الباحث : د. عبد الکریم حسن پور
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 37
السنة : شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : February / 3 / 2026
عدد زيارات البحث : 34
الملخّص
تُعدّ التوقیعات من أهمّ وسائل الاتصال التي استعملها الأئمةُ المعصومون % في تواصلهم مع أتباعهم خلال الفترات التي كان فيها الوصول المباشر إلى الإمام متعذّرًا. وقد أدّت هذه التوقيعاتُ دورًا جوهريًّا في توجيه المجتمع الشيعي، كما اعتُمدت بوصفها مصادرَ موثوقةً في استنباط الأحكام الفقهيّة، فخلال الغَيبة الصغرى كانت الأسئلة العلميّة والعَقَديّة والفقهيّة تُدوَّن في رسائل يُرسلها الشيعة إلى الإمام المهديّ عبر نوّابه الأربعة، ليرد الإمامُ ردوده عليها في صورة توقيعاتٍ مذيّلةٍ بأجوبته، ومن ثم تُعاد إلى أصحابها بوساطة النواب.
تهدف هذه الدراسةُ إلى تسليط الضوء على مكانة التوقيعات الفقهيّة للإمام المهدي ضمن المنظومة الفقهيّة الإماميّة، وبيان دورها في عمليّة الاجتهاد وتطوّر الفقه الشيعيّ، من خلال جمع هذه التوقيعات وتحليل مضامينها، ولا سيَّما أنَّ بعضها صيغ بألفاظٍ مبهمةٍ نظرًا للظروف الأمنيّة المحيطة بها.
تكشفُ نتائجُ البحث أنَّ التوقيعاتِ الفقهيّةَ للإمام المهديّ لم تقتصر على العبادات، بل امتدّ تأثيرُها إلى القضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة والقضائيّة، حيث استُند إليها في مسائلَ كالحُكم بالخُمس، والوقف، والمعاملات، والأحوال الشخصيّة؛ ممّا جعلها مرجعًا فقهيًا مُعتبَرًا في الفتوى والاستنباط، كما تُظهر الدراسةُ أنَّ هذه التوقيعات، إضافةً إلى دورها في ربط المجتمع الشيعيّ بالمرجعيّة الدينيّة، أرستْ أُسسًا رصينةً لاستمرار عمليّة الاستنباط الفقهيّ في عصر الغيبة، وأسهمت بشكلٍ ملحوظٍ في تطوّر الفقه الإماميّ، ولا تزالُ تُعدّ من المصادر المعتمدة في الاجتهاد والاستنباط الفقهيّ الإماميّ.
الكلمات المفتاحيّة:
التوقيعات الفقهيّة، الإمام المهدي، الفقه الإماميّ، الغَيبة الصغرى، الاجتهاد، استنباط الأحكام.
المقدّمة
دراسة المسار التاريخيّ لتبليغ معارف أهل البيت % تُظهر أنَّ الجزء الأكبر من هذه الجهود العلميّة تحقّق من خلال وسائل متعدّدة، أبرزها جلسات السؤال والجواب، والمناظرات العلميّة، والندوات الفكريّة، إلى جانب الاستفسارات والاستفتاءات الكتابيّة التي كان يرفعها شيعة أهل البيت إلى أئمتهم. هذه الوسائل كانت تشكّل الأسس الرئيسية لنقل المعارف الدينيّة والفقهيّة، حيث كانت القضايا الشرعيّة والفكريّة تُطرح وتُسجل الإجابات عليها بشكلٍ كتابيّ أو شفهيّ؛ ممّا أسهم في تعزيز الفهم العميق لتعاليم أهل البيت % في تلك الحقبة.
لكن مع تصاعد التحديات السياسيّة والاجتماعيّة في حقبتي إمامة الإمام علي الهادي، والإمام الحسن العسكري C، أصبحت وسائل التواصل المباشر بين الأئمة وشيعتهم شديدة الصعوبة، ومع اتّساع المسافات الجغرافيّة وزيادة المناطق النائيّة التي كان يقطنها أتباع أهل البيت، أصبحت ضرورة تبنّي أسلوبٍ تواصليٍّ بديلٍ أمرًا ملحًا؛ ومن هنا أصبح الأسلوب الكتابي هو الخيار الوحيد والأساسيّ للتواصل بين الإمام وشيعته، حيث تمحورت من خلاله تبادلات المعارف والاستفتاءات الشرعيّة بين الطرفين، فكان الإمام يكتب الإجابات على الأسئلة تحت النصوص أو في هامشها، وأصبح هذا الأسلوب يُعرف بـ (التوقيع)، وهو مصطلح يعكس الطابع الرسميّ والشرعيّ لهذه المراسلات.
إنّ انتشار هذا الأسلوب من المراسلات الكتابيّة والتوقيع من قبل الأئمّة %، الذي بدأ في حقبة إمامة الإمام الهادي والإمام العسكريّ C ترك أثرًا بالغًا في تاريخ الفكر الشيعيّ؛ فقد أسهم بنحوٍ كبيرٍ في بناء منظومةٍ فقهيّةٍ وفكريّةٍ متكاملة. ومع بداية الغَيبة الصغرى للإمام الحجّة ابن الحسن المهدي ، أصبح هذا النموذج أسلوبًا شائعًا ومعروفًا بين الشيعة؛ ممّا جعله الأداة الأساسيّة للتواصل مع الإمام خلال غَيبته، حيث كان الوصول المباشر إليه مستحيلًا.
من الواضح أنَّ التحديّات الكبيرة التي شهدتها فترة الغَيبة الصغرى، ومن أبرزها صعوبة التواصل المباشر مع الإمام، وكذلك فترات الانقطاع الطويلة في صدور التوقيعات التي تراوحت بين 10 إلى 25 عامًا، أدّت بطبيعة الحال إلى تقليص حجم المراسلات والأسئلة الموجَّهة إليه، مقارنةً بالفترات التي كان فيها التواصل المباشر ممكنًا وميسورًا؛ وبناءً على ذلك، فإنَّ ما ورد في المصادر الحديثيّة الشيعيّة الأوليّة كـ(الكافي، وكمال الدين، والإرشاد، والغَيبة للطوسي، والاحتجاج للطبرسي)، فضلًا عن الموسوعات المتأخّرة مثل (بحار الأنوار، وسائل الشيعة، والوافي، ومستدرك الوسائل)، من توقيعاتٍ تتعلّق بمسائل عَقَديّةٍ، فقهيّةٍ، أخلاقيّةٍ واجتماعيّةٍ، لا يتجاوز المائة توقيع.
ومع أنّ هذا الكمّ الوارد قد يبدو في ظاهره منسجمًا مع طبيعة التحدّيات التي اتّسمت بها تلك المرحلة، إلّا أنّه يظلّ دون المستوى المنتظَر إذا ما نُظر إليه في سياق الامتداد الزمني للغَيبة الصغرى، التي استمرّت نحو 69 عامًا، وهي مدّةٌ طويلةٌ تُحتّم — رغم جميع الموانع — توقّع وجود كمٍّ أكبر من المراسلات والأسئلة المتبادلة بين الإمام وشيعته؛ وعليه، يمكن تفسير هذا التفاوت بما يُحتمل من ضياع قسمٍ من تلك المراسلات بمرور الزمن، أو بعدم تدوينها أصلًا في المصادر التي وصلت إلينا.
بیان المسألة
تُعدّ فترة الغَيبة الصغرى مرحلةً مفصليّةً وحسّاسةً في تاريخ الفكر الشيعيّ، حيث شهدت تغيّرًا جوهريًّا في طبيعة العلاقة بين الإمام والمجتمع الشيعيّ. إذ انتقل التواصل من الحضور المباشر إلى الوسائل غير المباشرة عبر وكلاء الإمام. هذا التغيير الذي طال أمده حوالي 69 عامًا، أوجد فجوةً في إمكانيّة الوصول المباشر إلى الإمام لطرح الأسئلة العَقَديّة والفقهيّة، خاصّة تلك المتعلقة بالتكاليف العباديّة والواجبات الدينيّة اليوميّة التي كان الشيعة في حاجةٍ ماسّةٍ إلى معرفة حكمها الشرعي من الإمام نفسه.
