البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تهذيب النفس في توقيعات الإمام المهدي (عليه السلام)

الباحث :  السيد أمير الميالي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  37
السنة :  شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 3 / 2026
عدد زيارات البحث :  34
تحميل  ( 628.088 KB )
الملخّص



ممّا لا شكّ فيه أنّ من شرف المرء ورفعته التثقّف بالثقافة المهدويّة الحقّة وأن يكون من أخصّ أولويّاته الانتظار لمولاناA والتمهيد له، وهذا مقامٌ عظيمٌ لا يتسنّى لجميع الأفراد، وإنّما للخواصّ فقط، وهم الذين بذلوا أنفسهم وأوقاتهم في خدمته والاقتداء به، بجعل كلماته منارًا لهم يستضيئون بها في ظلمات الغَيبة.

وتحاول هذه الورقة البحثيّة تسليط الضوء على جانبٍ مهمٍّ من أحاديث وتوقيعات الإمام المهديّA،  متمثّلًا بوصاياه الأخلاقيّة المتعلّقة بتهذيب النفس وتزكيتها لما في ذلك من أثرٍ بالغٍ في بناء الإنسان المؤمن في عصر الغَيبة.

وقد انتظم البحث في تمهيدٍ وثلاثة محاور وخاتمة، وهي كما يلي:

أمّا المحور الأوّل فتعرّضنا فيه إلى أهميّة الأخلاق في الإسلام، وأمّا المحور الثاني فقد ذكرنا فيه أهمّ وصايا الإمام# في توقيعاته، وأمّا المحور الثالث فكان دراسةً موضوعيّةً في أهم المفاهيم الأخلاقيّة في وصاياه وكلماته#، مستشهدين لذلك بالمؤيّدات والشواهد القرآنيّة، وقد تضمّنت الخاتمة النتائج بصورةٍ من الإيجاز.

الكلمات المفتاحيّة:

الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ، الاخلاق، الوصايا، التوقيع.



المحور الأوّل: أهمّيّة الأخلاق في الإسلام

يرتكز الدين على ثلاثة أركانٍ مهمّةٍ وهي: الشريعة، والعقائد، والأخلاق، وهذه الأركان الثلاثة بُني عليها الدين الإسلامي، وقبل الشروع في البحث لا بدّ من تسليط الضوء على هذه الركائز التي يكون بها قوام كلّ دين.

أوّلًا: الشريعة

هي تلك القواعد والأحكام التي تُنظّم حياة الجماعات والأفراد في المجتمع، سواء أكانت هذه القوانين والأحكام إلهيّة أم من إملاءات البشر.

فمنذ وجد التاريخ نرى أنّ الأقوام اهتمّوا بتنظيم أمورهم ومعاشهم لاحتياجهم لذلك، فإنّ أهمّ أسباب قيام الحضارات وازدهارها هو وضع شريعة تتناسب وطبيعة مجتمعاتهم في جميع المجالات، كالأعمال اليوميّة، والعقيدة الدينيّة، وغيرهما من القوانين التي من شأنها أن تضمن للفرد حياةً كريمةً مستقرّة.

وبما أنّ الله سبحانه وتعالى هو خالق الناس وموجدهم فهو أعلم بمصالحهم ومفاسدهم وبما يعود عليهم بالمنفعة وبما يضرّهم؛ لذا نجد أنّ هناك فرقًا واضحًا بين القوانين التي كتبها البشر، وبين التشريعات الإلهيّة التي أُرسلت للناس عن طريق الرسل لهدايتهم وتنظيم شؤون حياتهم، وأهمّ تلك الشرائع هي الشريعة الإسلاميّة؛ لأنّها اشتملت على قوانين تتعلّق بالعبادات والمعاملات.

فقد نُظّم الجانب العبادي في القرآن الكريم بالعديد من الآيات، منها قوله تعالى: Nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَM[1].

وفي جانب المعاملات قوله تعالى: Nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ..M[2]، وقوله تعالى: Nوَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاM[3].

ثانيًا: العقائد

وهي الهويّة الأساس التي تتكوّن منها شخصيّة الفرد، وترجع في اللغة إلى الفعل عَقَدَ، أي ألزم نفسه باتّباع هذا الدين أو المذهب أو الفكرة، وتسمّى في الدين الإسلامي بأصول الدين، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والمعاد يوم القيامة، فيجب على المسلم الإيمان والاعتقاد بها، وتُعدّ مصادرها القرآن الكريم، والسنّة النبويّة، والأحاديث الواردة عن أئمّة أهل البيت%.

فيجب على المسلم أن يؤمن:

بوجود الله تعالى ووحدانيّته وعدالته، قال تعالى: Nفَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْM[4]، وقوله تعالى: Nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَM[5].

وبنبوّة النبيّ الخاتم| وبما جاء به من عند الله تعالى وبأوصيائه%؛ فإنّهم عِدل القرآن، قال تعالى: Nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْM[6]. والاعتقاد باليوم الآخر، قال تعالى: Nإِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَM[7].

ثالثًا: الأخلاق

وتمثّل الركن الثالث من أركان الدين والركيزة الأساس لمحور بحثنا، وهي مجموعةٌ من المبادئ والقواعد التي تنظّم سلوك الفرد في المجتمع، وتحدّد ما هو الصحيح والخاطئ، وقد حثّت الديانات عليها وأمرت الشرائع بها، وقد جاء هذا الاهتمام بالأخلاق منسجمًا مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ فإنّ الأديان في هذا المضمار في الغالب إرشاديّة تثير دفائن العقول وما ارتكز فيها من مبادئ أخلاقيّة؛ ولذا نجد الإنسان في مختلف العصور والظروف يعتزّ بالمبادئ الأخلاقيّة، وينبّه على أهمّيّتها ومن ذلك – مثلًا - قول الشاعر:

إنّمـا الأمم الأخلاق ما بقيت                 فإنْ هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه               فقـوّم النفس بالأخلاق تستقم

  وقد أولى الإسلام اهتمامًا خاصًّا بها وجعلها صفةً أساسيّةً يجب أن يتحلّى بها المؤمن في سلوكيّاته، فقد قال الله تعالى في وصف نبيّه|: Nوَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍM[8]. وقد ورد عن رسول اللهJ أنّه قال: «إنّما بُعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق»[9].

