الباحث : د. أحمد الأسدي
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 37
السنة : شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : February / 3 / 2026
عدد زيارات البحث : 39
الملخّص
تناول هذا البحث الموسوم (الإمام المهدي والوعد الإلهي: دراسةٌ تفسيريّة) جانبًا من جوانب إثبات إمامة الإمام المهديّ A واستخلافه في الأرض، وهو يمسُّ فيه الجانب العَقَدي لقضيّةٍ مفصليّةٍ ـ إنْ صحّ التعبير ـ ألا وهي الإيمان والاعتقاد بإمامة الإمام المهدي A، وإقامة دولة الحقّ على يديه المباركة، مستعرضًا آراء المفسّرين من الشيعة والسّنة مع تحليلٍ ونقدٍ هذه الآراء، الهدف منه الوصول إلى الخليفة الحقيقي الذي يرث الأرض ومن عليها في آخر الزمان، وتعيين المصداق الأكمل لهذا الاستخلاف الذي وعده الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين، كلّ ذلك من خلال طرح آيةٍ قرآنيّةٍ نحاول من خلالها الولوج إلى مكنونات مفرداتها وما تعطيه من معانٍ وقيمٍ معرفيّةٍ للفكر الإنساني، فهل يا ترى هذه الآية وحدها من دون ضميمة الروايات كافية في تعيين المصدق الحقيقي للخليفة وإقامة دولة الحقّ على يديه؟ أو لا بُدَّ لها من ضميمة الروايات في تعيين المصداق الأكمل لها؟ وهل تعدّ هذه الروايات قرينةً أو مؤيّدةً لما يذكره المفسّرون في بيان معنى الآية، هذا ما سنطرحه في هذا البحث إنْ شاء الله تعالى.
الكلمات المفتاحيّة:
الاستخلاف ـ الإمام الموعود ـ الوعد الإلهي.
المقدّمة
الحمد لله والحمد حقّه كما يستحقّه حمدًا كثيرًا، والصلاة والسلام على خير الأنام المبعوث رحمةً للعالمين محمد بن عبد الله J، وعلى آله الكرام الغرّ الميامين %.
جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى:Nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَM [سورة النور: 55].
تعدّ هذه الآية المباركة ـ حسبما ورد ـ من الآيات التي أُستدل بها علی إمامة الإمام المهدي واستخلافه في الأرض، ففي هذه الآية المباركة يَعِدُ الله سبحانه وتعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن يستخلفهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وقد اختلف المفسّرون من الفريقين الشّيعة والسّنة في مفاد هذه الآية، وتعيين المصداق الأوضح للموعودين فيها، ومنشأ الاختلاف هذا ناشىء من اختلافاتهم في جواب جملةٍ من الأسئلة التي طُرحت حول هذه الآية الكريمة، من أهمها: هل (مِنْ) في (مِنْكُمْ) تبعيضيّة أو بيانيّة؟ ما حقيقة هذا الاستخلاف الإلهي؟ ما المراد من (الأرض) في الآية الكريمة، هل هي مكانٌ خاصٌّ من الأرض أو المراد منها كلّ أرجاء المعمورة؟ ثم ما المراد بالمستخلفين من قبلكم، ومَنْ هم؟ وما علاقتهم بالمستخلفين منكم؟ تمكين الدين بأيّ معنى وما هي حدوده؟ ما نوع خوف الذين وعدوا بالاستخلاف الإلهي؟ التعبير الوارد بصيغة Nيَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئًاM في الآية ما موقعها في تشخيص أوصاف الموعودين بالاستخلاف الإلهي؟ فالجواب عن جميع هذه الأسئلة في الآية له أثرٌ كبيرٌ في تفسير الآية مورد البحث وتعيين مصاديقها الصحيحة.
أمّا مسألة بحثنا فهو تعيين مصداق الذين وعِدوا بالاستخلاف، إذ يُلاحظ حصول اختلافٍ بين الفريقين من مفسّري الشيعة والسنّة في تشخيص ذلك، فأكثر أهل السنّة يريدون إثبات أحقّية الخلفاء الثلاثة الأوائل على وجه الخصوص، واستندوا على هذه الآية وقاموا بتطبيقها عليهم، وفي مقابل ذلك، بعض مفسّري الشيعة ذكروا أنَّ مصداق الذين وعدوا هو الإمام المهدي ، وبعضهم الآخر ذكروا مصاديق متعدّدةً للموعودين بنظرهم، وعدّوا الإمام المهدي وأصحابه هم أحد المصاديق أو المصداق الأتم. هذه التطبيقات، نجدها واضحةً في المباحث الكلاميّة المتنوّعة في التفاسير والمصادر الكلاميّة لكلا الفريقين.
وهنا تأتي جملةٌ من الأسئلة، هل تدلّ هذه الآية على إقامة دولة الإمام المهدي في آخر الزمان، أو أنَّ الآية بعيدةٌ كلّ البعد عن قضيّة الإمام المهدي؟ وإذا كانت الآية الكريمة تدلّ على ذلك فهل للآية مصداقها المنحصر به A، أو أنَّ مصداقها متعدّدٌ وعامٌّ يشمل الإمام A ويشمل غيره؟ وهل الآية وحدها تدلّ على ظهور حكومة العدل الإلهي في آخر الزمان لو بقينا نحن والآية على مستوى المفهوم، أم أنَّها وحدها لا تدلّ على ذلك إلّا بضميمة الروايات الواردة عن النبيّ وأهل البيت %؟
وقبل الإجابة عن كلّ هذه الأسئلة، علينا أولًا أن نفهم ونناقش مفردات هذه الآية ونحلل مفاهيمها، والقضايا الأدبيّة المرتبطة بها، والقيم المعرفيّة التي تحتويها هذه الآية، وبعد ذلك نطرح أدلة الفريقين من السّنة والشّيعة ونناقشها وننقدها في خصوص الذين وعِدوا بالاستخلاف ليظهر لنا بعد ذلك الرأي الصحيح أو الأصح فيها.
الفصل الأول
مباحث تمهيديّة
المبحث الأول
المطلب الأول: بيان المعنى العام للآية
بيّنت الآية الكريمة نتيجة هذه الطاعة في قوله تعالى: Nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَM [سورة النور: 55].
لقد وعد الله تبارك وتعالى المؤمنين الصالحين بالاستخلاف في الأرض وتمكينهم من نشر دينهم وتمتعهم بالأمن الكامل، إذ تُبيّن هذه الآية بجلاءٍ ووضوحٍ أنَّ الحكم على الأرض سيخرج في النهاية من أيدي الجبّارين والظالمين، وسيكون الحكم بيد المؤمنين الصالحين، وفي أثر الآية المذكورة والوعد الذي فيها بالاستخلاف، يَعِدُ الله سبحانه وتعالى بثلاثة وعودٍ أخرى: Nوَلَيُمَكّنَن لَهُم دِينَهُم الَّذِي ارْتَضَى لَهُم، وَلَيُبَدّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوْفِهِم أمْنًا، يَعبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بِي شَيئًاM، فبجعل دينهم المرضي عند الله سبحانه وتعالى متجذرًا وثابتًا وقويًا بين شعوب العالم ومنتشرًا فيه، وأمَّا Nوليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاM، أي تمتعهم بالأمن الكامل بعد سيادة حكم التوحيد في العالم وإجراء الأحكام الإلهيّة، واستقرار الأمن، واقتلاع جذور الشرك من أصله.
وقد أختلف المفسّرون في تعيين مصداق من وعدهم الله تبارك وتعالى من المؤمنين ذوي الأعمال الصالحة، بأن يجعلهم المستخلفين لمن كان قبلهم، أي يجعلهم خلفاء بدل الذين كانوا من قبل في هذه الأرض، ويحكمون فيها بدين الله سبحانه وتعالى، بعد إعطائهم القدرة والسلطة وتوفير جميع الإمكانات، ويجعل الله تعالى خوفهم أمنًا، ولا يخافون لومة لائم، فلا يخافون أحدًا إلّا الله تعالى، والله عزَّ وجلَّ من ورائهم محيط، ولا يقدر عليهم أحدٌ من أصحاب القدرة والهيمنة، ويعبدون الله سبحانه وتعالى دون تقية، ويتجاهرون بالحقّ بعد أن يسيطروا على أرجاء المعمورة والله على نصرهم لقدير. ذلك وعد الله تعالى، ووعد الله حق، ولن يخلف الله وعده؛ يقول الله تبارك وتعالى: Nوَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِM[1].
