البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

صِدام المهدويّة والمسيانيّة في الاستشراق الجديد

الباحث :  الأستاذ قاسم شعيب
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  37
السنة :  شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 3 / 2026
عدد زيارات البحث :  42
تحميل  ( 595.083 KB )
الملخّص

ينتمي الاستشراق الجديد إلى تيّارٍ فكري ما بعد كولونيالي، ينتقد الاستشراق التقليدي لكنّه يعيد إنتاج صوره النمطيّة عن الشرق من أجل تقديمه مصدرًا للتطرّف والإرهاب هذه المرة. وهو يرى في الأطروحة المهدويّة إسلامًا سياسيًّا حادًّا يغذّي الفوضى والحروب، بينما يقدّم المسيانيّة بوصفها ديمقراطيّة علمانيّة تدعم إسرائيل، وما يسميه حقّها في الوجود.

ربط الاستشراق الجديد المهدويّة بالإرهاب، بينما تجاهل المسيانيّة بالرغم من أنّها باتت جزءًا من الإيديولوجيا الصهيونيّة التي تغطي على الاحتلال. وهو يبالغ في الحديث عن صِدام الحضارات عندما يعدّ الإسلام تهديدًا وجوديًّا، ويقدّم في المقابل المسيانيّة أيديولوجيا سلامٍ.

تمثّل المهدويّة جوهر الإسلام، وهي التطبيق الأخير لمفهوم الإمامة القرآني. ومن الطبيعي أن يرى فيها الغرب خطرًا مستقبليًّا على ريادته الثقافة وزعامته الحضاريّة. فهو يدرك أنّ ظهور المهدويّة سيشكّل نقطة تحوّلٍ كبرى وبداية لصعودٍ حضاريّ إسلاميّ غير مسبوق كما تصفه النصوص الإسلاميّة الكثيرة التي لا شكّ في اطلاعه عليها.

ولعلّ الهجوم الغربي الصهيوني اليوم على المنطقة العربيّة وما جاورها يتحرّك على أساس فكرة استباق الظهور المهدويّ، فهو يعتقد أنّه من الضروري السيطرة على الأرض من أجل منع تجمّع الناس حول الفكرة الإسلاميّة الجديدة. وهنا بدأت القيادات الصهيونيّة تستعيد مقولاتٍ توراتيّة، وتطرح علنًا وبوضوح مشروع (إسرائيل الكبرى) الذي يحاول أن يفكّك الدول، ويعيد رسم الخرائط، فليس الصِدام دينيًّا فحسب، بل إنّ له وجهه السياسي الذي يخدم أهداف القوى الصهيونيّة في شيطنة المهدويّة، وتقديس المسيانيّة.

الكلمات المفتاحيّة:

 الاستشراق التقليدي - الاستشراق الجديد - الصهيونيّة السياسيّة - الإسلام - المهدويّة - المسيانيّة



مقدّمة

واجه الاستشراق نوعين من النقد، الأول: نقدٌ ذاتيّ مارسه على نفسه فأنبت الاستشراق الجديد، والثاني: نقدٌ موضوعيّ يتعلّق بمواضيعه البحثيّة المرتبطة بالإسلام فكشف واقع المقولات الاستشراقيّة. عكس ذلك معاناته من أزمتين اختلفت الثانية عن الأولى؛ فالزاوية التي كان ينظر من خلالها الغربيّون إلى الاستشراق وانتقدوا كثيرًا من مقولاته ومناهجه، تختلف عن الزواية التي كان ينظر إليه من خلالها المسلمون والعرب الذين كانوا هم وثقافتهم موضوع الاستشراق المركزي. وكان من الطبيعي تبعًا لذلك أن تختلف وجهات النظر وأدوات الاشتغال المعرفي. فبينما يهتمّ نقادّ الاستشراق من داخله بمساراته وقدرته على تحقيق أهداف أصحابه، يريد الناقد العربي والمسلم تعرية فشله في التعامل مع الإسلام في ما ينسبه إليه في معتقداته وأحكامه وتعاليمه.

لم يكن ممكنًا فصل الاستشراق عن الموجّه السياسي الغربي. فهو جزءٌ من الثقافة الغربيّة في نظرتها للآخر. والجانب المعرفي في الاستشراق ليس غايةً في ذاته، بل إنّه واجهةٌ وظيفيّةٌ تمثل جزءًا من استراتيجيّة الهيمنة التي من دونها لا يتحقّق الاتباع الثقافي والاقتصادي والسياسي. وارتباط الاستشراق بالسياسات الغربيّة منع من تناول القضايا الإسلاميّة بطريقةٍ موضوعيّة، فذلك ما لا يوصل إلى النتائج المتوخاة. احتاج منه الأمر إلى تشويه شخصيّة النبيّ J، وإنكار نبوّته وإدانة المعتقدات والأحكام الإسلاميّة، والزعم بأنّ الإسلام نسخةٌ عن اليهوديّة أو النصرانيّة، كما احتاج إلى قلب الحقائق فيما يخصّ المسألة المهدويّة في علاقتها بالمسيانيّة وأحداث نهاية الزمان.



مسار الاستشراق

يؤكّد (أولفييه موس) أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة فريبورغ في سويسرا أنّ الاستشراق الجديد «يمثّل تجديدًا وإعادة تأهيل للأطروحات الاستشراقيّة الكلاسيكيّة في سياقٍ يتميّز بأدلجةٍ متنامية للعلاقات بين الشرق الأوسط والدول الغربيّة، تعمل على تشجيع العودة إلى قراءةٍ ماهوّيةٍ للمجال الإسلامي»[1].

فالاستشراق الجديد هو محاولةٌ لإعادة بناء الأطروحات الاستشراقيّة التقليديّة وتحيينها، وهو امتدادٌ له، وليس متقاطعًا معه. يبدو هذا الاتجاه تمهيدًا لمشروع سياسيّ، وتعبيرًا ثقافيًّا محشوًا بمعتقداتٍ تلموديةٍ تريد تحقيق مخطّطاتٍ حالمةٍ تتحدّث عن إقامة (إسرائيل الكبرى).

من الصواب القول إنّ الاستشراق الجديد يعيد إنتاج المقولات الاستشراقيّة التقليديّة، وليس التخلّي عنها. فالمضمون الدينيّ والإيديولوجي الغربي بجناحيه اليهودي والكنسي لم يتغيّر. وما تغير هو الأهداف والآليات بفعل تغيّر الواقع السياسي، وانتقال الريادة من أوروبا إلى الولايات المتّحدة.

أعلن هذا التيار عن نفسه في بداية سبعينيّات القرن العشرين، بعد أن استنفد الاستشراق التقليدي أغراضه، وباتت الأهداف مختلفة. وظهور الاستشراق الجديد مهّد لانتشار دعوات العولمة، والنظام العالمي الجديد، ونهاية التاريخ لدى النخب الأمريكيّة والغربيّة، وهي مفاهيم واردةٌ من سوق الفلسفة الما بعد الحداثيّة التي تبنّت نزعةً غرائزيّةً تعبّد الطريق لإعلان الإيديولوجيا المسيانيّة.

تطلّب التنظير لأفكار النهاية والخلاص من المستشرقين الجُدد نقد الأطروحة المهدويّة في الإسلام بطريقةٍ مختلفةٍ عن الاستشراق التقليدي الذي كان ينكرها، والادّعاء بأنّ الإمام المهدي هو المسيح الدجال، والتبشير بفكرة (المسيانيّة) على الطريقة اليهوديّة، أو عودة (يسوع المسيح) على الطريقة الكنسيّة، في محاولة لإسقاطها بوصفها منافسًا لمعتقدات الخلاص اليهوديّة والكنسيّة، أولًا. ولنزع أيّ مظهرٍ من مظاهر القوة لدى المسلمين بما أنّ إضعاف العقيدة مدخلٌ مركزيّ للهيمنة الاستتباع، ثانيًا.

لم ينته الاستشراق، بل غيّر ملامحه. فقد تزامن الاستشراق التقليدي مع المدّ الاستعماري للعالم الإسلامي ومكّن له بشكلٍ مباشر. لكن تغيّر السياقات التاريخيّة والثقافيّة أفرز نقدًا حادًّا للاستشراق ممّا أدّى إلى تراجعه، ليظهر في صورٍ جديدةٍ أخذت عنواناتٍ متعددةً أهمّها الاستشراق الجديد. لم يقطع هذا التيّار نهائيًّا مع الاستشراق التقليدي، بل أعادة ترتيب أولوياته وصاغ خطابه بطريقةٍ جديدة.

يتحدّث الحداثيّون العرب مثل (أنور عبد الملك)، و(إدوارد سعيد) عن أزمة الاستشراق وضرورة البحث عن قنواتٍ لفتح حواراتٍ حضاريّةٍ مع الغرب لردم الهوّة معه، من خلال تغيير المسلمين مناهجهم وأفكارهم التي اعتمدها الاستشراق الكلاسيكي في نقده للثقافة الشرقيّة. وهذا الأمر صحيحٌ من زاويةٍ معينّة؛ فالإسلام، الذي قرأه المستشرقون الغربيّون، لم يكن النسخة الأصلية منه، بل كان غالبًا نسخةً سلطانيّةً صنعت معتقدات أغلب المسلمين. لكن من زاويةٍ أخرى لا يريد الغرب للمسلمين تغيير مناهجهم في اتجاه تصحيح فهمهم لدينهم، بل يريد توجيهه نحو تعميق حضور الثقافة الغربيّة في وعي الإنسان العربي والمسلم. وهو شيءٌ يعمل عليه الحداثيّون الذين لا يتوقّفون عن الدعاية للرؤى الوجوديّة والنظم الاجتماعيّة والاقتصاديّة الغربيّة.

لا شك في أنّ تصحيح فهم الإسلام لدى أغلبيّة الناس عملٌ شائكٌ وصعبٌ، ولكنّه ممكنٌ لو وضعت استراتيجيّةٌ وآلياتٌ بحثيّةٌ جديدةٌ تريد تحقيق هذا الهدف. إنّ أزمة الاستشراق هي في الواقع أزمةٌ مركّبة؛ جزءٌ منها يتعلّق بمسبقاته الدينيّة والإيديولوجيّة والمنهجيّة وطموحاته السياسيّة، وجزء آخر يتعلّق بتعامله مع نسخٍ سلطانيّةٍ لا تعكس بالضرورة الرؤية الإسلاميّة. إنّهم مثلًا ينسبون الإرهاب واضطهاد المرأة للإسلام، اعتمادًا على ممارسات حركاتٍ دينيّةٍ متنطعةٍ تهرول نحو تحريم كلّ شيءٍ وتستبيح كلّ مختلف. فكأنّما الغرب يستغل الفكر المغلق لتلك الحركات ذات الطابع السلفي غالبًا وقابليتها للاختراق من أجل تكريس ممارساتها في الإرهاب والتكفير.

تكمن أزمة الاستشراق في بحثه الدائم عن مبرراتٍ غير واقعيّةٍ لخدمة مصالحه الاقتصاديّة والثقافيّة، وهو ما أنتج تشويهًا واسعًا للإسلام ليس من خلال دعم الحركات السلفيّة المتطرّفة، فحسب، وإنّما أيضًا من خلال استغلال الكم الهائل من الروايات والأحاديث والتفاسير المختلقة التي وضعت على لسان النبيّ J بعد وفاته، ثم سُكِّر عليها وباتت مقدّسة.

