البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القيم الأخلاقيّة في الدولة المهدويّة تأسيسات ومبادئ

الباحث :  الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  37
السنة :  شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 3 / 2026
عدد زيارات البحث :  41
تحميل  ( 597.224 KB )
الملخّص



يُسلّط هذا البحث الضوء على التطبيق الأخلاقي في الدولة المهدويّة، التي ستكون النموذج الأسمى لتحقيق العدل والقيم الإنسانيّة الرفيعة؛ إذ يهدف البحث إلى استكشاف المبادئ والأسس التي ستُبنى عليها هذه الدولة، والتي ستضمن تحقيق السلوك الأخلاقي القويم في مختلف مجالات الحياة.

كما يتناول نماذج من التطبيقات العمليّة لهذه القيم، من تقديم الواجب على المستحب، إلى إرساء العدل الشامل والتكافل الاجتماعي، وحتى آداب الحرب والسلوك السياسي، ذلك كلّه في إطار رؤيةٍ تنبثق من الفطرة الإنسانيّة والتعاليم الدينيّة التي تؤكّد على ضرورة تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، بما يُفضي إلى بناء مجتمعٍ مثاليّ تسوده الرحمة والإنصاف؛ ولبيان ذلك، سيتم تسليط الضوء على أهم التأسيسات التي كانت وراء عدّ الأخلاق خطًّا مهمًّا من خطوط الدستور الإلهي، ثم بيان المبادئ التي تؤسس للتطبيق الأخلاقي، الذي يستلزم القضاء على الموانع التي تقف في طريق تحقيق ذلك التطبيق.



الكلمات المفتاحيّة:

 الأخلاق، القيم، دولة الامام المهدي، العدل، المساواة.





مقدّمة

تتحكّم بالبشر علاقات متكثّرة، تكوِّن فيما بينها شبكات تواصلٍ اجتماعيّة ذات فروعٍ غير متناهية؛ ولأنّ الواقع يشهد بقلّة الفرص إزاء الرغبات المتزايدة، كان لا بدّ من قانونٍ يحكم هذا الواقع، فيعمل على تقليل التصادمات الحاصلة من التنافس على الفرص، على أن إلغاء التصادم تمامًا هدفٌ يسعى إليه المشرِّعون عمومًا، وإن لم يُفلحوا – إلى اليوم - في ذلك.

وفي سبيل ذلك، عمد المشرِّعون إلى طرح التقنينات الدستوريّة التي يلزم على الأتباع تنفيذها، وجعلوا من وظائف القوة الساندة لهم حاميًا لتنفيذ تلك التقنينات، وفرضوا عقوباتٍ متنوعةً على من يخالف الدستور.

ولم يكن الدين ليتّخذ طريقةً أخرى في سبيل ذلك، لكنّ له طرقًا وآلياتٍ تختلف في بعض مفرداتها مع قانون البشر الوضعي، وكان من أهمّ تلك الآليات هو تحفيز الدافع الذاتي للتعاون مع الآخر، وإحياء (الضمير)، أو ما يُطلق عليه في النصوص الدينية (النفس اللوامة)، وغيرها.

الأخلاق، تلك القيم المعرفيّة التي يُطلب ترجمتها إلى سلوكٍ على أرض الواقع، كانت من الآليات التي لا بدّ منها في قانون السماء، فالدين لم يفترض دستورًا خاليًا من الأخلاق، إنّما هو دستورٌ مؤطرٌ بالأخلاق في كلّ مفاصله، ومن ثم، كان للمتديّن بالدين السماوي سلوكياتٌ تختلف جذريًّا عن سلوكيات غيره.

فالأخلاق محورٌ جوهريٌّ في بناء المجتمعات الإنسانيّة، إذ تعكس القيم والمبادئ التي تحكم العلاقات بين الأفراد وتوجّه سلوكيّاتهم نحو الخير والصلاح؛ ولأنّ الأخلاق ليست نظرياتٍ مجردة، بل يجب أن تتجسّد في سلوكٍ عملي، فقد حرصت الرسالات السماويّة على تعزيزها، ولا سيّما في الإسلام الذي جعلها جزءًا لا يتجزّأ من منظومته التشريعيّة.

وفي البحث مطالب ثلاثة:

المطلب الأول: تأسيسات

في هذا المطلب، يُسلَّط الضوء على أهمّ الأسس والركائز التي كانت وراء ضرورة الأخلاق، وهي تشمل أسسًا متعدّدةً، إجمالها الآتي:

الأساس الأول: واقعيّة الأخلاق في الدين الإسلامي

هناك خلافٌ بين الفلاسفة الدينيّين وغيرهم في حقيقة الأخلاق، ولا يهمّنا التعرّض إلى تفصيل المذاهب في ذلك؛ لذا نشير إجمالًا إلى الآتي:

أولًا: هناك من عدّ الأخلاق أسلوبًا للحياة بطريقة (الغاية تبرّر الوسيلة)، وعلى حدّ مذهب بعض الشيوعيّة الذي جعل مدار الأخلاق كونها ممّا يرجع بالخير على الثورة الشيوعيّة ويعجّل بها، ولو كان كذبًا أو غيره – ممّا نحكم عليه بالأخلاق البذيئة -، فجعل ملاك الأخلاق نفعيّتها لخصوص الثورة. وهذا يعني أنّه لا واقعية للأخلاق، إنّما هي أساليب لتحصيل النفع بأيّ طريقةٍ كانت، فلا ثوابت تحكمها، ولا قانون يؤطّرها، ولا مرجعيّات ثابتة تنظّمها. وهذا طبعًا مبنيٌّ على فلسفةٍ مسبقةٍ، ورؤيةٍ كونيّةٍ تفترض أنّ الوجود منحصرٌ بهذه الحياة، ومن ثم فالإنسان الناجح هو من يتمكّن من الاستفادة منها إلى أقصى حدّ.

ثانيًا: هناك من عدّ الأخلاق هي ما كانت من أجل نفع الآخرين، وهم الذين قالوا بأصالة المجتمع، لا الفرد، فكلّ ما يعود على المجتمع بالخير والنفع فهو أمرٌ أخلاقيّ، سواء عاد بالنفع على الفرد أم بالضرر؛ فلا قيمة للفرد في ذلك. وهذا يعني أنّ مثل القيم الأخلاقيّة الأسريّة مهمة؛ لأنّها ترجع إلى المجتمع بالخير والنفع، ولا مانع حينها من نفع الفرد بها، وفي الوقت ذاته، فإنّ تسلّط دولةٍ على دولةٍ أخرى، وسلب خيراتها، بحجّة العمل على نفع الصالح العامّ، هو أمرٌ حسن أيضًا، وإن أدّى إلى إهلاك الأفراد!

وقد يُبرّر هذا بأنّ المصلحة النوعيّة والعامّة أهمّ من الشخصيّة، وهذا الشعار صحيحٌ في حدّ نفسه، إلّا أنّ تحويره بنحوٍ يؤدّي إلى إلغاء قيمة الفرد، ومن ثم لا مانع من القضاء على أمّةٍ من أجل أمّةٍ أخرى، ولا مانع من سلب مال أحدهم من أجل أن ينتفع منه الجميع، هذا هو الذي لا يقبله عقل، ولا دليل على حسنه، بل الدليل على قبحه وجدانيّ؛ فليس الإشكال في ضرورة رعاية المصلحة العامّة، إنّما المشكلة في تهميش الفرد، وإلغاء حقوقه الأمر الذي قد يؤدّي حتى إلى سلب ممتلكاته الشخصيّة!

ثالثًا: في الإسلام، لا ريب في ضرورة الأخلاق، وقد عُدّ حسن الخُلُق من أهمّ المبادئ التي يلزم اتّصاف المؤمن بها، وفي الوقت الذي تراعي فيه الأخلاق الإسلاميّة المصلحة العامة – فتمنع من الإضرار بالمشتركات، كالطريق العام، والأنهر، وما شابه ذلك - هي تراعي وتحافظ على حقوق الفرد؛ فلا يصحّ التصرّف بمِلْك الآخرين إلّا برضاهم، ولا يحلّ مال امرئٍ إلّا بطيب نفسه، ولسنا في مقام تحقيق ذلك، إنّما نذكّر بهذا الواقع الذي يشهده المسلمون منذ بزغ نور رسالة النبيّ الأكرم J.

وقد أشرنا ونؤكّد على أنّ البحث هو وفق نظريّة الدين الإسلامي عمومًا، ومذهب أهل البيت % خصوصًا.

الأساس الثاني: إطلاق الأخلاق وعدم نسبيّتها

هناك بحث حول فلسفة الأخلاق وحقيقتها، خلاصته: هل الأخلاق ذات قيمٍ مطلقة، بمعنى أنّ الفعل لو كان حسنًا، فهو حسنٌ في كلّ آنٍ ومكان؟ ومن كلّ فردٍ صدر؟ أو أنّها ذات قيمٍ نسبيّة، تتغيّر بتغيّر أطرافها، فقد تكون حسنةً في حال، وقبيحة في حالٍ أخرى؟

فمن ذهب إلى نسبيّة عالم الوجود كلّه، شملت النسبيّة عنده عالم الأخلاق، وهكذا من ذهب إلى أصالة المجتمع – كما تقدم - فإنّ الأخلاق عنده ما كانت تصبّ في مصلحة المجتمع؛ لذا فهي تتغير بتغيّر المجتمعات أو التقاليد والأعراف الحاكمة فيها.

أمّا الإسلام، فإنّه يرى إطلاق الأخلاق – على تفصيلٍ في الأفعال يأتي في التأسيس الثالث -، وقد عبّر القرآن الكريم عن الخير بالطيّب، وعن الشر بالخبيث، ولم يستثنِ طيّبًا أو خبيثًا من حكمه، فكلّ طيّبٍ خير، وكلّ خبيثٍ شر، غايته أنّ تحديد الطيّب من الخبيث هو ما قد يوقع الآخر في الاشتباه والخطأ في الحكم، وحتّى لا يتشتت البحث، ننتقل إلى التأسيس الثالث.

الأساس الثالث: أقسام الأفعال من حيث الحسن والقبح

ذكر علماء الكلام – وعلماء الأصول أيضًا في بعض بحوث المستقلات العقليّة - أنّ الأفعال من حيث الحسن والقبح  تنقسم إلى ثلاثة أقسامٍ رئيسةٍ:

الأول: ما يكون الفعل بنفسه علةً تامّةً للحسن والقبح، وهذا ما يسمّى بـ(الحسن والقبح الذاتيّين)، مثل العدل والظلم. فالعدل بما هو عدل، لا يكون إلّا حسنًا أبدًا، ومتى ما وجد لا بد أن يُمدح فاعله ويُعدّ محسنًا، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلّا قبيحًا، ومتى ما وجد ففاعله مذمومٌ ومسيء. ويستحيل أن يكون العدل قبيحًا أو الظلم حسنًا.