هذا هو المعنى الظاهري للآية الشريفة فبعد أن كانوا خائفين، لا يأمنون أحدًا، ولا يضعون سلاحهم أبدًا حتى بعد هجرة الرسول J إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة المنورة. سيصبح دينهم في القلوب مُمكنًا، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض، والنتيجة: N يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاM؛ لأنَّ التوجه إلى غير الله سبحانه وتعالى بعملٍ أو شعورٍ هو لونٌ من ألوان الشرك بالله والعياذ بالله، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيّؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض أمانة الاستخلاف، فهذا هو طريق النصر والتمكين. ثم يقول تعالى: Nوَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَM، أي الخارجون على شرط الله، ووعده وعهده الذي يتحقّق موصوفون بالكفر والفسق.
المبحث الثاني
بيان معاني المفردات المحوريّة في تفسير الآية
أوّلًا: مفهوم الإيمان
أ ـ الإيمان في اللغة: هو التصديق [2]، لقوله تعالى: Nوَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَM [3]، وهو مشتق لغة من الأمن، وأصل الأمن طمأنينة النفس لسكون القلب وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، فالإيمان هو التصديق الذي معه أمن [4]، والإيمان يلتقي مع معنى (اليقين) الذي يُقصَد به زوال الشكّ[5]، وتحقيق الأمر[6]؛ لأنّ اليقين هو العلم الذي لا شكَّ معه لاطمئنان النفس بصحَّته[7].
ومن خلال ملاحظة المعنى اللغوي يتبيَّن أنَّ التصديق مرحلةٌ تسبق حصول الاطمئنان، ممَّا يعني أنَّ الإيمان واليقين لهما مرتبةٌ أعلى من مجرد التصديق، وهذا ما يهمُّنا بيانه في البحث؛ لأنَّه يُبيّن ملامح شخصيّة المستخلفين في الآية من جهةٍ، ودورهم في تحقّق تلك الوراثة من جهةٍ أخرى.
ب ـ الإيمان في الاصطلاح القرآني: استنادًا إلى قوله تعالى: Nقالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأَيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌM[8]، يتَّضح أنَّ قول اللسان وحده لا يكفي ليكون الإنسان مؤمنًا، وإنَّما لا بُدَّ أوّلًا من دخول ذلك الإيمان في القلب Nوَلَمَّا يَدْخُلِ الْأَيمانُ فِي قُلُوبِكُمْM، وترجمته بالطاعة Nوَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًاM، وعليه يمكن الإفادة من نصوص المعصومين لمعرفة معنى الايمان التي لخصته الرواية بأنّه: معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان[9].
وقيل: من شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق، ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومن أخلَّ بالشهادة فهو كافر.
ولذا عرَّفه الراغب في مفرداته بأنَّه: «إذعان النفس للحقّ على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تصديق القلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: Nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَM[سورة الحديد:19]»[10].
وهنالك من يرى أنَّ العمل جزءٌ من الإيمان والإسلام، ومَن أخلَّ به خرج عن دائرة الإسلام والإيمان كالخوارج مثلًا، خلافًا للمرجئة الذين أخرّوا العمل واكتفوا بالإيمان القلبي أو اللساني، وفي مقابل إفراط أولئك وتفريط هؤلاء ذهب جمهور المسلمين من السّنة كالأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وجمهور أهل السنة والأوزاعي وإسحاق ابن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين[11]، والشّيعة الإماميّة إلى قول وسط، يرى أنَّ الإيمان والإسلام متقومان بالتصديق القلبي والإقرار اللساني، أنَّ الإيمان هو الاعتقاد، والاعتقاد تصديقٌ قلبيّ كالتصديق الحاصل للإنسان بأنَّه موجود[12]، أمَّا العمل فهو مظهرٌ من مظاهر الإيمان لا من مقوّماته، دون أن يعني ذلك أنَّ التصديق القلبي الذي لا يترافق مع العمل كافٍ في النجاة من المحاسبة الأخرويّة، وإنّما هو كافٍ في خروج الإنسان من الكفر.
ومّما سبق كلّه يتضح أنَّ حقيقة مفردة الإيمان الذي يتحقّق به وعد الله تبارك وتعالى في الآية الشريفة هو حقيقةٌ ضخمةٌ تستغرق النشاط الإنساني كلّه. فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عملٍ ونشاطٍ موجّه كلّه إلى الله تعالى. فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كلّه، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وحركات جسمه، وسلوكه مع ربّه في أهله ومع الناس جميعًا. يتوجّه بهذا كلّه إلى الله سبحانه وتعالى، فأهمّ صفات الأمة الوارثة هي الإيمان لقوله تعالى: N وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُم وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي ٱلأَرضِ كَمَا ٱستَخلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم M.
أما معنى (من) في قوله تعالى: Nالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْM، فالظاهر أنَّها تبعيضيّة وليست بيانية؛ لأنَّ الاستخلاف حاصلٌ لجميع الخلق كما هو معلوم، وبما أنَّ المذكورين بالاستخلاف بالآية الشريفة في معرض البشارة والتسلية فلا بُدَّ أن يكون مغايرًا لاستخلاف جميع الخلق.
ثانيًا: مفهوم الاستخلاف
أ ـ حقيقة الاستخلاف: هل هي بمعنى يسكنهم الأرض ويمكنهم من التصرّف فيها أو هي بمعنى الإمامة؟
فالقدر المتيقن منها أنَّها ليست مجرد المُلك والقهر والغلبة والحكم، وإنَّما هي هذا كله ـ الملك والقهر والغلبة والحكم ـ على شرط استخدامه في الإصلاح والبناء، وتحقيق المنهج الذي رسمه الله تبارك وتعالى للبشريّة كي تسير عليه، وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله جلَّ وعلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وعدهم الله تعالى بأن يستخلفهم في الأرض كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم ليحققوا المنهج الذي أراده الله تعالى؛ ويقرروا العدل الذي أمر به؛ ولذا لا بُدَّ من معرفة ما هي أقسام الاستخلاف، ومَن هم المستخلفون؟ وبعبارةٍ أخرى مَن هم الموعودون بالآية الكريمة؟
ب ـ أقسام الاستخلاف الإلهي:
أ ـ الاستخلاف العام: وهو أنَّ كلّ موجودٍ هو آيةٌ وخليفةٌ لله سبحانه وتعالى. أي بمعنى يُسكنهم الأرض ويمكّنهم من التصرّف فيها.
ب ـ الاستخلاف الخاصّ: وهو الاستخلاف الذي يساوق الإمامة والخلافة.
وهنالك تقسيمٌ آخر للاستخلاف، وهو استخلافٌ بلحاظ الوظيفة والدور، فالملاحظ أنَّ الآيات التي تعرّضت للاستخلاف يمكن تقسيمها الى قسمين:
القسم الأول: الآيات التي أعطت الإنسان الخلافة الكبرى عن الله سبحانه وتعالى
وهذا يعني أنَّ الإنسان صار مَظهرًا لجميع الأسماء الحسنى لله سبحانه وتعالى، وهو يخلف الله سبحانه وتعالى في كلّ أسمائه وصفاته، وهذا المعنى أو هذا القسم من الاستخلاف ليس له مصداقٌ في كلّ زمانٍ إلّا الإمام المعصوم A، والآية التي تحدثت عن هذه الحقيقة هي الآية (30) من سورة البقرة: Nوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًM، إلى أن تأتي الآية وتقول:Nوَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَاM، وآدم في الآية المباركة ليس من الضروري أن يكون هو آدم أبا البشر، وإنَّما هو آدم الملكوت يعني حقيقة الإنسان الكامل، والمراد من الأسماء التي وردت في الآية هي ليست أسماء الأشياء، وإنْ كانت يمكن أن تكون متضمنةً، وإنّما هي الأسماء الإلهيّة[13].
القسم الثاني: آيات الاستخلاف الخاص
كلُّ إنسانٍ هو خليفةُ الله تعالى، ولكن خليفة لبعض أسماء الله سبحانه وتعالى، أي مظهرٌ لبعض أسماء الله الحسنى سبحانه، وواضح أنَّ هذا الوعد في الآية خاصٌّ بطائفةٍ من المؤمنين، هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وثم يكون مظهرُ الاستخلاف يشتمل على مجموعةٍ من الأمور المهمّة، وهي تمكين الدين، وإنهاء الشرك وتحقّق العبادة الحقّة.
ثالثًا:ـ التمكين: Nوَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْM
أـ التمكين لغةً: تفعيلٌ من المكان، وهو في الأصل إقرار الشيء وتثبيته في مكان، قال الراغب الأصفهاني: «مكّنتُه، ومكّنتُ له فَتَمَكَّنَ»[14]، ثم اُستعير للدلالة على التملّك والقدرة والسيطرة والتحكّم.
