البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

افتتاحية العدد: أفعال العباد بين مسؤوليّة الاختيار والقضاء والقدر الإلهيّ

الباحث :  د. عمار عبد الرزاق الصغير
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  38
السنة :  ربيع 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 16 / 2026
عدد زيارات البحث :  111
تحميل  ( 361.557 KB )
تتمحور أفعال العباد حول ثلاث نظريات كبرى بين الفرق الإسلاميّة؛ أولها التفويض الذي يمنح الإنسان استقلالًا مطلقًا يقطعه عن خالقه، وهو ادّعاءٌ ينقضه العقل بفقر المخلوق الدائم لمدد خالقه بقاءً كما افتقر إليه ابتداءً. وثانيها الجبر الذي يسلب الإنسان الإرادة ويحيله إلى آلةٍ مُكرهةٍ، ممّا يحوّل التكليف والجزاء والبعثات النبويّة إلى عبثٍ يتنزّه عنه الحكيم. وثالثهما الرؤية الأسمى فهي الاختيار (الأمر بين الأمرين)، التي ترسم منهجًا كلاميًّا تربويًّا يبني شخصيّةً مؤمنةً ومسؤولةً عن أفعالها ومصيرها؛ فالعلاقة هنا طوليّة تبدأ بمنح الله القدرة والتمكين للإنسان، وتنتهي بمباشرة العبد للفعل بإرادته الحرّة. وبذلك يبقى المؤمن متّصلًا بالافتقار لله، وفي الوقت ذاته يتحمل الأمانة الأخلاقيّة عن خياراته، لتتجلّى حكمة الجزاء كنتيجةٍ عادلةٍ مبنيّةٍ على علم الله الأزلي باختيار العبد الحقيقي لا على إكراهه (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين) [1]، بلا زيادة أو نقص. وقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) [2].

تتمثّل رؤية الاختيار في الوقوف عند منطقة وسطى تجمع بين حريّة العبد وقدرة الخالق ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [3]، فالإنسان فاعلٌ حقيقيٌّ باختياره لكنّه يظلّ مفتقرًا في كلّ لحظةٍ للمدد الإلهي الذي يمنحه القدرة والتمكين [4]؛ فالله هو مسبّب الأسباب ومنشئ القدرة، بينما العبد هو المباشر للفعل بإرادته المستندة إلى الإذن الإلهي، ولكن تبقى الهيمنة لله في سلب هذا التمكين متى شاء، ممّا يبطل فكرة الاستقلال التام.
يرسّخ هذا المنهج تربويًّا مفهوم المسؤوليّة الذاتيّة مع التوكّل المطلق؛ فالعبد محاسب لأنّه يملك قرار الفعل وتركه، وهو في الوقت ذاته تابعٌ لربّه؛ لأنّ فعله محفوفٌ بالرعاية الإلهيّة التي تمدّه بالبقاء ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَاQقَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا Q وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [5]، وتتجلّى عظمة هذه العقيدة في كونها تحفظ العدل الإلهي بوضوح؛ فالثواب والعقاب يترتبان على اختيار العبد الحقيقي، وعلم الله الأزلي ليس جبرًا له، بل هو علمٌ بما سيختاره العبد بمحض إرادته، لتتكامل بذلك حكمة التكليف مع سلطنة الخالق.
تتوّج عقيدة الاختيار فلسفة التكليف والمسؤوليّة الأخلاقيّة؛ فالتشريعات الإلهيّة من أوامر ونواهٍ لا تستقيم منطقيًّا إلّا بوجود إنسانٍ قادرٍ ومختار؛ إذ يمتنع عقلًا تكليف العاجز، أو سلب الإرادة ممّن يُطالب بالعمل، تمامًا كما يمتنع طلب الإبصار من الكفيف. ويظهر اللطف الإلهي في إرسال الرسل، ومنح العقل كأدواتٍ تبيّن طريق السمو، مع ترك المجال للإنسان ليختار مساره تكوينًا. قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [6] ، وعن أبي جعفر وأبي عبد الله c قالا: «إنّ الله (عزَّ وجلَّ) أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب، ثمّ يعذّبهم عليها، والله أعزّ من أن يريد أمرًا فلا يكون...»[7].

وعليه، فإنّ القضاء والقدر في أفعال العباد لا يعني الجبر، بل هو إحاطةٌ علميّةٌ، وتحقّقٌ قطعيٌّ للفعل بعد اختيار الإنسان له؛ فالعبد علّةٌ فاعليّةٌ لفعله مباشرةً، بينما تظلّ قدرته مستمدّةً طوليًّا من الله تعالى؛ ممّا يحقّق معادلة الأمر بين الأمرين، ويحفظ عدالة الثواب والعقاب دون نفي السلطنة الإلهيّة.
يتمثّل التدخّل الإلهي في أفعال العباد عبر ثنائيّة التوفيق والخذلان، وهما أثران لا يصلان حدَّ الإكراه؛ فالتوفيق هو تمكين العبد وتسديده لتحصيل أسباب الطاعة، والخذلان هو رفع العناية عند اختيار العبد للقبيح، دون سلب قدرته على تركه؛ ولهذا تُعدّ رحمة الله سابقةً على عمل العبد، إذ منحتْه القدرة والاختيار ابتداءً.