فالإسلام دين التكامل والواقعيّة، إذ يوجب على الفرد الإيمان بالرسول وما أُنزل إليه من تشريعات - التي تعدّ بمنزلة القوانين والأحكام لتنظيم حياته - كذلك يوجب عليه التحلّي بالصفات الأخلاقيّة الحسنة كالصدق وأداء الأمانة والشجاعة والحياء وغيرها من الصفات التي يتميّز بها المسلم، قال تعالى: Nفَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَM[10].

وقد ورد عن الإمام الصادقA: «كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير؛ فإنّ ذلك داعية» [11].

وقد ورد النهي عن سوء الخلق ومعاشرة الأهل والإخوان بالمعروف، بأن يتمتّع الفرد بصفاتٍ سلبيّةٍ أو يسلك سلوكًا غير لائقٍ اتّجاه من حوله، فعندما ورد إلى النبيّJ وفاة أحد الصحابة، أمر بتغسيله وتكفينه وتحنيطه ونزل بنفسهJ في قبره وباشر بدفنه، فهنّأته أمّه لما صنع معه رسول اللهJ، فأخبرهم النبيّJ بأنّ القبر قد ضمّه، وعندما استفسروا منهJ عن سبب ذلك، قال: «نعم، إنّه كان في خُلقه مع أهله سوءًا» [12]، وهذا مصداقٌ واضحٌ أنّ عذاب القبر لن يستثني من كان صحابيًّا تقيًّا ثقةً لرسول اللهJ وشيّعته الملائكة بسبب خصلةٍ يتهاون البعض بها. وقولهJ: «إنّ شرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاءً شرّه» [13].

فيظهر ممّا تقدّم أنّ الاهتمام بالأخلاق في الشريعة المقدّسة ليست متوجّهةً للفرد أوّلًا وبالذات فحسب، بل هي متوجّهةٌ أيضًا ثانيًا، وبالعرض إلى أن يكون أسوةً حسنةً للتأثير في الآخرين، وكسب قلوبهم للدين الحنيف.

فللأخلاق مبادئ ونظم ومصاديق من خلالها يميّز المؤمن الحقيقي عن غيره، نسأل الله أن يجعلنا ممّن يقتدون برسوله، ويغفر لنا، ولا يجعلنا مصداقًا لقوله تعالى: Nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَM[14].

المحور الثاني: أهمّ وصايا الإمام المهديّ# في الأخلاق

نستعرض في هذا المحور كلماته# في وصاياه وتوجيهاته لشيعته في زمن الغَيبة مقتصرين في ذلك على محلّ الشاهد من التوقيعات التي وصلت إلينا.

أوّلًا: توقيعه إلى أحمد بن إسحاق

قالA في توقيعٍ طويل الذيل إلى أحمد بن إسحاق يخصّ جعفر الكذّاب: «بسم الله الرحمن الرحيم.. أتاني كتابُك أبقاك الله، والكتاب الذي أنفذت درجه، وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمّنه على اختلاف ألفاظه، وتكرّر الخطأ فيه، ولو تدبّرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه، والحمد لله ربّ العالمين»[15].

ثانيًا: الرسالة الثانية من الإمامA للشيخ المفيد

  وجاء في مكاتبته للشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه: »فليطمئن بذلك من أوليائنا القلوب، وليثقوا بالكفاية منه، وإن راعتهم بهم الخطوب، والعاقبة بجميل صنع الله سبحانه تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب«.

ثمّ قالA: »ونحن نعهد إليك أيّها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين أيّدك الله بنصره الذي أيّد به السلف من أوليائنا الصالحين، أنّه من اتّقى ربّه من إخوانك في الدين وأخرج ممّا عليه إلى مستحقّيه، كان آمنًا من الفتنة المبطلة ومحنها المظلمة المظلّة، ومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته، فإنّه يكون خاسرًا بذلك لأولاه وآخرته، ولو أنّ أشياعًا وفّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلّا ما يتّصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيّدنا البشير النذير محمّد وآله الطاهرين وسلّم، وكتب في غرة شوال من سنة اثني عشر وأربعمائة« [16].

ثالثًا: توقيعهA إلى إسحاق بن يعقوب

 وفي توقيع الناحية المقدّسة إلى إسحاق بن يعقوب في جواب مسألته: «فأغلقوا أبواب السؤال عمّا لا يعنيكم، ولا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفَرَج، فإنّ ذلك فَرَجُكم»[17].

رابعًا: وفي كتاب آخر لهA إلى العمري وابنه

«وفّقكما الله لطاعته، وثبّتكما على دينه، وأسعدكما بمرضاته، انتهى إلينا ما ذكرتما أنّ الميثمي أخبركما عن المختار ومناظراته من لقى واحتجاجه بأنّه لا - إلى أن قال: - فليدعوا عنهم اتباع الهوى، وليقيموا على أصلهم الذي كانوا عليه، ولا يبحثوا عمّا ستر عنهم فيأثموا، ولا يكشفوا ستر الله (عزَّ وجلَّ) فيندموا، وليعلموا أنّ الحقّ معنا وفينا، لا يقول ذلك سوانا إلّا كذّاب مفترٍ، ولا يدّعيه غيرنا إلّا ضالٍ غوي، فليقتصروا منّا على هذه الجملة دون التفسير، ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح إن شاء الله»[18].

خامسًا: في كتابه إلى جماعةٍ من الشيعة

«عافانا الله وإيّاكم من الضلالة والفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإيّاكم من سوء المنقلب: أنّه أنهي إليّ ارتياب جماعةٍ منكم في الدين، وما دخلهم من الشكّ والحيرة في ولاة أمورهم، فغمّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا؛ لأنّ الله معنا ولا فاقة بنا إلى غيره، والحقّ معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا، ونحن صنائع ربِّنا، والخلق بعد صنائعنا.