وفي هذه الظروف، أصبح من الضروري إيجاد آلياتٍ بديلةٍ للتواصل مع الإمام، حيث برز التواصل الكتابي كأداة حيويّة وفعّالة. من خلال هذه الوسيلة، كانت تُوجّه الأسئلة المتعلقة بمسائل الشريعة والعبادات إلى الإمام أو نوّابه الموثوقين، ويُكتب لها إجاباتٌ رسميةٌ تُعرف بالتوقيعات. ومن ثَمَّ، أصبحت هذه التوقيعات مصدرًا بالغ الأهميّة في بناء الفقه الشيعيّ وتطويره خلال تلك المرحلة، حيث كانت تشكّل المرجعيّة الأساسيّة التي يستند إليها علماء الشيعة في استنباط الأحكام الشرعيّة وتوجيه الفتاوى.
في هذا السياق، يطرح هذا البحث تساؤلًا حول كيفيّة تأثير توقيعات الإمام في تطوير الفقه الشيعيّ في فترة الغَيبة الصغرى، ومدى استفادة الفقهاء من هذه التوقيعات في استنباط الأحكام الشرعيّة وتوجيه الأمّة في القضايا الدينيّة المعقّدة التي كانت تثار في تلك الحقبة.
الضرورة والأهداف
تكمن أهميّة البحث في التأكيد على أنَّ الفقه الشيعيّ لم يتوقف أو يتجمّد خلال مدّة الغَيبة الصغرى، بل استمرّ في تطوّرٍ مستمرٍّ من خلال التوقيعات الشرعيّة التي كانت تُرسَل من الإمام أو نوّابه. في هذه المدّة، استطاع الفقه الشيعيّ التكيّف مع التحديّات الجديدة التي فرضتها الغَيبة، مع المحافظة على أصالته المرتكزة على تعاليم أهل البيت %.
تهدف هذه الدراسة إلى إبراز دور التوقيعات الفقهيّة في استمرار تطوّر الفقه الشيعيّ وتكيّفه مع الظروف التاريخيّة، ممّا يعكس قدرة الاجتهاد الشيعيّ على المحافظة على أصالته وفي الوقت نفسه التفاعل مع مستجدات العصر.
تحليل نطاق الموضوعات في التوقيعات الفقهيّة
صدر جانبٌ واسعٌ من مضامين التوقيعات الفقهيّة في عصر الغَيبة الصغرى استجابةً لأسئلةٍ متعدّدةٍ وجّهها الشيعة في أبوابٍ فقهيّةٍ متنوّعة، شملت الطهارة، والصلاة، والصوم، والحج، والشهادات، والقضاء، والوقف، والمعاملات، والخمس، والصدقات، والنكاح، والمسكرات، وزيارة قبور الأئمّة%، واستخارة ذات الرقاع، وتسبـيح الزهراء (عليها السلام)، وغيرها. غير أنَّ النسبة الأعلى من هذه الأسئلة انصبت على موضوع الصلاة بأبعاده المختلفة، من مواقيتها وشروط لباس المصلّي ومكانه، إلى أحكام صلاة الجماعة والنوافل وسائر تفاصيلها.
إنَّ تحليل هذا التراث من الأسئلة والأجوبة يكشف عن معطياتٍ مهمّةٍ تتجاوز حدود المتن الفقهيّ، وتعبّر عن ملامح فكريّةٍ واجتماعيّةٍ خاصّةٍ بالمجتمع الشيعيّ آنذاك. ويمكن الوقوف على أبرز هذه الملامح من خلال المحاور التحليليّة التالية:
الولاء والانقياد للإمام المعصوم
من خلال الأسئلة المتنوّعة التي كان الشيعة يرفعونها إلى الإمام، تجلّى حرصُهم العميقُ على تلقّي المعلومات الدينيّة والفقهيّة من الإمام المعصوم. وتُعدّ هذه الظاهرة من أبرز الخصائص المميّزة للمجتمع الشيعيّ في عصر الغَيبة الصغرى؛ لما تعبّر عنه من وعيٍ منهجيٍّ راسخٍ بمكانة الإمام المعصومA بوصفه المصدر الأصيل للتشريع والمرجعيّة الدينيّة في الفكر الإماميّ.
ورغم البُعد المكاني الملحوظ الذي كان يفصلهم عن أئمتهم، حافظ الشيعة[1] حتى في زمن غيبة الإمام المهدي، على حرصهم على التواصل مع الإمام المعصوم، وتلقّي أجوبة أسئلتهم أو شبهاتهم الدينيّة من مصدر الإمامة نفسه. إنّ هذا الإصرار على الرجوع إلى الإمام المعصوم في أخذ التعليمات والأحكام الشرعيّة، يُبرز الصلة الوثيقة بمفهوم (الولاية) بوصفها المحور الأساس في الفقه الشيعيّ، ويكشف عن منظومةٍ عَقَديّةٍ ودينيّةٍ خاصّةٍ عمادها أنّ الإمام المعصوم المرجع الأصيل في تحديد الواجبات الشرعيّة والفقهيّة لدى الشيعة.
إنَّ استقراء طبيعة الأسئلة الفقهيّة الواردة في التوقيعات يُبرز مظهرًا لافتًا من مظاهر الالتزام العقديّ والفقهيّ لدى المجتمع الشيعيّ، الذي يتمثّل في الإصرار على استمداد الحكم الشرعي من الإمام المعصوم بوصفه المصدر الحصري لذلك. فلم تكن هذه الأسئلة تعبّر عن حاجةٍ فرديّةٍ لمعرفة الحكم فحسب، بل كانت تعكس توجّهًا جمعيًّا ممنهجًا يعكس مستوى عاليًا من الوعي بأصالة المرجعيّة المعصومة ومكانتها الفريدة في منظومة الاستنباط والتشريع.
ففي الوقت الذي كان فيه الشيعة يعيشون حالة انقطاعٍ ظاهريّ عن الإمام المعصوم، کان الرجوع إلى الفقهاء والنوّاب أمرًا معروفًا أسَّسه الأئمّة السابقون ولا سيّما الإمامان الهادي والعسكريّ C، في سياقٍ يمكن عدّه تمهيدًا عمليًّا لمواجهة فترة الغَيبة، حيث شُكّل هذا التنظيم الدقيق لمؤسسة النيابة الخاصّة للحفاظ على قناتهم في تلقّي الأحكام الشرعیّة. وهذا السلوك لا يدلّ على تعلّقٍ عاطفيٍّ أو رمزيٍّ بالإمام فقط، بل ينبع من تصوّرٍ دينيّ راسخٍ يجعل الإمام المعصوم جزءًا لا يتجزأ من البنية المعرفيّة الدينيّة، ومصدرًا لا غنى عنه في ضبط التكاليف والتشريعات؛ لذا فإنّ طبيعة الأسئلة وتنوّعها ودقّتها، تشهد بوضوح على مركزيّة (الولاية المعصومة) في الوعي الفقهيّ الشيعيّ، وارتباط هذه الولاية بالعمل الاجتهاديّ الذي يُبنى لاحقًا على مضامين تلك التوقيعات.
الاهتمام بحفظ حياة الإمام A وشيعته
كما أشرنا سابقًا، فإنَّ التوقيعات الفقهيّة التي صدرت خلال الغَيبة الصغرى تُعدّ وثائق فقهيّةً بالغة الأهميّة؛ نظرًا للظروف السياسيّة والأمنيّة الحرجة التي أحاطت بالإمام المهدي وشيعته آنذاك. وهو ما فرض صياغةً دقيقةً للأسئلة والأجوبة الفقهيّة، مع مراعاة الجانب الأمني في ظلّ الملاحقات والضغوط العباسيّة المستمرّة، ولا سيّما تجاه شبكة الوكلاء.