وحتى الظلمة، عندما يمارسون الظلم، فإنّهم يُحاولون أن يخدعوا الناس ويصوّروا أفعالهم على أنّها أفعالٌ حسنةٌ، وأنّ أعداءهم هم المخطئون والظلمة، وهذا يكشف عن أنّ مسألة حسن العدل وقبح الظلم لا خلاف فيها أبدًا. وهذا القسم مطلق بالمطلق، فلا استثناء فيه، وبه تصدق مقولة الإطلاق الأخلاقيّة التي تبنّاها المسلمون.

 الثاني: ما لا يكون الفعل علةً تامةً لأحدهما، بل يكون مقتضيًا للاتّصاف بأحدهما، بحيث لو خُلي الفعل ونفسه، فإما أن يكون حسنًا، كتعظيم الصديق بما هو هو، أو يكون قبيحًا كتحقيره. ولكنّه لا يمتنع أن يكون التعظيم مذمومًا لعروض عنوانٍ عليه، كما إذا كان سببًا لظلم ثالث، أو يكون التحقير ممدوحًا لعروض عنوانٍ عليه، كما إذا صار سببًا لنجاته. ولا ينحصر المثال بهما، بل الصدق والكذب أيضًا من هذا القبيل. فالصدق الذي فيه ضررٌ على المجتمع قبيح، كما أنّ الكذب الذي فيه نجاة الإنسان البريء حسن. وهذا بخلاف العدل والظلم فلا يجوز أن يتّسم العدل - بما هو عدل - بالقبح، ولا الظلم - بما هو ظلم - بالحسن. وهذا القسم أيضًا مطلق، لكن لا باعتبار ذات الفعل، وإنّما باعتبار الأثر المترتّب عليه، فما كان أثره حسنًا فهو حسنٌ وخيرٌ بالمطلق، وإلّا فهو شرٌّ وخبيثٌ بالمطلق.

ولكن يبقى السؤال: ما الملاك والأساس في إطلاق حسنه وقبحه؟ والجواب: أنّ الآثار المترتّبة على تلك الأفعال، لا بدّ أن ترجع – ولو بوسائط متعدّدة - إلى العدل أو الظلم، ومن ثم يكون ارتباطها بالمطلق هو السبب في كونها مطلقةً من هذه الناحية.

 الثالث: ما لا علّيّة له ولا اقتضاء فيه في نفسه للاتّصاف بأحدهما، وإنّما يتبع الجهات الطارئة والعنوانات المنطبقة عليه، وهذا كالضرب فإنّه حسنٌ للتأديب، وقبيحٌ للإيذاء. ويجري في هذا القسم ما يجري في القسم الثاني.

والحاصل: أنّ الأخلاق مطلقةٌ في الإسلام، وهذا يعني أنّها ذات أسسٍ ثابتةٍ لا تتغيّر بتغيّر الأفراد والحالات والأزمان.

الأساس الرابع: التوازن السلوكي

المقصود من التوازن السلوكي – الذي قد يُطلق عليه في بعض التعبيرات الذكاء العاطفي-: القدرة على التوازن بين مقتضيات العقل، ومقتضيات العاطفة، الأمر الذي يستلزم الوعي بالآخر وفهمه جيّدًا، كما يستلزم التحكّم بالانفعالات الشخصيّة وتحكيم الثوابت فيها. انظر إلى القصاص في الإسلام من حيث كونك ابنًا للقاتل مثلًا، لا ريب أنّ قتل أبيك سيكون مؤلمًا لك وإنْ كان قاتلًا، إلّا أنّك لو نظرت إلى هذه الحالة بما هي ذات مردودٍ اجتماعيّ عام، تمنع من التعدّي على الآخرين بغير حقّ، وبما هي مانعةٌ من تفاقم المشكلة وقتل مزيدٍ من الناس، وهكذا لو نظرت إليها بما هي ذات مردودٍ فرديّ على أولاد المقتول الذي فقدوا أباهم من دون حقّ، حينها سيحكم عقلك بضرورة تنفيذ القصاص، على الرغم من أنّ عاطفتم تمنعك من ذلك.

وفي الوقت ذاته، قد يدفعك عقلك إلى عدم مساعدة الفقير من غير الرحم مثلًا، فإنّه لا يستحق عليك شيئًا، ولا أنت ملزمٌ بذلك، وأنت قد تعبت بجمع مالك، فما الداعي لمساعدته؟! لكنّك لو تعاملت مع الفقير بشيءٍ من العاطفة، لوجدت أنّ إعطاءه شيئًا من مالك لا يجلب الفقر إليك، بل سيرجع عليك برضا نفسيّ وارتياحٍ ذاتيّ، لا يشعر به من يمتنع عن الإعطاء، وحينها ستبادر نحو العطاء.

الدين تعاملٌ مع المبادئ الأخلاقيّة على هذا الأساس، فجعل العقل والعاطفة متعاونين في تحديد الموقف الأخلاقي تجاه قضيّةٍ معيّنة، والانفراد بأحدهما دون الآخر قد يؤدّي إلى نتائج غير مريحةٍ وغير مرضيّةٍ للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء.

الأساس الخامس: ارتباط المبادئ الأخلاقيّة بأصول الدين وفروعه

في الدين أصولٌ وفروعٌ، والأخلاق هي سلوكٌ مترتبٌ على تلك الأصول والفروع، بمعنى أنّ ملاك التأسيس للأخلاق في الإسلام هي الأصول، بالإضافة إلى تضمين الشريعة الإسلامية (التكاليف الشرعيّة) كثيرًا من المفردات الأخلاقيّة، ومن ثم تجد ارتباطًا وثيقًا بين هذه الثلاثيّة في الإسلام: الأصول، والفروع، والأخلاق.

فمن يؤمن بالله تعالى، تنتظم عنده منظومته الأخلاقيّة على أساس الإخلاص لله تعالى، ورجاء الثواب منه لا من الناس، والصبر على الآلام التي قد تترتّب على بعض الأخلاق. ومن يلتزم بشريعة الإسلام، سيكون مضطرًا للالتزام بالعديد من المفردات الأخلاقيّة الملزمة، من قبيل الإنفاق على واجبي النفقة، ودفع الزكاة والخمس – ممّا يدخل ضمن مفهوم التكافل الاجتماعي-، وغضّ الطرف عن أعراض الناس – ممّا يدخل تحت مفهوم احترام خصوصيات الآخرين-، ويبتعد عن ذكر الآخرين بسوءٍ بغِيبةٍ أو نميمةٍ أو بهتانٍ- ممّا يدخل تحت مفهوم احترامك سمعة الآخرين وعدم جواز الإضرار بها- وغيرها من التطبيقات؛ ومن هنا، تجد سلوك المتديّن الحقيقي مختلفًا كثيرًا عن سلوك المنحرف، فضلًا عن الملحد.

خلاصة المطلب الأول:

واقعيّة الأخلاق في الإسلام: يرفض الإسلام الرؤى النسبيّة للأخلاق التي تربطها بالمنفعة، أو بالمجتمع فقط، ويؤكّد على ضرورة الأخلاق بوصفها أساسًا ثابتًا في السلوك الدينيّ والاجتماعي.

إطلاق الأخلاق وعدم نسبيّتها :يرى الإسلام أنّ الأخلاق قيمٌ مطلقة، فالأفعال الأخلاقيّة لها حكمٌ ثابتٌ لا يتغيّر بتغيّر الظروف أو المجتمعات.

تصنيف الأفعال من حيث الحسن والقبح :تقسم الأفعال إلى ثلاثة أقسام، منها ما هو حسنٌ أو قبيحٌ بذاته (كالعدل والظلم)، ومنها ما يتبع أثره، ومنها ما يتحدّد بعناوينه الطارئة.

الذكاء العاطفي في الإسلام: يؤكّد الإسلام على التوازن بين العقل والعاطفة في اتّخاذ القرارات الأخلاقيّة، ممّا يحقّق العدالة دون تجاهل المشاعر الإنسانيّة.

ارتباط الأخلاق بأصول الدين وفروعه :ترتبط الأخلاق في الإسلام بعقيدة التوحيد والالتزام بالشريعة؛ ممّا يجعلها جزءًا أساسيًّا من السلوك الديني والاجتماعي.

المطلب الثاني: مبادئ التطبيق الأخلاقي في دولة الإمام المهديّ 

تنطلق المشاريع عمومًا من مبادئ تكون هي المرجع إليها في كلّ مفاصل وجودها، وتكون هي المنبع لنموّها، وإصلاح الشؤون التي يحصل فيها خللٌ معيّنٌ في أثناء مسيرة المشروع، وتكون تلك المبادئ هي الجذوة التي توقد في نفوس الأتباع الحماس من أجل العمل على تنمية المشروع وإيناعه. الدولة المهدويّة مشروعٌ إلهيٌّ عظيم، وفي سبيل هداية بالناس إلى الخير المطلق فيها، وإيصالهم إلى الهدف الأسمى من وجودهم على الأرض، ستعتمد تلك الدولة مبادئ مهمّة، إجمالها الآتي:

المبدأ الأول: الرجوع إلى الفطرة

المقصود من الفطرة النظام الذي جعله الله تبارك وتعالى في الإنسان، الذي هو أشبه بما يُطلق عليه (ضبط المصنع) في الأجهزة الحديثة، حيث يرجع الإنسان إلى ما أوجده الله تعالى فيه من الخلقة الأولى، وتلك الخلقة الأولى هي خلقة الخير كما تؤكّده النصوص العديدة. إنّ النصوص التي ذكرت فطرة الله تعالى للإنسان، فسّرتها بأنّ الله تعالى أوجد في الناس ما يهديهم إلى التوحيد ومعرفة الله تعالى، حيث توفّر الإنسان على أدواتٍ معرفيّةٍ ذاتيّةٍ توصله إلى معرفة الله تعالى، وهو ما تعهّد علم الكلام بتصويره، وقد تقدّم أنّ التوحيد أساسٌ من أساسات الالتزام الأخلاقي.

عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فطرةُ اللهِ التي فطرَ الناسِ عليها﴾؟ قال: «فطرهم على معرفة أنّه ربهم، ولولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم، ولا من رازقهم»[1]. وفي نصوصٍ أخرى أنّ تلك الفطرة هي الإيمان بالإسلام وبأئمّة أهل البيت%، فكلّ من بحث – بما عدّه من أدواتٍ ذاتيّةٍ كالعقل- فإنّه يصل إلى حقّانية الدين الإسلامي من جهة، ومذهب أهل البيت% من جهةٍ أخرى، وهو ما تكفّل به علم الكلام أيضًا. روي عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله A في قوله (عزَّ وجلَّ) ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾؟ قال: فقال: «على التوحيد، ومحمّدٍ رسول الله J، وعلى أمير المؤمنين A» [2].

وهذا ما سيكون أحد أهم المبادئ التي سيعمل الإمام المهديّ  على تثبيتها وإحيائها في دولته المباركة، فإذا ما رجع الناس إلى فطرتهم الخيّرة، سهل عليهم تطبيق المفردات الأخلاقيّة، حيث تقدّم الارتباط الوثيق بين أصول الدين وبين التطبيقات الأخلاقيّة؛ فإذا ما رجع الناس إلى فطرتهم تلك، إلى التوحيد، والاعتقاد بالإسلام، والإيمان بولاية أهل البيت%، فمن الطبيعي أنّ اللازم عليهم حينها هو تطبيق التعليمات الإيمانيّة، التي خصّصت الكثير من تراثها للأخلاق الشاملة لجميع مفردات الحياة.

وقد عبّرت النصوص عن تثبيت الإمام المهديّ  لهذا المبدأ بتعبيراتٍ متنوّعة:

منها: إرجاع الناس إلى أمرهم الأول، كما رويَ عنِ النبيّ J، قال: «تأوي إليه أمّته كما تأوي النحلةُ إلى يعسوبها، يملأ الأرضَ عدلًا كما مُلئت جورًا، حتى يكونَ الناسُ على مثلِ أمرهم الأولِ، لا يوقظ نائمًا، ولا يهريق دمًا»[3].

ومنها: تآلف القلوب تمامًا بحيث تنتهي الضغائن، كما روي رويَ عن أميرِ المؤمنين علي بن أبي طالب A، قال: «قلتُ يا رسولَ الله، أمِنّا -آلَ محمدٍ- المهدي، أو من غيرنا؟ فقال رسولُ الله J: «بل مِنّا، يختمُ اللهُ به الدين، كما فتحه بنا، وبنا يُنقذون من الفتن، كما أُنقذوا من الشرك، وبنا يؤلِّفُ اللهُ بين قلوبهم بعد عداوةِ الفتنةِ إخوانًا، كما ألّفَ بينَ قلوبِهم بعدَ عداوةِ الشرك، وبنا يُصبحون بعد عداوةِ الفتنة إخوانًا، كما أصبحوا بعدَ عداوةِ الشركِ إخوانًا في دينهم»[4].

وحتى يتم تفعيل هذا المبدأ بصورةٍ مثاليّة، لا بدّ من تخليصه من المشوّشات والموانع التي تقف في طريقه، وهو مبدأٌ آخر سيأتي التحدّث عنه إنْ شاء الله تعالى.

المبدأ الثاني: وضوح الرؤية الكونيّة

إنّ أحد أهمّ موانع الالتزام بالدين عمومًا، وبالأخلاق خصوصًا، هو عدم وضوح الرؤية الكونيّة للفرد، ويُعنى بالرؤية الكونيّة: نظرة الفرد إلى خالق هذا الكون، وللدين، وهل إنّ الله تعالى ما زال يتدخّل في أمور الكون تكوينًا وتشريعًا أو إنّه فوّض تلك الأمور إلى الناس، فالدين بشري، والقانون وضعي، والأحداث الكونيّة نتيجة حركة الأشياء الديناميكيّة، فلا نبوّات ولا رسل، ولا كتب منزلة، ولا معجزة ولا تدخّل إلهي.

إنّ الرؤية الكونيّة – بهذا المعنى- لها أثرٌ مباشرٌ على سلوك الفرد؛ فإنّ سلوك من يعتقد بالخالق، وبالنبوات، وباليوم الآخر الذي سيجازي فيه الله تعالى الناس، يختلف جذريًّا عن سلوك الذي يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: 37].

في هذا المبدأ، ذكرت النصوص أنّ الإمام المهدي  سيدعم الرؤية الكونيّة الإسلاميّة، التي تبتني على أنّ الخالق هو الله تعالى، وأنّه أرسل النبيّ الأكرم J، وأنّه نصّب بعده الأئمّة %، وتشمل:

أ - التعريف بالعقيدة الحقّة: من خلال إرجاع الناس إلى التوحيد الحق، ممّا تقدّم بيانه في المبدأ الأول من الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها.

ب - نشر العلم والمعرفة والقضاء على الجهل: إنّ الرؤية الكونيّة رؤيةٌ معرفيّةٌ علميّة، يترتّب عليها العمل والسلوك الخارجي، ومن ثم، فإنّ التأسيس لها منهجيًّا متوّقفٌ على وجود معرفةٍ صحيحةٍ ذات أصولٍ ثابتة، ترجع إلى البديهي عقلًا، والمعصوم نقلًا، وهو ما سيعمل الإمام المهديّ  على توفيره للناس، وبطرقٍ مختلفة، أشارت النصوص إلى بعضها، من قبيل ما رويَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ A قَالَ: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ اللهُ يَدَه عَلَى رُؤُوسِ الْعِبَادِ؛ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ وكَمَلَتْ بِه أَحْلَامُهُمْ»[5].

المبدأ الثالث: توفير الأجواء المناسبة للتطبيق الأخلاقي

 إنّ تطبيق السلوك الأخلاقي يحتاج إلى العديد من الظروف المناسبة التي تساعد على نموّه في سلوك الفرد، والنصوص أوضحت أنّ الإمام المهديّ  لن يغفل توفير جملةٍ منها، نذكر منها الآتي:

التطبيق النموذجي للمبادئ الأخلاقيّة لدى قيادات الدولة:

أحد من العوامل التي تحبّط الأفراد من التزام الأخلاق، وقد تؤدي بهم إلى الابتعاد والنفور منها هو أن يكون الآمر بالأخلاق مخالفًا لها في سلوكه، خصوصًا من وليَ الأمر الذي إليه المرجع وعليه المعوّل، والعكس بالعكس، فإذا ما رأى الناس أنّ (إمامهم) قد التزم بما يأمر به أكثر من غيره؛ فإنّه سيتولّد عندهم الحافز الذاتي والدافع الباطني لالتزامهم، وهو ما أشارت له بعض النصوص، من قبيل ما روي عن أمير المؤمنين A أنّه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي واللَّه مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، ولَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا»[6]. وعَنْ خَالِدِ بْنِ نَجِيحٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه A: «أَقْرِؤُوا مَنْ لَقِيتُمْ مِنْ أَصْحَابِكُمُ السَّلَامَ، وقُولُوا لَهُمْ إِنَّ فُلَانَ بْنِ فُلَانٍ يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ، وقُولُوا لَهُمْ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّه (عَزَّ وجَلَّ)، ومَا يُنَالُ بِه مَا عِنْدَ اللَّه، إِنِّي واللَّه مَا آمُرُكُمْ إِلَّا بِمَا نَأْمُرُ بِه أَنْفُسَنَا فَعَلَيْكُمْ بِالْجِدِّ والِاجْتِهَادِ... »[7].

وعلى هذا الأساس، صرّحت بعض النصوص بأنّ الإمام المهدي  سيعمل على التطبيق العمليّ للمفاهيم الأخلاقيّة على نفسه أولًا، وعلى المقرّبين منه ثانيًا، فلا يكون هناك عذرٌ لمن يتخلّف عن التطبيق بعد هذا. عن معمّر بن خلّاد، قال: ذُكِرَ القائمُ عندَ أبي الحسن الرضا A، فقال: «وما لباسُ القائمِ إلّا الغليظُ، وما طعامُه إلّا الجشب»[8].

وفي نصٍّ آخر ينقل عهدًا بين الإمام المهدي  وبين أصحابه، يصرّح فيه بضرورة التزام أصحابه بالمبادئ الشرعيّة والأخلاقيّة، وأنّ هذا هو شرطه عليهم ليكونوا من أتباعه، فيما يشترط على نفسه أمورًا كذلك، حيث روي أنّه  بعد أن يخرج هو وأصحابه إلى الصفا، فيقول: «أنا معكم على...» ويبدأ يذكر فقرات ذلك الميثاق الآتية: «أنا معكم على أن لا تولّوا[9]، ولا تسـرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا مُحرِمًا، ولا تأتوا فاحشةً، ولا تضـربوا أحدًا إلَّا بحقِّه، ولا تكنزوا ذهبًا ولا فضَّةً ولا تبرًا ولا شعيرًا، ولا تأكلوا مال اليتيم، ولا تشهدوا بغير ما تعلمون، ولا تخربوا مسجدًا، ولا تُقبِّحوا مسلمًا...، ولا تشـربوا مسكرًا، ولا تلبسوا الذهب ولا الحرير ولا الديباج، ولا تبيعوها ربًا، ولا تسفكوا دمًا حرامًا، ولا تغدروا بمستأمن[10]، ولا تبقوا علىٰ كافرٍ ولا منافقٍ، وتلبسون الخشن من الثياب، وتتوسَّدون التراب على الخدود، وتجاهدون في الله حقَّ جهاده، ولا تشتمون، وتكرهون النجاسة، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر». ثمّ يلتفت إليهم ليذكر ما يشترطه على نفسه هو، بوصفه قائدًا لدولة العدل الإلهي، فيقول لهم: «فإذا فعلتم ذلك فعليَّ أن لا أتَّخذ حاجبًا، ولا ألبس إلَّا كما تلبسون، ولا أركب إلَّا كما تركبون، وأرضى بالقليل، وأملأ الأرض عدلًا كما مُلِئَت جورًا، وأعبد الله (عزَّ وجلَّ) حقَّ عبادته، وأفي لكم وتفوا لي». قالوا: رضينا واتَّبعناك على هذا، فيصافحهم رجلًا رجلًا[11].

2- توفير أماكن العلم والمعرفة، بناء المساجد نموذجًا

لا ريب في أنّ من أهمّ ما يساعد على التطبيق الأمثل للتعليمات عمومًا هي تعليمها في أماكن ومعاهد علميّةٍ مناسبة، وقد اتّخذ الإسلام من المساجد معاهد لذلك، ومن هنا نجد أنّ النبيّ الأكرم J قد أسرع في بناء المساجد أول وصوله إلى المدينة المنورة، وكان يوجّه الأوامر بحضور الجميع إليها، خصوصًا في أثناء صلاة الجماعة، وقد روي عند العامة أنّ النبيّ J أخبر الناس بأنّه همّ بحرق بيوت من لا يحضر الصلاة بعد النداء عليها، وهو منه – على فرض صحته- إظهارٌ لمزيد الاهتمام وضرورة الحضور في المسجد، خصوصًا في وقتٍ كان هو المعهد العلميّ الإسلامي الوحيد الذي يتعلّم الناس فيه الدين والأخلاق، ففي صحيح البخاري عنه J: «والذي نفسي بيده لقد هممت ان آمر بحطبٍ يُحتطب، ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤّم الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرق عليهم بيوتهم»[12].