يا هؤلاء! ما لكم في الريب تتردّدون، وفي الحيرة تنعكسون؟ أو ما سمعتم الله (عزّ وجلّ) يقول: Nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْM؟![19] أوَ ما علمتم ما جاءت به الآثار ممّا يكون ويحدث في أئمتكم عن الماضين والباقين منهم%؟ أوَ ما رأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون إليها، وأعلامًا تهتدون بها من لدن آدمA إلى أن ظهر الماضيA، كلّما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم؟ فلمّا قبضه الله إليه ظننتم أنّ الله تعالى أبطل دينه، وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلّا ما كان ذلك، ولا يكون حتّى تقوم الساعة، ويظهر أمر الله سبحانه وهم كارهون.

وإنّ الماضيA مضى سعيدًا فقيدًا على منهاج آبائه% حذو النعل بالنعل، وفينا وصيّته وعلمه، ومن هو خلفه ومن هو يسدّ مسدّه، لا ينازعنا موضعه إلّا ظالم آثم، ولا يدّعيه دوننا إلّا جاحد كافر، ولولا أنّ أمر الله تعالى لا يغلب، وسرّه لا يظهر ولا يعلن، لظهر لكم من حقّنا ما تبيّن منه عقولكم، ويزيل شكوككم، لكنّه ما شاء الله كان، ولكلّ أجل كتاب.

فاتّقوا الله وسلّموا لنا، وردّوا الأمر إلينا، فعلينا الإصدار كما كان منّا الإيراد، ولا تحاولوا كشف ما غُطّي عنكم ولا تميلوا عن اليمين، وتعدلوا إلى الشمال، واجعلوا قصدكم إلينا بالمودّة على السنّة الواضحة، فقد نصحت لكم، والله شاهد عليّ وعليكم، ولولا ما عندنا من محبة صلاحكم ورحمتكم والإشفاق عليكم، لكنّا عن مخاطبتكم في شغلٍ فيما قد امتحنا به من منازعة الظالم العتل الضال المتتابع في غيّه، المضاد لربّه، الداعي ما ليس له، الجاحد حقّ من افترض الله طاعته، الظالم الغاصب«[20].



سادسًا: توقيع الناحية المقدّسة في ضلال الشلمغاني

«عرّف أطال الله بقاك! وعرّفك الله الخير كلّه وختم به عملك، من تثق بدينه وتسكن إلى نيّته من إخواننا أدام الله سعادتهم: بأنّ محمّد بن عليّ المعروف بالشلمغانيعجّل الله له النقمة ولا أمهله ــ قد ارتدّ عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله وادّعى ما كفر معه بالخالق جلّ وتعالى، وافترى كذبًا وزورًا، وقال بهتانًا وإثمًا عظيمًا، كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالًا بعيدًا، وخسروا خسرانًا مبينًا. وأنّا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله ـ صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته ـ منه، ولعنّاه، عليه لعائن الله تترى، في الظاهر منّا والباطن، في السرّ والجهر، وفي كلّ وقتٍ وعلى كلّ حال، وعلى كلّ من شايعه وبلغه هذا القول منّا فأقام على تولّيه بعده.

أعلمهم تولّاك الله! أنّنا في التوقّي والمحاذرة منه على مثل ما كُنّا عليه ممّن تقدّمه من نظرائه، من: (السريعي، والنميري، والهلالي، والبلالي) وغيرهم، وعادة الله جلّ ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة، وبه نثق وإيّاه نستعين وهو حسبنا في كلّ أمورنا ونعم الوكيل»[21].

سابعًا: توقيع ورد فيما يخصّ أموال الإمامA

وعن أبي الحسين الأسدي أيضًا قال: ورد علَيَّ توقيعٌ من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمريE ابتداءً لم يتقدّمه سؤال عنه، نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، على من استحلّ من أموالنا درهمًا».

قال أبو الحسين الأسدي: فوقع في قلبي أنّ ذلك فيمن استحلّ من مال الناحية درهمًا دون من أكل منه غير مستحلٍّ، وقلت في نفسي: أنّ ذلك في جميع من استحلّ محرّمًا، فأي فضل في ذلك للحجّةA على غيره؟!

قال: فو الذي بعث محمّدًاJ بالحقّ بشيرًا، لقد نظرت بعد ذلك في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما كان في نفسي: «بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من مالنا درهمًا حرامًا» [22].

ثامنًا: التواقيع الواردة لمحمّد بن إبراهيم في الحثّ على تقوى الله:

الأوّل: «يا محمّد بن إبراهيم لا يدخلك الشكّ فيما قدمت له؛ فإنّ الله (عزَّ وجلَّ) لا يخلي الأرض من حجّة، أليس قال لك أبوك قبل وفاته: أحضر الساعة من يعير هذه الدنانير التي عندي: فلما أبطئ ذلك عليه وخاف الشيخ على نفسه الوحا قال لك: عيرها على نفسك وأخرج إليك كيسًا كبيرًا وعندك بالحضرة ثلاثة أكياس وصرّة فيها دنانير مختلفة النقد، فعيّرتها وختم الشيخ بخاتمة وقال لك: اختم مع خاتمي، فإنْ أعش فأنا أحقّ بها، وإنْ أمت فاتّقِ الله في نفسك وأوّلًا ثمّ فيَّ، فخلّصني وكن عند ظنّي بك. أخرج (رحمك الله) الدنانير التي استفضلتها من بين النقدين من حسابنا وهي بضعة عشر دينارًا واسترد من قبلك؛ فإنّ الزمان أصعب ممّا كان، وحسبنا الله ونعم الوكيل»[23].

الثاني: قال محمّد بن إبراهيم: وقدمت العسكر زائرًا فقصدت الناحية فلقيتني امرأة وقالت: أنت محمّد بن إبراهيم؟ فقلت: نعم، فقالت لي: انصرف؛ فإنّك لا تصل في هذا الوقت وارجع الليلة؛ فإنّ الباب مفتوحٌ لك فادخل الدار واقصد البيت الذي فيه السراج، ففعلت وقصدت الباب فإذا هو مفتوحٌ فدخلت الدار وقصدت البيت الذي وصفته، فبينا أنا بين القبرين أنتحب وأبكي إذ سمعت صوتًا وهو يقول: »يا محمّد اتّقِ الله وتب من كلّ ما أنت عليه؛ فقد قلّدت أمرًا عظيمًا»[24].