ب ـ التمكين اصطلاحًا: وقد ورد مصطلح التمكين في القرآن الكريم بدلالاتٍ متعددةٍ[15]، تشير هذه الدلالات إلى تعدّد غاياته ومجالاته، ومن هذه الدلالات:
1ـ التمكين التشريعي: ومضمونه إقامة الدين كما في قوله تعالى:Nالَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِM [16]، وهو مقصورٌ على جماعة المسلمين، وهو الغاية القصوى للتمكين.
2ـ التمكين التكويني: وهو بمعنى تسخير الأرض لبني آدم كما في قوله تعالى:Nوَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَM [17]. وهو يشمل الإنسانيّة كلّها.
3ـ حيازة الثروات وامتلاك الأموال: كما في قوله تعالى: Nأَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَM [18].
4ـ الوصول إلى موقع ذي نفوذ: كما في قوله تعالى: Nوَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَM [19].
5ـ تحقيق الاستخلاف الإلهي في الأرض: يقول ابن كثير في تفسيره: «هذا وعدٌ من الله لرسوله بأنّه سيجعل أمّته خلفاءَ الأرض، أي: أئمّة الناس، والولاة عليهم، وبـهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد، وكما في قوله تعالى: Nوَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَM»[20].
6ـ الحصول على مُلك عظيم: كما في قوله تعالى Nوَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًاM [21]، بمعنى أعطيناه المُلك العظيم وفق الأسباب والدواعي الحقّة.
إلّا أنَّه ترد في الذهن تساؤلاتٌ، وهي ماذا يعني تمكين الدين الوارد في الآية الشريفة؟ وبأيّ مستوى هو حاصل؟ وإلى أي مستوى يصل؟ هل هو مفهومٌ شامل، يشمل كثيرًا من المجالات، ولا يقتصر على مجالٍ معيّن (كالمجال السياسي مثلًا)، أو هو يقتصر على الجانب السياسي؟ وهل هو يشمل جميع المسلمين، فلا يتفرّد به فردٌ أو جماعةٌ منهم أو فئةٌ معيّنة، كما هو الحال في قسمه التكليفي، أو هو مختصٌ بجماعةٍ معيّنةٍ أو أفرادٍ معينيين منهم؟ أو هو يمتدّ فيشمل كلّ بني آدم كما هو الحال في التمكين في قسمه التكويني، فمثلًا في قوله تعالى: Nوَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَM [22]، طبقًا لهذا التفسّير من التمكين التكويني تتعدد غايات التمكين أيضًا، فهل غايته القصوى هي السلطة؟ أو الثروة؟ أو المنصب؟ أو هي إقامة الدين: Nوَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْM؟
في الجواب عن هذه الأسئلة التي ذكرناها آنفًا، نقول: إنَّ تفسّير مفهوم التمكين بالتفسّير السياسي له، يدلّ على التأكيد على البعد السياسي لمفهوم التمكين، وهذا التفسير يخالف إطلاق الآية صراحة، ويقوم بإلغاء الأبعاد الأخرى للمفهوم، فهو تفسّيرٌ يتّصف بالقصور؛ لأنَّه يحصر مفهوم التمكين في مجالٍ معيّنٍ (هو المجال السياسي) فقط، بينما مفهوم التمكين الوارد في الآية أشمل من ذلك كما سبق ذكره، مع ملاحظة التعدّد الدلالي للمفهوم في القرآن الكريم.
ويتّضح ممّا سبق أنَّ الاستعمال القرآني لمفردة التمكين جاء على عدّة وجوه، وهنالك وجه هو الذي يدعم تأويل الآية في الإمام المهدي ، وهو التمكين الذي ذكره صاحب الميزان بقوله: «وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم تمكين الشيء إقراره في مكان، وهو كنايةٌ عن ثبات الشيء من غير زوالٍ واضطرابٍ وتزلزلٍ بحيث يؤثّر أثره من غير مانعٍ ولا حاجزٍ، فتمكّن الدين هو كونه معمولًا به في المجتمع من غير كفرٍ به واستهانةٍ بأمره، ومأخوذًا بأصول معارفه من غير اختلافٍ وتخاصمٍ، وقد حكم الله سبحانه في مواضع من كلامه أنّ الاختلاف في الدين من بغي المختلفين كقوله:N وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُم M[سورة البقرة:213]»[23].
فالعلّامة الطباطبائي عدّ تمكين الدين كنايةً عن توطيد وتعزيز الدين، حتى لا يتمّ تقويض مبادئه من الصراعات وفي تنفيذ العمل وفقًا لقوانينها.
وعليه، فالتمكين هو مظهرٌ من مظاهر الفعل الإلهي المطلق، الذي يتيح للفعل الإنساني إمكانية تحقيق غاياته المتعدّدة، في حال تقيّده بالفعل الإلهي المطلق تكوينيًّا بالالتزام بالسنن الإلهيّة التي تضبط حركة الوجود، وتكليفيًّا بالالتزام بالقيم المعرفيّة الوحيانيّة. وطبقًا لهذا التفسّير فإنَّ للتمكين غايات دنيا متعدّدة، لكن له غاية قصوى واحدة هي إقامة الدين في المجتمع بالالتزام بمفاهيمه وقيمه المعرفيّة وقواعده الفكريّة، وهو ما أشار له القرآن في قوله تعالى: Nالَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِوَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِM [24]. فالغاية القصوى للتمكين ليس السلطة، وإنّما إقامة الدين الحنيف، كما يُفهم من الآية الشريفة.
رابعًا: مفردة (في الأرض): وهنا سؤالان مهمّان حول هذه المفردة:
السؤال الأول: ما المقصود بعبارة (في الأرض)، من قوله تعالى: Nلَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِM. هل هي أرضٌ خاصّةٌ ومحدّدة؟ أو تمام الكرة الأرضيّة؟
يقول الطبري في تفسيره: Nلَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضM: «فيه قولان: أحدهما: يعني أرض مكة؛ لأنَّ المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوعِدوا كما وعِدت بنو إسرائيل؛ قال معناه النقاش. الثاني: بلاد العرب والعجم. قال ابن العربي: وهو الصحيح؛ لأنَّ أرض مكة محرمة على المهاجرين»[25]. ولا يقصد بالأرض جميعها، بل هو مفهومٌ يطلق على الجزء والكل. وواضح أنَّ القول بالاستخلاف على تمام الأرض ينسجم بحسب الظاهر مع من قال بأنَّ الآية منحصرةٌ بمصداقٍ واحدٍ هو عصر الظهور وحكومة الإمام المهدي.
والسؤال الآخر: ما هو نوع (أل) في کلمة (الأرض)؟ وهنا يأتي احتمالان:
الأوّل: أنَّ (أل) في (الأرض) يکون للعهد، أي نمكنّهم في أرضٍ محدّدةٍ معيّنة.
الثاني: أنَّ (أل) في (الأرض) يکون للجنس، أي في جنس الأرض، أو في أرض غير محددة.
ومن الواضح بحسب ظاهر الآية مورد البحث، أنَّ المقصود من (أل) هنا جنس الأرض التي تكون في أيّ نقطة من الأرض؛ لأنَّ ما يصدق عليه الأرض يصدق على جميع الأرض لا بعض الأرض، «فكلمة الأرض تطلق على مجموع الكرة الأرضيّة، وتشمل أنحاء العالم كافة إلّا أن تكون هناك قرينةٌ خاصّةٌ في الأمر، وإنْ كان البعض قد احتمل أن يكون المراد وراثة كلّ الأرض في القيامة، إلّا أنَّ ظاهر كلمة الأرض عندما تذكر بشكل مطلق تعني أرض هذا العالم»[26].
خامسًا: مفردة (الخوف): في قوله تعالى:Nوَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًاM.
إنَّ المراد بالخوف من العذاب والأمن منه في الآخرة، أو المراد به الخوف في الدنيا. وواضح أنَّ التفسّير الثاني هو الأكثر انسجامًا مع ظاهر وسياق الآية؛ لأنَّ الآية في مقام الامتنان.
سادسًا:ـ عبارة: Nكَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْM.
هناك اختلاف بين المفسّرين حول الذين أشارت إليهم الآية الشريفة من الذين اُستخلِفوا في الأرض قبل المسلمين، فبعض المفسّرين يرى أنّهم آدم وداود وسليمان %، إذ أشارت الآية إلى هذا المعنى بقوله تعالى: Nوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًM [27]، وفي قوله تعالى Nيَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّM [28].