في هذا السياق، كان الشيعة في مراسلاتهم يتجنّبون ذكر اسم الإمام بشكلٍ مباشر، ويعوضون عن ذلك بتعبيراتٍ رمزيةٍ مثل (الناحية)[2]، و(الرجل)، و(صاحب الزمان)[3]، و(صاحب الدار)[4]، و(الغريم)[5]، تجنّبًا لجذب انتباه السلطة الحاكمة[6]. وقد قام السفراء الأربعة[7] الذين مثّلوا الواسطة بين الإمامAوبين الشيعة إبّان الغيبة الصغرى، بدورٍ كبيرٍ في حماية هذه الرسائل؛ حيث كانوا يحرصون على عدم الكشف عن هويّة الإمام أو حتّى مجرّد الاشتباه في ارتباطهم به[8]. في حال تم اكتشاف أيّ تهديدٍ أو محاولةٍ لاختراق هويّتهم، كانوا يتّخذون إجراءاتٍ حاسمةً وسريعةً للحفاظ على السريّة. منها ما نقله الشیخ الطوسي بقوله: "قالَ أبونَصرٍ هِبَةُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَني أبُوالحَسَنِ بنُ كِبرِياءَ النَّوبَختِيُّ، قالَ: بَلَغَ الشَّيخَ أبَا القاسِمِ (رضي الله عنه) أنَّ بَوّابًا كانَ لَهُ عَلَى البابِ الأَوَّلِ قَد لَعَنَ مُعاوِيَةَ وشَتَمَهُ، فَأَمَرَ بِطَردِهِ وصَرفِهِ عَن خِدمَتِهِ، فَبَقِيَ مُدَّةً طَويلَةً يَسأَلُ في أمرِهِ فَلا وَاللَّهِ ما رَدَّهُ إلى خِدمَتِهِ، وأَخَذَهُ بَعضُ الأَهلِ فَشَغَلَهُ مَعَهُ، كُلُّ ذلِكَ لِلتَّقِيَّةِ"[9].
أما إجابات الإمام فكانت تُكتب بعنايةٍ شديدةٍ أيضًا؛ لتقليل المخاطر الناجمة عن اكتشاف هذه الرسائل من قبل الأعداء؛ ولهذا كانت التوقيعات في بعض الأحيان تحتوي على درجةٍ من الغموض، أو تُظهر تعارضًا ظاهريًّا مع بعض الأدلّة الفقهيّة الأخرى[10]، فإنَّ هذا الغموض كان جزءًا من التدابير الاحتياطيّة التي اتّبعها الإمام ووكلاؤه لتجنّب أيّ تهديديٍّ قد یطال الشيعة، أو یضرّ بشبكتهم.
علاوةً على ذلك كانت طرق نقل الرسائل داخل شبكة الشيعة تتم بحذرٍ شديد، حيث كان العديد من المرسلين لا يعلمون محتوى الرسائل التي يحملونها أو هويّة المستلمين، وكانوا يتّبعون فقط التعليمات الشفويّة التي يتلقّونها من السفراء، وحتى المحدّثون مثل الكليني ــ الذي نقل مجموعةً من الأحاديث حول ولادة الإمام المهديّ ــ كان يتجنّب ذكر اسمه بشكلٍ صريحٍ في كثيرٍ من الأحيان، حيث كان يشير إليه باستعمال ضمائر أو تعبيراتٍ مثل رجل، وصاحب، وغريم.[11] وعلى الرغم من وجوده في بغداد خلال مدّة سفارة بعض وكلاء الإمام، كان الكليني يتجنّب نقل التوقيعات أو الأحاديث بشكلٍ مباشر؛ إذ اكتفى بالإشارة إليها بشكلٍ غير مباشر.
الالتزام بمراعاة الأصول والشروط في العبادات
تكشف أسئلة الشيعة وتوقيعات الإمام المهدي، ولا سيّما في موضوعات الصلاة والصوم والحج وسائر العبادات، عن حرصٍ دائمٍ لدى الشيعة على التحقّق من صحّة عباداتهم ومراعاة شروطها التفصيليّة. ويتجلّى هذا الحرص بنحوٍ خاصٍّ في ما يتعلّق بشروط المكان والزمان، ولباس المصلّي، وصحّة النيّة في أداء العبادات؛ ممّا يدلّ على دقّة نظر الفقه الشيعيّ في مراعاة الملابسات الواقعيّة والاجتماعيّة التي تحيط بالفعل العباديّ، وتنظيمه في سياق الحياة اليوميّة للمكلّف. وفي ظلّ غيبة الإمام المعصوم A، حيث لم يكن التواصل المباشر معه متاحًا، لجأ الشيعة إلى الثقة التامّة بالنّواب المحدّدین، وبذلوا أقصى جهدهم لأداء التكاليف العباديّة بأعلى درجات الدقّة والانضباط.
ولا تقف هذه المقاربة عند حدود الالتزام الفقهيّ، بل تعبّر عن توجّهٍ راسخٍ نحو التقرّب من الله تعالى من خلال أداء العبادات ضمن شروطها الشرعيّة الكاملة. إنّ هذه الرؤية في التعاطي مع العبادة، تعبّر أيضًا عن الفهم العميق لمكانة الإمام المعصوم بوصفه المرجعیّة المعصومة في الدين، ومنارة الهداية إلى التقوى والقرب الإلهي. ومن ثمّ فإنّ التزام الشيعة بضبط عباداتهم وفق الأصول، لا ينفكّ عن فهمهم لدور الإمامة في حياة الإنسان المؤمن، حيث تتجلّى الطاعة الدقيقة في أفعال العبوديّة، بوصفها سعيًا واعيًا نحو الكمال الديني والروحي.
المعاملات والعلاقات الاجتماعيّة المتأثرة بالثقافة الدينيّة
تُظهر الأسئلة والتوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي في مجال المعاملات والعلاقات الاجتماعيّة ــ مثل الخُمس، وسهم الإمام، والوقف، والبيع والشراء، والتعامل مع غير المسلمين ــ حضورًا لافتًا للثقافة الدينيّة في تنظيم سلوك الأفراد والعلاقات بين الناس في المجتمع الشيعي. لقد كان هذا الحضور انعكاسًا طبيعيًّا لفهمٍ دينيّ عميق يعدّ التديّنَ ليس شعائر عباديّةً مجرّدة، بل منظومةٌ شاملةٌ تنسحب على الاقتصاد والاجتماع والعلاقات اليوميّة.
وتكشف هذه التوقيعات عن أنّ الشيعة، عند مواجهتهم لمسائل جديدةٍ أو ظروفٍ اجتماعيّةٍ متغيّرة، كانوا يرجعون إلى الإمام المعصوم A للاستضاءة بأحكامه وتوجيهاته؛ حتى تظلّ تعاملاتهم ضمن الإطار الشرعي الصحيح. وهذا يظهر جليًّا، على سبيل المثال، في ما يرتبط بأحكام الوقف، حيث نجد اهتمامًا خاصًّا بكيفية توجيه الأموال والممتلكات نحو الأهداف الدينيّة والاجتماعيّة، وخصوصًا في ظرف الغَيبة الذي تعاظمت فيه الحاجة إلى مؤسساتٍ تحفّظ الهويّة وتخدم القيم.
ومن جانبٍ آخر تبرز تساؤلاتٌ تتعلّق بجواز المعاملة مع غير المسلمين؛ ممّا يدلّ على حرص الشيعة على المواءمة بين مقتضيات العيش المشترك ومبادئ الدين، والسعي للتمييز بين ما هو جائز شرعًا، وما قد يخلّ بالهويّة الدينيّة، أو يستتبع محذورًا فقهِيًّا.
إنّ هذه الظاهرة العامّة، أي العودة إلى الإمام في كلّ شأنٍ اجتماعيٍّ أو اقتصاديّ، تعبّر عن رؤيةٍ شيعيّةٍ متجذّرةٍ ترى في الدين إطارًا حاكمًا لكلّ مفاصل الحياة، وتعدّ العدالة وتحقيق المصلحة الدينيّة والاجتماعيّة عناصر لا تنفصل عن المعاملات اليوميّة، وهو ما يُظهر أنّ الثقافة الفقهيّة لم تكن حبيسة أبواب العبادات، بل امتدّت لتشكّل وعيًا مجتمعيًّا حذرًا، يطلّب الشرعيّة في كلّ تصرفٍ، صغيرًا كان أو كبيرًا.
حجيّة التوقيعات ومدى إمكان الاستناد إليها في الاستنباط الفقهي
تُعدّ التوقيعات الفقهيّة من أهمّ المصادر التي اعتمد عليها الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعيّة خلال فترة الغَيبة الصغرى. ومع ذلك يثير موضوع مصداقيّة هذه التوقيعات ومدى صلاحيّتها بوصفها مصدرًا للأحكام الفقهيّة العديد من التساؤلات. هل يمكن الاعتماد الكامل على التوقيعات في استنباط الأحكام، أم أنّ هناك قيودًا ومحدّداتٍ يجب مراعاتها؟ لذلك من الضروري دراسة درجة اعتبار هذه التوقيعات وملاءمتها للأحكام الشرعيّة، من خلال تحليل محتوى التوقيعات، والتأكّد من صحّتها وسلامتها بوصفها مصدرًا للاجتهاد الفقهيّ.