تاسعًا: في جواباتٍ على مسائل شكّ أنّها للشلمغاني

أخبرنا جماعة، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمي قال: وجدت بخط أحمد بن إبراهيم النوبختي وإملاء أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) على ظهر كتاب فيه جوابات ومسائل أنفذت من قم يسأل عنها: هل هي جوابات الفقيهA، أو جوابات محمد بن علي الشلمغاني؛ لأنّه حكي عنه أنّه قال: هذه المسائل أنا أجبت عنها، فكتب إليهم على ظهر كتابهم:

«بسم الله الرحمن الرحيم.. قد وقفنا على هذه الرقعة وما تضمّنته، فجميعه جوابنا [عن المسائل] ولا مدخل للمخذول الضالّ المضلّ المعروف بالعزاقري لعنه الله في حرف منه، وقد كانت أشياء خرجت إليكم على يدي أحمد بن بلال وغيره من نظرائه، وكان من ارتدادهم عن الإسلام مثل ما كان من هذا، عليهم لعنة الله وغضبه».

فاستثبتّ قديمًا في ذلك. فخرج الجواب: «ألا من استثبت؛ فإنّه لا ضرر في خروج ما خرج على أيديهم وأنّ ذلك صحيح»[25].

عاشرًا: توقيع في التحذير من الصوفي ابن هلال العبرتائي

حدثني أبو حامد أحمد بن إبراهيم المراغي، قال: ورد على القاسم بن العلاء نسخة ما خرج من لعن ابن هلال وكان ابتداء ذلك، أن كتبA إلى قوامه بالعراق: «احذروا الصوفي المتصنّع»، قال: وكان من شأن أحمد بن هلال أنّه قد كان حجّ أربعًا وخمسين حجّة، عشرون منها على قدميه. قال: وكان رواة أصحابنا بالعراق لقوه وكتبوا منه، وأنكروا ما ورد في مذمّته، فحملوا القاسم بن العلا على أن يراجع في أمره.

فخرج إليه: «قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنّع ابن هلال (لا رحمه الله)، بما قد علمت لم يزل، لا غفر الله له ذنبه، ولا أقاله عثرته يداخل في أمرنا بلا إذن منّا ولا رضى يستبد برأيه، فيتحامى من ديوننا، لا يمضي من أمرنا إلّا بما يهواه ويريد، أرداه الله بذلك في نار جهنم، فصبرنا عليه حتى بتر الله بدعوتنا عمره. وكُنّا قد عرَّفنا خبره قومًا من موالينا في أيّامه لا رحمه الله، وأمرناهم بإلقاء ذلك إلى الخاصّ من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال لا رحمه الله، وممّن لا يبرء منه. وأعلِم الإسحاقي سلّمه الله وأهل بيته ممّا أعلمناك من حال هذا الفاجر، وجميع من كان سألك ويسألك عنه من أهل بلده والخارجين، ومن كان يستحقّ أن يطلّع على ذلك؛ فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤديه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّنا نفاوضهم سرّنا، ونحمله إيّاه إليهم وعرفنا ما يكون من ذلك إنْ شاء الله تعالى».

وقال أبو حامد: فثبت قومٌ على إنكار ما خرج فيه، فعاودوه فيه فخرج:«لا شكر الله قدره لم يدع المرء ربّه بأن لا يزيغ قلبه بعد أن هداه، وأن يجعل ما من به عليه مستقرًّا، ولا يجعله مستودعًا، وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان (عليه لعنة الله) وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله بالإيمان كفرًا حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولا يمهله، والحمد الله لا شريك له، وصلّى الله على محمّد وآله وسلّم» [26].

أحد عشر: الدعاء الذي علّمه للعلوي المصري

حدّثني أبو عليّ أحمد بن محمّد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر بن محمّد العلوي العريضي بحرّان، قال: حدّثني محمّد بن عليّ العلوي الحسيني وكان يسكن بمصر، قال: دهمني أمرٌ عظيمٌ وهمٌّ شديدٌ من قبل صاحب مصر فخشيته على نفسي، وكان قد سعى بي إلى أحمد بن طولون فخرجت من مصر حاجًّا، وسرت من الحجاز إلى العراق فقصدت مشهد مولاي الحسين بن علي (صلوات الله عليهما) عائذًا به، ولائذًا بقبره، ومستجيرًا به من سطوة من كنت أخافه فأقمت بالحائر خمسة عشر يومًا أدعو وأتضرّع ليلي ونهاري. فتراءى لي قيّم الزمان وولي الرحمنA،  وأنا بين النائم واليقظان، فقال لي:«يقول لك الحسين: يا بني خفت فلانًا؟» فقلت : نعم ، أراد هلاكي فلجأت إلى سيديA وأشكو إليه عظيم ما أراد بي.

فقال: «هلا دعوت الله ربّك وربّ آبائك بالأدعية التي دعا بها من سلف من الأنبياء% فقد كانوا في شدّة فكشف الله عنهم ذلك».

قلت : وبماذا أدعوه؟

فقال: «إذا كان ليلة الجمعة فاغتسل وصلِّ صلاة الليل، فإذا سجدت سجدة الشكر دعوت بهذا الدعاء وأنت بارك على ركبتيك». فذكر لي دعاء.

قال: ورأيته في مثل ذلك الوقت يأتيني وأنا بين النائم واليقظان قال: وكان يأتيني خمس ليالٍ متواليات يكرّر علَيّ هذا القول والدعاء حتّى حفظته، وانقطع عني مجيئه ليلة الجمعة، فاغتسلت، وغيّرت ثيابي، وتطيّبت، وصلّيت صلاة الليل، وسجدت سجدة الشكر، وجثوت على ركبتي، ودعوت الله (جلّ وتعالى)، بهذا الدعاء.

فأتانيA ليلة السبت، فقال لي: «قد أجيبت دعوتك يا محمّد، وقتل عدوك عند فراغك من الدعاء عند من وشى بك إليه».

قال: فلمّا أصبحت ودّعت سيدي وخرجت متوجّهًا إلى مصر فلمّا بلغت الأردن وأنا متوجّهٌ إلى مصر رأيت رجلًا من جيراني بمصر وكان مؤمنًا، فحدّثني أنّ خصمي قبض عليه أحمد بن طولون فأمر به فأصبح مذبوحًا من قفاه.