ومن هنا، روي أنّ الإمام المهديّ  سيعمل على بناء المساجد الكبير لتعليم الناس القرآن الكريم على ما أراده الله تبارك وتعالى، وأنّ بعض المساجد ستكون كبيرةً جدًا في دولته، وأنّ الناس ستسعى لحضور الصلاة خلفه؛ ممّا يعني أنّ بناءها لم يكن من أجل الرفاهية الخالية من الفائدة، وإنّما لتستوعب أكبر عددٍ ممكنٍ من الناس، فقد روي عَنْ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ A: «كَأَنِّي بِالْعَجَمِ فَسَاطِيطُهُمْ فِي مَسْجِدِ اَلْكُوفَةِ يُعَلِّمُونَ اَلنَّاسَ اَلْقُرْآنَ كَمَا أُنْزِلَ...»[13].

وعَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ A أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا قَامَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ [ صلّى الله عليه وآله] ضَرَبَ فَسَاطِيطَ لِمَنْ يُعَلِّمُ اَلنَّاسَ اَلْقُرْآنَ عَلَى مَا أَنْزَلَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ)، فَأَصْعَبُ مَا يَكُونُ عَلَى مَنْ حَفِظَهُ اَلْيَوْمَ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ فِيهِ اَلتَّأْلِيفَ»[14]. وعَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله A يَقُولُ: «إِنَّ قَائِمَنَا إِذَا قَامَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَاِسْتَغْنَى اَلنَّاسُ، وَيُعَمَّرُ اَلرَّجُلُ فِي مُلْكِهِ حَتَّى يُولَدَ لَهُ أَلْفُ ذَكَرٍ لَا يُولَدُ فِيهِمْ أُنْثَى، وَيَبْنِي فِي ظَهْرِ اَلْكُوفَةِ مَسْجِدًا لَهُ أَلْفُ بَابٍ، وَتَتَّصِلُ بُيُوتُ اَلْكُوفَةِ بِنَهَرِ كَرْبَلَاءِ وَبِالْحِيرَةِ، حَتَّى يَخْرُجَ اَلرَّجُلُ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ عَلَى بَغْلَةٍ سَفْوَاءَ يُرِيدُ اَلْجُمُعَةَ فَلَا يُدْرِكُهَا»[15]. وعَنْ حَبَّةِ اَلْعُرَنِيِّ، قَالَ: خَرَجَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ A إِلَى اَلْحِيرَةِ، فَقَالَ: «لَتَصِلَنَّ هَذِهِ بِهَذِهِ - وَأَوْمَىٰ بِيَدِهِ إِلَى اَلْكُوفَةِ وَاَلْحِيرَةِ -، حَتَّى يُبَاعَ اَلذِّرَاعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا بِدَنَانِيرَ، وَلَيُبْنَيَنَّ بِالْحِيرَةِ مَسْجِدٌ لَهُ خَمْسُمِائَةِ بَابٍ يُصَلِّي فِيهِ خَلِيفَةُ اَلْقَائِمِ؛ لِأَنَّ مَسْجِدَ اَلْكُوفَةِ لَيَضِيقُ عَنْهُمْ، وَلَيُصَلِّيَنَّ فِيهِ اِثْنَا عَشَرَ إِمَامًا عَدْلًا»، قُلْتَ: يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ، وَيَسَعُ مَسْجِدُ اَلْكُوفَةِ هَذَا اَلَّذِي تَصِفُ اَلنَّاسَ يَوْمَئِذٍ؟! قَالَ: «تُبْنَى لَهُ أَرْبَعُ[16] مَسَاجِدَ، مَسْجِدُ اَلْكُوفَةِ أَصْغَرُهَا، وَهَذَا، وَمَسْجِدَانِ فِي طَرَفَيِ اَلْكُوفَةِ مِنْ هَذَا اَلْجَانِبِ وَهَذَا اَلْجَانِبِ - وَأَوْمَى بِيَدِهِ نَحْوَ اَلْبَصْرِيِّينَ وَاَلْغَرِيَّيْنِ -»[17]. وبلفظ (بحار الأنوار) قال: (وَأَوْمَأ بِيَدِهِ نَحْوَ نَهْرِ اَلْبَصْرِيِّينَ وَاَلْغَرِيَّيْنِ)[18].



المبدأ الرابع: القضاء على موانع التطبيق الأخلاقي

نظام هذا العالم مبنيٌّ على التضادّ في كثيرٍ من مفرداته، والابتلاء والاختبار من الحتميّات فيه، وقد صرّح القرآن الكريم بأنّ ذلك كان من أجل التمييز والتمحيص، لتثبت الحجّة للمهتدي، وعلى الضالّ العاصي، قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ألـم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. [العنكبوت: 1-3]

الاختبار والابتلاء في الحياة لم يأتِ بنحوٍ واحد، ولا على منوالٍ متماثل، بل كان على أنواعٍ مختلفة، ومفردات متنوّعة، ولم يكن ليأتي بشكلٍ صريحٍ وواضح، وإنّما تجد كثيرًا من مفرداته أتت بطريقةٍ خفيّة، وبطريقة ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 5]، وبطريقة: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27]. وهذا ما فرض مسؤوليةً عظيمةً على المؤمن، بدءًا من طرق اكتشاف تلك الاختبارات والابتلاءات، مرورًا بالتخلّص ممّا وقع عليه منها، وانتهاءً بتحصين النفس عن الوقوع فيما خرج منه مرةً أخرى أو العودة إليه.

أحد أهمّ المبادئ التي ستتوفر عليها الدولة المهدويّة هي القضاء على كلّ ما من شأنه تعكير صفو  النفس، أو تشجيع المعصية، أو إتاحة الأخطاء، ولا يعني هذا أنّ المجتمع سيتحول إلى مجتمعٍ معصومٍ يمتنع عليه الخطأ تمامًا، فالدولة المهدويّة والدين عمومًا لا يسلب إرادة الإنسان ولا يُجبره على الهدايّة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، إنّما هو يوفّر الظروف المناسبة للطاعة، لتبقى الخطوة الأخيرة بيد الإنسان، بأن يُفعّل إرادته لفعل الخير وترك الشر.

وعلى كلّ حال، ذكرت النصوص المهدويّة أنّه  سيرفع العديد من الموانع التي تتسبّب عادةً في وقوع الإنسان في المعصية، وبذا يُكمل مشهد (توفير الظروف المناسبة للطاعة وللتطبيق الأخلاقي)، ومن جملة تلك الموانع هي الآتي:

أ- إبليس

لا يشكّ أحدٌ في الدور الفعّال لإبليس وأعوانه من الجنّ في إغواء بني آدم، حتى يواقعوا المعصية، ثم العمل على أن ينسى العاصي الاستغفار، وأن يستمر بالمعصية، إلى أن تستولي المعاصي على قلبه، فيبتعد عن الفلاح كثيرًا، ومن ثم، فوجود إبليس وتمكنّه من الوسوسة لبني آدم مانعٌ كبيرٌ من التطبيق الشرعي والأخلاقي، وعلى جميع المستويات. ومن هنا، ستشهد دولة الإمام المهدي  على رفع هذا المانع من أساسه؛ وبذا يتخلّص المؤمنون من سببٍ رئيسٍ في وقوعهم في المعصية، وابتعادهم التطبيق الأخلاقي، إذ دلَّت بعض النصوص على أنَّ الوقت المعلوم الذي أُجِّل له الشيطان ليس هو يوم القيامة، وإنَّما هو يوم يكون قبله، وقد تعدَّدت النصوص في بيان ذلك اليوم الذي تنتهي فيه مهلة الشيطان ويُقتَل فيه:

النصُّ الأوَّل: أنَّ الذي يقتله هو الإمام المهدي  عند قيامه: روي عن الإمام الصادق A: «يَا وَهْبُ، أَتَحْسَبُ أَنَّهُ يَوْمَ يَبْعَثُ اَللهُ فِيهِ اَلنَّاسَ؟ إِنَّ اَللهَ أَنْظَرَهُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُ فِيهِ قَائِمُنَا، فَإِذَا بَعَثَ اَللهُ قَائِمَنَا كَانَ فِي مَسْجِدِ اَلْكُوفَةِ، وَجَاءَ إِبْلِيسُ حَتَّىٰ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَىٰ رُكْبَتَيْهِ، فَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ مِنْ هَذَا اَلْيَوْمِ، فَيَأْخُذُ بِنَاصِيَتِهِ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، فَذَلِكَ اَلْيَوْمُ هُوَ اَلْوَقْتُ اَلمَعْلُومُ»[19].

النصُّ الثاني: أنَّ الذي يقتله هو الرسول الأكرم J في الرجعة: وذلك بعد معركة تدور له مع أمير المؤمنين A، فيهرب، فيتبعه النبيُّ J، فيقتله، فقد روي عَنْ عَبْدِ اَلْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو اَلْخَثْعَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله A يَقُولُ: «... رَسُولُ اَلله J أَمَامَهُ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ مِنْ نُورٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ إِبْلِيسُ رَجَعَ اَلْقَهْقَرَى نَاكِصًا عَلَى عَقِبَيْهِ، فَيَقُولُونَ لَهُ أَصْحَابُهُ: أَيْنَ تُرِيدُ وَقَدْ ظَفِرْتَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخَافُ اَللهَ رَبَّ اَلْعَالَمِينَ، فَيَلْحَقُهُ اَلنَّبِيُّ J فَيَطْعُنُهُ طَعْنَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَيَكُونُ هَلَاكُهُ وَهَلَاكُ جَمِيعِ أَشْيَاعِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُعْبَدُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) وَلَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْئًا...»[20]. وروى القمِّي بسنده عن أبي عبد اللهِ A في قول اللهِ تبارك وتعالى: ﴿فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: 36 - 38]، قَالَ: «يَوْمُ اَلْوَقْتِ اَلمَعْلُومِ يَوْمٌ يَذْبَحُهُ رَسُولُ اَلله J عَلَى اَلصَّخْرَةِ اَلَّتِي فِي بَيْتِ اَلمَقْدِسِ»[21].