فالقدر نظامٌ ربطَ النتائج بمقدّماتها الاختياريّة؛ فالفعل من جهة هو فعل الإنسان حقيقةً لصدوره عن قدرته، ومن جهةٍ أخرى هو مقدور لله تعالى كونه مفيض الوجود وممده، وهذا هو جوهر الأمر بين الأمرين.
في العدد الثامن والثلاثون من مجلّة العقيدة التي تصدر عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة، نطالع مجموعةً من البحوث المتعلّقة بعقيدة الجبر والاختيار، أولاها (رسالة للإمام الهادي (عليه السلام)) إلى أهالي الأهواز في الردّ على أهل الجبر والتفويض وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين، فصّل الإمام فيها الأصول العامّة لعقيدة الاختيار وبين المخاطر الأساسيّة لعقيدتَي الجبر والتفويض، وقد قمنا بضبط نصّها، وتخريج أحاديثها.
أمّا بحث (الناظم المعرفي بين عقيدة الاختيار والقضاء الإلهيّ والحسن العقليّ) فيبيّن شكل العلاقة الإبستمولوجيّة بين عقائد ثلاث تتعلّق بالفعل الإنساني، وصلته بالقدرة الإلهيّة وإرادة الإنسان، ويبرهن على إحكام عقيدة الاختيار في الفعل الإنساني، حيث تنعقد الصلات الكلاميّة بين عقيدتي القضاء والحسن العقلي.

وناقش بحث (خلق أفعال العباد ومفهوم الكسب في العقيدة الأشعريّة) أفعال العباد بين الإماميّة والمعتزلة، وخصّص الكلام عن الكسب عند الأشاعرة موضّحًا المفهوم والتصوّرات حوله وتطوّراته عبر مراحل زمنيّة.
وفي العدد رسالةٌ محقّقةٌ (في الجبر والاختيار) للسيّد الكوهكمريّ طرحت موضوع الجبر والاختيار عبر مباحث ثلاثة بمنهجٍ علميٍّ دقيقٍ ومناقشةٍ كلاميّةٍ رصينةٍ لقبول الآراء ورفضها.
وفي العدد أبحاثٌ أخرى كلاميّةٌ منها رسالةٌ محقّقةٌ في أصول الدين، وبحثُ تحقيقٌ في مولد الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام).

نأمل أنْ تُقدّم أبحاث هذا العدد منفعةً معرفيّةً للقرّاء الكرام وعقيدتهم.
واللهُ وليُّ التوفيق.
النجف الأشرف / الثاني عشر من شوال / 1447هـ
1/4/2026

---------------------------------------------
[1] الطور: 21.
[2] الجاثية: 15 .
[3] التكوير: 28-29
[4] يضع السيّد الخوئي في هذا المقام مثالًا تقريبيًّا بقوله: «لنفرض إنسانًا كانت يده شلّاء لا يستطيع تحريكها بنفسه، وقد استطاع الطبيب أن يوجد فيها حركة إراديّة وقتيّة بواسطة قوة الكهرباء، بحيث أصبح الرجل يستطيع تحريك يده بنفسه متى وصلها الطبيب بسلك الكهرباء، وإذا انفصلت عن مصدر القوّة لم يمكنه تحريكها أصلًا، فإذا وصل الطبيب هذه اليد المريضة بالسلك للتجربة مثلًا، وابتدأ ذلك الرجل المريض بتحريك يده، ومباشرة الأعمال بها - والطبيب يمدّه بالقوة في كلّ آنٍ - فلا شبهة في أن تحريك الرجل ليده في هذه الحال من الأمر بين الأمرين، فلا يستند إلى الرجل مستقلًا؛ لأنّه موقوفٌ على إيصال القوّة إلى يده، وقد فرضنا أنّها بفعل الطبيب ولا يستند إلى الطبيب مستقلًا؛ لأنّ التحريك قد أصدره الرجل بإرادته، فالفاعل لم يجبر على فعله لأنّه مريد، ولم يفوض إليه الفعل بجميع مبادئه؛ لأنّ المدد من غيره، والأفعال الصادرة من الفاعلين المختارين كلّها من هذا النوع. فالفعل صادرٌ بمشيئة العبد ولا يشاء العبد شيئًا إلّا بمشيئة الله» البيان في تفسير القرآن، 90.
[5] الشمس: 8-10.
[6] الإسراء: 15.
[7] الصدور، التوحيد، ص359، الباب: 59 (باب نفي الجبر والتفويض)، ح: 3.