وبما أنَّ سليمان A ورِث حكم داود A بمقتضى قوله تعالى:N وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُM[29]. فإنَّه قد اُستخلف في الأرض، لكن العلّامة الطباطبائي استبعد هذا المعنى ورأى أنَّ عبارة (الذين من قبلهم) لا تُناسبُ مقامَ الأَنبياء، إذ إنَّ القرآن المجيد لم ترد فيه هذه العبارة بخصوص الأنبياء. وإنَّما هي إشارةٌ إلى أممٍ خلت، وكانت على درجةٍ من الإيمان والعمل الصالح بحيث استخلفها الله في الأرض [30].
ويرى مفسّرون آخرون أنَّ هذه الآية إشارةٌ إلى بني إسرائيل؛ لأنَّهم استخلفوا في الحكم في الأرض بعد ظهور موسى A وتدمير حكم فرعون والفراعنة، حيث يقول القرآن المجيد:Nوَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَاM [31]. ويضيف (ونمكّن لهم في الأرض)، أي جعلناهم حكّامًا بعد أن استضعفوا في الأرض، ولا شكّ في أنَّهُ كان في بني إسرائيل حتى في زمن موسى A أشخاصًا عُرفوا بفسقهم وكفرهم، لكنَّ الحكم كان بيد المؤمنين الصالحين، «وبهذا يمكن دفع ما أشكل به البعض على هذا التفسّير»[32]، ويظهر أنَّ التفسّير الثالث أقرب إلى الصواب.
الفصل الثاني
آراء مفسّري الشيعة والسُّنّة في الآية الشريفة
بعدما اتّضحت معاني المفردات المحوريّة السابقة في الآية الشريفة إلى حدٍّ ما، فمن الضروري أن نبحث في الاحتمالات التي طرحها محقّقو علماء الشّيعة والسُّنّة لنرى بأنَّه هل يمكن استنباط تلك القضايا من تلك المفردات أم لا؟
المبحث الأول
استعراض الأقوال التفسيريّة
المطلب الأول: أقوال مفسّري ومحدِّثي السُّنّة
أ- إيضاح رأي الطبري: يقول: «عن أبي العالية، قوله: Nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِM الآية، قال: فمكث النبيّ J عشر سنين خائفًا يدعو إلى الله سرًّا وعلانيةً، قال: ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة. قال: فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يُصبحون في السلاح، ويُمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع عنّا السلاح، فقال النبيّ J: (لا تَغْبُرُونَ إلا يَسيرًا حتى يجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الملأ العَظيمِ مُحْتَبِيًا فِيه، لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ) فأنـزل الله هذه الآية. Nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ Mإلى قوله: N فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ M قال: يقول: من كفر بهذه النعمة Nفَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونM، وليس يعني الكفر بالله. قال: فأظهره الله على جزيرة العرب فآمنوا، ثم تجبروا، فغيّرَ الله ما بهم، وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم، قال القاسم: قال أبو علي: بقتلهم عثمان بن عفّان بن عفان. ويقول أيضًا: (والذي قاله أبو العالية من التأويل أشبه بتأويل الآية، وذلك أنّ الله وعد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية، أنّه منعم به عليهم، ثم قال عقيب ذلك: فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك Nفَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونM)[33]. يُستظهر من تفسيره أنّه يرى أنّ الآية منحصرةٌ بالخلفاء الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان.
ب ـ إيضاح رأي الفخر الرازي: يرى الفخر الرازي أنّ المراد من قوله تعالی: Nالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِM، هم الخلفاء الأربعة، ويقول: «وقد فعل كلّ ذلك، وصدور هذه الأشياء لا يصحّ إلّا من القادر على كلّ المقدورات. قال في المسألة الثامنة: دلّت الآية على إمامة الأئمّة الأربعة؛ وذلك لأنَّه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمّد J ، وهو المراد بقوله: Nلَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْM، وأن يمكّن لهم دينهم المرضي، وأن يُبدلهم بعد الخوف أمنًا، ومعلوم أنَّ المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء؛ لأنَّ استخلاف غيره لا يكون إلّا بعده، ومعلوم أنَّه لا نبيَّ بعده؛ لأنَّه خاتم الأنبياء، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة، ومعلوم أنّ بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنّما كان في أيام أبي بكر وعمر وعثمان؛ لأنّ في أيامهم كانت الفتوح العظيمة، وحصل التمكين وظهور الدين والأمن، ولم يحصل ذلك في أيام علي) رضي الله عنه)؛ لأنّه لم يتفرّغ لجهاد الكفّار لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة، فثبت بهذا دلالة الآية على صحّة خلافة هؤلاء»[34].
ثم يذكر بعض الإشكالات الواردة على نظريّته السابقة ويقوم بالإجابة عنها على طريقته المعهودة في إثارة الشكوك والإجابة عنها، إذ يقول: «فإنْ قيل: الآية متروكة الظاهر؛ لأنّها تقتضي حصول الخلافة لكلّ من آمن وعمل صالحًا، ولم يكن الأمر كذلك. نزلنا عنه، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من قوله: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ) هو أنّه تعالى يسكنهم الأرض، ويمكّنهم من التصرّف، لا أنّ المراد منه خلافة الله تعالى، وممّا يدلّ عليه قوله: Nكَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْM، واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الإمامة، فوجب أن يكون الأمر في حقّهم أيضًا كذلك. نزلنا عنه، لكن ههنا ما يدلّ على أنّه لا يجوز حمله على خلافة رسول الله J؛ لأنّ من مذهبكم أنّه (عليه الصلاة والسلام) لم يستخلف أحدًا، وروي عن علي بن أبي طالب A أنّه قال: (أترككم كما ترككم رسول الله)، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون المراد منه عليًّا A، والواحد قد يعبّر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم، كقوله تعالى: Nإنَّا أنزلناهُ في ليلةِ القدرِM [35]. وقال الله تعالى في حقّ علي A: Nالذين يُقيمون الصلاةَ ويؤتونَ الزكاةَ وهم راكعونM [36]، ولكن يمكن أن نحمله على الأئمّة الاثني عشر %.
والجواب عن الأول: أنَّ كلمة (من) للتبعيض، فقوله: (منكم) يدلُّ على أنَّ المراد بهذا الخطاب بعضهم.
وعن الثاني: وأمّا قوله تعالى Nكَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْM، فالذين كانوا قبلهم كانوا خلفاء تارةً بسبب النبوّة، وتارةً بسبب الإمامة، والخلافة حاصلة في الصورتين.
وعن الثالث: أنّه وإنْ كان من مذهبنا أنّه A لم يستخلف أحدًا بالتعيين، ولكنّه قد استخلف بذكر الوصف والأمر بالاختيار، فلا يمتنع في هؤلاء الأئمة الأربعة أنّه تعالى يستخلفهم وأنّ الرسول استخلفهم، وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر: يا خليفة رسول الله، فالذي قيل إنّه A لم يستخلف، أريد به على وجه التعيين، وإذا قيل استخلف فالمراد على طريقة الوصف والأمر.
وعن الرابع: أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجازٌ، وهو خلاف الأصل.
وعن الخامس: أنّه باطلٌ لوجهين:
أحدهما: قوله تعالى: منكم يدل على أن هذا الخطاب كان مع الحاضرين، وهؤلاء الأئمّة ما كانوا حاضرين.
الثاني: أنّه تعالى وعدهم القوّة والشوكة والنفاذ في العالم، ولم يوجد ذلك فيه فثبت بهذا صحة إمامة الأئمّة الأربعة، وبطل قول الرافضة الطاعنين على أبي بكر وعمر وعثمان، وعلى بطلان قول الخوارج الطاعنين على عثمان وعلي.
أما قوله: Nكَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْM، يعني كما استخلف هارون ويوشع وداود وسليمان %، وتقدير النظم: ليستخلفنهم استخلافًا كاستخلاف من قبلهم من هؤلاء الأنبياء %، يستظهر من تفسّيره أنّه يرى أنّ الآية منحصرةٌ بالخلفاء الثلاثة، أبي بكر وعمر وعثمان. وإن كان في بداية تفسّيره ذكر أنّ الآية دليلٌ على خلافة الخلفاء الأربعة.
ج ـ تبيين رأي ابن كثير الدمشقي: قال في المسألة الثانية: قال مالك :«نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر Nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِM…إلى آخرها. ويقول مؤيدًّا ذلك: هذا وعدٌ من الله لرسوله J. بأنّه سيجعل أمّته خلفاء الأرض، أي: أئمّة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليُبدِلن بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك. وله الحمد والمنة، فإنّه لم يمت رسول الله J حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها. وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام»[37].
وفي موضعٍ آخر من تفسيره يذكر ابن كثير نظريّته في الخلافة فيقول: روى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ J يقول: «لاَ يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»[38].