النصُّ الثالث: أنَّ الذي يقتله هو أمير المؤمنين A في الرجعة: روى نعيم بن حمَّاد بسنده عَنِ اَلنَّبِيِّ J، قَالَ: «خُرُوجُ اَلدَّابَّةِ بَعْدَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ، فَإِذَا خَرَجَتْ قَتَلَتِ اَلدَّابَّةُ إِبْلِيسَ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَيَتَمَتَّعُ اَلمُؤْمِنُونَ فِي اَلْأَرْضِ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَا يَتَمَنَّوْنَ شَيْئًا إِلَّا أُعْطُوهُ وَوَجَدُوهُ، فَلَا جَوْرَ، وَلَا ظُلْمَ، وَقَدْ أَسْلَمَ اَلْأَشْيَاءُ لِرَبِّ اَلْعَالَمِينَ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَاَلمُؤْمِنُونَ طَوْعًا، وَاَلْكُفَّارُ كَرْهًا، وَاَلسَّبُعُ وَاَلطَّيْرُ كَرْهًا، حَتَّىٰ إِنَّ اَلسَّبُعَ لَا يُؤْذِي دَابَّةً وَلَا طَيْرًا، وَيَلِدُ اَلمُؤْمِنُ فَلَا يَمُوتُ حَتَّى يُتِمَّ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعْدَ خُرُوجِ دَابَّةِ اَلْأَرْضِ، ثُمَّ يَعُودُ فِيهِمُ اَلمَوْتُ فَيَمْكُثُونَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اَللهُ...»[22].

وقد جمع الشيخ السند هذا الاختلاف بين الروايات بأنَّه محمولٌ على تعدّد رجعة إبليس، وقتله في كلِّ رجعة[23].

إنْ قلت: إنّ رجعته تعني عودة المانع بعد رفعه، وبذا يؤثّر سلبًا على التطبيق الأخلاقي.

قلت: هذا صحيح، وهو أمرٌ طبيعيّ إلى حدٍّ ما حسب قوانين هذا العالم، ويكون رفعه - في كلّ مرة يرجع - مشروعًا تكامليًّا يدخل ضمن قوانين هذا العالم، وهو أشبه بعودة مرضٍ تمّ علاجه مسبقًا، فإنّه يبقى أمرًا مطلوبًا في حدّ ذاته، ويبقى رفعه رفعًا لمانع من سلامة البدن. على أنّ الرفع النهائي لهذا المانع - على كلّ حال - سيكون تامًا لا عودة له ولو بتعدّد الإزالة.

أمَّا ما هو معنى قتل الإمام المهديّ  لإبليس؟ يمكن أنْ يكون بمعنى القتل الحقيقي، وهو الذي يبدو من النصوص السابقة، ويمكن أن يكون بمعنى قتل الجذور التي يُحرِّكها إبليس في داخل الإنسان، فينتفي الحافز لاتِّباع خطواته.

ب- القضاء على الأعداء (الكافرين والمشركين)

يمثّل الكافرون والمنافقون والمشركون والمرجفون وأتباعهم جبهاتٍ متعددةً تعمل على إبعاد الناس عن الدين عمومًا، وعن التطبيق الأخلاقي خصوصًا، وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217]، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100]،﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ﴾ [البقرة: 109].

فإبعاد الناس عن الدين، وتشويش عملهم بحرفه عن السلوك المستقيم، هدف من أهدافهم، ومن أجل ذلك هم يمارسون شتّى أنواع الأساليب والأفعال، وقد أشار القرآن الكريم إلى كثيرٍ من تلك الأساليب والطرق، من ذلك ما يأتي:

التشكيك في العقيدة والتلاعب بالشبهات: قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26].

السخرية والاستهزاء بأهل الإيمان: قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: 36]

محاولة إغراء المؤمنين بالمال والمناصب: قال تعالى:  ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9].

إثارة الفتن وزرع الشبهات بين المؤمنين: قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 47- 48].

السعي لنشر الفساد والانحلال الأخلاقي: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [النور: 19].

ومن ثَمّ سيشكل وجودهم مانعًا من تحقيق السلوك الديني والأخلاقي، وهو مانع قويٌّ لا يُستهان به، وهو ما سيعمل الإمام المهديّ  على القضاء عليه، ومنه نعلم: أنّ الإمام المهديّ  سيعمل على تقويض الموانع الداخليّة (بقتل إبليس)، والخارجيّة (بقتل الأعداء، أو إضعاف قوتهم وجعلهم تحت رعاية الدولة المهدويّة ورقابتها، أو بهدايتهم إلى الدين ليكونوا عناصر نافعةً في المجتمع).

والنصوص الدالّة على هذا المعنى أكثر من أن تُحصى كما أشرنا، منها ما جاء في خطبة النبيِّ J في الغدير: «أَلَا إِنَّهُ اَلمُنْتَقَمُ مِنَ اَلظَّالِمينَ»[24].

وعن أبي الجارود، عن أبي جعفر A في قوله (عزَّ وجلَّ) ﴿الذينَ إن مكّناهم في الأرضِ أقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ وأمروا بالمعروفِ ونهوا عن المنكرِ، وللهِ عاقبةُ الأمورِ﴾، قال: «هذه الآية لآل محمّد؛ الإمام المهديّ وأصحابه يُملّكهم اللهُ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، ويظهر الدين، ويُميتُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) به وبأصحابه البدعَ والباطلَ، كما أمات السفهةُ الحقَّ، حتّى لا يرى أثر من الظلم، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وللهِ عاقبةُ الأمور»[25]. وعن زرارة، عن أبي عبد الله A في قول الله ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ (4). قال: «ما زالَ منذ خلق الله آدم دولة لله ودولة لإبليس، فأين دولة الله؟ أما هو إلّا قائمٌ واحدٌ»[26].

ج- القضاء على الفقر والحاجة الماديّة

لا يختلف اثنان في أنّ الفقر والحاجة يُغيّران من السلوك لدى الفرد، وقد يتنازل بعضٌ عن شيءٍ من مبادئه من أجل دفع الفقر أو التقليل من تأثيره السلبي، فليس كلّ سارقٍ يسرق عن مهنة، فهناك من يسرق عن حاجة، ممّا يعني أنّ الأخلاق قد تتهاوى بين جدران الفقر، وقد تذوب بين يدي الحاجة!

هذا الأمر ليس دائمًا، فالجميع يشهد على وجود فقراء ما تنازلوا عن مبادئهم ولو ماتوا جوعًا، وما تغيّرت أخلاقهم ولو أثّر فيهم الفقر وأعوزتهم الحاجة، إلّا أنّ الفقر – على كلّ حال - مانعٌ من التمسّك بالأخلاق، ومع شيءٍ من ضعف الإيمان أو الضغط النفسي أو الاجتماعي، قد يتجاوز بعض الفقراء حدوده العقلائيّة والدينيّة والأخلاقيّة، وهو أمرٌ وجدانيٌّ معاش.

هذا المانع أيضًا سيرتفع في دولة الإمام المهديّ ، وسيكون الغنى على أعلى مستوياته المتصوّرة، بحيث لا يجد الغنيُّ فقيرًا ليُعطيه زكاته، على أنّ العطاء منه  سيكون هنيئًا، وكثيرًا، ولن يردّ أحدًا جاءه يطلب مالًا. حتى الديون، تلك التي تقضّ المضاجع وتظلّم النهار بوجه المديون، سيقضيها الإمام  عن أتباعه، والنصوص في ذلك أكثر من أن تُحصى، ومنها التي:

رويَ عن أبي جعفرٍ A يقول: «القائمُ منصورٌ بالرعبِ مؤيدٌ بالنصر، تطوى له الأرضُ وتظهرُ له الكنوز، ويبلغُ سلطانه المشرقَ والمغرب، ويظهرُ اللهُ J به دينَه ولو كره المشركون. فلا يبقى في الأرضِ خراب إلّا عُمِّر»[27].

وعن أبي سعيدٍ الخدري (رضي الله عنه) قال: قالَ رسولُ اللهِ J: «ينزلُ بأمتي في آخرِ الزمانِ بلاءٌ شديدٌ من سلطانهم، لم يسمعْ ببلاءٍ أشدّ منه، حتى تضيق عليهم الأرضُ الرحبة، حتى تملأ الأرضُ جورًا وظلمًا، لا يجدُ المؤمنُ ملجأ يلتجئ إليه من الظلمِ، فيبعث اللهُ (عزَّ وجلَّ) رجلًا من عترتي، فيملأ الأرضَ قسطًا وعدلًا، كما مُلئتْ جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكنُ السماءِ وساكنُ الأرض، لا تدّخرُ الأرضُ من بذرِها شيئًا إلّا أخرجته، ولا السماءُ من قطرِها شيئًا إلّا صبّه اللهُ عليهم مدرارًا»[28].

وعن رسولِ الله J يقول: «لا يزالُ بكم الأمرُ حتى يولد في الفتنةِ والجورِ من لا يعرفُ غيرَها حتى يملأ الأرض جورًا، فلا يقدرُ أحدٌ يقولُ: الله، ثم يبعثُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) رجلًا منّي ومن عترتي، فيملأ الأرضَ عدلًا كما ملأها من كانَ قبله جورًا، وتُخرج له الأرضُ أفلاذَ كبدها، ويحثو المالَ حثوًا ولا يعده عدًّا، وذلك حينَ يضربُ الإسلامُ بجرانه»[29].

وعن المفضل بن عمر قال: سمعتُ أبا عبدِ الله A يقول: «إنَّ قائمَنا إذا قامَ أشرقتِ الأرضُ بنورِ ربِّها... ويطلبُ الرجلُ منكم من يصله بماله ويأخذُ منه زكاته، فلا يجدُ أحدًا يقبلُ منه ذلك، استغنى الناسُ بما رزقَهم اللهُ من فضله»[30].

فتلخّص ممّا سبق: أنّ المبادئ التي سيوجّه الإمام المهديّ  اهتمامه إليها من أجل إحياء النفوس لتعمل بالأخلاق الحسنة عديدة، وما يتعلّق بهذه المبادئ هو الآتي:

الرجوع إلى الفطرة:  تُعدّ الفطرة الإنسانيّة أساسًا لإحياء الأخلاق، التي فُسّرت بأنّ الله تعالى خلق الإنسان على معرفة التوحيد وحقّانية الإسلام، وأهل البيت %.

إحياء العقيدة الصحيحة  :إنّ ممّا يسهل الالتزام الأخلاقي هي إعادة الناس إلى الاعتقاد الصحيح بالتوحيد، والنبوة، والإمامة.