الاستشراق الجديد والرعاية الأمريكيّة

يريد الاستشراق الجديد، الذي بات تحت رعاية الولايات المتّحدة، تفكيك الإسلام وتركيبه بطريقةٍ جديدةٍ تتفق مع الثقافة الغربيّة من خلال تأويل نصوصه على أسسٍ حداثيّة؛ ليتم إدخال مقولات الحداثة وما بعدها إلى هذا الدين. وقد دعا المستشرق الأميركي (مارتن كريمر) في كتابه (بروج عاجيّة على الرمال: فشل الدرسات الشرق أوسطيّة في أميركا) إلى بناء دراساتٍ مشروطةٍ بخدمتها للسياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط، وهو ما فعله أيضًا (دانييل بايبس) عبر موقعه الإلكتروني (مرصد الجامعات).

كتب المستشرقون كثيرًا في مهاجمة الإسلام في رؤاه وتشريعاته وتعاليمه. ومنها كتاب (الهاجريون: صناعة العالم الإسلامي) لـ (باتريشيا كرون)، و(مايكل كوك)، و(خنجر الإسلام) لـ (جون لافين)، الذي وصف فيه الشخصيّة الإسلامية بـ(الشيطانيّة). وظهر في العقود الثلاثة الأخيرة نوعٌ آخر من الكتابات المغذّية للإيغو الأمريكي[2] مثل: (أزمة الإسلام) لـ (برنارد لويس) و(نهاية التاريخ) لـ (فرنسيس فوكوياما)، و(صِدام الحضارات) لـ (صمويل هنتنغتون)، التي تروج (للانتصار الأمريكي) و(هزيمة الإسلام) الذي وصفوه بالإرهاب العالمي خاصّةً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي صنفت بوصفها عملًا مخابراتيًّا مخادعًا.

مثّل سقوط الاتحاد السفياتي نقطة تحوّلٍ في الاهتمام الإمريكي بالإسلام الذي سيصبح العدو الأوّل للغرب حسب توصيف (هنتنغتون). ومن أجل تبرير ذلك لدى الجمهور تمت صناعة حركاتٍ متشدّدةٍ، وتوجيهها لتنفيذ عملياتٍ إرهابيّةٍ في عواصم أوروبيّة ومدنٍ أمريكيّةٍ وعالميّةٍ أخرى متعدّدة. وبذلك أصبحت الأرضيّة ممهّدةً لصياغة نسخةٍ متشددةٍ من الاستشراق الجديد.

احتاج الاستشراق القديم إلى دراسة تراث فقَدَ أهلُه حيويتَهم وريادتهم، من أجل الإفادة منه، والتمهيد لغزوهم واحتلالهم. أمّا الاستشراق الجديد فصنع لمواجهة عدّوٍ يحاول النهوض ويمثّل في نظر الغرب تهديدًا لريادته الحضاريّة.

أفاد الاستشراق التقليدي من الحضارات الشرقيّة على أوسع نطاق، فقد استحوذ على تراثها وآثارها، ونقلهما إلى جامعاته ومتاحفه، لكنّه وصم أصحابهما بالتخلّف والخرافة. وعندما جاء الاستشراق الجديد أضاف إليهم صفات الشيطنة والإرهاب.

لا يختلف الاستشراق الجديد عن نظيره التقليدي إلّا في إضافة اتهاماتٍ جديدةٍ للإسلام. وقد نجح في الوصول إلى قاعدةٍ جماهيريّةٍ أوسع بفضل الإعلام ومواقع التواصل وشبكات الانترنت. وهو ما أخرجه عن الاختصاصات اللسانيّة والتاريخيّة التي عُرف بها نظيره التقليدي. وبذلك سقط أحيانًا كثيرةً في الابتذال أكثر بكثيرٍ ممّا نجده حتى لدى مستشرقين كلاسيكيين متطرّفين مثل (أرنست رينان)، و(هنري لامنس). وهذا ما أكّده (أوليفييه مووس) حين كتب: «الاستشراق الجديد ليس في الغالب عمل مختصين أكاديميين، وإنّما يشارك في صياغة خطابه الصحفيّون، والكتّاب، والباحثون، والخبراء، والمدونون، والناشطون في الحقول الفكريّة، والإعلاميّة، وحقول الدراسات الأمنيّة»[3].

غذّى الاستشراقُ العالمَ بشكلٍ متواصلٍ كراهيّة الإسلام. وحوّل المسلمين إلى كائناتٍ خشنةٍ محبّةٍ للذة وجاهلة لا تفهم روح العصر. تحوّل هذا الدين الخاتمي إلى هدفٍ لأنصاف المثقّفين والمتعلّمين، وصار كلّ شخصٍ ضحلٍ يحاول إثبات نفسه من خلال الهجوم عليه.

المهدويّة الإسلاميّة والمسيانيّة اليهوديّة

تمثّل المهدويّة جوهر الإسلام، وهي التطبيق الأخير لمفهوم الإمامة القرآني. ومن الطبيعي أن يرى فيها الغرب، بجناحيه اليهودي والكنسي، خطرًا مستقبليًّا على ريادته الثقافة وزعامته الحضاريّة؛ فهو يدرك أنّ ظهور المهدويّة سيشكّل نقطة تحوّلٍ كبرى وبداية لصعودٍ حضاريّ إسلاميّ غير مسبوق كما تصفه النصوص الإسلاميّة الكثيرة التي لا شكّ في اطلاعه عليها.

تؤكّد النصوص الإسلاميّة أنّ الإمام المهدي A هو الضدّ المباشر للمسيا اليهودي. وكما تطرح المسيانيّة مشروعها حول (الديانة الإبراهيمية الجديدة) التي تصهر في داخلها الديانات الثلاث ذات الأصول الإبراهيميّة في ديانةٍ واحدةٍ لتصبح دين الامبراطوريّة الإسرائيليّة المزعومة (إسرائيل الكبرى)، يطرح الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا مشروعه بعيد المدى حول الدولة المهدويّة العالميّة.

وكما تختلف قيادة الدولة العالميّة المنتظرة بين الإسلام والمسيانيّة، يختلف أيضًا مضمونها؛ فالنظام العالمي الجديد الذي تدعو له المسيانيّة السياسيّة هو نظامٌ شيوعيٌّ بالكامل على الطريقة الأفلاطونيّة التي استعادها ماركس؛ يؤلّه الإنسان ويمنع الملكيّة الخاصّة، ويتحدّث عن مشاعية النساء، واختفاء الأسرة، وانتشار المثليّة[4].

ويمكننا أن نفهم من النصوص أنّ المسيا اليهودي، المعروف في الروايات الإسلاميّة بالدجّال، يسبق الامام المهدي ويخرج قبله، بعكس ما هو شائع لدى كثيرين، فيطوف البلدان مروّجًا لمشروعه، ويدخلها كلّها ما عدا مكّة والمدينة[5]. وعندما يظهر الإمام المهدي فإنّه يتّجه إلى القدس بعد السيطرة على شبه الجزيرة العربيّة، وهناك يتم قتل الملك اليهودي المسيا، في باب اللد. وتلك الحرب التي تأتي بعد فترةٍ من ظهور الإمام المهدي ينزل المسيح ابن مريم ليكون المساعد له على هداية النصارى وإعادتهم إلى التوحيد الذي جاء به[6].

القدس في دراسات المستشرقين الجُدد

عمل الاستشراق الجديد، في نسخته اليهوديّة على نحوٍ خاصّ، على التنقيب في التراث العربي من مخطوطاتٍ ومطبوعاتٍ من أجل التأكيد على أحقيّة اليهود في القدس. وهم يسمونها (يروشلايم) في (التناخ)، وهي عندهم العاصمة الأبدية لـ (شعب إسرائيل)، ومقرّ المؤسّسات المركزيّة للدولة والحكومة الصهيونيّة.

لم يُعرف مصدر هذا الاسم؛ فقد سُميّت في عهد القضاة (يبوس)، وبعد أنْ دخلها النبي داود، سُميّت (مدينة داود)، حيث أقام عليها المذبح، وأمّا سليمان فقد بنى هناك الهيكل الأوّل الذي أصبح شعارًا لوحدة اليهود، وعندما تجزّأت المملكة في عهد (رحبعام) إلى مملكتيْ (يهوذا) و(إسرائيل) بقيت القدس عاصمةً للمملكة يهوذا فقط. وعندما وصلها الفتح الإسلامي عام 637 م، حسب التصوّر اليهودي، «أقام المسلمون في منطقة (جلالييت) مساجد فاخرةً وحوّلوا القدس إلى مكانٍ دينيّ إسلاميّ أطلقوا عليه: اسم القدس»[7].

ومدينة القدس تقع في صلب اهتمامات الاستشراق اليهودي، الذي عمد إلى طمس (التراث العربي الإسلامي) فيها. فكثيرٌ من هؤلاء المستشرقين اليهود استطاعوا الوصول إلى كثيرٍ من المعارف العربيّة من خلال أعمال المدرسة اليهوديّة الأولى في الاستشراق التي قامت على كتابات (شبرنجر)، و(غولد تسيهر)، و(مونك)، و(فامبرى)، و(شاخت).

بدأ الاستشراق اليهوديّ في فلسطين على يد كلٍّ من (غوتياين)، و(شلوسنغر)، (وبلانك) و(بينس)، وصولًا إلى (كستر)؛ حيث اتّجه الاستشراق إلى دراسة أهميّة مدينة القدس والحقّ اليهوديّ المزعوم في فلسطين، حيث إنّ الوجود العربي فيها احتلالٌ لها في نظرهم.

وحظيت الدراسات الإسلاميّة باهتمامٍ خاصٍّ من المستشرقين اليهود الجُدد؛ فأُنشئت الجامعات  والمؤسّسات، ودور النشر، وأُقيمت المؤتمرات، وانجزت الدوريات لدراسة التراث العربي والإسلامي.

ولعلّ أهمّ تلك المؤسّسات الجامعيّة هي (الجامعة العبرية)، و(جامعة تل أبيب). ويبقى (إغناس غولدتسيهر)، أهمّ المستشرقين اليهود الذين عملوا على نفي قدسيّة القدس عند المسلمين وقال: «إنّ فكرة قداسة القدس جاءت متأخّرة، ولم يكنْ للقدس أيّ قيمةٍ قبل وجود الخليفة عبد الملك بن مروان الذي قصد من وراء بناء قبّة الصخرة التغلّب على منافسه عبد الله بن الزبير، الذي استغلّ قداسة مكّة عاصمة ملكه، وسيلةً للدعاية، ومحاولة تحويل الحج من الكعبة إلى المعبد الجديد بالقدس، كانت إجراءً بُرّر بأقوالٍ نُسبت إلى النبيّ وإلى بعض أصحابه. وتبعًا لهذا الافتراض ظهرت أعدادٌ هائلةٌ من الأحاديث المؤيّدة والمضادّة للأهميّة الدينيّة لبيت المقدس وحرْمته كأسلحةٍ في الحرب بين المتنافسين على الخلافة»[8]. 

لا شك في أنّ الأمويين بالغوا في إضفاء صبغة القداسة على القدس خاصّة والشام عامّة، فقد عمل معاوية بن أبي سفيان على وضع أحاديث وقصصٍ في الشام والقدس. وكان عبد الملك بن مروان، هو من أعطى مكانةً لبيت المقدس في المخيال الشعبي من خلال روايات الزهري المختلقة، وهو الذي بنى قبّةً فوق الصخرة، ثم حوّل الحج إلى القدس في خضم صراعه مع عبد الله بن الزبير على الحكم، وهذا ما نقله كبار المؤرّخين مثل ابن البطريق واليعقوبي[9]. لكن الاستشراق استخدم ذلك لنفي أهميّة القدس في الإسلام. وهو ما لا يتّسق مع كونها قبلة المسلمين الأولى، وحقيقة مرور كثيرٍ من الأنبياء، الذين يجلّهم الإسلام، بها.