۳.۱. التحقّق من اعتبار التوقيعات
تُعدّ التوقيعات الفقهيّة جزءًا من التراث الحديثي لدى الإماميّة، وتحظّى بمكانةٍ بارزةٍ في عمليّة استنباط الأحكام الشرعيّة، ما يلفت النظر في هذه التوقيعات كما سبقت الإشارة إليه، أنّها صدرت في ظروفٍ أمنيّةٍ حرجةٍ استلزمت إخفاء هويّة الإمام والسفراء، فجاءت غالبًا خاليةً من أسماء الرواة أو الوسائط، ومشتمِلةً على عباراتٍ رمزيّةٍ من قبيل (الناحية المقدّسة)، و(صاحب الأمر)، و(صاحب الدار) ونحوها[12] لأجل التستّر على هوية الإمام وسفرائه في ظلّ الضغوط السياسيّة الشديدة التي فرضها الحكم العباسي في تلك الفترة الزمنیّة.
هذه الخصوصيّة، وإنْ كانت تهدف أساسًا إلى الحفاظ على سريّة الارتباط بين الإمام وشيعته في ظلّ الظروف السياسيّة القاسية، فقد أسهمت في بعض الموارد في إثارة تساؤلاتٍ منهجيّةٍ لدى عددٍ من الفقهاء حول مدى الوثوق بسند التوقيعات أو حجّيّة مضامينها؛ نظرًا لما تتّسم به أحيانًا من غياب الوسائط أو غموض في الصياغة[13]. وقد أدّى ذلك إلى تباين في المواقف الفقهيّة إزاءها، بين من يعدّها جزءًا موثوقًا من السنّة القطعية الصادرة عن المعصوم، ومن يرى ضرورة التريّث في اعتمادها إلّا إذا اقترنت بقرائن كافية على صدورها أو توافقها مع مضامين قطعيّة أخرى.
بناءً على ما تقدّم، لا يمكن الجزم بردّ التوقيعات الفقهیّة أو إسقاطها من حيث الاعتبار لمجرّد بعض الإشكالات المتعلّقة بالسند أو الظاهر. بل إنّها ممّا يجب التثبّت فيه من خلال جملةٍ من المؤشّرات والشواهد التي تعزّز الوثوق بها كمستنداتٍ شرعيّة. وعلى هذا الأساس، يمكن عدّ الأمور الآتية شواهد داعمةً للاعتماد على التوقيعات الفقهيّة:
ومن اللافت أنّ هذا التردّد لا يقتصر على التوقيعات فحسب، بل يشمل أيضًا سائر الروايات الفقهيّة التي قد تُعاني من ضعف في السند أو اضطرابٍ في الدلالة. ولهذا لا يُستغرَب أن تثير بعض الأسئلة والأجوبة الواردة في التوقيعات الفقهيّة تأمّلًا نقديًّا حينما يظهر تعارضها مع مضامين أحاديث أخرى؛ ممّا يفرض على الفقيه معالجة ذلك عبر الجمع أو التوجيه أو الترجيح.
إنّ آراء العلماء في هذا المجال ليست متّفقةً؛ إذ يرى بعضهم، ولا سيّما في دائرة الأحكام غير الإلزاميّة، أنّ ضعف السند لا يُعدّ مانعًا من الاستناد إلى هذه النصوص، اعتمادًا على قاعدة (التسامح في أدلّة السنن). وبناءً عليه، تبقى التوقيعات الفقهيّة، رغم ما قد يشوبها أحيانًا من غموضٍ في التعبير أو نقصانٍ في سلسلة الإسناد، موردًا معتبرًا في عمليّة الاستدلال، وإن بدرجاتٍ متفاوتةٍ من حيث القوّة والاعتبار، تبعًا لطبيعة الحكم المستنبط، ومدى انسجامه مع القواعد العامّة والمضامين الحديثيّة الأخرى.
إنّ تتبّع مصادر الحديث يُظهر أنّ هذه التوقيعات قد وردت في عددٍ من أُمّهات الكتب الحديثيّة المعتبرة، كـالغَيبة، وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي، ومن لا يحضره الفقيه، وكمال الدين للشيخ الصدوق، مع ذكر الأسانيد في أغلب الموارد. كما ورد بعضها في كتاب الاحتجاج للطبرسي بدون إسناد، وقد برّر المؤلّف هذا المنهج باعتماده على شهرة مضامينها، وموافقتها للعقل، ونقلها في كتب الفريقين، فضلًا عن دعوى الإجماع على مضمونها[14]. إلا أنّ هذا الأسلوب، رغم وجاهته في بعض الموارد، لم يمنع عددًا من الفقهاء من التريّث في الاستناد إلى بعض تلك المقاطع التي لا قرائن داعمةً لها ولا يمكن إدراجها تحت قاعدة التسامح، الأمر الذي يدفع إلى التوقّف في الجزم باعتبارها. لكنّ وجود هذه التوقيعات بعينها، مسندةً في كتب الشيخ الطوسي المتقدّم زمانًا على الطبرسي، يُسهم في تعزيز وثاقتها وتدارك النقص السندي فيها. وقد تنبّه إلى ذلك الشيخ الحرّ العاملي في وسائل الشيعة، فضمّ النقل المسند عن الطوسي إلى النقل المرسل عن الطبرسي، تأكيدًا منه على الجمع بين الطريقتين وتوثيقًا لموادّ الاستدلال[15].
إنَّ تَوافقَ مضمونِ التوقيعاتِ الفقهيةِ معَ سائرِ الرواياتِ وعدمَ تعارضِها معَ القواعدِ الفقهيةِ يُعدُّ من المعاييرِ البالغةِ الأهميّةِ في تقييمِ مصداقيّةِ هذه التوقيعاتِ. فقد وردَت العديدُ من المفاهيمِ الواردةِ فيها في أحاديثٍ سابقةٍ، أو على الأقل، لا تُظهِرُ تناقُضًا مع الأدلةِ الأخرى أو المبادئِ الفقهيّةِ الثابتةِ. وهذا التوافقُ يُعدُّ من العواملِ التي جعلت الفقهاءَ في العديدِ من الحالاتِ يُدرجونَ التوقيعاتِ ضمنَ مستنداتهم الفقهيّةِ المعتمدةِ. وفي بعضِ الحالاتِ، لم يعدْ هنالكَ حاجةٌ لذكرِ التوقيعاتِ بشكلٍ مستقلٍّ؛ وذلك لأنَّ الموضوعاتِ المطروحةَ فيها غالبًا ما تكونُ من الأمورِ الواضحةِ والبديهيّةِ، التي لا يوجدُ فيها خلافٌ مع النصوصِ الأخرى أو الآراءِ الفقهيّةِ المتبناةِ. ومن ثَمّ، فإنَّ الفقيهَ قد لا يرى ضرورةً لذكرِ جميعِ الأدلةِ، سواء أكانت توقيعاتٍ أم رواياتٍ، في مثلِ هذه المسائلِ.
إنّ مكانة نواب الإمام الأربعة تمثّل عاملًا آخر ذا دورٍ حاسمٍ في توثيق التوقيعات الفقهيّة. إنَّ أهميّة هذه المسألة تأتي من كون هؤلاء الأشخاص هم من كانوا على تواصلٍ مع الإمام A خلال فترة الغَيبة الصغرى (260-329 هـ)، وهم الموثوق بهم الذين كانوا يشكلون الحلقة الوسطى بين الإمام وشيعته لنقل احتياجات المجتمع وقضاياه في ظلّ الظروف السياسيّة المعقّدة.
وقد تجسَّد اعتماد العلماء وعامّة الشيعة على هؤلاء الأربعة في مجموعةٍ من الأدلّة والشواهد التي جعلت ثقتهم بهم تتوطّد. من بين هذه الشواهد توثيق الإمام الهادي، والإمام العسكري، والإمام المهدي للنائب (السفیر) الأول عثمان بن سعيد العمري [16]، والثاني محمد بن عثمان بن سعيد العمري [17]، فضلًا عن أمر الإمام المهدي بتوثيق نيابة حسين بن روح النوبختي بوصفه النائب الثالث[18]، مع ملاحظة توثيق وكيليهما السابقين.