وضوح الرؤية الكونيّة: يرسّخ الإمام المهديّ  الاعتقاد بتدخّل الله تعالى في الكون واستمرار الوحي والتشريع.

نشر العلم والقضاء على الجهل: من خلال توجيه الناس نحو المعرفة الصحيحة، وتوسيع إدراكهم العقلي والديني، إذ يجمع الله عقول العباد، ويكمل أحلامهم.

التطبيق العملي للأخلاق من القادة: يتّبع الإمام المهديّ  نهجًا في القيادة يُلزم نفسه والمقرّبين منه بالتقيد بالمبادئ الأخلاقيّة لضمان مصداقيّة تطبيقها.

الميثاق الأخلاقي مع الأصحاب: يفرض الإمام المهديّ  على أصحابه التزامًا صارمًا بالأخلاق والشرائع الإسلاميّة، كما يضع على نفسه التزاماتٍ تضمن العدل والمساواة.

بناء المساجد لنشر المعرفة: لأنّ المساجد هي مراكز لنشر تعاليم القرآن الكريم وفق النصوص الصحيحة.

إقامة العدل وإزالة الفتن: إنّ تحقيق العدالة الاجتماعيّة، والقضاء على المظالم والضغائن بين الناس، متوقفٌ على إزالة الموانع منها، ومنه إزالة الفتن؛ ممّا يرسّخ بيئةً أخلاقيّةً سليمة.

تحقيق التآلف بين القلوب: يسهم الإمام المهديّ  في القضاء على الفتن والعداوات، ممّا يؤدّي إلى وحدة المجتمع الإسلامي على أسس المحبّة والإخاء.

توسيع العمران وتطوير المجتمع:  تسهم دولة الإمام المهديّ  في تحسين البنية التحتيّة، بما يشمل توسيع المساجد والمدن؛ ممّا ينعكس إيجابًا على الاستقرار الاجتماعي والتطوّر الحضاري.

المطلب الثالث: نماذج من الأخلاق العملية في دولة الإمام المهديّ 

لا يمكننا حصر النماذج الأخلاقيّة التي ستُطبّق في دولة الإمام المهديّ ؛ إذ لا نحتمل أنّ النصوص قد تعرّضت لكلّ ذلك، على أنّ النصوص التي وصلت إلينا هي أقلّ بكثيرٍ ممّا صدر عن أهل البيت%، فضلًا عن أنّنا لا نتوقع من النصوص أن تقوم بعملية إحصاءٍ ومسحٍ ميدانيٍ لكلّ التطبيقات الأخلاقيّة آنذاك، وإنّما هي تذكر نماذج، وبعض ما تذكره – كما نتوقع - جاء على نحو القاعدة العامّة التي يُمكن أن تدخل تحتها تطبيقاتٌ متكثّرة، كما هو حال الأحكام الشرعية الكليّة.

وبعد أن ذكرنا المبادئ الأساسيّة التي ستكون وراء تركيز النفوس على عمل الخير، وإنعاشها بترك الشر، يُمكن أن نذكر نماذج جزئيّة لذلك، وبعضها أيضًا لا سيخلو من مسحة القاعدة، وهي الآتي:

النموذج الأول: تقديم الواجب على المستحب عند التعارض

الواجب والمستحب، حكمان شرعيّان، لا مانع من أدائهما معًا، وأمّا لو حصل تدافع بينهما، فلا ريب في تقدّم الواجب، إلّا أنّه في بعض الأحيان يكون التدافع شخصيًّا، وحينها تُلقى مهمة تقديم الواجب على المستحب على المكلَّف، كما لو ضاق الوقت عن أداء نافلة الفجر، بحيث كان أداؤها يستلزم خروج الوقت المخصص لأداء صلاة الصبح الواجبة، حينها يلزم أن يقدّم الفرض على النافلة كما هو واضح، وأمّا إذا كان ذلك جماعيًّا – إذا صح التعبير-، بأن كان تقديم المستحب ومزاحمته للواجب صادرًا من مجموعةٍ كبيرةٍ من المؤمنين، مع عدم توجّه الحرمة على الفرد في ذلك، وأوضح مثال لذلك هو الطواف المستحب، فإنّه لم نجد فتوى تمنع أو تحرّم على الفرد أن يطوف مستحبًا وإن كان هناك من يريد أن يطوف واجبًا.

لكن في مثل هذه الحالة، يُمكن أن يكون لولي الأمر أن يمنع من الطواف المستحب لإتاحة الفرصة لمن يريد أداء طوافه الواجب، وتحديد موضوع هذا المعنى يحتاج إلى عمقٍ فقهيّ قد لا يملكه غير المعصوم، وهو ما ورد في بعض النصوص من أنّه  يأمر بخروج الذي يطوف مستحبًا لإتاحة الفرصة لمن يطوف واجبًا، فقد روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه A قَالَ: «أَوَّلُ مَا يُظْهِرُ الْقَائِمُ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُنَادِيَ مُنَادِيه أَنْ يُسَلِّمَ صَاحِبُ النَّافِلَةِ لِصَاحِبِ الْفَرِيضَةِ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ والطَّوَافَ»[31].

النموذج الثاني: عموم العدل

حسن العدل وقبح الظلم ممّا لا يختلف فيه عاقلان، إلّا أنّهم قد يختلفون في بعض التطبيقات؛ ولذا تجد أنّ الظالم يدّعي العدل في ظلمه لخصومه، وقد يصدّقه بعض أتباعه، أو حتى قد يعتقدون بعدله في ذلك.

أمّا إذا كان التطبيق صادرًا من المعصوم، فإنّك لن تجد فيه خلاف الواقع البتة؛ ولذلك أخبرت النصوص أنّ عدل الإمام  سيكون عامًّا شاملًا لكلّ الأرض، ولكلّ الأشخاص، وهذا الأمر سيورث الاطمئنان بعدم حيف الحاكم ولا أتباعه على الرعيّة، وهو تطبيقٌ أخلاقيٌّ لا مثيل له إلّا في دولته .

وقد عبّرت النصوص عن هذا المعنى بتعبيراتٍ متعدّدة:

فمنها: شمول عدله وفرضه على الجميع، فلا يُستثنى منه أحد، وقد عبّرت النصوص عن هذا المعنى بدخول العدل أجواف البيوت رغمًا... فعن الفضيل بن يسار، قال: سمعتُ أبا عبدِ الله A يقول: «إنَّ قائمَنا إذا قامَ استقبلَ من جهلِ الناسِ أشدَّ ممّا استقبله رسولُ الله J من جهالِ الجاهلية. قلت: وكيف ذاك؟ قال A: إنَّ رسولَ الله J أتى الناسَ وهم يعبدون الحجارةَ والصخورَ والعيدانَ والخشبَ المنحوتة، وإنَّ قائمنا إذا قامَ أتى الناسَ وكُلّهم يتأوّلُ عليه كتابَ اللهِ يحتجُّ عليه به، ثم قال A: أما واللهِ ليدخلنّ عليهم عدلُه جوفَ بيوتِهم كما يدخلُ الحرّ والقرّ»[32].

ولعلّ في هذا التعبير إشارةً إلى عموم العدل رغمًا على الجميع، ولعلّه إشارةٌ إلى أن العدل يصل حتى إلى داخل الأسرة الواحدة، فرغم أنّ الأسرة يُمكنها أن تخفي بعض الظلم داخل أروقتها، إلّا أنّه وفي دولة الإمام المهديّ  لا يمكن ذلك، بل العدل سيكون شاملًا لها وفي داخلها.

ومنها: إنهاء المحسوبيات، فكون الفرد من المقرّبين للإمام المهديّ  لا يُعفيه من تطبيق العدل عليه، فإنْ كان مذنبًا جرى العدل عليه كما يجري على عامّة الناس، وهذا لعمري لا تجده إلّا في دولةٍ يحكمها المعصوم، فقد روي عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله A أنّه قال: «بينا الرجل على رأس القائم يأمر وينهى إذ أمر بضرب عنقه، فلا يبقى بين الخافقين شيءٌ إلّا خافه»[33].

ولعلّ المقصود من مثل هذا الحديث أنّ المنافقين لا يتمكنون من خداع الإمام المهديّ  حتى لو وصلوا إلى مراتب عالية في دولته، ولعلّ المقصود هو أنّ أيّ أحدٍ يخرج عن الاستقامة فإنّ العدل يجري عليه حتى لو كان من المقرّبين.

وعلى المنوال نفسه ما ورد من أنّه يقتل رجالًا من قريش، فإنّه وإنْ كان يشير إلى عداوة قريش له بالخصوص، إلّا أنّه يشير أيضًا إلى أنّ العلاقات النسبيّة لن تكون مانعًا من تطبيق العدل في دولته ، وقد روي عن بشر بن غالب الأسدي، قال: «قال لي الحسين بن علي C: يا بشر، ما بقاء قريش إذا قدم القائم المهديّ منهم خمسمائة رجلٍ، فضرب أعناقهم صبرًا، ثم قدم خمسمائة فضرب أعناقهم صبرًا، ثم خمسمائة فضرب أعناقهم صبرًا، قال: فقلت له: أصلحك الله، أيبلغون ذلك؟ فقال الحسين بن علي C: إنّ مولى القوم منهم... »[34].

وفي هذا النصّ إشارةٌ إلى أنّ (مولى القوم منهم) بمعنى أنّ من يتولّى قريشًا أو غيرهم فإنّه يُعدّ منهم، وهو ما تؤكّده النصوص الدينيّة، وأوضح مثالٍ على ذلك في القضية المهدويّة ما روي في سبب قتله لذراري قتلة الإمام الحسين A، فقد روي عَنْ عَبْدِ اَلسَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ اَلْهَرَوِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي اَلْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَىٰ اَلرِّضَا A: يَا بْنَ رَسُولِ اَلله، مَا تَقُولُ فِي حَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ اَلصَّادِقِ A أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ اَلْقَائِمُ قَتَلَ ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ اَلْحُسَيْنِ A بِفِعَالِ آبَائِهَا»، فَقَالَ A: «هُوَ كَذَلِكَ»، فَقُلْتُ: فَقَوْلُ اَلله U: ]وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ[ [الأنعام: 164]، مَا مَعْنَاهُ؟ فَقَالَ: «صَدَقَ اَللهُ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ، لَكِنَّ ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ اَلْحُسَيْنِ يَرْضَوْنَ أَفْعَالَ آبَائِهِمْ وَيَفْتَخِرُونَ بِهَا، وَمَنْ رَضِيَ شَيْئًا كَانَ كَمَنْ أَتَاهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي اَلمَشْرِقِ فَرَضِيَ بِقَتْلِهِ رَجُلٌ فِي اَلمَغْرِبِ لَكَانَ اَلرَّاضِي عِنْدَ اَلله شَرِيكَ اَلْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا يَقْتُلُهُمُ اَلْقَائِمُ إِذَا خَرَجَ لِرِضَاهُمْ بِفِعْلِ آبَائِهِمْ...»[35].