ويعتقد المستشرق اليهودي (غويتين) أنّ الأسباب التي دفعت عبد الملك إلى إقامة قبّة الصخرة ليست سياسيّة، وإنّما دينيّة صرفة، وصفها في إطار «تعاظم الهالة القدسيّة التي أحاطت بفلسطين عامّة، وبالقدس خاصّة، بشكلٍ خاصٍّ منذ بداية الإسلام، خاصّةً بين حلقات الزّهاد، والصوفيّة الذين تأثّروا على ما يبدو بالرهبانيّة المسيحيّة... وجاءت قبة الصخرة لتحفظ، وتمجّد الصخرة التي أقيمت فوقها، ويمكن فيها للمؤمن أنْ يصلّي صلاته بمفرده. بينما يشكّل المبنى الآخر مسجدًا خاصًّا لإقامة صلاة الجمعة يوم الجمعة؛ ولذلك يطلق عليه الجامع، وقد أضيفت إليهم قباب كثيرة أخرى في الفترة الأمويّة كما تشهد على ذلك الحفريّات بمحاذاة السور الجنوبي»[10].

وتشير المستشرقة (لاتزروس يافه) إلى أنّ الذي رفع مكانة القدس لدى المسلمين هو الحملات الصليبيّة، وتحويل قبّة الصخرة إلى كنيسةٍ مسيحيّة، فكان فعل (الفقهاء) نسبة القدسيّة إلى القدس في الإسلام لحشد الناس في مواجهة تلك الحملات واسترجاع المدينة من الصليبيين[11]. ويقول  (عمانوئيل سيفان): «إنّ محمدًا حاول استقطاب الأسباط اليهوديّة في مكّة إلى دينه، فدعا أتباعه لأن يتّجهوا في صلاتهم نحو القدس، واستمرّ على ذلك النهج ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، ولكنّه ألغى هذا النهج عندما لم يقبلْ أحبار اليهود به، وعندما اتّخذ الكعبة من مكة قبلةً له وهو المكان الأكثر قدسيّةً لدى العرب في شبه الجزيرة منذ الجاهلية، وبالتالي فإنّ ارتفاع قيمة القدس في نظر المسلمين لم يكنْ سوى فصلٍ عابر»[12]. ويستدلّ (سيفان) على عدم أهميّة القدس في نظر الإسلام في سنواته الأولى بالقول: «إنّ القدس كانت من أواخر المدن التي تمّ احتلالها لدى غزو سوريا، وإنّه تم احتلالها من قِبَل ضابطٍ صغير، وليس من قِبَل عمر بن الخطّاب كما يدّعي المسلمون»[13].

ويقول (سيفان) أنّ من أعطى أهميّةً للقدس في (الإسلام السني) هم أحبار اليهود من خلال الإسرائيليّات. ويضيف أنّ المسلمين: «يقرّون بأنّ تغيير اسم القدس من إيليا إلى بيت المقدس تم بفضل الحبر اليهودي كعب الأحبار»[14]. والاسم العربي بيت المقدس لم يكن موجودًا، وهو ليس إلّا ترجمة للاسم العبري (بيت همقداش)، الذي ورد في الوثائق اليهوديّة. وفي نظر (سيفان) فإنّ قدسية القدس لها جذورٌ يهوديّةٌ ومسيحيّةٌ نقلت إلى المسلمين[15]. 

ومع أنّ الأمويين هم من بنى المسجد والقبة فوق الصخرة، فإنّ المدينة كانت قائمةً قبل ذلك، وكانت تحت حكم البيزنطيين الذين كانوا يسمونها إيليا، ولم يكن هناك وجودٌ لليهود فيها منذ أن طردهم منها الرومان إلى الحجاز حيث استوطنوا في يثرب ومناطق أخرى في الحجاز، ولم يعودوا إلى القدس إلّا في فترة حكم عمر بن الخطّاب، وهو ما يهمله المستشرقون الجدد.

وهذا التتابع على حكم القدس ونسبة القدسيّة إليها هو الذي ولدّ صراعًا على أحقيّة السيطرة على المدينة؛ فاليهود يعدّونها عاصمة دولة داوود وسليمان، والنصارى يرون أنّها مدينة المسيح، أما المسلمون فيرونها قبلتهم الأولى، وجزءٌ كبيرٌ منهم يعتقد أنّها مسرى الرسول J، بل ويظن أنّها ستكون عاصمة الدولة المهدويّة.

الأبعاد الدينيّة لحرب (القيامة)

ليست الحروب الإسرائيليّة منفصلةً عن المعتقدات اليهوديّة بخصوص القدس، وعدّها عاصمةً لهم وارتباط ذلك بعقيدتهم في خروج ملكهم المنتظر. فالحرب بالنسبة إليهم أداةٌ لتحقيق أهدافٍ توراتيّة. وهم يطلقون عليها (حرب القيامة). ليست الحرب، عندهم، صراعًا سياسيًّا أو أمنيًّا فحسب، بل إنّها تحمل أبعادًا دينيّةً عميقةً تتجاوز المسألة القوميّة رغم تداخل المستويين لديهم. وتتجلّى هذه الأبعاد في الخطابات الدينيّة الصادرة من الجانب الاسرائيلي خاصّة، ممّا كرّس حقيقة أنّ الصراع (حرب مقدّسة)، وجعَل الحلول السياسيّة أكثر تعقيدًا.

تجمع الصهيونيّة الدينيّة بين اليهوديّة الأرتوذوكسيّة والقوميّة الصهيونيّة، وهي المحرّك للحروب التي تشنّها إسرائيل في المنطقة. فالحرب، بالنسبة إليها، جزءٌ من (الخلاص الإلهي)، و(استعادة أرض الميعاد). يسيطر هذا التيار، على جزءٍ كبيرٍ من الحكومة الإسرائيليّة الحالية مثل أحزاب (الصهيونيّة الدينيّة)، و(عوتسما يهوديت)، ويستمدّ شرعيته من تفسيراتٍ توراتيةٍ تُبرر (إبادة الأعداء في الأرض المقدّسة).

وفي الحرب الأخيرة، تدخّل الحاخامات، بشكلٍ مباشر، من أجل رفع الروح المعنويّة للجنود. فأُقيمت (صلوات جماعيّة) قبل التوغّل البري، وأُصدرت فتاوى تُشجّع على (الردّ الديني والوطني)، في خطابٍ يعتمد على نصوصٍ من العهد القديم في سفر التثنية مثل: «وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لِكَيْ لاَ يُعَلِّمُوكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا حَسَبَ جَمِيعِ أَرْجَاسِهِمِ الَّتِي عَمِلُوا لآلِهَتِهِمْ، فَتُخْطِئُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ». (تث 20: 16-18).

تفسَّر هذه الفقرات بوصفها أمرًا إلهيّا بـإبادة السكّان الأصليين لتجنّب (الإغراء الديني). فهي تتحدث عن أوامر (يهوه) لبني إسرائيل بإبادة مدن شعوب كنعان، وهي الحثيّون والأموريّون والكنعانيّون والفرزيّون والحويّون واليبوسيّون، وعدم الإبقاء على أحدٍ منها حيًّا. والسبب هو منعهم من التأثّر بممارساتهم (الوثنيّة)، وحمايتهم من خطاياهم وعبادة آلهتهم.  ولا يُستثنى أحد من هذه المدن. واستخدام هذه المقاطع، برّر، بالنسبة إليهم، تدمير أكثر من نصف المواقع الدينيّة والثقافيّة في غزّة، خلال الحرب الأخيرة، بما في ذلك مساجد وكنائس، بما هي جزءٌ من (حملة تطهير).

يشكّل التيار الديني القومي (العمود الفقري) للحكومة الإسرائيليّة، ممّا عمّق سيطرتهم على الجيش والقضاء، وحوّل النزاع إلى (معركةٍ أخرويّة) ضد الغرباء. وهذا التطرّف الصهيوني ليس جديدًا؛ فقد نشأ بعد حرب 1967، عندما رأى الصهاينة الدينيّون في الاحتلال (علامةً إلهيّة) للعودة إلى (أرض إسرائيل الكاملة).

أمّا المسيحيّة الصهيونيّة فإنّها تدعم الحروب الإسرائيليّة لاعتقادها بأنّ فلسطين هي (أرض المعاد)، وأنّ حرب (هرمجدون) ستندلع في فلسطين، وأنّ المسيح يعود بعد تلك الحرب، ويجعل المسيحيين سادة الأرض.

ولا يبدو أنّ إسرائيل وداعميها الغربيين سيتوقفون عند (حروب القيامة) ـ كما يسمونّها ـ؛ لأنّ الهدف بناء نظامٍ مختلفٍ يسمّونه (النظام العالمي الجديد)، يشمل دول المشرق العربي التي يريدون استهدافها، وهم يريدون أن يجعلوا من القدس عاصمةً له.

وعلى هذا النحو تحرك الرؤى الاسخاتولوجيّة المتعلّقة بنهاية الزمان السلوكَ السياسي لإسرائيل والولايات المتّحدة، وهذه الرؤى هي التي تغذي التطرّف الإسرائيلي وارتكابه جرائم إبادة. وهي تعتمد خطابًا قائمًا على الكراهية، وتستخدم فيه الروايات الدينيّة المأخوذة من التناخ.

موقعية القدس في صراع النهاية

تعتقد الجماعات اليهوديّة والكنسية أنّ القدس تمثّل مركز الصراع في نهاية التاريخ، الذي سيفتتح (العصر المسياني)، طبقًا لتفسيراتهم للنصوص الدينيّة. يتبنّى العديد من (الإنجيليين) هذه الفكرة، ويرون أنّ عودة اليهود إلى القدس وبناء (إسرائيل الكبرى)، تحقيقٌ لنبوءات الكتاب المقدّس، وتمهيدٌ لعودة المسيح الثانية. وهم يعتقدون أنّ المسيح سيحكم العالم من القدس.

والجماعات اليهوديّة الأصوليّة والمسيانيّة تتطلع إلى إعادة بناء الهيكل في القدس، معتقدة أنّ ذلك سيجعلها عاصمةً لحكمٍ إلهيّ قادم. وبشكلٍ عامّ تعدّ الحركة الصهيونيّة القدس عاصمةً إسرائيل، لكنّ التركيز على جعلها عاصمة العالم هو بالأساس تفسيرٌ دينيّ، تحوّل إلى هدفٍ سياسيّ معلنٍ لدى الحركة الصهيونيّة.

تستند هذه الادّعاءات إلى تفسيراتٍ خاصّةٍ للنصوص الدينيّة في العهد القديم والعهد الجديد. تشمل ما يسمّونه اختيار الله حيث ينسبون إليه في التناخ اختياره للقدس، وتحديدًا جبل صهيون، لتكون موضعًا لاسمه ومسكنًا له.

وتصف بعض المزامير القدس بأنّها (مدينة الملك العظيم)، ويعتقد المسيحيون الصهاينة أنّها ستكون مقرّ حكم المسيح للعالم. ويتحدّث سفر حزقيال عن (أورشليم الجديدة)، وهي رؤيةٌ مدينةٌ تتمحور حول هيكلٍ مُعادٍ بناؤه، لتكون عاصمة المملكة المسيانيّة، ومركزًا لقبائل بني إسرائيل.

وتقول نصوصٌ تلموديّةٌ إنّ العالم يشبه العين، حيث تكون القدس هي الحدقة ومركز العالم، ممّا يعزّز مكانتها الروحيّة. وفي اعتقادهم أنّ عرش داود، الذي كان في القدس، سيعود في نهاية المطاف إلى المسيا، ليحكم منه العالم[16].