من الأمور المهمّة أيضًا أنّ هؤلاء الأفراد لم يكونوا من العلماء أو الفقهاء[19] الذين يمكن أن يُنظر إلى توقيعاتهم على أنَّها اجتهاداتٌ شخصيّةٌ لهم[20]؛ لذا فإنّ الثقة في نيابتهم ودورهم في إصدار التوقيعات قد جعلت هذه التوقيعات الفقهيّة تُعدّ مصادر موثوقةً في الاستدلالات الفقهيّة، وتحظّى بمكانةٍ مرموقةٍ في تفسير الأحكام الشرعيّة .كما يُعدّ التأكيد من الإمام على صحّة بعض التوقيعات عاملًا آخر في توثيق هذه التوقيعات. ففي بعض التوقيعات التي كانت تُكتب بإملاء الإمام وبخطّ نوّابه، كان يُلاحظ أثر ختم الإمام A كرمز للصحّة والشرعيّة[21]. وفي حالاتٍ أخرى، كان الإمام يكتب التوقيع بنفسه، وعلى الرغم من معرفة الوكلاء والنواب بما خطّ الإمام[22]، كان يُصرّح في نهاية التوقيع بأنَّه كتب بيده[23]. وقد تمّ نقلُ توقيعٍ آخر الذي أملاه حسين بن روح النوبختي (النائب الثالث)، وكتبه أحمد بن إبراهيم النوبختي[24].
۳.۲. مدى اعتمادُ الفقهاءِ على التوقيعاتِ الفقهيّة
إنّ استنادَ الفقهاءِ إلى التوقيعاتِ الصادرةِ عن الإمام المهديّ في فتاواهم واستدلالاتهم الفقهیّة، يُعدّ شاهدًا بيّنًا على مكانةِ هذه التوقيعات وقيمتِها العلميّة والفقهيّة. فقد جرى التعويلُ عليها حتّى في الموارد التي تتعلّقُ فيها بعضُ التوقيعات بمسائلَ فرعيّة، أو تكونُ مضامينُها متقاربةً مع ما وردَ في غيرها من الروايات، حيث أدرجَ الفقهاءُ هذه التوقيعاتِ ضمن أدلّتهم الفقهيّة، وتعاملوا معها كمستنداتٍ معتبرةٍ في مقامِ الاستنباط. وإذا وُجد في بعضِ الحالاتِ ما قد يُتوهّمُ فيه نوعُ تعارضٍ بينها وبين سائر الأدلة، فإنّ الفقهاء لم يُقصوها، بل بذلوا جهدَهم في توجيهِها وبيانِ محاملِها المحتملة وفقًا للقواعدِ المعتمدةِ في علم الأصول.
وإذا كان اعتمادُ الفقهاءِ على التوقيعاتِ أمرًا يمتدّ إلى عصرِ الفقهاءِ المتقدّمين، فإنّه قد شهد تطوّرًا ملحوظًا في العصورِ اللاحقة، ولا سيّما مع توسّعِ التأليفات الفقهيّة الاستدلاليّة، وصدور كتاب وسائل الشيعة للشيخ الحرّ العاملي في القرن الحادي عشر الهجري، الذي مثّل مرجعًا جامعًا للأحاديث الفقهيّة المأخوذة من أمّهاتِ المصادرِ المعتمدة. وقد أسهم هذا الجمعُ المنظَّم في ترسيخِ حضور التوقيعات ضمن البناء الاستدلالي للفقه الإماميّ، وهو حضورٌ لا يزالُ فعّالًا في الكتابات الفقهيّة المعاصرة حتّى يومنا هذا [25].
ومن جملة الموارد الّتي اتُّخذت فيها التوقيعات الفقهيّة مستندًا في مقام الاستدلال، مسألةُ أداءِ النوافل في وقتي الشروق والغروب، وهي من المسائل الخلافيّة في الفقه الإماميّ، وقد نشأ هذا الخلاف بسببِ اختلاف الروايات الواردة في الباب[26]. فإنّ آراءَ الفقهاءِ في ضوء تلك الرواياتِ قد تباينت بين القائلين بالجواز والمائلين إلى الحرمة، وإنْ كان المشهور بينَهم القولُ بالكراهة[27].
وقد توقّف الشيخ الصدوق عن إبداءِ رأيٍ صريحٍ في المسألة، بعد أن أورد الروايات الناهية، محتجًّا بتوقيعٍ شريفٍ ورد جوابًا على أسئلة محمّد بن جعفر الأسدي، ونقله محمد بن عثمان العمري عن الإمام الحجّة A[28]. كما استند إلى هذا التوقيع الشريف في ترجيح وجهة نظرهم كلٌّ من السيّد محمد العاملي[29]، والفيض الكاشاني[30]، والشيخ الطوسي[31]، والوحيد البهبهاني[32]، في معرض تناولهم لهذه المسألة.
وممّا يُلحَظ أيضًا في سياق استناد الفقهاء إلى التوقيعات، ما يتّصل بمسألةٍ فقهيّةٍ فرعيّةٍ تتعلّق بالصلاة، وهي جواز إقامتها على القبور أو بالقرب منها؛ وهي من المسائل التي وردت فيها رواياتٌ متعدّدةٌ قد تُفضي إلى تبايُنٍ في فهم الحكم الشرعي[33]. وقد وجّه محمد بن عبد الله الحميري سؤالًا إلى الإمام المهدي حول حكم الصلاة عند قبور الأئمّة %، فجاءه الجواب مؤكِّدًا النهي عن السجود على القبر، مع التصريح بجواز الصلاة إلى جانبه، بشرط أن لا يكون المصلّي متقدّمًا على موضع القبر[34].
وقد استظهر العلامة الحلّي من مضمون هذا التوقيع حكمًا مزدوجًا، إذ استدلّ به على كراهة الصلاة عند قبر الإمام A، كما استنبط منه كراهة الاستدبار له حتى في غير حال الصلاة[35] وهو وجهٌ دقيقٌ في الاستنباط. كما عدّ هذا التوقيع مستندًا موثوقًا به طائفةٌ من الأعلام، من أمثال السيّد محمد العاملي[36]، والعلّامة المجلسي[37]، والفاضل الهندي[38]، مشدِّدين على وثاقته واعتباريّته الفقهيّة.
واستند فقهاءٌ كالمحدّث البحراني[39]، والوحيد البهبهاني[40]، والسيد جواد العاملي[41]، والميرزا القمي[42]، والمحقّق النراقي[43] في بيان حكم الصلاة مقابل النار، إلى التوقيع الصادر عن الإمام A في هذا الموضوع[44]، وطرحوا آراءً فقهيةً متعدّدةً بهذا الشأن .وقد استند فقهاءٌ كالمحدّث البحراني[45]، والشيخ محمّد حسن النجفي[46]، في إثبات استحباب قراءة بعض الأدعية بين تكبيرات الافتتاح (قبل وبعد تكبيرة الإحرام)، إلى فقرةٍ من التوقيع الشريف الوارد في جواب الإمام A على مكاتبة محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري[47]. كما استُدلّ بجزءٍ آخر من هذا التوقيع على استحباب سجدة الشكر بعد الفرائض[48]. وكذلك، في مسألة رجحان رفع اليدين فوق الرأس في قنوت النوافل وكراهته في قنوت الفرائض، استند فقهاءٌ كالمحدّث البحراني[49]، والوحيد البهبهاني[50]، والمحقّق النراقي[51]، والشيخ محمّد حسن النجفي[52] إلى ما ورد في جواب الإمام A على السؤال الرابع من مكاتبة الحميري.
وقد ذهب بعض الفقهاء[53] أيضًا إلى عدم جواز أداء الفريضة حال الركوب على الدابّة أو في الهودج، من دون عذرٍ أو اضطرار، مستندين إلى الفقرة الثانية من التوقيع الشريف في جواب الأسئلة الثلاثين التي وجّهها الحميري إلى الإمام A [54].
ومن المسائل الأخرى المرتبطة بالصلاة، التي استدلّ فيها فقهاء الإمامية بالتوقيعات الفقهية للإمام المهدي، هي: الصلاة في ثوب الخزّ[55]، وصلاة الرجل في ثوب الحرير[56]، وذكر الركعة الثالثة والرابعة (سورة الحمد أو التسبيحات) [57]، والالتفات إلى نقصان صلاة الظهر أثناء أداء صلاة العصر[58]، وكفاية إدراك الإمام في الركوع[59]، ووقت صلاة جعفر الطيّار A [60].