قال: وذلك في ليلة الجمعة، وأمر به فطرح في النيل، وكان ذلك فيما أخبرني جماعة من أهلها وإخواننا الشيعة أنّ ذلك كان فيما بلغهم عند فراغي من الدعاء، كما أخبرني مولاي صلّى الله عليه وآله [27].

المحور الثالث: دراسة موضوعيّة في أهم المفاهيم الأخلاقيّة في وصايا الإمامA

أوّلًا: التسليم لأمر الله وعدم اتّباع الهوى

من الأمور التي لا بدّ للعبد من مراعاتها تمام الرضا بأمر الله من غير اعتراضٍ ولا تعرّض، لسانًا وقلبًا وعلى بصيرة مع امتثال، فهو من أهمّ الأسباب في قوة قلب العبد وصلابة إيمانه ورسوخ يقينه.

فإنّ من سلّم أمره لله فقد علم أنّ ما يصيبه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا ما نراه في كلماتهA، حيث قال في إحدى توقيعات الناحية المقدّسة الموجّهة إلى العمري وابنه: «فليدعوا عنهم اتّباع الهوى، وليقيموا على أصلهم الذي كانوا عليه، ولا يبحثوا عمّا سُتر عنهم فيأثموا».

فإنّهA يحث الشيعة على التقوى وعدم اتّباع الهوى والامتثال لأمر الله تعالى، وأن لا يخوضوا في أمورٍ سُترت عنهم وإن خالفت هواهم؛ لكي لا يخرجوا عن الرضا بقضاء الله إلى كونهم آثمين بكثرة التعرّض والاعتراض على الأوامر الإلهيّة كما ينقل عن بني إسرائيل من الاعتراض على أنبيائهم%.

وفي توقيع الناحية المقدّسة في دعاءٍ طويل: وأنت العالم غير معلّمٍ بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليّك في الإذن له، بإظهار أمره وكشف سرّه، وصبّرني على ذلك حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخرّت، ولا تأخير ما عجّلت، ولا أكشف عمّا سترته ولا أبحث عمّا كتمته، ولا أنازعك في تدبيرك، ولا أقول لِمَ وكيف؟ وما بال ولي أمر الله لا يظهر؟ وقد امتلأت الأرض من الجور، وأفوض أموري كلّها إليك«.

وقالA: «..وإلى الله أرغب في الكفاية، وجميل الصنع والولاية، وحسبنا الله ونعم الوكيل»؛ فإنّه يستشفّ من هذه الكلمات لهA أنّه بعد التسليم - بأنّ الله تعالى هو مدبّر الأمور، وهو الذي تُحلّ به عقد المكاره - الرغبة في الكفاية من أمور الدنيا والآخرة، وعدم الحاجة للمخلوقين.

وبعد ذلك نرى الإمامA في إحدى توقيعات الناحية المقدّسة للشيخ المفيد يوعده بجميل صنع الله لمن يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه؛ فإنّ السبيل الوحيد لسلوك جادة الصواب وكسب رضا الله هو الابتعاد عن الذنوب، قالA: «والعاقبة بجميل صنع الله سبحانه تكون حميدةً لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب». وطاعة الإمام ليس بمنأى عن طاعة الله تعالى؛ لأنّه منصوبٌ ومكلّفٌ منه، وليس للبشر حقٌّ في اختياره والتدخّل في قراراته، قال تعالى: Nوَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَM[28].

فيجب على المؤمنين مراعاة الامتثال لأوامر الأئمّة المعصومين (سلام الله عليهم أجمعين)، وعدم التمرّد عليها والالتزام بنصائحهم وإرشاداتهم؛ لأنّ فيها صلاحهم في الدنيا والآخرة، كيف لا وهو الناصح الخبير بما يُقوّم حالهم، ويصلح بالهم. فقد ورد عن مولانا صاحب الزمان# أنّه قال - في كتابه إلى جماعة من الشيعة -: «فاتّقوا الله وسلّموا لنا، وردّوا الأمر إلينا».

وقالA في موضعٍ آخر أيضًا: «فقد نصحت لكم، والله شاهد عليّ وعليكم، ولولا ما عندنا من محبة صلاحكم ورحمتكم، لكُنّا عن مخاطبتكم في شغل ممّا قد امتحنا به من منازعة الظالم العتلّ.. .« وفي بيان احتجابه عن المؤمنين قال: «فما يحبسنا عنهم إلّا ما يتّصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم»، فهذه دلالةٌ على أنّ الابتعاد عنهم وعدم الاقتداء بهم السبب الرئيس في احتجاب الإمام عنّا، وعدم تشرّ الشيعة بلقائه. وعن الحسن بن عبد الحميد قال: شككت في أمرٍ حاجز، فجمعت شيئًا فصرت إلى العسكر، فخرج إليّ: «ليس فينا شكّ فيمن يقوم مقامنا بأمرنا، ردّ ما معك إلى حاجز بن يزيد».

كلّ ذلك وغيرها من الروايات الواردة عنهم% التي تحثّ الشيعة على الالتزام بما يرد عنهم وبتوجيهاتهم وأنّ فيها صلاح حالهم، ومن تخلّف عنها ضلّ وهلك؛ لأنّهم% سبل النجاة، وبهم تستقيم الحياة.

الشواهد القرآنيّة:

هناك كثيرٌ من الشواهد القرآنيّة التي تحثّ المؤمنين على التسليم لله وللرسولJ والأئمة الهداة%، وعدم العصيان والتمرّد على الأوامر الإلهيّة، وفي المقام سوف نقتصر على ذكر محلّ الشاهد منها: ففهي الحثّ على التسليم قوله تعالى: Nفَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًاM[29]، وقوله تعالى: Nإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُM[30]، وقوله تعالى: Nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِM[31]،Nوَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَM[32].

وفي ذمّ الاعتراض على الأوامر الإلهيّة نستشهد بقوله تعالى: Nلَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَM[33]، وقوله تعالى: Nلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَM[34].

فاتّضح لنا من خلال نقل محلّ الشاهد من الآيات الكريمة أنّ طاعة الإمامA من طاعة الله تعالى فهو يهدي بأمر الله، وينهى عمّا نهاه الله.