ويعلّق على هذا الحديث: «وهذا الحديث فيه دلالةٌ على أنّه لا بدّ من وجود اثني عشر خليفةً عادلًا، وليسوا هم بأئمّة الشيعة الاثني عشر؛ فإنّ كثيرًا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء، فأمّا هؤلاء فإنهّم يكونون من قريش، يَلُون فيعدلون. وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدّمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعًا ومتفرّقًا، وقد وُجِد منهم أربعة على الولاء، وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عنهم. ثم كانت بعدهم فترة، ثم وُجِد منهم ما شاء الله، ثم قد يُوجَد منهم مَن بقي في وقتٍ يعلمه الله. ومنهم المهديّ الذي يطابق اسمُه اسمَ رسول الله J، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلًا وقسطًا، كما ملئت جورًا وظلمًا»[39].
وواضح من كلامه أنّه يرى عدم إنحصار مصداق الآية الشريفة بالإمام المهدي وأصحابه، وأنّ الآية تذكر أوصافًا عامةً للمستخلَفين في الأرض.
د ـ رأي القرطبي: قال القرطبي: «نزلت في أبي بكر، وعمر؛ قاله مالك، وقيل: إنّ سبب هذه الآية أنّ بعض أصحاب النبيّ J شكا جهد مكافحة العدو، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم، وأنّهم لا يضعون أسلحتهم؛ فنزلت الآية... قُلْتُ: هَذِهِ الْحَالُ لَمْ تَخْتَصَّ بِالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُخَصُّوا بِهَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ، بَلْ شَارَكَهُمْ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الْمُهَاجِرِينَ بَلْ وَغَيْرُهُمْ. أَلَا تَرَى إِلَى إِغْزَاءِ قُرَيْشٍ الْمُسْلِمِينَ فِي أُحُدٍ وَغَيْرِهَا وَخَاصَّةً الْخَنْدَقَ... ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ رَدَّ الْكَافِرِينَ لَمْ يَنَالُوا خيرًا، وأمن الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: Nلَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِM» [40].
هـ ـ رأي الشوكاني: أنّ الآية: «وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم من الأمم، وهو وعدٌ يعم جميع الأمّة. وقيل هو خاصٌّ بالصحابة، ولا وجه لذلك؛ فإنّ الإيمان وعمل الصالحات لا يختصّ بهم، بل يمكن وقوع ذلك من كلّ واحدٍ من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنّة رسوله فقد أطاع الله ورسوله»[41]. ويضيف: «ومعنى Nلَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِM: ليجعلنّهم فيها خلفاء يتصرّفون فيها تصرّف الملوك في مملوكاتهم، وقد أبعد من قال إنّها مختصّةٌ بالخلفاء الأربعة، أو بالمهاجرين، أو بأنّ المراد بالأرض أرض مكّة، وقد عرفت أنّ الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وظاهر قوله: Nكَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْM كلّ من استخلفه الله في أرضه، فلا يُخَصُّ ذلك ببني إسرائيل ولا أمّة من الأمم دون غيرها»[42].
ثانيًا:ـ خلاصة رأي علماء السُنّة:
تحصّل من استعراض آراء كبار مفسّري السّنة أنّ هنالك اتجاهين عامين في تفسير الآية:
الاتجاه الأول: ويذهب فيه جُلّ مفسّري ومحدّثي السّنّة إلى أنّ الآية ليس لها مصداقٌ انحصاري، بل متعدد، وهم في الأغلب يفسّرونها بخلافة أبي بكر وعمر كمصداق أكمل ومتحقّق، وبعضهم عمّمها لتشمل حتى الدول الإسلامية اللاحقة، ولتشمل دولة الإمام المهدي أيضًا من خلال ذكر أنّهم سيقاتلون الدجال أو حتى عند نزول عيسى ابن مريم A، ذهب لذلك الرأي كلٌّ من ابن كثير الدمشقي، وابن عربي، ابن عاشور، والآلوسي وغيرهم.
الاتجاه الثاني: المقصود من الموصول في الآية الشريفة في قوله تعالى: Nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِM، هم الخلفاء الأربعة فقط، وبعضهم حصرهم بالخلفاء الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان، بدعوى أنّ في زمن الخليفة الرابع حصلت الفتنة، وتوقّفت الفتوحات الإسلاميّة، وهذا هو رأي بعض مفسّري أهل السّنّة منهم: الزمخشري، والبيضاوي، والقرطبي، الفخر الرازي[43].
والنتيجة أنّ الآية ليس لها مصداقٌ في زماننا هذا وانتهى مصداقها؛ لأنّ هؤلاء الأربعة أو الثلاثة ذهبوا وماتوا.
المطلب الثاني: مناقشة آراء مفسّري علماء السّنة
أمَّا بخصوص الاتجاه الثاني فمن الضروري أن نرى هل هذه الآية يمكن تطبيقها على الخلفاء الأربعة أو الخلفاء الثلاثة طبقًا لکلام بعض مفسّري أهل السنّة أم لا؟
ويرد على هذا الاحتمال:
أولًا: أنّ هذا التفسير إنّما هو تطبيقٌ للآية من دون دليلٍ (تحكّم)، وهو ليس تفسيرًا للآية في مفهومها.
ثانيًا: مع التنزّل بقبول هذا التطبيق الإنحصاري فإنّه يخالف الواقع التاريخي القطعي؛ إذ إنّ الخلفاء الأربعة ــ باستنثناء أبي بكر ــ قد قتلوا أيام خلافتهم جميعًا. فكيف ينسجم ذلك مع مفهوم: Nوَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًاM؟
وكيف تحقّق ذلك الوعد بالأمن الظاهري وهنالك بعض الصحابة الكبار أمثال: أبي ذر، وعبد الله بن مسعود، وعمّار ياسر؛ لم يعيشوا الأمن في زمن الخلفاء الراشدين وما بعدهم؟! كما أنّه يخالف ما ورد في سبب النزول والراوايات المفسّرة للآية الشريفة، قال القرطبي في تفسيره: "وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أنّ رسول الله J لما قال أصحابه: أما يأتي علينا يومٌ نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال A: (لا تلبثون إلّا قليلًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليس عليه حديدة). وقال A: (والله ليُتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلّا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)"[44].
وقد استدلّ بهذه الرواية القرطبي، وكثيرٌ من كتاب أهل السنّة فأوردوها في كتبهم[45]. وهذا لم يتحقّق في زمن الخلفاء الأربعة قطعًا؛ ولذا فالآية غير شاملةٍ للخلفاء الأربعة أو الثلاثة قطعًا.
ويقول السيد الآلوسي وهو من كبار مفسّري العامة: إنّنا لا نستطيع بأيّ وجهٍ من الوجوه حمل الآية على زمان الخلفاء الراشدين[46].
ثالثًا:ـ الله تعالى في هذه الآية الكريمة أعطى بحسب الظاهر وعدًا للذين أمنوا بأنّهم سوف يتسلّطون Nليستخلفنّهم في الأرضM على تمام الأرض، والأرض لا نستطيع أن نقول إنّها مختّصةٌ بمكان، بل شاملة لتمام الأرض؛ ولذا أكّد بعض علماء أهل السنّة في تفاسيرهم هذه النكتة، أي المراد من الأرض تمام بلدان العالم.
فمثلًا الثعلبي في تفسيره يقول: «والله ليستخلفنّهم في الأرض، أي ليورثنّهم أرض الكفّار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وسائسيها وسكانها»[47]. والواحدي أيضًا يقول: "Nوعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرضM، ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم"[48]. ویقول ابن الجوزي: «قوله تعالى: (ليستخلفنّهم)، أي: ليجعلنهم يخلفون من قبلهم، والمعنى: ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها»[49]. والغرناطي الكلبي في تفسيره: Nليستخلفنّهم في الأرضM وعد ظهر صدقه بفتح مشارق الأرض ومغاربها لهذه الأمة"[50].
والحال أنّه في زمان الخلفاء الثلاثة حتى أهل المدينة لم يكونوا مسلمين كلّهم. و أهل السنّة أنفسهم أتفقوا أنّ قاتل عمر الخطّاب كان من أهل المدينة، وكان مجوسيًّا، فهذه الآية تتضمن قسمًا ووعدًا إلهيّين باستخلاف مشارق الأرض ومغاربها، وأنّ هذا الوعد سيتحقّق بيد المؤمنين الصالحين بتحرير تمام بقاع العالم، بينما نرى أنّه في زمن أبي بكر وعمر حتى تمام الجزيرة العربية لم يكن تحت تصرّف المسلمين؛ ولذا قطعًا الآية غير محصورةٍ بالخلفاء الأربعة أو الثلاثة الأوائل منهم.