ومن المسائل التي انعقد عليها الاتّفاق أو الإجماع بين فقهاء الإمامية[61]، عدّ تحقّق الوقف شرعًا وتعيّنه إلزامًا بتحقّق الإقباض من الواقف، وقبض العين الموقوفة من قِبل الموقوف عليه أو وليّه. وقد استند فقهاءٌ كالمحدّث البحراني[62]، والسيّد علي الطباطبائي[63]، والشيخ محمّد حسن النجفي (صاحب الجواهر) [64]، في إثبات هذا الشرط، إلى ما ورد في التوقيع الشريف المتقدّم[65].
كما استند الفقهاء أيضًا إلى هذا التوقيع في بيان حكم بيع المال الموقوف[66]، وكذلك في حجّية الشهادة على الوقف[67] .وأمّا حكم الخمس في عصر الغَيبة، فقد كان موضع خلافٍ بين الفقهاء منذ القدم؛ نظرًا إلى تباين الروايات الواردة في هذا الباب؛ فبعضها يدلّ على الوجوب، وبعضها على الوجوب المؤكَّد، وأخرى قد يُفهم منها الإباحة[68]. وقد صنّف المحدّث البحراني توقيع الإمام الحجّة A المتعلّق بالخُمس: «وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ مَنْ يَسْتَحِلُّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَهُ فِي مَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِنَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مَلْعُونٌ وَنَحْنُ خُصَمَاؤُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ J الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِي وَلِسَانِ كُلِ نَبِيٍّ فَمَنْ ظَلَمَنَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الظَّالِمِينَ، وَكَانَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ»[69]. ضمن طائفةٍ الروايات الدالّة على الوجوب المؤكَّد، مستدلًّا به على نفي القول بالإباحة[70].
كما أنّ فقهاء آخرين، كصاحب الجواهر[71]، والمحقّق السبزواري[72]، والشيخ الأنصاري[73]، والإمام الخميني[74]، قد استندوا أيضًا إلى هذا التوقيع في إثبات لزوم دفع الخمس .وقد استند الشيخ حسين البحراني[75] والسيّد عبد الأعلى السبزواري[76] في القول بوجوب إعادة الختان في حال نَبتِ الغُلفَة مرّةً أُخرى، إلى توقيع الإمام المهدي الوارد في هذا الباب[77].
كما أنّ المحدّث البحراني[78]، والشيخ محمد حسن النجفي[79]، والسيّد عبد الأعلى السبزواري[80] استدلّوا بتوقيع الإمام A على جواز حقّ المارّة[81].
وقد وردت في الأحاديث الشيعية فضائل متعدّدة لتربة الإمام الحسين A، ومن جملتها التوقيعات الصادرة عن الإمام الحجّة A في هذا الشأن[82]. وقد استند إلى هذه التوقيعات فقهاءٌ كشيخ يوسف البحراني[83]، والوحيد البهبهاني[84]، والسيّد محسن الحكيم[85]، وأفتَوا باستحباب الذكر على تربة الحسين A، واستحباب السجود عليها[86].
كما استُدلّ بهذه التوقيعات أيضًا على استحباب وضع التربة في القبر[87]، واستحباب استخدامها في الحنوط[88]، واستحباب كتابة الدعاء على الكفن بتربة الحسين A[89].
من جملة المسائل التي استند إليها فقهاء الإماميّة في بيان أحكامها من التوقيعات الفقهيّة الصادرة عن الإمام المهدي هي: ترتيب مسح القدمين في الوضوء[90]، وقاعدة الطهارة[91]، وطهارة الثوب المصنوع والمُنسوج من يد الكفّار[92]، ورفع الظلّال أو استظلال المُحرِم[93]، والإحرام في ثوب من خزّ[94]، والتقيّة في الميقات[95]، وحرمة الزواج من ربيبة[96]، وحرمة الجدة من جهة الزوج على الرجل[97]، ومدة عدّة المرأة في عقد مؤقّت[98]، والتعهد بعدم الزواج المؤقّت، واستحباب كتابة (لا إله إلّا الله) على الكفن[99]، وشرط وجوب غسل مسّ الميّت، وشرط الملكيّة في البيع[100]، واستحباب صوم شهر رجب[101]، وصحّة شهادة الأعمى[102]، وحرمة زيادة أو نقصان المسكر[103].
الخاتمة والنتائج
أظهرت هذه الدراسة، من خلال تحليل التوقيعات الفقهيّة المهدویّة في عصر الغَيبة الصغرى، أنّ هذه النصوص تمثّل امتدادًا حقيقيًّا للمرجعيّة الدينيّة والتشريعيّة في المدرسة الإماميّة، التي أسهمت بدورٍ محوريّ في تأمين استمراريّة الفقه الإمامي وتوجيه الحياة الدينيّة والعمليّة للشيعة في ظلّ غياب الإمام المباشر، وشكّلت مصدرًا معتمدًا في الاستنباط، لا يقلُّ أهميّةً عن الروايات الأخرى الواردة عن سائر الأئمّة المعصومين.
تكشف مضامين هذه التوقيعات عن سعة أفقها وتنوّع موضوعاتها؛ إذ لم تقتصر على العبادات، بل تناولت أيضًا مسائل في المعاملات، الأحوال الشخصيّة، والنظام القضائي، والواقع الاجتماعي والاقتصادي، ما يدلّ على أنّ الفقه الإمامي كان حاضرًا في مختلف جوانب الحياة، وأنّ المرجعية الدينية ظلّت فاعلةً ومؤثرةً حتى في أحلك الظروف. كما أنّ هذه التوقيعات غالبًا ما جاءت بصياغاتٍ دقيقةٍ تراعي الظروف الأمنيّة والسياسيّة، دون أن تفقد وضوحها الفقهي أو تتنازل عن دقتها الاستدلاليّة؛ ما يجعلها نموذجًا فريدًا يجمع بين المضمون العلمي والاعتبارات الواقعيّة.
وبالرغم ممّا أبداه بعض الفقهاء من تردّدٍ في الاعتماد علی بعض هذه التوقيعات بسبب ما يُثار من إشكالاتٍ تتعلّق بضعف أسانيد بعضها أو غموض مضمونها، فإنّ مجموع المعطيات التي توفّرها القراءة التحقيقيّة يسمح بتجاوز هذه الملاحظات، والاطمئنان إلى حجّيتها النوعيّة، منها: ثبوت صدورها في عهد الغَيبة الصغرى، واقترانها بالسياق الزماني المعروف لتواصل الإمام مع قواعده، وورودها على لسان نوّابه المعتمدين ممّن ثبُت توثيقهم، وتعدّد نُقولها في مصادر الحدیثیّة المعتبرة، بالإضافة إلى مطابقة مضامينها للقواعد العامّة للفقه الإمامي وأصوله، واعتماد الفقهاء الكبار عليها في مصنّفاتهم الاستدلاليّة من غير تشكيك ظاهر.
وإلى جانب توفّر هذا المستوى من الوثاقة، فقد تعامل فقهاء الإماميّة مع التوقيعات بروحٍ اجتهاديّةٍ واضحة، حيث استُند إليها في مقام الفتوى، وأُدرجت ضمن المنظومة الروائيّة المعتمدة، وتمّ تأويل بعض مواردها الغامضة وفق ضوابط الجمع العرفي والترجيح الأصولي. وهذا يدلّ على عمق موقعها في بنية الاجتهاد الإمامي، خصوصًا في ظرف غياب النصّ المباشر أو تعارضه مع رواياتٍ أخرى.
إنّ هذه التوقيعات المهدویّة لا تعبّر عن استمرار للتواصل فحسب، بل هي دليلٌ على حيويّة المرجعيّة الإماميّة وقدرتها على التكيّف مع واقع الغيبة، كما أنّها تكشف عن رؤيةٍ فقهيةٍ شاملة، تؤمن بأنّ الدين يشمل كلّ مناحي الحياة، وأنّ الإمام المعصوم وإن غاب عن الأنظار، يبقى حاضرًا في توجيه الأمة من خلال أدواتٍ شرعيّة موثوقة.