ويرى (الإنجيليّون) أنّ عودة اليهود إلى القدس وبناء (إسرائيل الكبرى)، هي تحقيقٌ لنبوءات الكتاب المقدّس، وتمهيدٌ لعودة المسيح الثانية. ويعتقد هؤلاء أنّ المسيح سيحكم العالم من القدس. ومن الأهميّة بمكان الإشارة إلى أنّ (المسيحيين الصهاينة) لا يمثّلون مجموعةً موحّدةً، بل حركةٌ واسعةٌ تضمّ العديد من القادة والمنظمّات، خاصّة داخل الكنائس الإنجيليّة في الولايات المتّحدة. وغالبًا ما تستند معتقداتهم إلى تفسير لاهوتي يسمى (التدبيريّة)، والتي ظهرت في القرن التاسع عشر.

وأبرز قادة (المسيحيّة الصهيونيّة) القس (جون هاجي). وهو أحد أبرز قادة المسيحيّة الصهيونيّة المعاصرين، وهو مؤسّس منظمة (مسيحيّون متّحدون من أجل إسرائيل) CUFI التي تضم ملايين الأعضاء. يؤكّد هاجي باستمرار أنّ دعم إسرائيل، هو أمرٌ إلهيّ، وأنّ اليهود هم جزءٌ أساسٌ من خطّة الرب.

وهناك (جيري فالويل) الأب، الذي كان من القادة الإنجيليين البارزين في الولايات المتّحدة، ويعدّ (تجسيدًا للمسيحيّة الصهيونيّة الأمريكيّة). دافع عن إسرائيل بقوة، معتقدًا أنّ بركة الله لأمريكا مرتبطةٌ ببركتها لليهود[17]. وهناك أيضا (بات روبرتسون)، وهو رجل دينٍ إنجيلي، ومؤّسس التحالف المسيحي، كان من المؤيّدين البارزين للسياسات الأمريكيّة التي تدعم إسرائيل، وكان يروج لمعتقدات التدبيريّة التي تربط الأحداث الجارية في الشرق الأوسط بالنبوءات الإنجيليّة[18].

وظهر كذلك (جيري فالويل الابن) الذي استكمل طريق والده في دعم إسرائيل وتوجهاته الصهيونيّة، ولا يزال شخصيّةً مؤثرةً في الأوساط الإنجيليّة. كما برز اسم القس (ويليام هتشلر)، الذي يعدّ من الرعيل الأول للمسيحيين الصهاينة في أواخر القرن التاسع عشر، وأحد أشدّ مؤيّدي (تيودور هرتزل). وقد لعب دورًا مهمًا في المؤتمر الصهيوني الأول، وكان له تأثيرٌ كبيرٌ على اللورد بلفور في إعداد (وعد بلفور)[19].

ويعدّ المسيحيّون الصهاينة التوراة مصدرًا أساسيًّا لمعتقداتهم، تبعًا لليهود منذ ظهور البروتستانتيّة في القرن السادس عشر. ويستندون على نصوصٍ مثل: «وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ»، التكوين (12: 3). وهم يفسّرون هذا النصّ على أنّه أمرٌ إلهيٌّ بدعم اليهود، وأنّ من يباركهم يباركه الله، ومن يلعنهم يلعنه الله. وكذلك: «وَآخُذُكُمْ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ، وَأَجْمَعُكُمْ مِنْ جَمِيعِ الأَرَاضِي، وَآتِي بِكُمْ إِلَى أَرْضِكُمْ»، حزقيال (36: 24-26). فهذه عندهم نبوءةٌ بعودة اليهود إلى أرضهم، وهم يرون أنّها قد تحقّقت بتأسيس إسرائيل الحديثة.

ويعتمدون أيضًا على نصوصٍ من العهد الجديد، تصف نهاية العالم وقيام مملكة المسيح الألفية في القدس. ومنها رسالة بولس إلى أهل رومية (11: 29): «لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هُمَا بِلاَ نَدَامَةٍ». فيستخدمون هذا النص لتأكيد أنّ الله لم يتخلَّ عن اليهود، وأنّ وعوده لهم لا تزال سارية.

أمّا المنظمات المؤثّرة فنجد (مسيحيّون متّحدون من أجل إسرائيلCUFI) أكبر منظمةٍ مسيحيّة صهيونيّة في الولايات المتّحدة، ولها نفوذٌ سياسيٌّ كبير، وتعمل على تعزيز الدعم لإسرائيل في الأوساط الأمريكيّة. وهناك (السفارة المسيحيّة الدوليّة بالقدس ICEJ) من المنظّمات النشطة التي تدعم إسرائيل بقوة، وتعدّ إقامة الدولة اليهوديّة تحقيقًا لنبؤات الكتاب المقدّس.

ويمكننا القول إنّ هناك صراعًا على رمزية القدس ومركزيّتها يشمل جزءًا كبيرًا من المسلمين. وهذا الصراع يعود إلى جذورٍ دينيّةٍ وتاريخيّةٍ بعيدة، تتمحور حول كون القدس أولى القبلتين والمكان الذي عاش فيها بعض الأنبياء مثل داوود وسليمان وعيسى %. كما أنّ جزءًا كبيرًا من المسلمين يعتقدون أنّ النبيّ محمّدًا J، أُسري به من القدس. وأنّها مدينةٌ مقدّسة.

لا شك في أهميّة مدينة القدس الدينيّة، ولا شك في أنّ المهدويّة هي عقيدةٌ جميع المسلمين. لكن هناك اختلافات في التشخيص. من الواضح وجود اختلافٍ حول شخصيّة الإمام المهدي بين السنّة والشيعة، والعاصمة التي سيتّخذها. فالإمام المهدي هو محمد بن الحسن العسكري عند الشيعة، وقد ولد سنة 255 هـ، وغاب غَيبةً صغرى تواصلت قرابة 70 سنة[20]، ثم غاب غَيبةً كبرى، وهي متواصلة إلى اليوم.

بينما يعتقد السنّة أنّه محمد بن عبد الله، وهو حسنيّ، وليس حسينيًّا، ويولد في آخر الزمان. وهو عندهم رجلٌ صالحٌ من آل البيت يواطئ اسمه اسم النبيّ، واسم أبيه اسم أبيه. وهم يستندون إلى حديثٍ يقول: «لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يومٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلًا مني - أو من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما مُلئت ظلمًا وجورًا»[21]، لكن هذا الاسم يعود في التاريخ إلى (محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى) (100 - 145هـ)، الملقّب بالنفس الزكية، وكان يدّعي المهدويّة أو تُدّعى له. وبعد مقتله على يد جيش المنصور في أحجار الزيت قرب المدينة، سَمّى المنصور، الذي كان اسمه عبد الله، ابنه بمحمد (126 - 169هـ). ولقّب هو الآخر بالمهدي، وكان خليفة أبيه، وهو ثالث خلفاء الدولة العباسيّة. وهذا يعني أنّ ذلك الحديث موضوعٌ في بداية العصر العباسي في إطار الصراع على السلطة بين الزيديّة والعباسيين. فمحمد بن عبد الله الحسني، هو اسم محمد بن عبد الله بن الحسن المثنّى بن الحسن بن علي الملقّب بالنفس الزكيّة، وهو أحد أئمة الزيديّة؛ ممّا يؤكّد خطأ معتقد أهل السنّة في المهدي A.

ورغم رمزية القدس، إلّا أنّ النصوص الواردة عن أهل البيت % تؤكّد أنّ عاصمة الإمام المهدي ستكون الكوفة، كما في رواية المفضّل بن عمر عن الإمام الصادق A، قال المفضّل: قلت: يا سيدي فأين تكون دار المهدي أو مجتمع المؤمنين؟ قال A: «دار مُلكه الكوفة، ومجلس حُكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين»[22].

والقول بأنّ عاصمة الإمام ستكون الكوفة لا يعني التخلّي عن القدس، فالإمام سيقاتل الملك اليهودي المسيا أو الدجّال في القدس، وتوجد روايةٌ عن عباية الأسدي قال: سمعت أمير المؤمنين A، وهو متكئٌ، وأنا قائمٌ عليه: «لأبنينَّ بمصر منبرًا، ولأنقضنَّ دمشق حجرًا حجرًا، ولأخرجنَّ اليهود والنصارى من كلّ كور العرب، ولأسوقنَّ العرب بعصاي هذه»، قال: قلت له: يا أمير المؤمنين كأنّك تخبر أنّك تحيا بعد ما تموت؟ فقال: «هيهات يا عباية ذهبت في غير مذهب، يفعله رجلٌ مني»[23]. فالمقصود هنا هو الإمام المهدي وهو الذي سيُخرج اليهود والنصارى من العواصم والمدن العربيّة الكبرى التي يحتلّونها عمليًّا بأشكالٍ متعدّدة.

يريد اليهود اليوم الوصول إلى نقطة بناء الهيكل على أنقاذ المسجد وتغيير الوضع الراهن، وافتعال أسبابٍ لهدم المسجد. ويرى الاستشراق اليهودي تبعًا للمقولات الدينيّة التلموديّة أنّ المنقذ هو (المسيا)، أو (المشيح)، وهو ملك من سلالة النبيّ داود يرسله الله ليخلّص بني إسرائيل من الظلم والشتات، ويقيم مملكة العدل الأبديّة في الأرض المقدسة. وفي اعتقادهم أن (الماشيح المنتظر)، أو المسيا، سيحكم العالم ويُعيد سلطان اليهود، فمهمته هي إقامة مملكةٍ دنيويّةٍ تحكم بالعدل، وليس خلاصًا روحيًّا بالضرورة.

وهذا الاعتقاد يحتاج إلى تمهيد الأرض أمامه. والوسائل متعدّدة، منها تفكيك البنية الداخليّة لشعوب المنطقة. ولتحريك ذلك تستخدم المخابرات الأمريكيّة والإسرائيليّة منظماتٍ متطرّفةً في أعمالٍ إرهابيّةٍ مزدوجةٍ داخليّةٍ ضدّ المجموعات المختلفة دينيًّا ومذهبيًّا وعرقيًّا، وخارجية ضدّ مصالح غربيّة من أجل التبرير للغزو والحروب والفوضى وصولًا إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسيّة للمنطقة في إطار مشروع (إسرائيل الكبرى) الذي بات معلنًا الآن.

فالمسألة لا تتعلّق بالمال والثروات فقط، بل تتجاوز ذلك إلى إنشاء أقاليم بدل دول، وموظفين بدل زعماء، ومجتمعات بدل شعوب، ضمن ما يسمّونه بـ(الرؤية الإبراهيميّة الجديدة) التي لا بدّ لها من تهيئة المنطقة لاعادة بناء خريطةٍ جيوسياسيةٍ جديدةٍ، وإدماج الكيان الإسرائيلي في المنطقة وتحويله إلى قوةٍ قياديةٍ فيها بدعمٍ أمريكيّ واسع. وبذلك يتم تذويب الصراع وتختفي صفة الاحتلال.

إنّ ما يقوم به المستشرقون الجُدد أصحاب الخلفيّة الصهيونيّة، بدياناتهم المختلفة، هو محاولة تنزيل نصوصٍ من التناخ على أرض الواقع؛ فهم يعتقدون أنّ المسيح؛ سواء كان يسوع النصارى أو مسيا اليهود، يحتاج تمهيد الأرض لخروجه أو عودته. وفي الوقت نفسه يقدّم ذلك قدرةً أكبر على مراقبة تطوّرات الواقع السياسي مع وجود احتمالٍ لظهور الإمام المهدي A في المنطقة. إنّهم يرون أنّ ظهور الإمام سيكون متقاربًا زمانيًّا مع ظهور المسيح الحقيقي أو الآخر اليهودي.

من الواضح أنّ كلّ الاتجاهات الأيديولوجيّة التي يتمثّلها الاستشراق الجديد تؤدّي إلى الغرق في تأليه الإنسان. وما يحدث هو أنّ إسرائيل باتت تطالب بقيادة العالم بدل الولايات المتّحدة لتصبح القدس عاصمة العالم وليس واشنطن. وهذا ما يحاول المستشرقون الصهاينة من التيار الإنجيلي إيجاد غطاءٍ نظريّ عقائديّ له.