ثانيًا: الحثّ على الدعاء وطلب المغفرة

الدعاء في اللغة هو النداء، وعندما يدعو الإنسان ربّه لطلب أو لقرب منه أو غير ذلك؛ فإنّه بذلك قد أوكل الأمر إليه، وقد أقرّته الشريعة المقدّسة وحثّت عليه من أجل ارتباط العباد بخالقهم واستمداد المعونة منه على كلّ حال، لا فقط في حالات الضرّ والضنك، فقد ورد التوبيخ من قبل الباري سبحانه وتعالى بحقّ العبد الذي يلتجأ إلى الدعاء في هذه المواقف فقط.

إذًا للدعاء أثرٌ عظيمٌ في رفع البلاء ودفع المكاره، فقد ورد عن أهل بيت العصمة% العديد من الأثر بهذا الخصوص، فما عن رسول اللهJ أنّ: «الدعاء مخّ العبادة»[35]، وقال| أيضًا:« ألا أدلّكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ويدرّ أرزاقكم؟ قالوا: بلي، قال تدعون ربّكم بالليل والنهار؛ فإنّ سلاح المؤمن الدعاء»[36].

وعن عليA: «.. وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء»[37]، وقد قال مولانا علي بن موسى الرضا‘ يومًا إلى أصحابه: «عليكم بسلاح الأنبياء».

فقيل: وما سلاح الأنبياء؟

قالA: «الدعاء» [38].

ومن هنا نرى أنّ الإمامA لم يقتصر في توقيعاته على بيان الحوادث العَقَديّة والفقهيّة لاتباعه، وإنّما كان يغرس فيهم ثقافة الارتباط بالله تعالى من خلال الدعاء والالتجاء إليه في طلب المغفرة، والأمن من السلطان الجائر وغير ذلك.

قال الإمام الكاظمA في جوابات مسائل علي بن جعفر: «..والاعتراف في القنوت بذنوبه» [39]، وهو يوصي بعض أنصاره بإرشاد المؤمن – الذي تنبأ المنجم بموته - بالعديد من الأعمال كالتصدّق والدعاء بطلب المغفرة، لكي يزيد الله في عمره؛ لأنّ الذنوب تهتك العصم كما ورد في الأثر عنهم%: «اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء [اللهم اغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء] »[40].

وفي مورد آخر عندما توسّل أحد المؤمنين بسيّد الشهداءA لنائبة ألمّت به، فقد وشي به إلى أحمد بن طولون وكان يطلبه لكي يقتله، فترائى له الإمامA وطلب منه الدعاء والتوسل بالله كما كان يفعل السلف الصالح من الأنبياء والأئمّة المعصومين%: «فقال: هلا دعوت الله ربّك ورب آبائك بالأدعية التي دعا بها من سلف من الأنبياء %، فقد كانوا في شدة فكشف الله عنهم ذلك».

قلت: وبماذا أدعوه؟

فقال: «إذا كان ليلة الجمعة فاغتسل وصلِّ صلاة الليل، فإذا سجدت سجدة الشكر دعوت بهذا الدعاء وأنت بارك على ركبتيك« فذكر لي دعاء...».

وقد تقدّم ذكر ذلك تفصيلًا في المحور الثاني من البحث فليراجع.

الشواهد القرآنيّة:

عند التمعّن في الأسلوب القرآني في مخاطبة المكلّفين نراه لم يعتمد أسلوبًا واحدًا لإيصال الرسالة إلى الناس، وإنّما يعتمد على أساليب متعدّدة، فتارةً يعتمد أسلوب الحوار، وأخرى أسلوب الطلب، وثالثة أسلوب الأمثال وغيرها من الأساليب، وسوف نستعرض بعض هذه الآيات منها:

قوله تعالى: Nقُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْM[41]، وقوله تعالى: Nرَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَM[42]، وقوله تعالى: Nوإذا مَسَّ الإنسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فلمّا كَشَفنا عَنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كأن لَم يَدعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كذلكَ زُيِّنَ لِلمُسرِفِينَ ما كانوا يَعمَلُونَM[43]، وقوله تعالى: Nوَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍM[44].

ثالثًا: الحذر من التصنّع والتصوّف

وهي مرضٌ نفسيّ يتّصف به البعض ليتظاهر بها عكس صفاته الحقيقيّة تكلّفًا ورياء الناس، ولا يمثّل واقعه وسلوكياته، وهو على أقسام: فتارةً يتصنّع الثراء، وأخرى يتصنّع الدين وغيرها من الصفات المذمومة التي غالبًا ما يريد من اتّصف بها التقرّب رجاء الحصول على مناله ومراده، وهو وجهٌ من أوجه النفاق.

وأصبحت هذه الكلمة ملازمةً للمتصوّفة لتكلّفهم للعبادة واختراعهم للأذكار والرقص والتصفيق؛ لذا نرى الأئمّة المعصومين% نهوا عن أفعالهم ولعنوهم لما أدخلوا في الدين ما ليس منه، فقد ورد أنّه قال رجل للصادقA: قد خرج في هذا الزمان قوم يُقال لهم: الصوفيّة فما تقول فيهم؟ فقالA: «إنّهم أعداؤنا، فمن مال إليهم فهو منهم، ويحشر معهم، وسيكون أقوام يدعون حبّنا، ويميلون إليهم ويتشبّهون بهم، ويُلقّبون أنفسهم بلقبهم، ويأولون أقوالهم، ألا فمن مال إليهم فليس منّا، وإنّا منه براء، ومن أنكرهم ورد عليهم كان كمن جاهد الكفار مع رسول الله صلّى الله عليه وآله» [45].

وورد عن الرضاA أنّه قال: «من ذكر عنده الصوفيّة ولم ينكرهم بلسانه أو قلبه فليس منّا، ومن أنكرهم فكأنّما جاهد الكفّار بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله» [46]. وفي أكثر من موردٍ نرى صاحب العصر والزمان قد قرن بين التصوّف والتصنّع، فقد كتب إلى قوامه في العراق: «احذروا الصوفي المتصنّع»، ويعني به ابن هلال. ولمّا ورد نعي ابن هلال لعنه الله، فقد كتبA:«وأمّا ما ذكرت من أمر الصوفي المتصنّع - يعني الهلالي - فبتر الله عمره» [47].

