرُ المؤمنينَ بماذا عرفتَ ربَّك؟ قال(عليه السلام): «بالتمييز الذي خوّلني، والعقل الذي دلّني»، قال: أَفَمجبولٌ أنت عليه؟ قال: «لو كنتُ مجبولًا ما كنت محمودًا على إحسانٍ، ولا مذمومًا على إساءة، وكان المحسن أولى باللاّئمة من المسيء، فعلمت أنّ اللهَ قائمٌ باقٍ وما دونه حدَثٌ حائلٌ زائلٌ، وليس القديمُ الباقي كالحدثِ الزائل»، قال نجدة: أجدُك أصبحتَ حكيمًا يا أمير المؤمنين، قال: «أصبحتُ مخيّرًا؛ فإن أتيتُ السيئةَ بمكانِ الحسنةِ فأنا المُعاقبُ عليها» .
وروي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّهُ قالَ لرجلٍ سألَهُ بعد انصرافه من الشّام، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام بقضاءٍ وبقدرٍ؟ قال: «نعم يا شيخ؛ ما علوتم تَلْعَةً، ولا هبطتم واديًا إلّا بقضاءٍ وقدرٍ من الله»، فقال الشيخ: عند اللهِ احتسبُ عنائي يا أمير المؤمنين؟ قال(عليه السلام): «مَهْ يا شيخ؛ فإنّ اللهَ قد عظّمَ أجرَكم في مسيرِكم وأنتم سائرون، وفي مقامِكم وأنتم مقيمون، وفي انصرافِكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيءٍ من أمورِكم مكرهين، ولا إليه مضطرين، لعلّك ظننتَ أنّه قضاءٌ حتمٌ وقدرٌ لازم، لو كان ذلك كذلك لَبَطَلَ الثّوابُ والعقابُ، ولسقطَ الوعدُ والوعيدُ، ولما أُلزِمَتِ الأشياء أهلها على الحقائق؛ ذلك مقالةُ عَبَدَةِ الأوثانِ وأولياء الشيطان، إنَّ اللهَ ــ جلَّ وعزَّــ أمرَ تخييرًا، ونهى تحذيرًا، ولم يُطَع ْمكرهًا، ولم يُعْصَ مغلوبًا، ولم يخلق السماواتِ والأرضَ وما بينهما باطلًا، ذلك ظنُّ الذين كفروا، فويلٌ للذين كفروا من النار» ، فقام الشيخُ فقبّلَ رأسَ أميرِ المؤمنين(عليه السلام)، وأنشأَ يقولُ:
أنـتَ الإمامُ الّذي نرجـــــو بطاعتِهِ يـومَ النّجاةِ من الرحمـانِ غـفرانا
أوضحـتَ من ديننا ما كان مُلتَبِســًا جـــزاكَ ربُّكَ عنّا فيه رضــــوانًا
فليــــــس معذرةٌ في فعـلِ فاحشةٍ قــد كنتَ راكِبَها ظلمًا وعصيانا
فقد دلَّ أميرُ المؤمنين(عليه السلام) على موافقةِ الكتابِ، ونفي الجبرِ والتفويضِ اللذينِ يلزمانِ مْن دانَ بهما ويتقلّدهما الباطلَ والكفرَ وتكذيبَ الكتاب، ونعوذُ باللهِ من الضلالةِ والكفر، ولسنا ندينُ بجبرٍ ولا تفويضٍ لكنّا نقولُ بمنزلةٍ بين المنزلتين وهو الامتحانُ والاختبارُ بالاستطاعةِ التي ملّكًنا اللهُ وتعبَّدَنا بها على ما شهدَ به الكتاب، ودانَ به الأئمّةُ الأبرارُ من آلِ الرسولِ (صلوات الله عليهم).
ومَثَلُ الاختبارِ بالاستطاعةِ مَثَلُ رجلٍ مَلكَ عبدًا، وملكَ مالًا كثيرًا أحبَّ أن يختبرَ عبدَهُ على علمٍ منه بما يؤولُ إليه، فملّكهُ من ماله بعض ما أحبَّ ووقفه على أمورٍ عرّفها العبد، فأمرَهُ أن يصرف ذلك المالَ فيها ونهاه عن أسبابٍ لم يحبّها، وتقدم إليه أن يجتنبها، ولا ينفقُ من ماله فيها، والمال يتصرّف في أيِّ الوجهين، فصرفَ المالَ أحدهما في اتِّباعِ أمرِ المولى ورضاه، والآخرُ صرفه في اتِّباع نهيه وسخطه، وأسكنه دارَ اختبارٍ أعلمه أنّه غيرُ دائمٍ له السكنى في الدار، وأنّ له دارًا غيرها وهو مخرجه إليها، فيها ثوابٌ وعقابٌ دائمان، فإن أنفذ العبدُ المالَ الذي ملّكه مولاه في الوجه الّذي أمرَهُ به جعل له الثوابَ الدائمَ في تلك الدارِ التي أعلمه أنّه مُخرجه إليها، وإنْ أنفقَ المالَ في الوجه الّذي نهاه عن إنفاقِهِ فيه جعلَ له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود. وقد حدَّ المولى في ذلك حدًّا معروفًا وهو المسكن الّذي أسكنه في الدار الأولى، فإذا بلغَ الحدُّ استبدل المولى بالمالِ وبالعبدِ على أنّه لم يزل مالكًا للمال والعبد في الأوقاتِ كلِّها، إلّا أنّه وعد أن لا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الأولى إلى أن يستتم سكناه فيها فوفّى له؛ لأنّ من صفاتِ المولى: العدل والوفاء والنَّصَفَة والحكمة، أو ليس يجب إنْ كان ذلك العبدُ صَرَفَ ذلك المالَ في الوجه المأمور به أن يفيَ له بما وعَدَهُ من الثواب، وتفضلَ عليه بأنِ استعمله في دارٍ فانيةٍ، وأثابَه على طاعتِهِ فيها نعيمًا دائمًا في دارٍ باقيةٍ دائمةٍ، وإنْ صرفَ العبدُ المالَ الذي ملّكهُ مولاه أيّام سكناه تلك الدّارَ الأولى في الوجهِ المنهيِّ عنه، وخالفَ أمرَ مولاه كذلك تجب عليه العقوبةُ الدائمةُ الّتي حذَّره إيّاها، غير ظالمٍ له لما تقدم إليه، وأعلمه وعرَّفهُ وأوجب له الوفاء بوعده ووعيده، بذلك يُصًفُ القادر القاهر.
وأمّا المولى فهو الله ـ جلَّ وعزّـ وأمّا العبد فهو ابن آدم المخلوق، والمال قُدرَةُ الله الواسعة، ومحنتهُ إظهاره الحكمةَ والقدرةَ، والدار الفانية هي الدنيا، وبعض المال الّذي ملَّكه مولاه هو الاستطاعة الّتي مَلَّكَ ابنَ آدم، والأمور الّتي أمرَ اللهُ بصرفِ المال إليها هو الاستطاعة لاتِّباع الأنبياء والإقرار بما أوردوهُ عن الله ــ جلَّ وعزَّ ــ واجتناب الأسباب الّتي نهى عنها هي طُرُقُ إبليس، وأمّا وعده فالنعيمُ الدائم، وهي الجنة، وأمّا الدّار الفاتنة فهي الدنيا، وأمّا الدار الأخرى فهي الدّار الباقية وهي الآخرة. والقول بين الجبرِ والتفويضِ هو الاختبارُ والامتحانُ والبلوى بالاستطاعة الّتي ملّكَ العبد.