يعتقد النصارى أنّ المسيح هو يسوع الناصري وهو المسيح المنتظر، وهو عندهم ربٌّ وإله. ولا يعترفون باسمه القرآني (عيسى)، وكونه نبيًّا ورسولًا من الله إلى بني إسرائيل. وبالمقابل لا يرد اسم (يسوع) في القرآن، ولا في حديث النبي J. وهم يعتقدون أنّ المسيح A سيعود في المجيء الثاني ليتمم النبوّات، ويحقّق العدالة، ويقيم ملكوت الله على الأرض. فهو من سيحكم العالم. وقد جاء فعلًا في المرة الأولى ليخلّص البشريّة من خطاياها. 

وفي المقابل، تؤكّد النصوص القرآنيّة والروايات المأثورة أنّ الصراع، الذي سيحسم لصالح الإسلام تحت قيادة الإمام المهدي A، هو في ظاهره صراعٌ بين الديانات السماويّة. لكنّه في الحقيقة صراعٌ بين خطين متضادين، يقف المهدي والمسيح في الخطّ الأول؛ خط الأنبياء، ويقاتلان معًا ممثّلَ خطّ الدجل؛ الملك اليهودي، الذي يتبنّى دينًا آخر يؤمن بمقولات وثنيّة وإلحاديّة.

الاستشراق الجديد والعقيدة المهدويّة

يرتبط الاستشراق الجديد بالهيمنة الأمريكيّة والصهيونيّة العالميّة بنحوٍ مفصليّ. وهو يركز على التمثّلات الثقافيّة والسياسيّة للشرق، مستعملًا أطرًا سياسيّةً مثل (الحرب على الإرهاب)، و(الصراع الطائفي) لتصوير الإسلام بعقيدته المهدويّة مصدر تهديدٍ وجوديّ ليس لإسرائيل فحسب، بل للغرب عامة.

يُعرِّف إدوارد سعيد الاستشراق بوصفه (نظامًا معرفيًّا)[24]، وليس مجرد خطأ معرفي. وهذا يعني أنّ تصوير المهدويّة تهديدًا للغرب والصهيونية ليس جهلًا، بل إنتاج متعمّد لصورٍ متخيّلةٍ تخدم الهيمنة السياسيّة، ممّا يُفسِّر سبب ربط المهدويّة، والإسلام الذي تمثّله، بالإرهاب في الخطاب الغربي رغم أنّها في الأصل عقيدة انتظارٍ وليست عنفًا.

كان المستشرق اليهودي (إغناس غولدزيهر) قد رأى أنّ «فكرة المهدي هي نتاج خرافاتٍ شعبيّةٍ استُخدمت لتبرير الثورات ضدّ الخلافة»[25]. صنّف المهدوية في قائمة الخرافات، مُستعملًا معايير ماديّةً وتلموديّةً لا تؤمن بغير الحسّي. ورأى في المهدوية خيالًا لتهدئة مخاوف الناس عندما كتب: «لا بدّ من تأسيس فكرة الآمال الصامتة لتهدئة روع الناس، ومن أجلى مظاهر فكرة الآمال الصامتة مسألة المهدي»[26].

ووافقه في ذلك المستشرق (فان فلوتن) في كتابه (السيادة العربيّة) حين قال: «ولا يفوتنا أن نذكر أوّلًا أنّ ذلك المثل الأعلى للعدالة والمساواة قد ظلّ وهمًا من الأوهام، حتّى إنّ حاجة الشرقيّين اليوم إلى مهدي يملأ الأرض عدلًا لم تكن أقلّ منها في عهد بني أُميّة، ولم يكن جَوْر النظام العباسي وعسفه منذ قيام الدولة العباسيّة بأقلّ من النظام الأموي المختلّ، فحفّز النفوس إلى التمسّك بعقيدة المهدي، والتطلّع إلى ظهوره، لتخليصها من قسوة ذلك النظام الجديد وجوره»[27].

وهذا ليس صحيحًا كما تؤكّد الوقائع التاريخيّة؛ فالمهدوية عقيدةٌ متواترةٌ في حديث النبيّ ونصوص القرآن. ولو صحّ ما يقوله هذا المستشرق فإنّه ينطبق أيضًا على مسيا اليهود، ويسوع النصارى. لا يؤمن الشيعة وحدهم بظهور الإمام المهدي في آخر الزمان. ويعترف بعض المستشرقين «أنّ السنّة يؤمنون أيضًا بالمهدي، ولكن ليس عقيدةً دينيّة»[28].

لا تحمل المهدويّة بُعدًا دينيًّا فحسب بل إنّ لها بُعدًا سياسيًّا مؤكّدًا. إنّ الإمام هو من سيبني دولةً عالميّةً قائمةً على تعاليم الإسلام في معتقداته وتشريعاته وقيمه وثقافته في الرؤية الإسلاميّة. لكن الاستشراق الجديد يحاول اتّهام هذا الدين الحركي الذي تعبّر عنه عقيدة المهدويّة بالعنف والإرهاب. والحقيقة أنّ الإسلام كان دائمًا ضحيةً للعنف، ولم يكن بإمكانه سوى الدفاع المشروع عن نفسه. وعندما يتم طرح فكرة (الديانة الإبراهيميّة الجديدة) اليوم، وعدّها دعوةً للسلام، فإنّ ذلك لا يتطابق مع الواقع الذي يصم إسرائيل بالإبادة الجماعيّة كما أكدت ذلك (محكمة الجنايات الدوليّة).

 تبرز النصوص الإسلاميّة الأبعاد القيمة للحركة المهدويّة بوصفها دعوة سلامٍ ووحدة، ومؤسّسة لنظامٍ قائمٍ على العدالة في الحكم والمساواة أمام القانون، بنحوٍ تنتفي أيّة تحيّزاتٍ لصالح الطبقات المخملية على حساب الفقراء والمستضعفين.

وبحسب تقييمات أمريكيّة، فإنّ «المهدويّة ليست مجرد عقيدة، بل أصبحت رمزًا للتمرّد الشيعي في الخطاب الأمريكي بعد 2003»[29]. كانت المهدوية عقيدةً سلميةً، لكن السياقات السياسيّة هي التي حوّلتها إلى رمزٍ للتمرّد في الخطاب الغربي، ممّا يبرز القوّة التأويليّة للسلطة، كما لو أنّ «الشرق لا يُسمح له أن يُمثِّل نفسه؛ فالغرب هو من يُنتِج له تمثيله، ويُحدِّد له هويّته»[30].

وهذا يعني محاولة حرمان المسلمين من التعبير عن أنفسهم. فلو قال المسلمون إنّنا ننتظر العدل، فإنّ الغرب يقول على لسانهم ومن خلال جهازه الإعلامي الضخم: (نريد ممارسة الإرهاب)، ممّا يحيل إلى الهيمنة الثقافيّة للغرب. باتت المهدويّة تستعمل أداةً لإدانة أيّ تحرّكٍ، وعدّه تهديدًا وجوديًّا، حتى لو كان دفاعيًّا[31]. ممّا يعكس سعيًا لإفراغ العقيدة الإسلاميّة من معناها، وتحويلها إلى أداة تخويف.

يرى (ولفريد مادلونغ) أنّ الاعتقاد بالمهدي لم يكن جزءًا من العقيدة السنيّة الأساسيّة، وأنّ بعض الفقهاء السنّة رفضوه تمامًا لعدم التواتر، ويُعدّ تطوّرًا لاحقًا. وهو هنا ربما يشير إلى (ابن خلدون). لكن فاته أنّ روايات المهدي متواترة فعليًا، كما أكّد شيخ الأزهر الأسبق (محمد الخضر حسين) حيث أورود أسماء 27 صحابيًّا رووا أحاديث المهدي، وقال إنّ أكثرها صحيح. ولو صحّ منها حديثٌ واحدٌ فهو كفيل بالحكم بتواترها في المهدي. وقال: «يقول بعض المنكرين لأحاديث المهدي جملة: إنّ هذه الأحاديث من وضع الشيعة، لا محالة. ويرد هذا: بأنّ هذه الأحاديث مرويةٌ بأسانيدها، ومنها ما تقصّينا رجال سنده فوجدناهم عُرفوا بالعدالة والضبط، ولم يتهمه أحدٌ من رجال التعديل والتجريح بتشيّعٍ مع شهرة نقدهم للرجال»[32].

وما قاله (مادلونغ) عن المهدويّة كرّره غيره مثل (عبد العزيز ساشدينا) الذي يعدّ «بعض الروايات المهدويّة تبدو مختلقَةً في القرن الثالث الهجري لأغراضٍ سياسيّة»[33]. وهذه محاولات لإضعاف العقيدة المهدويّة. من الممكن أن تكون هناك بعض الروايات ضعيفة، غير أنّ ذلك لا يؤثّر في تواترها لدى السنّة والشيعة معًا، ولا مجال للتشكيك في صحّة أكثرها وموثوقيتها وصدورها عن النبيّ (صلوات الله عليه وعلى آله)، كما قال الشوكاني، والآبري السجزي، والبرزنجي، والسفاريني، والقنوجي، وغيرهم[34].

تبقى المهدويّة عقيدةً ثابتةً مثل سائر الأصول الاعتقاديّة. فهي جزءٌ من عقيدة الإمامة في القرآن والسنّة، التي من دونها تضيع رسالة الوحي نهائيًّا. إنّ الإمام في الإسلام امتدادٌ لخطّ النبوّة وهو حامل الرسالة بعد النبيّ J. فهو كما قال النبّي «يبيّن لأمتي ما اختلفوا فيه»[35]. تحتاج أيّة أمّةٍ إلى مرجعيّةٍ دينيّةٍ وسياسيّة. فهي ضرورةٌ نظريّةٌ وواقعيّة. وهذا ينطبق على الإسلام الذي حدّد تلك المرجعيّة.

تقدّم المهدويّة رؤيةً للعدل الكوني تتجاوز الطائفيّة والمذهبيّة. فهي ذات طابعٍ عالمي، كما هو الإسلام الذي تعبّر عنه وتعكسه في الواقع المتحرّك، وهذا بذاته يعيد المهدويّة إلى جذورها الإنسانيّة المشتركة. ليست المهدوية فكرةً شيعيًةً، وهي ليست حكرًا على الإسلام، بل إنّها حاضرةٌ بعنواناتٍ مختلفةٍ في الأديان والإيديولوجيّات الأخرى.

أراد الاستشراق قلب المهدويّة إلى مجرد إيديولوجيا، وسحب صفة العقيدة منها عبر إنتاج تمثّلات، من أجل إضعاف العقيدة المهدويّة في مقابل تقوية العقيدة المسيانيّة. لكن تلك المحاولة فشلت واستمرت المهدويّة عقيدة كلّ الشيعة، وجزءٍ كبيرٍ من أهل السنّة، رغم محاولات إخفائها وطمسها.

من المهم ملاحظة أنّ المقاومة الما بعد استعماريّة (decolonial) تُعيد المهدويّة السياسيّة إلى بُعدها القيمي في العدالة والحريّة والفضيلة؛ ممّا يُتيح فهمًا أعمق للصراع التاريخي بين الإسلام وخصومه. ليست المهدويّة بدعة، بل هي حقيقةٌ قرآنيّةٌ أشارت إليها آياتٌ كثيرةٌ مثل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]. و﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًاۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]. فهذه الآيات تتحدّث عن مرحلةٍ تاريخيّةٍ لاحقةٍ، إذ إنّ الإسلام لم يعمّ، ولم يصبح قائدًا للحياة وموجّهًا للرؤية في العالم كله حتى اليوم. والإمام المهدي هو العنوان الكبير لتلك المرحلة ومن دونه لا تتحقّق.