إلى غير ذلك من الآثار التي وردت عنهA التي تنهى المؤمنين عن الاقتداء بهم ومقاربتهم ووصف من يغترّ بهم بالمخدوع والضال.

الشواهد القرآنيّة:

وعند النظر لما ورد في القرآن الكريم من النهي عن مثل هذا السلوك المنحرف عن جادة الصواب؛ نرى كثيرًا من الآيات أشارت إلى ذلك إمّا تصريحًا وإمّا تلميحًا، قال تعالى في محكم كتابه العزيز: N..وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَM[48]. وقوله تعالى:Nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ الله لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَM[49].

وفي خصوص هذه الآية روي أنّ النبيّJ جلس للناس ووصف لهم يوم القيامة، ولم يزدهم على التخويف، فرقّ الناس وبكوا، واجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون واتّفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا اللَّيل، ولا يناموا على الفراش، ولا يأكلوا اللحم، ولا الودك، ولا يقربوا النساء ولا الطيب، ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهّبوا ويحبّوا المذاكير.

فبلغ ذلك النبيّJ فأتى منزل عثمان فلم يجده فقال لامرأته: «أحقّ ما بلغني؟». فكرهت أن تكذّب رسول اللهJ وأن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك، فانصرف رسول اللهJ فأخبرت عثمان بذلك فأتى هو وأصحابه إلى النبيّJ، فقال لهم: «ألم أنبّأ أنّكم اتّفقتم على كذا وكذا؟»

فقالوا: ما أردنا إلَّا الخير، فقال: إنّي لم أومر بذلك. ثمّ قال: «إنّ لأنفسكم عليكم حقًّا فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا؛ فإنّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».

ثمّ جمع الناس وخطبهم وقال: «ما بال أقوام حرّموا النساء والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أمّا إنّي لست آمركم أن تكونوا قسّيسين ورهبانًا. إنّه ليس في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتّخاذ الصوامع إنّ سياحة أمّتي الصوم، ورهبانيّتها الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وحجّوا واعتمروا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، واستقيموا يستقيم لكم؛ فإنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديرات والصوامع، فأنزل الله الآية» [50].

رابعًا: عدم الإصرار على المعاصي

إنّ المعصية هي أن يراك مولاك حيث نهاك، وهذه بحدّ ذاتها تدعو إلى التأمّل وأخذ الحيطة والحذر من مغريات الشيطان، فكيف بالإصرار عليها واللامبالاة لأمر المولى والاستخفاف به من قبل العبد.

ولذا قد ورد النهي - عن الاستهزاء بالأوامر الإلهيّة والاستخفاف بها - في القرآن والسنّة النبويّة والأحاديث الواردة عن الأئمّة الهداة% وسيرة علمائنا الأعلام؛ لما لها من الآثار الوضعيّة على شخصيّة الفرد وعقله ودينه والعقوبات الإلهيّة المترتّبة على ذلك، وقد أشار إلى ذلك الباري عزّ اسمه بقوله: Nوَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ❁ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا❁قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰM[51].

فالمتأمّل في كلمات الإمامA الصادرة عن الناحية المقدّسة إلى سفرائه وبعض الصالحين نرى توجيهه وإرشاده إلى عدم الاغترار بالمعصية؛ لأنّها توجب الابتعاد عن جادة الصواب بارتكاب الذنوب، فقد ورد في الدعاء الذي علّمه الشيخ العمري لابن همّام: (..وقوّنا على طاعته، وثبّتنا على مشايعته، واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره، والراضين بفعله ولا تسلبنا ذلك في حياتنا، ولا عند وفاتنا). فإنّ نصرته لا تنال إلّا بالتقوى والابتعاد عن الشبهات والمحرّمات، فالقلب المتمرّس بارتكاب المعاصي يصدأ، وتعتوره حالة من اليأس، وعدم قبول النصح والإرشاد، وهذا هو المستفاد من كلماتهA.

الشواهد القرآنيّة:

كلّ ذي بصيرة يرى أنّ الله تعالى لم يترك أمرًا ولا نهيًا إلّا ودلّنا عليه، سواء كان في القرآن الكريم أو في السنّة النبويّة، فقد حذّر المؤمنين من ارتكاب الذنوب والمعاصي؛ لأنّها موجبة للابتعاد عن رحمة الله تعالى في الدنيا، واستحقاق العقوبة في الآخرة، وإنّ الإصرار على الذنب موجب لعدم الشمول باللطف الإلهي بقبول التوبة؛ لأنّ قبول التوبة منحصر بعدم الإصرار، قال تعالى: Nوَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَM[52]. وقوله تعالى: N.. فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَM[53]. وقوله: تعالى: Nقَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَM[54].

إذًا فالذنوب موجبةٌ لكثرة الابتلاءات واستحقاق العقوبة الإلهيّة، ومن يكون غارقًا بهذا المستنقع من المستبعد أن يتشرّف، ويكون محلًّا لفيوضات الإمام ونصرتهA.

خامسًا: الورع عن محارم الله ومخالفة الهوى

من أهمّ الأسباب التي تؤهّل العبد لأن يكون مصداقًا للمؤمن القوي، ومحلًّا للفيوضات الإلهيّة هي التورّع عن ارتكاب المحارم ومخالفة الهوى؛ وإنّ أهم الأسباب التي تبعد العبد عن الله وتوجب له الخذلان هي اتّباع الهوى والاستئناس بارتكاب الذنوب، حتّ إنّ الإمام العسكريA مهّد الطريق لعصر الغيبة، وجعل المقياس الحقيقي لاتّباع الفقيه من قبل الشيعة هو الورع ومخالفة الهوى، قالA: «فأمّا من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه مخالفًا على هواه، مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يُقلدوه»[55].