هذا فضلًا عن أنّ أخذ الإمام المهديّ  الميثاق على أصحابه بفقراتٍ متعدّدة – تقدم ذكر النصّ في ذلك -، والتزامه هو بالزهد وعدم التأثر ببهارج الدنيا وسلطتها، هذا بنفسه كافٍ ليأس ذوي المآرب الملتوية من الحصول على استثناءاتٍ لهم، أو الحصول على إجازاتٍ بارتكاب المخالفات في تلك الدولة العادلة.



النموذج الثالث: التكافل الاجتماعي (يقضي الدين) مثلًا

لا يتوقّف التكافل الاجتماعيّ في دولة الإمام المهديّ  عند حدود الزكاة وخمس الأموال وزكاة الفطرة، وإنّما تتكفل الدولة قضاء ديون المؤمنين مهما عظمت أو صغرت، وهذا التطبيق الأخلاقي لا تجده في دولة اليوم، ولن نجده إلّا في دولة يحكمها المعصوم A. فقد روي أنّ المفضَّلَ قال للإمامِ الصادق A: «يا مولاي، من ماتَ من شيعتِكم وعليه دينٌ لإخوانه ولأضداده كيفَ يكون؟ قالَ الصادق A: أوَّلُ ما يبتدئُ المهديُ A أنْ يُنادي في جميعِ العالم: ألَا من له عندَ أحدٍ من شيعتنا دَينٌ فليذكره، حتَّى يردَّ الثومةَ والخردلة، فضلًا عن القناطيرِ المُقنطرة من الذهبِ والفضَّةِ والأملاك، فيوفّيه إيّاه»[36].

النموذج الرابع: آداب وأخلاقيات الحرب

الغاية تبرّر الوسيلة هو هدف كثيرٍ من الظلمة في مجال التخلّص من أعدائهم، فإحراقُ الأخضر واليابس، وقتل الصغير والكبير، واقع نشاهده في الكثير من الحروب، وقد حفظ لنا التاريخ وثائق سوداء، وأخبرنا بأخرى مثلها تقع في المستقبل.

عن الإمامِ الصادق A: «أَمَّا مَوْلِدُ مُوسَى A، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَـمَّا وَقَفَ عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِ عَلَى يَدِهِ، أَمَرَ بِإِحْضَارِ الْكَهَنَةِ، فَدَلُّوهُ عَلَى نَسَبِهِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَقِّ بُطُونِ الْحَوَامِلِ مِنْ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَتَّى قَتَلَ فِي طَلَبِهِ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ أَلْفَ مَوْلُودٍ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إِلَى قَتْلِ مُوسَى A بِحِفْظِ اللهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو الْعَبَّاسِ، لَـمَّا وَقَفُوا عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِمْ وَمُلْكِ الْأُمَرَاءِ وَالْجَبَابِرَةِ مِنْهُمْ عَلَى يَدِ الْقَائِمِ مِنَّا، نَاصَبُونَا الْعَدَاوَةَ، وَوَضَعُوا سُيُوفَهُمْ فِي قَتْلِ آلِ الرَّسُولِ J وَإِبَادَةِ نَسْلِهِ طَمَعًا مِنْهُمْ فِي الْوُصُولِ إِلَى قَتْلِ الْقَائِمِ، وَيَأْبَى اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَكْشِفَ أَمْرَهُ لِوَاحِدٍ مِنَ الظَّلَمَةِ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ‏ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ...»[37].

وجاء في مرسلة المقدسي عن أمير المؤمنين A في سياق ذكر جرائم السفياني وما يفعله من الفواحش وسفك الدم الحرام، أنّ الملائكة تضجّ إلى الله تعالى، فيأمر الله تبارك وتعالى جبرئيل بأن ينادي من على سور مسجد دمشق بأنّ الفَرَج والغوث قد جاء لأمة النبي الأكرم J، فقد جاء فيها: «فإذا دخل دمشق اعتكف على شرب الخمر والمعاصي، ويأمر أصحابه بذلك، ويخرج السفياني وبيده حربة، فيأخذ امرأة حاملًا، فيدفعها إلى بعض أصحابه، ويقول: افجر بها في وسط الطريق، فيفعل ذلك ويبقر بطنها، فيسقط الجنين من بطن أمه، فلا يقدر أحد أن يغيّر ذلك، فتضطرب الملائكة في السماء، فيأمر الله (عزَّ وجلَّ) جبريل A فيصيح على سور مسجد دمشق: ألا قد جاءكم الغوث يا أمة محمد، قد جاءكم الغوث يا أمة محمد، قد جاءكم الفَرَج، وهو المهديّ A، خارج من مكة، فأجيبوه»[38].

روي أنّه يبعثُ السفياني جيشًا إلى المدينة، فيأمرُ بقتلِ كُلِّ من كانَ فيها من بني هاشم حتى الحبالى[39]. وهذا أمرٌ رفضه الإسلام أشدّ الرفض، فكان النبيّ الأكرم J يوصي جنوده عندما يرسلهم في مهمةٍ عسكريّةٍ فيقول: «انطلقوا بسمِ اللهِ وباللهِ وعلى ملّةِ رسولِ الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأةً، ولا تغلوا وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إنّ الله يحبّ المحسنين»[40].

وفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ أَبِيه أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ A كَانَ يَأْمُرُ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَقِينَا فِيه عَدُوَّنَا فَيَقُولُ: «لَا تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللَّه عَلَى حُجَّةٍ، وتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ حُجَّةٌ لَكُمْ أُخْرَى، فَإِذَا هَزَمْتُمُوهُمْ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، ولَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، ولَا تَكْشِفُوا عَوْرَةً، ولَا تُمَثِّلُوا بِقَتِيلٍ»[41].

وعن الإمام الصادق A أنّه قال في حديثٍ طويل: «وكَانَتِ السِّيرَةُ فِيهِمْ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ A مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّه J فِي أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَإِنَّه لَمْ يَسْبِ لَهُمْ ذُرِّيَّةً، وقَالَ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَه فَهُوَ آمِنٌ، ومَنْ أَلْقَى سِلَاحَه فَهُوَ آمِنٌ، وكَذَلِكَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) يَوْمَ الْبَصْرَةِ نَادَى فِيهِمْ لَا تَسْبُوا لَهُمْ ذُرِّيَّةً، ولَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، ولَا تَتْبَعُوا مُدْبِرًا، ومَنْ أَغْلَقَ بَابَه، وأَلْقَى سِلَاحَه فَهُوَ آمِنٌ»[42].

وعلى هذا المنوال سيكون الإمام المهدي  في حروبه ومعاركه، فالأخلاق حاضرةٌ فيها بمعنى الكلمة، حتى إنّه رويَ عن أبي جعفر A قال: «يُبايَعُ القائمُ بمكّة على كتابِ اللهِ وسُنّةِ رسوله، ويستعملُ على مكّة، ثم يسيرُ نحوَ المدينة فيبلغه أنَّ عاملَه قتل، فيرجعُ إليهم فيقتلُ المقاتلة، ولا يزيدُ على ذلك...»[43]. فالرواية تصرّح وتؤكّد على أنّه  لا يُقاتل إلّا من يُقاتله، وأمّا غيرهم فإنّه لا يتعرّض لهم البتة، وهذه أخلاق سلسل النبوة وفرع الإمامة.

ومن الآداب أنّه  لا يبدأ خصومه بقتال، بل يبدو من بعض النصوص أنّه يأمر أصحابه بالرجوع التكتيكي أمام العدو[44]، ولعلّه من باب إرادة هدايتهم من دون قتال، فيحاول أن يبتعد عن قتالهم، فإذا ما رآهم مصرّين على قتله وقتاله، فلا مناص من منازلتهم القتال. فقد جاء في الرواية عن أبي جعفر A في سياق حديثه عن تحرُّك جيش الإمام المهدي  لملاقاة جيش السفياني أنَّه سيتَّخذ طريق النخيلة، قَالَ A: «... حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَىٰ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ A بِالنُّخَيْلَةِ، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ بِالْكُوفَةِ مِنْ مُرْجِئِهَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ جَيْشِ اَلسُّفْيَانِيِّ، فَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: اِسْتَطْرِدُوا لَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: كرُّوا عَلَيْهِمْ»، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ A: «وَلَا يَجُوزُوا وَاَلله اَلْخَنْدَقَ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ»[45].

وهذا أدبٌ موروثٌ منه عن آبائه %، فقد روى الشيخ المفيد قال: «ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين من ذلك، فقال له: دعني حتى أرميه فإنّ الفاسق من عظماء الجبارين، وقد أمكن الله منه. فقال له الحسين A: «لا ترمه، فإنّي أكره أن أبدأهم»[46].

والخلاصة: أنّ التطبيقات الأخلاقيّة في الدولة المهدويّة كثيرةٌ جدًّا، ومنها:

تقديم الواجب على المستحب: في دولة الإمام المهدي ، سيتم الالتزام بتقديم الفرائض على النوافل عند التعارض العام، لا إلافردي، حتى لو كان ذلك يتطلب تدخّل ولي الأمر لتنظيم أولويات العبادات.

تحقيق العدل الشامل: عموم العدل قاعدةٌ أساسيّةٌ تشمل الجميع دون تمييز، بحيث لا تمنح المحسوبيّات امتيازات خاصّة، وسيتم تطبيق القوانين على الجميع، بما فيهم المقرّبون من الإمام.

التكافل الاجتماعي: ستتكفل الدولة المهدويّة بسدّ احتياجات الفقراء وقضاء ديون المؤمنين، ما يضمن عدالةً اقتصاديّةً وتضامنًا اجتماعيًّا لم يسبق له مثيل.

آداب الحرب والرحمة في القتال: الدولة المهدويّة مظهرٌ من مظاهر أخلاقيّات الحرب الواضحة، حيث سيتم تجنّب قتل النساء والأطفال والمدنيين، كما كان الحال في سيرة النبيّ J، وأمير المؤمنين A.

القضاء على الظلم والمنافقين: التعامل بحزم مع الظالمين والمنافقين الذين يحاولون خداع الناس، ولن يتمكّنوا من استغلال مناصبهم أو قربهم من السلطة للإفلات من العدل.