رابعًا:ـ الآية نفسها تتضمّن دلالةً على الخلافة والإمامة، وكونها إحدى المناصب الإلهيّة؛ لأنّ الضمير الفاعلي في كلمة (ليستخلفنّهم) منسوبٌ إلى الله تعالى؛ ولذلك الأشخاص الموعودين بالاستخلاف الإلهي هم منصوبون من جهة الله تعالى؛ وهذا لا ينسجم مع نظريّة أهل السنّة القائلة بأنّ الخليفة لم يعيّن ويُنصّ عليه من الله تعالى، علاوةً على ذلك، فإنّ الآية مورد البحث، أخبرت عن تمكينٍ وتثبيتٍ إلهيّين لدينهم المرضي عنده سبحانه، وكما قال تعالى: Nوَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ M، وهذا مطابقٌ لقوله تعالى: Nاليومَ أكملتُ لكم دِينكَم واتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامُ دينًاM، وكذلك ما دلّت عليه الروايات المتعدّدة المنقولة في كتب الشيعة والسنّة، والدالة على أنّ هذه الآية نازلةٌ في مورد تنصيب الإمام علي A إمامًا بوساطة النبيّ الأكرم J في غدير خم[51].
خامسًا:ـ وهناك نكتة أخرى يجب الالتفات إليها في ذيل الآية الله تعالى يقول: Nوَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْM. الكثير من مفسّري السنّة فضلًا عن مفسّري الشيعة ذهبوا إلى أنّ مراد الله تعالى من الآية أنّ دين الإسلام سيكون ظاهرًا على تمام الأديان، وسيبقى دين الإسلام وحده وتذهب جميع الأديان الأخرى. ومن أهم القائلين بذلك: ابن الجوزي: "قوله تعالى: Nوَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ M، وهو الإسلام، وتمكينه: إظهاره على كل دين»[52]. فالمقصود من الدين في قوله (وَلَيُمَكِّنَنَّ) هو الإسلام قطعًا بدليل كلام الله إنّه رضى لنا دين الإسلام. ویقول محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في تفسيره: Nوَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْM أي: سينصرهم بالإسلام؛ حتى يظهرهم على الدين كله؛ فيكونوا الحكام على أهل الأديان. وهذا المفسر الكبير عند علماء أهل السنّة ولإثبات هذه النظرية ينقل أيضًا هذه الرواية بعنوان مؤيد: "عن عامر الكلاعي قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله يقول: (لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر، إلّا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل؛ إمَّا يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإمَّا يذلهم فيدينون لها"[53] .
ويقول السمعاني وهو من أشهر مفسري أهل السنّة: "وقوله: Nوَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْM أي: ليظهرن دينهم على جميع الأديان"[54]. ومعنى التمكين (وليمكنن ... )، أنّ الإسلام سينتصر ويظهر على كل الأديان.
المبحث الثاني
آراء مفسّري الشيعة
المطلب الأول: استعراض الأقوال التفسيريّة
أـ رأي الطبرسي: قال: «والمروي عن أهل البيت% أنّها في المهدي من آل محمد J». وقال أيضًا: «وروي مثل ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله C، ثم قال: فعلى هذا يکون المراد بـ (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) النبيّ وأهل بيته (صلوات الرحمن عليهم)، وتضمنّت الآية البشارة لهم بالاستخلاف والتمکّن في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي منهم»[55].
ب ـ رأي العلاّمة الطباطبائي: يقول: «وقد اشتد الخلاف بين المفسّرين في الآية. فقيل إنّها واردة في أصحاب النبيّ J، وقد أنجز الله وعده لهم باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم وتبديل خوفهم أمنًا بما أعزّ الإسلام بعد رحلة النبيّ في أيام الخلفاء الراشدين، والمراد باستخلافهم استخلاف الخلفاء الأربعة بعد النبيّ J، أو الثلاثة الأُول منهم، ونسبة الاستخلاف إلى جميعهم مع اختصاصه ببعضهم وهم الأربعة أو الثلاثة من قبيل نسبة أمر البعض إلى الكل، كقولهم قتل بنو فلان، وإنّما قتل بعضهم، وقيل هي عامّة لأمة محمد J، والمراد باستخلافهم وتمكين دينهم وتبديل خوفهم أمنًا إيراثهم الأرض، كما أورثها الله الأمم الذين كانوا قبلهم، أو استخلاف الخلفاء بعد النبيّ J على اختلاف التقرير وتمكين الإسلام، وانهزام أعداء الدين، وقد أنجز الله وعده بما نصر الإسلام والمسلمين بعد الرحلة، ففتحوا الأمصار، وسخروا الأقطار. وعلى القولين الآية من ملاحم القرآن حيث أخبر بأمر قبل أوان تحقّقه، ولم يكن مرجوًا ذلك يومئذ. وقيل إنّها في المهدي الموعود الذي تواترت الأخبار على أنّه سيظهر فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا، وأنّ المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات النبيّ J، والأئمّة من أهل بيته %»[56].
ثم يبين رأيه المختار بقوله: «والذي يعطيه سياق الآية الكريمة على ما تقدّم من البحث بالتحرّز عن المسامحات التي ربما يرتكبها المفسّرون في تفسير الآيات، هو أنّ الوعد لبعض الأمة لا لجميعها، ولا لأشخاصٍ خاصّةٍ منهم، وهم الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات، فالآية نصٌّ في ذلك، ولا قرينة من لفظٍ أو عقلٍ يدلّ على كونهم هم الصحابة، أو النبيّ وأئمّة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ولا على أنّ المراد بالذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات جميع الأمة، وإنّما صرف الوعد إلى طائفةٍ خاصّةٍ منهم تشريفًا لهم، أو لمزيد العناية بهم، فهذا كلّه تحكّمٌ من غير وجه»[57]
ويقول: «وهذا المجتمع الطيّب الطاهر على ما له من صفات الفضيلة والقداسة لم يتحقّق، ولم ينعقد منذ بعث النبي J إلى يومنا هذا، وإن انطبق فلينطبق على زمن ظهور المهدي على ما ورد من صفته في الأخبار المتواترة عن النبيّ J، وأئمّة أهل البيت %، لكن على أن يكون الخطاب للمجتمع الصالح لا له A وحده»[58].
ثم يورد إشكالًا على ما اختاره من إمكان إنطباقها على عصر الظهور، ويقوم بدفعه، إذ يقول: «فإنْ قلت: ما معنى الوعد حينئذٍ للذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات وليس المهدي أحد المخاطبين حين النزول ولا واحد من أهل زمان ظهوره بينهم؟ قلت: فيه خلطٌ بين الخطابات الفرديّة والاجتماعيّة، أعني الخطاب المتوجّه إلى أشخاص القوم بما هم أشخاص بأعيانهم، والخطاب المتوجّه إليهم بما هم قومٌ على نعت كذا، ...»، إلى أن يقول: «وخطاب الآية من القبيل الثاني على ما تقدّم. ومن هذا القبيل أغلب الخطابات القرآنيّة المتوجّهة إلى المؤمنين والكفّار، ومنه الخطابات الذامة لأهل الكتاب وخاصّة اليهود بما فعله أسلافهم وللمشركين بما صنعه آباؤهم. ومن هذا القبيل خاصّة ما ذكر من الوعد في قوله تعالى: Nفَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ M»[59]. فإنّ الموعودين لم يعيشوا إلى زمن إنجاز هذا الوعد، ونظيره الوعد المذكور في قول ذي القرنين على ما حكاه الله: Nفَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّاM [60]. وكذا وعده تعالى الناس بقيام الساعة وانطواء بساط الحياة الدنيا بنفخ الصور كما قال: Nثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً M [61]. فوعد الصالحين من المؤمنين بعنوان أنّهم مؤمنون صالحون بوعد لا يدركه أشخاص زمان النزول بأعيانهم، ولما يوجد أشخاص المجتمع الذي يدرك إنجاز الوعد ممّا لا ضير فيه البتة. فالحق أنّ الآية إنْ أعطيت حقّ معناها لم تنطبق إلّا على المجتمع الموعود الذي سينعقد بظهور المهدي ؛ وأمَّا تطبيق الآية على خلافة الخلفاء الراشدين أو الثلاثة الأُول، أو خصوص علي A فلا سبيل إليه البتة»[62].
ويستظهر من قوله الأخير، أنّ الآية لها مصداقٌ إنحصاريّ يتحقّق في عصر الظهور وحكومة الإمام المهدي .