إنّ الاستمراريّة التاريخيّة، للعقيدة المهدويّة تدحض فكرة أنّ (المهدويّة الجديدة) اختراع. وهذا يؤكّد الشرعيّة الذاتية للخطّ الإسلامي، ومقولة الإمامة في مواجهة الاستشراق وأتباعه من الحداثيين.

المماثلة بين المهدي والمسيا

يجادل مفسّرون إنجيليّون معاصرون من مستشرقين وقساوسة بأنّ المهدي المنتظَر في الإسلام هو الدجّال، أو عدو المسيح في العقيدة المسيحيّة. فهم يفّسرون النبوءات الإسلاميّة حول المهديA، مثل قيادته جيشًا إسلاميًّا وإقامته دولة عالميّة، بأنّها تتوافق مع (الأوصاف الكتابيّة للدجّال). وتأتي هذه الفكرة بسبب رهاب الإسلام، أو الإسلاموفوبيا، وتستند إلى رؤيةٍ سلبيّةٍ للنبوءات الإسلاميّة، يتم فيها تشويه الإمام المهدي وتحويله من شخصيّةٍ خلاصيّةٍ في الإسلام إلى شخصيّةٍ شريرةٍ في العقيدة الكنسيّة.

نشأت هذه الفكرة من خلط بين العقائد، حيث يُنظر إلى الشخصيّات الخلاصيّة في الديانات الأخرى من منظور العقيدة الكنسيّة. لكن الأحاديث النبويّة الصحيحة في الإطار الإسلامي تميّز بوضوحٍ بين المهدي والدجّال. فالأحاديث تصف المهدي بأنّه الإمام الأخير الذي يصلي خلفه المسيح، بينما تصف الدجال بأنّه شخصيّةٌ شريرةٌ ومخادعة. وفي النصوص الإسلاميّة يقود الإمام والمسيح المؤمنين لقتال الدجال وهزيمته. وهذا التمايز بين المهدي وعيسى والدجّال يوضح أنّهم شخصيّاتٌ مختلفة، وأنّ المهدي وعيسى يمثّلان الخير، ويمثّل الدجّال الشر.

تؤكّد النصوص الإسلامية أنّ المهدي سيملأ الأرض عدلًا وقسطًا بعد أن مُلئت جورًا وظلمًا. وهذه المهمة تتناقض تمامًا مع دور المسيح الدجّال الذي يأتي بالفتنة والشر، ويستعمل السحر والشعوذة، ويدّعي النبوّة، ثم الألوهيّة. وادّعاء الألوهيّة أو نسبتها للدجّال تماثل نسبة الألوهيّة للمسيح لدى الكنيسة؛ ممّا يسهّل وقوعهم في شرك الدجّال. ولعلّ الأمر كان محسوبًا منذ البداية عندما نسب بولس والكهنة الألوهيّة للمسيح ابن مريم.

 ورغم هذه الاختلافات الجوهريّة، يطرح مستشرقون إنجيليّون فكرة المماثلة بين الإمام المهدي والمسيا (الدجّال). وهم لا يسمون الإمام بالملك اليهودي، ولا السامري، ولا المسيا اليهودي، بل (عدو المسيح Antichrist)، و(الدجّال). وهذا مفهومٌ في واقع التحالف اليهودي النصراني في الغرب خاصّة، وفي العالم كلّه عامة.

نجد لدى المستشرقين الإنجيليين مثل جويل ريتشاردسون (Joel Richardson) ـ وهو كاتبٌ وباحثٌ مسيحيٌّ إنجيليٌّ أمريكيٌّ في نبوءات نهاية الأزمنة أو الاسخاتولوجيا، ومؤلّف عدة كتب حول الشرق الأوسط والإسلام ـ آراءً تربط بين الإمام المهدي وبين عدو المسيح، أو الدجّال الموصوف في الكتاب المقدّس.

يدّعي ريتشاردسون أنّ المهدي ليس منقذًا إلهيًّا، بل هو الشخصيّة الشريرة الرئيسة التي ستظهر في آخر الزمان لتفرض نظامًا عالميًّا إسلاميًّا قمعيًّا، يحارب المسيحيين واليهود، قبل أن يُهزم على يد يسوع المسيح الحقيقي. وهذا الرأي جزءٌ من تفسيره التشاؤمي للنبوءات الكتابيّة، حيث يرفض الفكرة التقليديّة عن (الإمبراطوريّة الرومانيّة المُعاد إحياؤها)، ويقترح بدلًا من ذلك (إمبراطوريّة إسلاميّة مُعاد إحياؤها) أساسًا لمملكة الدجّال[36].

يزعم ريتشاردسون أنّ الإمام المهدي هو بالضبط الدجّال الكتابي (ضدّ المسيح)، حيث يقول إنّ الوصفين يتطابقان في الظهور المفاجئ، والسلطة العالميّة، والحرب على إسرائيل، والدولة العالميّة[37]. تحوّل (المسيح الإسلامي) عنده إلى (نبيٍّ كاذب)؛ لأنّ عيسى ابن مريم يساعد المهدي في الروايات الإسلاميّة، ويصحّح أخطاء الكنيسة كما هي عقيدة الصلب والتثليث، ويقتل المسيا اليهودي، ويدعو العالم إلى الإسلام، وهذا كلّه ضدّ المعتقدات الكنسيّة الموروثة عن بولس والكهنة المؤسسين، وضد تبنّي الكنسية البروتستانتية المعتقد اليهودي بخصوص أحداث نهاية الأزمنة.

يقول (ريتشاردسون) إنّ الإمام سيقيم مملكةً إسلاميّةً عالميّة، تُفرض بالجهاد، وتُذبح فيها المقاومة النصرانيّة. وهذا يتطابق، في ظنّه، مع ما نجده في سفر الرؤيا: «وأُعْطِي أن يصنع حربًا مع القديسين ويغلبهم، وأُعطي سلطانًا على كلّ قبيلةٍ ولسانٍ وأمّة. فسيسجد له جميع الساكنين على الأرض، الذين ليست أسماؤهم مكتوبةً منذ تأسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذبح»[38]. إنّه يرى أنّ المهدي هو زعيم الثورة العالميّة التى سيكون عليها النظام العالمى الجديد، والذي سيكون أساسها دين الإسلام، و»هذا إنكارٌ مباشرٌ لإله الكتاب المقدّس وابنه يسوع»[39].

لكنه يعتقد أنّ المهدي، في النهاية، يُهزم على يد يسوع الحقيقي بحسب التصوّر الكنسي الإنجيلي، في معركة هرمجدون. فهو يقلب القصة كما ثبتتها النصوص الإسلاميّة، ليصبح المهدي مسيحًا دجّالًا، والدجّال مسيحًا حقيقيًّا، والمسيح نبيًّا كاذبًا!

لم تختلف نظر المستشرق والقس الأمريكي للإسلام عن نظرة الاستشراق التقليدي عامة، فالنبيّ الخاتم J ليس نبيًّا، والقرآن ليس وحيًّا، والمهدي ليس إمامًا مخلّصًا. بل إنّ الإسلام في تلك الرؤية قوةٌ شريرةٌ رئيسةٌ في نهاية الأزمنة. وهو يستشهد بصعود الجماعات السلفية مثل تنظيم القاعدة ونتنظيم الدولة (داعش)، وحديث المسلمين، الشيعة خاصّة، عن قرب ظهور المهدي A، ويحذّر من أنّ هذا ليس بعيدًا، ويُشجّع على أهميّة فهم الإسلام من أجل إنجاح العمل التبشيري الكنسي.

ولا غرابة أن يجد هذا الموقف في الدوائر الإنجيليّة قبولًا واسعًا، رغم أنّه تعرّض في مواقع أخرى إلى الانتقاد بوصفه دعايةً إسلاموفوبيّةً ومبالغاتٍ في إسقاط نصوصٍ دينيّةٍ كنسيّة على الواقع، وتجاهلًا للاختلافات الجوهريّة والعميقة بين المهدي والدجّال، وإهمالًا لحقيقة أنّ الدجّال يسبق المهدي في الخروج والظهور من وجهة نظرٍ إسلاميّة.

ويصف جون ماك آرثر (John MacArthur)، وهو قسٌّ ومستشرقٌ إنجيليّ أمريكي، الإمام المهدي بأنّه عدو المسيح ودجّال؛ لأنّه سيأتي بالشرّ، ويفرض نظامًا عالميًّا إسلاميًّا، مقارنًا بوصف الكتاب المقدّس للدجّال  في رؤيا يوحنّا[40].

يقول ماك آرثر إنّ وصف المهدي هو بالضبط وصف المسيا الدجّال الكتابي، الوحش في سفر الرؤيا. ويضيف: «سيكون المهدي شخصيّةً مسيانيّةً. سيكون من نسل محمّد. سيكون قائدًا لا مثيل له. سيخرج من أزمة اضطراب. سيُسيطر على العالم. سيُؤسس نظامًا عالميًّا جديدًا. سيدمر كلّ من يقاومه. سيغزو دولًا عديدة. سيعقد معاهدة سلامٍ مع اليهود لمدة سبع سنوات. سيغزو إسرائيل ويذبح اليهود. سيؤسّس مقرًّا للعالم الإسلامي في القدس. سيحكم سبع سنوات، ويؤسّس الإسلام دينًا واحدًا. سيأتي على حصانٍ أبيض بقوةٍ خارقة. سيحبّه جميع سكّان الأرض. إذا بدا هذا مألوفًا، فهذا وصفٌ دقيقٌ للمسيح الدجّال في الكتاب المقدّس - بالتأكيد، خطوة بخطوة - المسيح الدجّال في الكتاب المقدّس هو مهديهم. نعلم أنّ الراكب على الحصان الأبيض في رؤيا يوحنا 6 هو المسيح الدجّال؛ يستخدمون هذه الآية لوصف مهديهم. لماذا أقدم لكم كلّ هذا؟ لأنّ وصف المهدي هو بالضبط وصف المسيح الدجّال في الكتاب المقدّس، الوحش المذكور في رؤيا يوحنا 13؛ وإذا بحثت في أيّ نوعٍ من الدراسة، ستجد أنّ جميع التفاصيل تتطابق تمامًا. المسيح الدجّال في الكتاب المقدّس هو منقذ الإسلام وفاتح العالم، الذي يؤسّس مملكةً إسلاميّةً عالميّة». ويضيف: «يسوعنا هو عدوهم؛ عدونا هو مخلّصهم. إنّها خدعةٌ شيطانيّةٌ معكوسةٌ تمامًا». وبخصوص الروايات الإسلاميّة حول قتل المسيح بن مريم للدجّال يقول: «سيحارب يسوع المسلم يسوع الكاذب ويقتله، ويقيم الإسلام إلى الأبد. الحقيقة هي أنّ يسوع الحقيقي سيدمّر المسيح الدجّال والنبيّ الكذّاب، ويقيم مملكته إلى الأبد. هذه هي خدعة الشيطان الكاملة، سيطرة العالم الإسلامي»[41].

ويتفق بعض الكتاب السنّة والمستشرقين الإنجيليين في المماثلة بين الإمام المهدي والمسيح الدجّال، ويقولون عن الإمام المهدي كما تصوّره المدونات الشيعيّة إنّه هو الدجّال، ويعتمدون على ما يزعمون أنّه تشابهاتٌ في الصفات بين المهدي والمشيح المنتظر عند اليهود أو الدجّال في الكتاب المقدّس. وهذا الادعاء يُستعمل غالبًا للنقد الطائفي أو التبشيري، ولا شك في أنّه غير مقبولٍ لدى علماء الشيعة وحتى كثير من علماء أهل السنّة.