المصادر
الإربلي، علي بن عیسی، کشف الغمة في معرفة الأئمة، ناشر بنی هاشمی، تبریز، ۱۳۸۱ق.
الأردبیلی، أحمد بن محمد، مجمع الفائدة والبرهان فی شرح ارشاد الأذهان، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.
الإمام الخمیني، السید روح الله، کتاب البيع، مؤسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی (قدس سره) – طهران، ۱۳۹۲ش.
الأنصاري، مرتضی، كتاب الخمس، مجمع الفکر الإسلامي، قم، 1415 ق.
----------، كتاب الخمس، مجمع الفکر الإسلامي، قم، 1415 ق.
البحراني، یوسف بن أحمد. الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة. بیروت، دار الأضواء.
جعفریان، رسول، حیات فکری و سیاسی امامان شیعه، قم، انتشارات انصاریان، ۱۳۸۱ ش.
الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت% لإحياء التراث، قم.
----------، هدايه الامه الي حكام الائمه عليهم السلام، مجمع البحوث الاسلاميه، مشهد، ۱۳۷۰ش.
الحسيني العاملي، السید محمد جواد، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419.
الحلي (العلامة)، حسن بن یوسف، منتهى المطلب في تحقیق المذهب، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، 1412 ق.
الحلي (المحقق)، جعفر بن محمد. المعتبر في شرح المختصر، مؤسسه سيد الشهداءA، قم، 1364 ش.
الري شهري، محمدي ، محمد، دانشنامه امام مهدی برپایه قرآن، حدیث و تاریخ. مؤسسه علمی فرهنگی دار الحديث، ۱۳۹۳ ش.
السبزواري، محمد باقر، ذخيرة المعاد في شرح الارشاد مؤسسة آل البيت % لإحياء التراث، قم.
----------، كفاية الأحكام، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.
شبر، السید عبد الله، الأنوار اللامعة في شرح زيارة الجامعة، مؤسسة الوفاء.
الشبیري الزنجاني، موسی، جرعه اى از دريا، مؤسسه کتابشناسی – قم ۱۳۸۹ش.
----------، کتاب نکاح (فارسی)، مؤسسه پژوهشی رای پرداز، قم.
الصدوق، محمد بن علي بن بابویه القمي، من لا يحضره الفقيه، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1363 ش.
الصدوق، محمد بن علي بن بابویه، کمال الدین وتمام النعمة، دار الکتب الإسلامیة – طهران، ۱۳۹۵ش.
الطباطبائي الحکیم، السید محسن، مستمسك العروة الوثقى، دار التفسير – قم، 1374 ش.
الطباطبائي، السيد علي، رياض المسائل في تحقیق الأحکام بالدلائل، مؤسسة آل البيت % لإحياء التراث، قم، 1418 ق.
الطبرسى، أحمد بن علي، الاحتجاج، نشر المرتضی، 1403 هـ.ق.
الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشیخ مفید، طهران، دار الکتب الإسلامیة.
----------، کتاب الغیبة، مؤسسة المعارف الإسلامیة.
الفاضل الهندي، محمد بن حسن، كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام، مؤسّسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.
الفیض الکاشاني، ملّا محسن، مفاتیح الشرائع، مجمع الذخائر الإسلاميّة، قم، 1401.
القمي، المیرزا أبوالقاسم بن الحسن، غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.
الکشّي، محمد بن عمر، رجال الکشّي، مؤسّسة آل البیت % لإحیاء التراث – قم، 1363 ش.
الکلیني، محمد بن یعقوب، أصول الکافي، دار الکتب الإسلامیّة – طهران، 1363ش.
المجلسي، محمد باقر، بحارالأنوار، بیروت، دار إحیاء التراث العربي.
المنتظري، حسینعلي. دراسات فى المكاسب المحرّمة، نشر تفکر، قم 1415 ق.
الموسوي السبزواري، السید عبد الأعلی، مهذب الأحکام في بیان الحلال و الحرام، قم، 1413ق.
الموسوي العاملي، السید محمد بن علي، مدارك الأحكام في شرایع الإسلام، مؤسسه آل البیت % لإحیاء التراث، قم.
النجفي، محمد بن الحسن. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بیروت، دار إحياء التراث العربي.
النراقي، احمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة في أحكام الشريعة، موسسة آل البيت % لإحياء الثرات، مشهد، 1415 ق.
الوحید البهبهاني، محمد باقر، مصابيح الظلام في شرح مفاتیح الشرائع، مؤسسه علامه مجدد وحيد بهبهانی، قم، 1424.
الهمداني، آغا رضا، مصباح الفقيه، لمؤسسة الجعفرية لإحياء التراث، قم، 1376هـ.
[1] الشبیري الزنجاني، موسی، کتاب النکاح، 4/378 .
[2] الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، 2/520، ح 49؛ العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، 93/184، 100/182.
[3] الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، 2/483، ح ۲ و 4.
[4] الطوسي، محمد بن الحسن، الغَیبة، ص290_ ص362؛ بحارالأنوار، 51/349.
[5] الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، 2/486، ح 5 و 6؛ الكليني، الکافي، 1/521، ح 15
[6] الإربلي، علي بن عیسی، کشف الغمة،2/519.
[7] عثمان بن سعيد العمري، ومحمد بن عثمان العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري.
[8] الطوسي، الغَیبة، ص 391، ح 358؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 51، ص 359.
[9] الطوسي، الغَیبة، ح 348، بحار الأنوار، ج 51/357.
[10] الشبیري الزنجاني، موسی، کتاب النکاح، 8/2480 .
[11] الکلیني، الکافي، 1/515–525.
[12] الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، 2/483-488؛ الطوسي، الغَیبة، ص۲۹۰.
[13] الأردبیلي، مجمع الفائدة والبرهان، 1/42؛ شبیری زنجانی، موسى، كتاب النكاح، 8/2480.
[14] الطبرسي، الاحتجاج، 1/14.
[15] الحر العاملي، وسائل الشيعة، 30/143.
[16] الطوسي، الغَیبة، ص۲۳۱؛ الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، 2/435-476.
[17] الصدوق، کمال الدین، 2/510؛ الطوسي، الغیبة،ص356.
[18] الطوسي، الغَیبة، ص۳۷۱.
[19] المحقّق الحلّي، المعتبر، 2/62، جرعه اى از دريا، شبیری زنجانی، 1/173.
[20] برای آشنایی بیشتر ر.ک.: احمدی، نواب اربعه و شخصیت اجتماعی آنان،
[21] الكليني، الکافي، 7/163.
[22] الغَیبة، الطوسي، ص362.
[23] الکشّي، محمد بن عمر، رجال الکشّي، ص513-515.
[24] الشیخ الصدوق، کمال الدین، 2/50۸ .
[25] ر.ک: دانشنامه امام مهدی، 4/256.
[26] الحر العاملي، وسائل الشيعة، 4/234-23۹.
[27] الحسيني العاملي، السید محمد جواد، مفتاح الكرامة، 5/167-169.
[28] الصدوق، كتاب من لا يحضره الفقيه، 1/497-498.
[29] الموسوي العاملي، السید محمد بن علي، مدارك الأحكام:3/109.
[30] الفیض الکاشاني، ملامحسن، مفاتیح الشرائع: کتاب الصلاة، 1/98.
[31] الطوسي، تهذيب الأحكام، 2/175.
[32] الوحید البهبهانی، محمد باقر، مصابيح الظلام، 5/542.
[33] الحر العاملي، وسائل الشيعة، 5/158-160.
[34] الطوسي، تهذیب الأحکام، 2/228، ح ۸۹۸.
[35] الحِلّي، حسن بن یوسف، منتهى المطلب، 4/318- ۳۱۹.
[36] الموسوي العاملي، السید محمد بن علي، مدارك الأحكام، 3/232.
[37] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، 83/315.
[38] فاضل هندي، محمد بن حسن، کشف اللثام، فی مکان المصلّي، 3/302.
[39] البحراني، یوسف بن أحمد، الحدائق الناضرة، 7/231.
[40] الوحید البهبهاني، محمد باقر، مصابيح الظلام، 6/83 .
[41] الحسيني العاملي، السید محمد جواد، مفتاح الكرامة، 6/22۳.
[42] القمي، المیرزا ابوالقاسم بن الحسن، غنائم الأيّام، 2/223.
[43] النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة، 4/445.