ج ـ رأي الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: يقول: «وعلى كلّ حال يبدو من مجمل هذه الآية أنّ الله يبشّر مجموعةً من المسلمين الذين يتّصفون بالإيمان والعمل الصالح بثلاث بشائر:
1ـ استخلافهم وحكومتهم في الأرض.
2ـ نشر تعاليم الحقّ بشكلٍ جذريّ، وفي كلّ مكان (كما يستفاد من كلمة «تمكين»...).
3 ـ انعدام جميع عوامل الخوف والإضطراب.
وينتج من كل هذا أن يُعبد الله بكلّ حرية، وتُطبق تعاليمُه ولا يشرك به، ويتمّ نشرُ عقيدة التوحيد في كلّ مكان. والذين وعدهم الله باستخلاف الأرض، هناك اختلاف بهذا الصدد بين المفسّرين: يرى البعض من المفسّرين أنّ الوعد بالإستخلاف خاصّ بأصحاب الرّسول J الذين استخلفهم الله في الأرض في عصر النبيّ J، ولا يقصد بالأرض جميعها، بل هو مفهوم يطلق على الجزء والكل. ويرى آخرون أنّه خاصٌ بالخلفاء الأربعة الذين خلفوا الرسول J. ويرى البعض أنَّ مفهومه واسعٌ يشمل جميع المسلمين الذين اتّصفوا بهذه الصفات. ويرى آخرون أنَّه إشارةٌ إلى حكومة المهدي الذي يخضع له الشرق والغرب في العالم، ويجري حكم الحقّ في عهده في جميع أرجاء العالم، ويزول الإضطراب والخوف والحرب، وتتحقق للبشرية عبادة الله النقية من كلّ أنواع الشرك. ولا ريب في أنّ هذه الآية تشمل المسلمين الأوائل، كما أنّ حكومة المهدي مصداقٌ لها، إذْ يتفق المسلمون كافة من شيعةٍ وسنّةٍ على أنّ المهدي يملأ الأرض عَدْلا وقسطًا بعد أن مُلئت جورًا وظلمًا»[63].
المطلب الثاني: الرأي المختار
تبيّن من مجموع الأدلة السابقة أنّ الآية في مورد هذا البحث ليست أجنبيةً عن محلّ البحث وهو تشخيص المصاديق الواقعيّة لاستخلاف أهل الإيمان، وأنّ القوم الموعودين بالاستخلاف الإلهي هم الإمام المهدي وأصحابه، سواء أقلنا إنّ الآية لها مصاديق متعددة أخرى في مفادها أم قلنا إنّها وحدها لا تدلّ على المطلب إلّا بضميمة الروايات.
وتحصّل لدينا من خلال مجموع أدلّة البحث أنّ الرأي الصحيح حول الآية يتمّ في أربعة أمور:
الأمر الأول: أنّ التمكّن يتمّ ويوجد على يد الله وليس بالقوّة أو التزوير بقرينة نسبة الوعد بالاستخلاف الى الله سبحانه.
الأمر الثاني: التمكّن مطلق في جميع الأرض؛ بمعنى أنّه لو أصبح شخصٌ في مكان ما متمكّنًا فلا يقال له إنّه متمكّنٌ في الأرض، والتمكّن في الأرض على الاطلاق لم يتّفق فيما مضى فهو منتظر؛ لأنّ الله عزّ اسمه لا يخلف وعده[64].
الأمر الثالث: أنّ تنفيذ دين الله بشكلٍ كاملٍ هو أحد أسباب فلسفة الظهور؛ التي تتمثّل في أنّ نتيجة جهود جميع الأنبياء والمرسلين تحقّق حكمٍ يسوده التوحيد والأمن الكامل والعبادة الخالية من أيّ نوعٍ من الشرك، وذلك حين ظهور المهدي ، وهو من سلالة الأنبياء % وحفيد النّبي الأكرم J، وهو المقصود في هذا الحديث الذي تناقله جميع المسلمين عن الرّسول J: «لو لم يبق من الدنيا إلّا يومٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجلٌ من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا»، ومن هنا يمكننا أن نعدّ الأمل عاملًا تربويًّا مهمًّا ومؤثّرًا نفوس الصالحين؛ إذ لا يستطيعون أن يواصلوا مسيرهم في المحيط الفاسد إِذا لم يكن لهم أملٌ بالانتصار على المفاسد.
والنتيجة : أنّ معنى انتظار ظهور المصلح، هو أنّ الدنيا مهما مالت نحو الفساد أكثر كان الأمل بالظهور أكثر، والانتظار يكون له أثرٌ نفسي كبير، فيضمن للنفوس القوّة في مواجهة الأمواج والتيارات الشديدة لكيلا يجرفها الفساد، فهم ليسوا أربط جأشًا فحسب، فالانتظار لظهور المصلح لو أخذ بمفهومه الواقعي لكان عاملا تربويًّا مهمًّا بنّاءً محرّكًا باعثًا على الأمل والرجاء.
الخاتمة
1ـ إنّ الآية الكريمة محلّ البحث تتضمن إشاراتٍ واضحةً إلى موضوع حاكميّة الدين في آخر الزمان والدولة الإسلاميّة، ولكن لم يذكر شخص الإمام الحجّة الإمام المهديA بشكلٍ مباشرٍ في الآية الشريفة، وفي بعض تلك الروايات التفسيريّة أو التطبيقيّة لها.
2ـ أكثر محقّقي مفسّري أهل السنّة ولإثبات أحقيّة الخلفاء الراشدين، وبالخصوص الخلفاء الثلاثة الأوائل منهم، استندوا إلى الآية الكريمة محلّ البحث، وقاموا بتطبيقها عليهم. وجلّ مفسّريهم يرون أنّ هذه الآية شاملةٌ للزمان وللمكان بمعنى أنّها تصدق على كلّ من جاء بشرطها فهي سنّةٍ إلهيّةٍ في حركة التاريخ. ففي أيّ مكانٍ، وفي أيّ زمانٍ يُعبد الله تعالى، ولا يُشرك به فإنّ الله سبحانه ينصر أهل التوحيد ويمكّن لهم ويعزّهم؛ لهذا من الممكن وهذا الرأي قال به بعض مفسّري الشيعة حيث ذكروا مصاديق متعدّدةً للقوم الموعودين المنظورين في الآية الكريمة، والإمام المهدي وأصحابه هم أحد المصاديق، أو هم المصداق الأكمل لديهم، وعلّلوا ذلك بالقول إنّه سيدعو إلى الدين الحق دين التوحيد فلاشك في أنّ الآية ستصدق على المهدي وأعوانه وفي المقابل، بعض مفسّري الشيعة حصروا تطبيق الآية بمصداقٍ واحدٍ للقوم الموعودين، وهم الإمام المهدي وأصحابه، بالاستفادة من أحاديث أهل البيت%، حول الآية وعدّوا تحقّق الوعد الإلهي في الآية الشريفة منحصرًا بعصر الظهور.
3ـ رغم وجود اختلافٍ في الرؤية بين الفريقين في مفاد الآية 55 من سورة النور، وأيضًا في تعيين مصداق القوم الموعودين في الآية الشريفة، إلّا أنّه لا يوجد أحدٌ من الفريقين ممّن اعتمد عموم ألفاظ الآية يستطيع إنكار أنّ أحد تطبيقات مصاديق القوم الموعودين في الآية هو الإمام المهدي وأصحابه؛ لأنّ دليل الإنكار هذا غير موجودٍ، كما أنّ دليل الانحصار بغير الإمام المهدي كالخلفاء الثلاثة أو الأربعة غير حاصل.
4ـ محقّقو أهل السنّة في تفسير الآية اتفقوا على أنّ القدر المتيقّن في خطاب هذه الآية الشريفة بالوعد الإلهي منحصرٌ وقوعه في عصر الخلفاء الراشدين.
5ـ أدلّة انحصار تحقّق الوعد الإلهي في عصر ظهور بالإمام المهدي يعتمد على أساسين أولهما القرائن اللفظيّة الداخليّة المتمثّلة بفهم معنى القوم الموعودين، والإطلاق في ألفاظ الآية، وبالأخصّ استقرار الدين كاملًا في الأرض والأمن الكامل فيها. وثانيهما القرينة الخارجيّة وهي مفاد أحاديث الفريقين في تحقّق الوعد الإلهي في عصر حضور الإمام الحجة، وأنّ القوم الموعودين فيها هم كبار أتباعه وأصحابه.