والمثال هو كاتب يدعي عبد الله الجميلي. كرّر مقولة التشابه الكبير بين صفات الإمام المهدي عند الشيعة ومسيح اليهود المنتظر الذي يُعدّ الدجّال  Antichrist، أي عدو المسيح ابن مريم أو يسوع في بعض التفسيرات المسيحيّة. يقول: «المتأمّل لصفات المسيح المنتظَر عند اليهود، وصفات المهدي المنتظَر عند الرافضة، يجد أنّ هناك تشابهًا كبيرًا»[42]. ويستشهد برواياتٍ في موسوعة (بحار الأنوار)[43]، مقارنةً بسفر حزقيال في العهد القديم[44]، مثل: جمع الشيعة في الكوفة، الذي يشبه عنده، جمع اليهود في القدس، وإحياء الموتى، والقوة الجسديّة الخارقة لأتباع المهدي.

لا توجد مماثلةٌ في ما ذكره، للتعارض الواضح مع النصوص الإسلاميّة، فالمهدي يحارب الدجّال[45]، ويصلّي خلفه عيسى في المصادر السنيّة نفسها[46]. ولو لم يكن المهدي مختلفًا عن الدجال، فكيف يصلّي خلفه المسيح؟ إنّه ادّعاءٌ يخلط بين الشخصيتين. أما الحكم 7 سنوات، فرواية ضعيفة. وإذا صحت فإنّ السَنة تكون بعشر ليصبح العدد سبعين سنةً كما في رواية عن الإمام الصادق عندما سُئل عن مدة ملك القائم، فقال (عليه السّلام): «سبع سنين، تطول له الأيام حتى تكون السنة من سنيّه مقدار عشر سنين من سنيّكم، فيكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيّكم هذه»[47]. وبشكل عام أغلب الرويات التي تقول إنّ مدّة حكمه أقل من عشر سنواتٍ رواياتٌ ضعيفةٌ، والروايات التي تقول إنّ مدّة حكمه تصل إلى تسعة عشر سنةً أو سبعين سنةً أو ثلاثمئة سنة وتسعًا، شيعيّة[48]؛ لأنّ أقل من عشر سنوات لا يمكن فيها تحقيق مشروعه في تغيير الواقع جذريًّا نحو العدالة وفتح العالم كله ليكون دولةً واحدةً يحكمها الإسلام، ويقودها الإمام. وعدد هذه السنوات يختلف عن سنوات حكم المسيح لدى النصارى أو المشيح لدى اليهود. فاليهود يتحدّثون عن عدة شهور فحسب، هي مدّة حكم ملكهم. ولدى النصارى، يتحدّث سفر الرؤيا عن المملكة الألفية، أي حكم الألف عام، ويقول: «مباركٌ ومقدّسٌ من له نصيبٌ في القيامة الأولى؛ هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم، بل سيكونون كهنة لله والمسيح، وسيملكون معه ألف سنة»[49].

أما حديث أن (لا مهدي إلّا عيسى) فهو حديث ضعيف. ومن الواضح أنّ دوافع ادّعاء أنّ المهدي هو الدجّال طائفيّةٌ مذهبيّةٌ عندما يتعلّق ببعض الكتّاب السنّة، ودينيّةٌ أيديولوجيّةٌ عندما يتعلّق الأمر بالمستشرقين الإنجيليين.

إنّ المسيا اليهودي أو الدجّال الحقيقي هو (ضد المسيح)، وهو الذي يصور في الكتاب المقدّس بالوحش[50]، والقائد الذي يخرج من البحر، بوصفه رمزًا للشعوب، ويحكم 42 شهرًا، أي 3.5 سنوات، لكن (ماك آرثر) يربطها بالسبع سنوات الكلية. ويُعبد كإله، ويفرض نظامًا عالميًّا وعلامة الوحش 666. يحارب النصارى، ويُقيم مملكة شريرة قبل هزيمته على يد المسيح ابن مريم.

لا تشابه بين شخصيّة المهدي والدجّال؛ فالإمام A من نسل النبيّ الخاتم J والمسيح اليهودي يدّعي أتباعه اليهود والبروتستنت أنّه من نسل داوود. والمهدي يظهر في مكة، والدجّال يخرج من البحر عندهم. والمهدي رجلٌ كامل الصفات وجميل الشكل، والدجّال أعور وقصير وسيء الخَلق والخُلق. والإمام وريث الأنبياء، والدجّال رفيق الشيطان. والمهدي يتبعه المسيح، والدجّال يقاتل المسيح. وفي بعض النصوص عن الإمام الرضا A عن رسول الله J: «إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم A فصلّى خلفه، وقال A: إنّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء، قيل: يا رسول الله ثم يكون ماذا؟ قال : ثم يرجع الحقّ إلى أهله»[51].

والدجّال أيضًا لا يحي الموتى، وإنّما يدّعي قتل شخصٍ، ثم إحياءه. وعندما يريد قتله مرةً ثانيةً لا يستطيع[52]، ممّا يدلّ على أنّ ما قام به كان مجرد خدعة، وأنّ الحياة الحقيقية هي من عند الله وحده.

أمّا القوة الجسديّة الخارقة فهي خاصّة بالإمام وشيعته[53]، ولا نصيب للدجال منها. فمن الواضح تلبّس الدجّال بصفات الأنبياء والأولياء لتبرير دجله، وكسب تصديق الناس لهم. وهذا يعني أنّ هذا المسيا يحاول ادّعاء النبوّة، واستعمال السحر لإقناع الناس بنبوّته، وأنّه المسيح الحقيقي لكنّه يفشل في النهاية، ويقتله المسيح بن مريم نفسه.

لا توجد تشابهاتٌ حقيقيّةٌ بين المهدويّة الإسلاميّة والمسيانيّة اليهوديّة، فالمسيا مجرد مخادع يستعمل السحر والدجل وبعض العلوم. ولا صِدام بين الإمام المهدي والنبيّ عيسى بن مريم، بل تعاون وإقرار من المسيح بقيادة الإمام.

يقول ماك آرثر: «في النهاية، سيقول أحدهم: (أنا يسوع). وسيقول آخر: (أنا يسوع). من ستصدق؟ هذا مجرد شكلٍ واحدٍ من هذا الخداع الذي سيظهر في النهاية، وحتى الآن، يخدع الناس. هناك عالمٌ كاملٌ من المسلمين يعتقدون أنّ يسوع ليس هو، وبالتالي يرفضون يسوع الحقيقي. (لا تغترّوا). هناك عالمٌ من المسلمين مُخدوعين بشأن شخص يسوع المسيح. لا يُمكنك قبول ذلك بالقول: (أليس هذا رائعًا، إنّهم يُحبون يسوع؟)، فهم لا يُحبونه. أيُّ يسوعٍ آخر غير يسوع الحقيقي ليس يسوع، وإذا عبدتَ غير يسوع الحقيقي، فأنتَ ملعون».

وهو بذلك يمهّد لإنكار المسيح الحقيقي عيسى بن مرم الذي لم يدّع أبدًا الربوبيّة، وكان آخر أنبياء بني إسرائيل ورسول الله إليهم، وفي المقابل يدعو الناس إلى اتباع الدجّال عند ظهوره؛ لأنّه هو من سيدّعي الربوبيّة، ويدعو الناس إلى عبادته. وهنا يتّحد النصارى عامة، والبروتستانت منهم خاصّة، مع اليهود في تشخيصهم الخاطئ لشخصيّة المسيح، بل قلب الصورة ليصبح الدجّال هو المسيح الحقيقي والمهدي هو الدجّال، بينما يتحوّل عيسى إلى نبيٍّ كاذبٍ أو مجرد شخص خيالي. وهذا سيمثّل امتدادًا لواقع الحال حيث يسير الطرفان اليوم معًا في الخط السياسي والإيديولوجي نفسه.

خاتمة

لم يقطع الاستشراق الجديد مع الاستشراق التقليدي بقدر ما كان تواصلا معه وإضافة لعناصر جديدةٍ تكرّس كراهيّته للإسلام. وافتعال الصِدام مع معتقداته ولا سيّما العقيدة المهدويّة. وسواء كان المستشرقون الجدد يهودًا أم نصارى، فإنّهم يبدون عداء كبيرًا للإسلام والأطروحة المهدويّة. وهم يتحدّثون عن (الإرهاب الإسلامي). ولا يقصدون بذلك فقط الجماعات السلفيّة التي صنعوها لهذا الغرض.

تُخضع الولايات المتّحدة، التي تتبنّى الإيديولوجيا الصهيونيّة، الدراسات الاستشراقيّة الجديدة لسياساتها ورؤيتها الإيديولوجيّة. ولا مكان لأية دراساتٍ علميّةٍ بخصوص الإسلام والتشيّع على نحوٍ خاصّ. فهم يشعرون أنّ الخطر الحقيقي على زعامتهم السياسية للعالم يأتي من الإسلام في نسخته النضاليّة، وليس من أيّة قوى أخرى.

عمل الاستشراق الجديد على تصوير الإمام المهدي مسيحًا دجّالًا. بينما جعل من المسيا اليهودي مسيحًا حقيقيًّا. وهذه الصورة المقلوبة تريد إبعاد الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين عن الإمام المهدي عند ظهوره والمسيح ابن عند عودته، وربط الناس بالمسيا اليهودي والادعاء بأنّه هو المسيح الحقيقي بما أنّه سيدّعي الربوبيّة في النهاية.

غير أنّ الإسلام وضّح الصورة الحقيقيّة لشخصيّاتٍ آخر الزمان، وحذّر من المسيا اليهودي وأكد أنّه هو الدجّال، وقدّم صورةً عن شكله وأفعاله وادّعاءاته، وحذّر من تصديقه وأتباعه. وفي المقابل رسم للإمام المهدي صورةً حسيّةً في شكله وأخلاقه وعلمه ومعارفه وقدراته حتى لا يضيع المؤمنون البوصلة، ويذهبون إلى تكذيبه عند ظهوره. وهذه الصورة كما قدّمها أئمّة أهل البيت % للإمام المهدي خاصّة لا نجدها في المصادر السنيّة، ممّا يمثّل مشكلةً في تشخيصه لدى عامّة الناس في الوقت المناسب.

ورغم أنّ القوى الغربيّة والصهيونيّة تبذل ما وسعها لتشويه صورة الإسلام وإمامه المنتظر، من خلال جماعات الاستشراق الجديد وأتباعهم من كتّاب ومؤرّخين وسياسيين وإعلاميين، إلّا أنّ الوعي بأحقيّة هذا الدين يتوسع ين الناس، ويدرك كثيرٌ منهم أنّ الحقيقة الدينيّة لا يمكن أن تمثّلها تلك القوى التي تمارس التضليل، وترتكب المجازر في مناطق متعددةٍ من العالم.



المصادر والمراجع

أوّلًا: المراجع العربيّة

أحمد حسين يعقوب، حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر، دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2000.

إدوارد سعيد، الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب، دار العلم للملايين، بيروت، 1981.

أفرايم ومناحم تلمي، معجم المصطلحات الصهيونية، ترجمة: أحمد بركات العجرمي، دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث، عمّان، ط1، 1987.

أنتوني رالف إيبرسون، النظام العالمي الجديد، الدار العربية للعلوم - ناشرون، بيروت، 2022.

أوليفييه موس، تيار الاستشراق الجديد والإسلام: من الشرق الشيوعي إلى الشرق الإسلامي، مكتبة الاسكندرية، الاسكندرية، مصر، 2010.

إيمانويل سيفان، قدسية القدس في الإسلام، من خلال بحث زياد أبو زياد: المسجد الأقصى في الإعلام الإسرائيلي، بحث مقدّم إلى مركز الأبحاث الإسلامية، ضمن الأساطير السياسية العربيّة، عم عوفيد، تل أبيب، 1988.

البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار طوق النجاة، بيروت، 1422 هـ.

الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى، سنن الترمذي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998.

الجميلي، عبد الله، المهدي المنتظر عند الشيعة هو المسيح الدجّال، دار الإيمان، الإسكندريّة، 2005.

الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله، المستدرَك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، بيروت، 2002.

حزقيال: الإصحاح 37 (الكتاب المقدّس، طبعة قياسيّة).

الرؤيا 13: 7-8 (الكتاب المقدّس، طبعة قياسيّة).

السجستاني، سليمان بن الأشعث الأزدي، سنن أبي داود، دار الرسالة العالميّة، دمشق، 2009.

الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة، دار المعارف الإسلاميّة، قم، 1411 هـ.

العباد، عبد المحسن بن حمد، عقيدة أهل السنّة والأثر في المهدي المنتظر، مكتبة السنّة، القاهرة، 2000.

الكوراني، علي العاملي، معجم أحاديث الإمام المهدي، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قم، 1991.

المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1983.

محمد الخضر حسين، موسوعة الأعمال الكاملة، دار النوادر، دمشق، 2010.

محمد السماك، الصهيونيّة المسيحيّة، دار النفائس، بيروت، 2004.

محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، مكتبة المعارف، الرياض، 1995.

من قضايا الفكر الإسلامي كما يراها بعض المستشرقين، منشورات كليّة الدعوة الإسلاميّة، ليبيا، 1988.

النيسابوري، محمد بن الحجّاج القشيري، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

الواسطي، أبو بكر محمد بن أحمد، فضائل بيت المقدس، مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية، نيقوسيا، قبرص، ط1، 2010.

الوهيبي، عبد الله عبد الرحمن، حول الاستشراق الجديد مقدمات أولية، آفاق المعرفة، الرياض، 2017.

اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت، 2010.

ثانيًا: المراجع الأجنبيّة

Cole, Juan. Sacred Space and Holy War: The Politics, Culture and History of Shi›ite Islam. I.B. Tauris, London, 2002 .

Goldziher, Ignaz. Muslim Studies. Allen & Unwin, London, 1967 .

MacArthur, John. The Grim Reality of the Last Days. Sermon, https://www.gty.org/sermons/41-66/the-grim-reality-of-the-last-days, March 20, 2011

Ramadan, Tariq. Islam and the Arab Awakening. Oxford University Press, New York, 2012 .

Richardson, Joel. The Islamic Antichrist: The Shocking Truth about the Real Nature of the Beast. WND Books, Los Angeles, 2009 (originally published as Antichrist: Islam’s Awaited Messiah, 2006 .

Richardson, Joel. “The Islamic Antichrist - Examining Islam›s Role in the End Times” (8.5-hour video course, Sessions 3–5 compare the Mahdi to the Beast). i2 Ministries, online, n.d.

Richardson, Joel. Lectures on «Almahdi» as «Antichrist», YouTube videos, n.d.

Richardson, Joel. The Islamic Antichrist. WND Books, Los Angeles, 2009, Chapter 4, (compares Muslim hadith 2933 on Dajjal with Daniel 9:27 in the Bible).

Sachedina, Abdulaziz A. Islamic Messianism: The Idea of the Mahdi in Twelver Shi›ism. State University of New York Press, Albany.1981,

van Vloten, Gerlof. Recherches sur la domination arabe, le chiitisme et les croyances messianiques sous le khalifat des Omayades. Brill, Leiden, 1894.





[1] أوليفييه موس، تيار الاستشراق الجديد والإسلام: من الشرق الشيوعي إلى الشرق الإسلامي، ص5.



[2]  (الإيغو الأمريكي) في الأصل هو مصطلح يشير إلى «علم نفس الأنا »Ego psychology، وهي مدرسة في التحليل النفسي الأمريكي تركز على دور «الأنا»Egoفي الشخصية. يشدد علم نفس الأنا على وظائف الأنا في التعامل مع الواقع، وتحقيق التوافق، وتنظيم الدوافع الداخلية، وليس فقط على الدوافع البدائية كما في النظريات النفسية الأخرى. والمقصود في هذا السياق الغرور الأمريكي.



[3] أوليفييه موس، تيار الاستشراق الجديد والإسلام: من الشرق الشيوعي إلى الشرق الإسلامي، ص5؛  الوهيبي، عبد الله ، حول الاستشراق الجديد مقدمات أولية، ص84 .



[4]  أنتوني رالف إيبرسون، النظام العالمي الجديد،  ص7- 15.



[5]  البخاري، محمد بن إسماعيل، ح1881؛ مسلم، ح2265: “عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من بلدٍ إلا ‌سَيَطَؤُه الدجال إلّا مكّة والمدينة، ليس له من نقابها نَقْبٌ إلّا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج الله كل كافر ومنافق».



[6]  ظ، الكوراني، علي، معجم أحاديث الإمام المهدي، ج3، ص132-150.



[7]   انظر، أفرايم ومناحم تلمي، معجم المصطلحات الصهيونية، ص228-229.



[8] جماعي، من قضايا الفكر الإسلامي كما يراها بعض المستشرقين، ص348.



[9] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج3، ص7-8.



[10]  الواسطي، أبو بكر محمد بن أحمد، فضائل بيت المقدس، ص38.



[11]  الواسطي، أبو بكر محمد بن أحمد، فضائل بيت المقدس، ص42-43.



[12]  المصدر نفسه، ص7-21.



[13]  المصدر نفسه، ص43.



[14]  المصدر نفسه، ص21.



[15] ظ، بحث سيفان، قدسية القدس في الإسلام، من خلال بحث زياد أبو زياد: المسجد الأقصى في الإعلام الإسرائيلي، بحث مقدّم إلى مركز الأبحاث الإسلامية، ص2-3.



[16]  مدراش تانخوما Midrash Tanchuma يذكر نصٌّ في هذا المدراش تشبيهًا يقول فيه: «أرض إسرائيل تقع في وسط العالم، والقدس في وسط أرض إسرائيل، والهيكل في وسط القدس، وقدس الأقداس في وسط الهيكل، والحجر الأساس (Even ha-Shtiyah) في وسط قدس الأقداس، ومنه خُلق العالم». وفي التلمود اليروشليمي مفاهيم مماثلة تؤكّد على المركزية الروحيّة والجغرافيّة للقدس كبوابة للسماوات ومصدر الخلق.



[17]  السمّاك، محمد، الصهيونيّة المسيحيّة، ص65-72.



[18]  السمّاك، محمد، المسيحية الصهيونيّة، ص66-67.



[19]  المصدر نفسه، ص70-72.



[20] هناك رأيان حول بداية الغَيبة الصغرى: أحدهما يربطها بوفاة الإمام الحسن العسكري A، والآخر يربطها بولادة الإمام المهدي A. الرأي الأول (69 سنة): تبدأ الغَيبة من سنة 260 هـ (وفاة الإمام العسكري) وتستمر حتى سنة 329 هـ (وفاة السفير الرابع)، مدتها الإجمالية 69 سنة. الرأي الثاني (74 سنة): تبدأ الغَيبة من يوم ولادة الإمام المهدي سنة 255 هـ، وتستمر حتى سنة 329 هـ (وفاة السفير الرابع)، مدتها الإجمالية 74 سنة وأشهر.



[21]  الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى، سنن الترمذي، 2231. 13؛ السجستاني، سليمان بن الأشعث الأزدي أبو داود، 4282.



[22]  المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج53، ص11.



[23]  المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج53، ص59.



[24]  إدوارد سعيد، الاستشراق، ص6.



[25]  غولدزيهر، دراسات إسلامية، ص205.



[26] غولدتسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ص85.



[27] فلوتن، السيادة العربيّة والشيعة والإسرائيليّات في عهد بني أُميّة، ص132.



[28] غولدتسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ص195.



[29]  Nadi hashimi, Islam and the Arab Awakening, p .97.



[30]  إدوارد سعيد، الاستشراق، ص21.



[31] Cole, Juan: Sacred Space and Holy War: The Politics, Culture and History of Shi’ite Islam. I.B. Tauris, London, 2002, p178.



[32]  محمد خضر حسين، موسوعة الأعمال الكاملة، ج1، ص168-170.



[33]  Sachedina: Abdulaziz A. Islamic Messianism: The Idea of the Mahdi in Twelver Shi›ism, pp 1-10.



[34]-العباد، عبد المحسن، عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر، ص132.



[35]  عن أنس بن مالك، أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال لعليّ: «أنت تبيّن لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي». قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». الحاكم النيسابوري، المستدرَك على الصحيحين، ج4، ص90، ح4678.



[36] Richardson, Joel: The Islamic Antichrist: The Shocking Truth about the Real Nature of the Beast. WND Books, 2009 (originally published as Antichrist: Islam’s Awaited Messiah, 2006); available on Amazon, Goodreads, and Google Books.



[37] Richardson, Joel. “The Islamic Antichrist - Examining Islam’s Role in the End Times” (8.5-hour video course, Sessions 3–5 compare the Mahdi to the Beast). i2 Ministries, https://resources.i2ministries.org/products/the-islamic-antichrist-examining-islams-role-in-the-end-times.



[38]  الرؤيا، (الكتاب المقدّس، طبعة قياسيّة)، 13: 7-8.



[39]  جويل ريتشاردسون، الدجّال الإسلامي، الفصل4، ص89-112. وهو يقارن بين حديث مسلم، رقم 2933 عن الدجّال، ودانيال 9:27 في الكتاب المقدّس.



[40] ظ، محاضراته عن (الدجّال الإسلامي) بوصفه (ضد المسيح)، فيديو على يوتيوب، 2025.



[41] https://www.gty.org/sermons/41-66/the-grim-reality-of-the-last-days.



[42]  الجميلي، عبد الله، المهدي المنتظر عند الشيعة هو المسيح الدجال، ص 45-67.



[43]  المجلسي، محمد باقر،  بحار الأنوار، ج52، ص291 و337.



[44] حزقيال، الإصحاح 37.



[45] البخاري، محمد بن إسماعيل، ح7127.



[46]  الألباني: السلسلة الصحيحة، ح2293.



[47]  الطوسي: الغَيبة، ص283.



[48]   الغَيبة، م. ن، ص283 284.



[49]   الرؤيا 20: 6-7.



[50]   رؤيا 13: 1-10.



[51] المجلسي: بحار الأنوار، ج 53، ص 59. الألباني، محمد ناصر الدين، السلسلة الصحيحة، ح 2293.



[52]  البخاري، محمد بن إسماعيل، ح 1882، ومسلم، ح 2938.



[53] بحسب الروايات، فإنّه عندما يقوم الإمام المهدي A، فإنّ المؤمنين سيُعطون قوة جسديّة وروحية هائلة. وهذا التحوّل سيشمل أيضًا إزالة العاهات وزيادة قوتهم المعنويّة وشجاعتهم، ليكونوا أقوى وأكثر تحملًا، وسيشعرون باكتمال إيمانهم: «يعطي المؤمن قوة أربعين رجلًا»، و«يؤيّده الله بملائكته ويعصم أنصاره»، و«كأنّي بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين فليس من شيء إلّا وهو مطيع لهم، حتى سباع الأرض، وسباع الطير يطلب رضاهم في كلّ شيء، حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول مرّ بي اليوم رجلٌ من أصحاب القائم». و«..إنّكم مؤمنون ولكن لا تكملون إيمانكم حتى يخرج قائمنا، فعندها يجمع الله أحلامكم فتكونوا مؤمنين كاملين». أحمد حسين يعقوب، حقيقة الاعتقاد بالامام المهدي المنتظَر، ج1، ص244.