التوصيات

ترسيخ الأخلاق في منظومة الحكم: ضرورة بناء الدولة على أسسٍ أخلاقيّةٍ راسخةٍ تضمن العدل والمساواة بين جميع أفراد المجتمع.

تعزيز التربية الأخلاقيّة :نشر الوعي الأخلاقي بين الأفراد منذ الصغر من خلال المناهج التعليميّة والمؤسّسات الدينيّة والثقافيّة.

تحقيق العدالة الاجتماعيّة: ضمان تكافؤ الفرص للجميع والقضاء على جميع أشكال التمييز، بحيث يسود العدل في كلّ مجالات الحياة.

إعلاء قيمة الواجب على المستحب: التأكيد على ضرورة تقديم المصالح العامة والواجبات الأساسيّة على الأمور الثانويّة والمستحبّة، خاصّة في الشؤون الدينيّة والاجتماعيّة.

تعزيز التكافل الاجتماعي: وضع سياساتٍ اقتصاديّةٍ تضمن رعاية المحتاجين وقضاء ديون المعسرين لتحقيق مجتمعٍ متماسكٍ ومتعاون.

إرساء مبادئ النزاهة في القيادة: على القادة أن يكونوا قدوةً في التمسّك بالقيم الأخلاقيّة؛ ممّا يعزز ثقة الناس بالحكومة، ويضمن استقرار الدولة.

تبنّي آداب الحرب والسلم: ضرورة الالتزام بالقوانين الإنسانيّة في النزاعات المسلّحة، بحيث يتم تجنّب الظلم وإلحاق الأذى بالمدنيين، كما كان نهج النبيّ J، وأمير المؤمنين A.

مكافحة الفساد والانحراف: تفعيل الرقابة الصارمة ضدّ المفسدين، ووضع آلياتٍ واضحةٍ لمحاربة الظلم واستغلال السلطة.

نشر ثقافة الاحترام والتسامح :تعزيز الاحترام المتبادل بين جميع فئات المجتمع، وترسيخ قيم التسامح بين الأفراد لضمان بيئةٍ اجتماعيّةٍ سليمة.

تحقيق الأمن والاستقرار :العمل على إزالة العوائق التي تمنع تطبيق المبادئ الأخلاقيّة، مثل الفقر والجهل والظلم، من أجل ضمان بيئةٍ تعزّز الفضيلة والسلوك القويم.

الخاتمة

إنّ الدولة المهدوية تمثّل النموذج الأمثل لتحقيق القيم الأخلاقيّة على أرض الواقع، حيث تتجسد العدالة والمساواة في أرقى صورها، ويُطبّق القانون بروح العدل والإنصاف، ومن خلال المبادئ والتطبيقات التي ستُعتمد في هذه الدولة، ستتحقق بيئة اجتماعيّة قائمة على التكافل والتسامح والاحترام المتبادل.

إنّ تحقيق مثل هذا المجتمع المثالي يتطلّب جهدًا مشتركًا من الأفراد والمؤسّسات، بحيث يتم تعزيز الوعي الأخلاقي، وإزالة العقبات التي تعيق تحقيق العدالة، والعمل على نشر ثقافة الخير والإحسان بين الناس. وبذلك، تكون الدولة المهدويّة نموذجًا يُحتذى به في إقامة مجتمع فاضل تسوده القيم النبيلة والمبادئ الإلهيّة السامية.



المصادر

بعد كتاب الله المجيد

 ابن طاووس، الملاحم والفتن، ط 1، 1416هـ، مؤسَّسة صاحب الأمر، أصفهان.

 الاسترآبادي، شرف الدين الحسيني، ط1، 1407، مطبعة أمير، مدرسة الإمام المهدي، قم.

 البخاري، صحيح البخاري، 1401هـ، دار الفكر، بيروت.

 البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، المحاسن، تحقيق جلال الدين الحسيني المحدِّث، 1370، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.

 الجوهري، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور العطّار، ط4، 1407، دار العلم للملايين، بيروت.

 الحلّي، الحسن بن سليمان، مختصر بصائر الدرجات، ط1، 1370، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.

 الشريف الرضي، نهج البلاغة، ضبط نصّه الدكتور صبحي صالح، ط1، 1387، بيروت.

 الشيخ الصدوق، علل الشرائع، تحقيق محمّد صادق بحر العلوم، 1385، منشورات المكتبة الحيدريّة ومطبعتها، النجف الأشرف.

 الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق عليّ أكبر الغفّاري، 1405، مؤسَّسة النشر الإسلامي، قم.

 الشيخ الطوسي، الأمالي، تحقيق مؤسَّسة البعثة، ط1، 1414، دار الثقافة، قم.

 ----------، الغَيبة، تحقيق عبد الله الطهراني، عليّ أحمد ناصح، ط1، 1411، بهمن، مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة، قم.

 -----------، تهذيب الأحكام، ت حسن الخرسان، ط3، 1364ش، خورشيد، دار الكتب الإسلاميّة، طهران.

 الشيخ الكليني، الكافي، ت علي أكبر الغفاري، ط5، 1363ش، مط حيدري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران.

 الشيخ المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان الإرشاد، تحقيق مؤسَّسة آل البيت، ط2، 1414، دار المفيد، بيروت.

 الشيخ محمد السند، الرجعة بين الظهور والمعاد، - الطبعة الأولى.

 الصفّار، محمّد بن الحسن، بصائر الدرجات، ت كوجه باغي، 1404، مطبعة الأحمدي، منشورات الأعلمي، طهران.

 العلَّامة المجلسي، بحار الأنوار، ط2 المصحَّحة، 1403، مؤسَّسة الوفاء، بيروت.

 عليّ الكوراني، معجم أحاديث الإمام المهدي، ط1، 1411، مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة، قم.

 العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تحقيق هاشم الرسولي المحلّاتي، المكتبة العلمية الإسلاميَّة، طهران.

 الفتّال النيسابوري، روضة الواعظين، تحقيق محمّد مهدي الخرسان، منشورات الشريف الرضي، قم.

 القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، ت طيب الجزائري، ط3، 1404، مؤسسة دار الكتاب، قم.

 المتّقي الهندي، كنز العمّال، ت بكري حياني، 1409، مؤسسة الرسالة، بيروت.

 المروزي، نعيم بن حمّاد، الفتن، تحقيق سهيل زكّار، 1414، دار الفكر، بيروت.

 المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر، انتشارات نصائح.

 النعماني، الغيبة، تحقيق فارس حسّون كريم، ط 1، 1422هـ، مهر، أنوار الهدى.





[1]  البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، المحاسن، 1/241.



[2]  الصفّار، محمّد بن الحسن، بصائر الدرجات، ص98.



[3] المروزي، نعيم بن حمّاد، الفتن، ص222.



[4]  المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر، ص142.



[5] الكليني، الكافي، 1/25، كتاب العقل والجهل، ح21.



[6] الشريف الرضي، نهج البلاغة، 2/90.



[7]  الكليني، الكافي 5/78، (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الطَّلَبِ والتَّعَرُّضِ لِلرِّزْقِ ح8).



[8]  النعماني، الغَيبة، ص295 و296، بَاب 15 ح 5.



[9]  أي لا تتركوا القتال مولّين.



[10]  أي بمن طلب منكم الأمان وأعطيتموه ذلك.



[11]  الكوراني العاملي، معجم أحاديث الإمام المهدي  3/95، عن المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر، ص96 و97.



[12]  صحيح البخاري، 8/127.



[13]  النعماني، الغَيبة، ص 333/ باب 21/ ح 5.



[14]  الشيخ المفيد، الإرشاد، 2/386.



[15]  الطوسي، الغيبة، ص467 و468/ ح 484.



[16]  هكذا في المصدر، والصحيح نحويًا: (أربعة).



[17]  الطوسي، تهذيب الأحكام، 3/253-254/ ح 699/19.



[18]  العلّامة المجلسي، بحار الأنوار 52/374-375/ ح 173.



[19]  العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العيَّاشي، 2/242/ ح 14).



[20]  الحِلّي، الحسن بن سليمان، مختصر بصائر الدرجات، ص 26 و27.



[21]  القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمِّي، 2/245.



[22]  المروزي، نعيم بن حمّاد، الفتن، ص 402.



[23]  الشيخ محمد السند، الرجعة بين الظهور والمعاد، 1/244.



[24] الفتّال النيسابوري، روضة الواعظين، ص 97.



[25] الاسترآبادي، شرف الدين الحسيني، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة،1/343.



[26] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، 51/54، ح38) عن العياشي، محمد بن مسعود، 1/199، ح145).



[27]  العلّامة المجلسي، بحار الأنوار،52/1919.



[28]  المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر، ص44.



[29]  الشيخ الطوسي، الأمالي، ص513، والجران: مقدم عنق البعير، واستعاره هنا للتمكّن والثبات (هامش المصدر).



[30]  الشيخ المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان، الإرشاد، 2/381.



[31]  الكليني، الكافي (ج4 ص427 بَابُ نَوَادِرِ الطَّوَافِ، ح1).



[32]  النعماني الغَيبة، ص307، بَاب 17 ما جاء فيما يلقى القائم ويستقبل من جاهلية الناس، وما يلقاه الناس قبل قيامه من أهل بيته، ح1.



[33]  النعماني، الغَيبة، ص246، ب13 ح32.



[34]  المصدر نفسه، ص 240، ب13، ح23.



[35]   الشيخ الصدوق، علل الشرائع، 1/229/ باب 164/ ح 1.



[36] بحار الأنوار للمجلسي: ج53ص 34.



[37] كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص354، ب33، ح50.



[38]  عقد الدرر للمقدسي: ص94.



[39]  الملاحم والفتن، السيد ابن طاووس: ص126، بَاب 109، ح130. وهي ضعيفة السند.



[40]   كنز العمال للمتقي الهندي (ج4 ص 382 ح11013).



[41]  الكليني، الكافي، 5/36، بَابُ مَا كَانَ يُوصِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ A بِه عِنْدَ الْقِتَالِ، ح3.



[42] المصدر نفسه، 5/12، بَابُ وُجُوه الْجِهَادِ، ح2.



[43]  العلّامة المجلسي، بحار الأنوار،52/308.



[44]  وهو ما فسّره به الجوهري، ففي البحار (ج52 ص346): قال الجوهري: «مطاردة الأقران في الحرب حمل بعضهم على بعض يقال: هم فرسان الطراد، وقد استطرد له وذلك ضرب من المكيدة».



[45]  العيّاشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، 2/59/ ح 49.



[46]  الشيخ المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان، الإرشاد، 2/96.