6ـ بحسب الوجدان لم تتم الغلبة إلّا في مصداق المهدي. ولكنَّ مسألة الاشتراك وعدم اختصاص الآية بقوم معيَّنين في وصف من الأوصاف مرهونٌ بنحو الوصف الذي يُدَّعى وقوعُ الاشتراك فيه، مضافًا إلى أنَّ نحو الصدق على بعض المصاديق والأفراد، يكاد يكون بالقياس إلى صدقه على الفرد الأكمل خفيًّا جدًا، ممّا يناسب معه دعوى الاختصاص بالفرد الأكمل.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
ابن حبان الدارمي، أبو حاتم محمد، تحقيق: محمد علي سومنز، خالص آي دمير، دار ابن حزم، ط1(1433هـ ـ 2012م) بيروت ـ لبنان.
ابن شهرآشوب، محمد، مناقب آل ابي طالب، تحقيق: يوسف البقاعي، دار الأضواء، (1412هـ) بيروت ـ لبنان.
ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، مؤسّسة التاريخ العربي، ط1(1420) بيروت ـ لبنان
ابن عرفه، محمد بن محمد، تفسير ابن عرفه، دار الكتب العلمية منشورات محمد علي بيضون، ط1(1428هـ) لبنان ـ بيروت.
ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مركز النشر لمكتبة الإعلام الإسلامي، (1404هـ) قم المقدسة ـ إيران.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي: تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، ط1(1419هـ) بيروت ـ لبنان.
الإيجي، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد، المواقف، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، ط1(1997م) بيروت ـ لبنان.
البيضاوي، عبد الله بن عمر، أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي)، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، ط1(1410هـ) بيروت ـ لبنان.
الترحيني، محمد حسين، الإحكام في علم الكلام، دار الأمير للثقافة والعلوم، ط1(1993م) بيروت ـ لبنان.
التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر، شرح المقاصد في علم الكلام، تحقيق: عبد الرحمن عُميره، منشورات الرضي، (1409هـ) قم المقدّسة ـ إيران.
الجرجاني، علي بن محمد، شرح المواقف، تصحيح: بدر الدين النعساني الحلبي، دار البصائر، ط2(1425هـ) القاهرة ـ مصر.
الخازن، علي بن محمد، تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل)، دار الكتب العلمية محمد علي بيضون، ط1(1415هـ) لبنان ـ بيروت.
الراجحي، عبد العزيز بن عبد الله، الهداية الربانية في شرح العقيدة الطحاوية، دار التوحيد للنشر، ط1(1430هـ ـ 2009م) المملكة العربية السعودية ـ الرياض.
الرازي، فخرالدين، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، دار إحياء التراث العربي، ط3(1420هـ) بيروت ـ لبنان.
الراغب الأصفهاني، آبو القاسم الحسين بن محمد، المفردات فی غریب القرآن، تحقيق: عدنان الداوودي، الدار الشامية، ط1(1412هـ) بيروت ـ لبنان.
الزمخشري، جار الله محمود، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الکتاب العربي، ط3 (1407هـ)بيروت ـ لبنان.
السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، (1983م) بيروت ـ لبنان.
الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير، دار ابن كثير،ط1(1414هـ) دمشق ـ سوريا.
الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب A، ط1(1421هـ) قم المقدسة ـ إيران.
الصدوق، محمد بن علي ابن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، مطبعة دار العلم، (1377هـ) إيران ـ قم.
الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، الناشر: ناصر خسرو، ط3(1413هـ) طهران ـ إيران.
الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، ط1(1402 ق) بيروت ـ لبنان.
العلامة الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، منشورات مؤسسة الأعلمي، ط1(1411هـ ـ 1991م) بيروت ـ لبنان.
العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تصحيح: هاشم رسولي محلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية، ط1(1380هـ. ش) طهران ـ إيران.
الفيض الكاشاني، محمد محسن، الصافي في تفسير القرآن، تصحيح: الشيخ حسين الأعلمي، دار المرتضى، بلا، بيروت ـ لبنان.
القرطبي، محمد بن أحمد، تفسير الجامع لأحكام القرآن، القاهرة، دار الكتاب العربي، (1387هـ) القاهرة ـ مصر.
المفيد، محمد بن محمد، الإفصاح في الإمامة، قم، المؤتمر العالمي الألفية الشيخ المفيد، (1413 هـ) قم المقدسة ـ إيران.
الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، دار إحياء التراث العربي، ط3(1981م) لبنان ـ بيروت.
[1] سورة التوبة: الآية111.
[2] انظر، ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، ج 1، ص133.
[3] سورة يوسف: الآية 17.
[4] انظر، ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، ج 1، ص133.
[5] المصدر نفسه، ج6، ص157.
[6] انظر، الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، ج 5، ص220.
[7] انظر، مصطفى، إبراهيم، الزيّات، أحمد، وآخرون، المعجم الوسيط، ج2، ص1057.
[8] سورة الحجرات: الآية14.
[9] انظر، الصدوق، محمد بن علي ابن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، ج1، ص227.
[10] الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، ج1، ص91.
[11] انظر، الراجحي، عبد العزيز، الهداية الربانية في شرح العقيدة الطحاوية، ص236.
[12] انظر، الترحيني، محمد حسن، الإحكام في علم الكلام، ص7.
[13] انظر، الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج7، ص181 ـ 183.
[14] الراغب الأصفهاني، حسين، المفردات في غريب القرآن، ص 772.
[15] انظر، الخازن، علي بن محمد، تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل)، ج2، ص536. انظر، ابن عرفه، محمد بن محمد، تفسير ابن عرفة، ج2، ص214.
[16] سورة الحج: الآية41.
[17] سورة الأعراف: الآية10.
[18] سورة الأنعام: الآية6.
[19] سورة يوسف: الآية56.
[20] سورة القصص: الآيتان 5 ـ 6.
[21] سورة الكهف: الآية 84.
[22] سورة الأعراف: الآية10.
[23] الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص152.
[24] سورة الحج: الآية41.
[25] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، ج18، ص122.
[26] الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب االله المنزل، ج10، ص254.
[27] سورة البقرة: الآية30.
[28] سورة ص: الآية26.
[29] سورة النمل: الآية 16.
[30] الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص153.
[31] سورة الأعراف: الآية، 127.
[32] الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج11، ص130.
[33] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، ج18، ص123.
[34] الفخر الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير، ج24، ص413.
[35] سورة القدر: الآية 1.
[36] سورة المائدة: الآية 55.
[37] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، ج6، ص78.
[38] الإمام مسلم، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ص1821.
[39] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، ج3، ص301.
[40] القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، ج12، ص297- 299.
[41] الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير،ج4، ص55.
[42] المصدر نفسه.
[43] انظر، الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن غوامض التنزيل، ج3،ص252. انظر، البيضاوي، عبد الله بن عمر، أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي)، ج3، ص208. انظر، القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، ج 12، ص 297. الفخر الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج24، ص25.
[44] المصدر نفسه، ج 12، ص299.
[45] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاری، ج 8 ،ص56. الإمام أحمد، مسند أحمد، ج 5 ، ص111، و ج6 ، ص395. الدارمي، محمد بن حبان، صحيح ابن حبّان، ج 7، ص157 و ج 15، ص 91. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، ج4، ص63.
[46] الآلوسي، محمود بن عبد الله، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ج18، ص202.
[47] الثعلبي، أحمد بن محمد، الكشف والبيان المعورف (تفسير الثعلبي)، ج 7 ، ص114.
[48] الواحدي، علي بن محمد، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج 2 ، ص 768.
[49] ابن الجوزي، شمس الدين محمد، زاد المسير في علم التفسير، ج 5، ص 372.
[50] الغرناطي الكلبي، محمد بن أحمد، التسهيل لعلوم التنزيل، ج3، ص73.
[51] ابن الجوزي، شمس الدين محمد، زاد المسير في علم التفسير، ج5، ص372.
[52] المصدر نفسه.
[53] ابن أبي زمنين، محمد بن عبد الله، تفسير ابن زمنين، ج 3 ، ص242ـ 244.
[54] السمعاني، تفسير السمعاني،السمعاني، ج 3، ص 544ـ 545.
[55] الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان، ج 7، ص238.العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تفسير سورة النور، الآية (55).
[56] الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن،ج15،ص151 ـ 157.
[57] المصدر نفسه.
[58] المصدر نفسه.
[59] سورة الاسراء: الاية 7.
[60] سورة الكهف: الآية 98.
[61] سورة الأعراف: الآية 187.
[62] الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص151-157.
[63] الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، 11/149- 152.
[64] الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القران، 7/239؛ ابن شهر آشوب، محمد، مناقب آل أبي طالب، 3/69؛ الكاشاني، محسن الفيض، تفسير الصافي، 3/449؛ الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القران، 15/157.