[44] الصدوق، کمال الدین، 2/520، ح49: «وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْمُصَلِّي وَالنَّارُ وَالصُّورَةُ وَالسِّرَاجُ بَيْنَ يَدَيْهِ هَلْ تَجُوزُ صَلَاتُهُ، فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ قِبَلَكَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَوْلَادِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ أَوْ عَبَدَةِ النِّيرَانِ أَنْ يُصَلِّيَ وَالنَّارُ وَالصُّورَةُ وَالسِّرَاجُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ وَالنِّيرَانِ».
[45] البحراني، یوسف بن أحمد، الحدائق الناضرة، 8/42.
[46] النجفي، محمد بن الحسن، جواهر الكلام، 10/346.
[47] الطبرسي، الإحتجاج، 2/486.
[48] الأردبیلي، مجمع الفائدة والبرهان، 2/319؛ الفاضل الهندي، كشف اللّثام، 3/12؛ النراقي، مستند الشيعة، 5/397؛ البحراني، الحدائق الناضرة، 6/60.
[49] البحراني، الحدائق الناضرة، 8/387.
[50] الوحید البهبهاني، مصابيح الظلام، 8/107.
[51] النراقي، مستند الشيعة، 5/390.
[52] النجفي، محمد بن الحسن، جواهر الكلام، 10/372.
[53] البحراني، الحدائق الناضرة، 6/409؛ النجفي، جواهر الكلام، 7/424؛ الهمداني، مصباح الفقيه، 10/112.
[54] الطبرسي، الاحتجاج، 2/579 ح 3.
[55] الفاضل الهندي، كشف اللّثام، 3/194؛ الحسيني العاملي، مفتاح الكرامة، 5/440؛ الطباطبائي، رياض المسائل، 2/311.
[56] الحر العاملي، وسائل الشيعة، 2/۳۷۳ – ۳۷۶؛ البحراني، الحدائق الناضرة، 7/۹۰ ؛ الحسيني العاملي، مفتاح الكرامة، 5/507؛ النراقي، مستند الشيعة، 4/336، النجفي، جواهر الكلام، 8/117-136.
[57] الحر العاملي، وسائل الشيعة، 6/126-127.
[58] المصدر نفسه، 8/۲۲۲؛ البحراني، الحدائق الناضرة، 9/۱۲۲.
[59] الحر العاملي، وسائل الشيعة، 8/۳۸۲ به بعد؛ الوحید البهبهاني، مصابيح الظلام، 8/490؛ الطباطبائي، رياض المسائل، 3/315.
[60] الوحید البهبهاني، مصابيح الظلام، 4/41؛ الفاضل الهندي، كشف اللّثام، 4/407؛ النجفي، جواهر الكلام، 12/206.
[61] الحسيني العاملي، مفتاح الكرامة، 21/430.
[62] البحراني، الحدائق الناضرة، 22/147.
[63] الطباطبائي، رياض المسائل، 10/۹۸ .
[64] النجفي، جواهر الكلام، 28/64.
[65] الصدوق، کمال الدین، 2/520، ح49: «أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْوَقْفِ عَلَى نَاحِيَتِنَا، وَمَا يُجْعَلُ لَنَا ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ صَاحِبُه،ُ فَكُلُّ مَا لَمْ يُسَلَّمْ فَصَاحِبُهُ فِيهِ بِالْخِيَارِ، وَكُلُّ مَا سُلِّمَ فَلَا خِيَارَ فِيهِ لِصَاحِبِهِ، احْتَاجَ إِلَيْهِ صَاحِبُهُ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ، افْتَقَرَ إِلَيْهِ أَوِ اسْتَغْنَى عَنْهُ».
[66] مفتاح الكرامة، 13/693؛ السبزواري، كفاية الأحكام، 2/۲۱؛ المنتظري، كتاب المكاسب، شيخ انصارى، 4/۷۹.
[67] الحر العاملي، وسائل الشيعة، 27/۳۲۱ ؛ الحر العاملي، هداية الاُمّة، 8/424.
[68] البحراني، الحدائق الناضرة، 12/427.
[69] الصدوق، کمال الدین، 2/520، ح ۴۹.
[70] البحراني، الحدائق الناضرة، 12/427.
[71] النجفي، جواهر الكلام، 16/162.
[72] السبزواري، ذخيرة المعاد، 2/483.
[73] الأنصاري، مرتضی كتاب الخمس، ص۲۸۰.
[74] الامام الخميني، کتاب البيع، ص ۱۸۸.
[75] شبر، السید عبد الله، الأنوار اللوامع، 10/۲۹۲ .
[76] الموسوي السبزواري، مهذّب الأحكام، 25/266.
[77] الصدوق، کمال الدین2/۵۲۰، ح ۴۹: «وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْمَوْلُودِ الَّذِي تَنْبُتُ غُلْفَتُهُ بَعْدَ مَا يُخْتَنُ هَلْ يُخْتَنُ مَرَّةً أُخْرَى؟ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقْطَعَ غُلْفَتُهُ فَإِنَّ الْأَرْضَ تَضِجُّ إِلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) مِنْ بَوْلِ الْأَغْلَفِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً».
[78] البحراني، الحدائق الناضرة، 18/۲۸۹.
[79] النجفي، جواهر الكلام، 24/۱۳۰.
[80] الموسوي السبزواري، مهذّب الأحكام، 18/۸5.
[81] الصدوق، کمال الدین، 2/5۲۰، ح ۴۹: «وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الثِّمَارِ مِنْ أَمْوَالِنَا يَمُرُّ بِهَا الْمَارُّ فَيَتَنَاوَلُ مِنْهُ وَ يَأْكُلُهُ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ وَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ حَمْلُهُ».
[82] الطوسي، تهذیب الأحکام، 6/۷۵ - 76
[83] البحراني، الحدائق الناضرة، 8/525؛ الوحید البهبهانی، مصابيح الظلام، 8/236؛ الطباطبائي الحکیم، السيد محسن، مستمسك العروة الوثقى، 5/512.
[84] الوحید البهبهانی، مصابيح الظلام، 8/236.
[85] الطباطبائي الحکیم، مستمسك العروة الوثقى، 5/512.
[86] الأردبیلي، مجمع الفائدة و البرهان، 2/313؛ السبزواري، ذخيرة المعاد، 2/296؛ البحراني، الحدائق الناضرة، 7/260؛ النراقي، مستند الشيعة، 5/267؛ الهمداني، مصباح الفقيه، 11/175.
[87] البحراني، الحدائق الناضرة، 4/۱۱۲ ، فاضل هندي، كشف اللّثام، 2/۳۸5؛ النراقي، مستند الشيعة، 3/۲۱5.
[88] البحراني، الحدائق الناضرة، 4/5۳ .
[89] النجفي، جواهر الكلام، 4/۲۳۱.
[90] العاملي، محمد بن مكي، ذکری الشیعة، 2/155؛ المقاصد العلّیة، ص 99.
[91] ینابیع الأحکام:1/461.
[92] النراقي، مستند الشیعة، 4/391؛ مصباح الهدی،2/439.
[93] النجفي، جواهر الکلام، 18/406.
[94] البحراني، الحدائق الناضرة، 15/115.
[95] الطباطبائي الحكيم، مستمسك العروة الوثقی، 11/262، جامع المدارك، 2/36۲.
[96] الموسوي السبزواري، مهذّب الأحکام، 24/12؛ الطباطبائي الحكيم، مستمسك العروة الوثقی، 14/۱۸۹.
[97] الحر العاملي، وسائل الشیعة، 20/45۷؛ أنوار الفقاهة (النکاح)، 3/124؛ سند العروة الوثقی (النکاح). 1/324.
[98] النجفي، جواهر الکلام، 30/199.
[99] البحراني، الحدائق الناضرة، 4/49؛ الحاشیة علی مدارک الأحکام: ج 2، ص 68؛ غنائم الأیّام:ج 3 ص 439، جواهر الکلام:ج 4، ص ۲۲۳-۲۳۱.
[100] الحدائق الناضرة:ج 18، ص 387؛ الشیخ الأنصاري، کتاب المکاسب، 3/366.
[101] الحر العاملي، وسائل الشیعة،10/480.
[102] المصدر نفسه، 27/400.
[103] الخلاف، 5/476؛ النجفي، جواهر الکلام، 36/374.