فيمكن أن نستشف من كلام الإمامA - في وضع هذ الشروط الأساسيّة في اختيار الفقيه - أنّ اتّباع الهوى وفعل المحرّمات يكون موجبًا للانحراف الفكري والضلال عن سبيل الله والحرمان من الهدى، لأنّ يصل إلى مرحلة الختم فلا يسمع الحقّ ولا يراه - وقد أشار إلى ذلك الله تعالى في كتابه العزيز: Nوَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌM[56] - بل يصل إلى مرحلة إنكار الحقّ والارتداد عن الإسلام إن خالف هواه كما حدث لابن العزاقر الذي كان من خواصّ الشيعة التي لطالما انتفع الموالين بتأليفاته فعندما كلّف الإمامA الحسين بن روح شبّت في نفسه نار الغيرة والحسد واتّبع هواه، فأوجب ذلك نكرانه الإمامة والارتداد حتّى خرج توقيعان من الناحية المقدّسة في ذمّه:

أحدهما: «أنّ ( محمّد بن عليّ المعروف بالشلمغاني) عجّلَ اللهُ له النقمة ولا أمهله، قد ارتدّ عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله وادّعى ما كفر معه بالخالق جلَّ وتعالى، وافترى كذبًا وزورًا، وقال بهتانًا وإثمًا عظيمًا، كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالًا بعيدًا، وخسروا خسرانًا مبينًا. وأنّا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله (صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته) منه، ولعنّاه عليه لعائن الله تترى، في الظاهر منّا والباطن..» .

والثاني: «بسم الله الرحمن الرحيم.. قد وقفنا على هذه الرقعة وما تضمّنته، فجميعه جوابنا ولا مدخل للمخذول الضالّ المضلّ المعروف بالعزاقري لعنه الله في حرف منه، وقد كانت أشياء خرجت إليكم على يدي أحمد بن بلال وغيره من نظرائه، وكان من ارتدادهم عن الإسلام مثل ما كان من هذا، عليهم لعنة الله وغضبه».

وغيره من أهل الضلال كـ(السريعي، والنميري، والهلالي، والبلالي)، أجارنا الله وإياكم من اتّباع الهوى والخذلان ومعادات إمام الزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

الشواهد القرآنيّة:

هناك العديد من الشواهد القرآنيّة على سببيّة اتّباع الهوى للانحراف الفكر والعَقَدي نذكر منها ما يسع المقام:

قال تعالى: Nبَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَM[57]، وقوله تعالى: Nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِM[58]، وقوله تعالى: Nوَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّM[59]، وقوله تعالى: Nفَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَM[60].

إلى غير ذلك من النصوص القرآنيّة التي يستفاد منها أنّه ليس هناك ضلالٌ أكثر من اتّباع الهوى، وهذا يستوجب العقاب الإلهي وعدم الهداية على الصراط القويم.

سادسًا: الحذر من التكسّب من مال الحرام

من الطبائع المتجذّرة في ذات الإنسان هي حبّ المال والثروة، وقد يعاني كثيرٌ من الأشخاص من ذلك، ويتولّد عنده حبًّا للجاه والشهرة، وهذه دوافع غريزيّة في نفسه، وهذا في حدّ ذاته لا إشكال فيه، فقد ورد عن الإمام الصادقA أنّه قال: «لا خير فيمن لا يحبّ جمع المال من حلال، يكف به وجهه ويقضي به دينه، ويصل به رحمه»[61]، ولكنّه يكون مذمومًا إذا اكتسبه صاحبه من الحرام، أو كان الحصول على المال غاية، وليس وسيلة في استثماره في أوجه الخير، وإذا ابتلي الشخص بذلك فقط ابتلي بشيء عظيم يجب عليه التخلّص منه.

وقد ورد التصريح بحرمة أكل الأموال سحتًا وخصوصا حقّ الإمامA في توقيع من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري – رضوان الله تعالى عليه - ابتداء لم يتقدّمه سؤال عنه، نسخته:«بسم الله الرحمن الرحيم.. لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، على من استحلّ من أموالنا درهمًا».

قال أبو الحسين الأسديE: فوقع في قلبي أنّ ذلك فيمن استحلّ من مال الناحية درهمًا دون من أكل منه غير مستحلٍّ، وقلت في نفسي: أنّ ذلك في جميع من استحلّ محرّمًا، فأيّ فضلٍ في ذلك للحجّة على غيره؟!

قال: فو الذي بعث محمّدًاJ بالحقّ بشيرًا، لقد نظرت بعد ذلك في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما كان في نفسي: «بسم الله الرحمن الرحيم.. لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من مالنا درهمًا حرامًا» [62].

ونستفاد ضمنًا من كلماتهA حرمة استحلال أموال الناس والتصرّف بها من غير وجه حقّ.

الشواهد القرآنيّة:

لقد ذمّ الله تعالى حبّ المال والتعلّق به في مواضع عديدة، وسوف نشير إلى بعضها رعاية للاختصار، منها:

قوله تعالى: Nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَM[63]، وقوله تعالى: Nوَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَM[64]، وقوله تعالى: Nوَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًاM[65].

إلى غير ذلك من الآيات التي أشارت ولو ضمنًا أنّ حبّ المال يدفع بالإنسان إلى التكسّب غير المشروع كالربا، وأكل مال اليتيم، والتحايل على الآخرين بأكل أموالهم باطلًا من غير وجه حقّ.

سابعًا: الثبات

ثبات المؤمن على الفطرة التي جُبل عليها وعدم انحرافه عن جادة الصواب يحتاج في ذلك إلى توفيق من الله، وصلابة في الإيمان، وبصيرة في الاعتقاد؛ فإنّ ثبات المؤمن في عقائده وعدم تزلزل إيمانه واستقرار فكره لم يكن ليحصل له هذا التوفيق لو لم يكن له عزمٌ واجتهاد، قال تعالى: Nوَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَM[66].

ومن الأمور المهمّة – التي يجب على المؤمن مراعاتها - في عصر الغَيبة هي التثقّف بالثقافة المهدويّة الحقّة والارتباط بالإمامA من خلال الأعمال التي يشعر من خلالها المكلّف وجودهA، كمعرفته، والدعاء له، والتصدّق عنه، وفعل الخير نيابة عنه.

فمعرفة الإمام والاستشعار بوجودهA وانتظار الفرج من الوظائف الأساسيّة للمهدوي الحقيقي، قال زرارة : سمعت أبا عبد اللهA يقول: «إنّ للغلام غَيبةً قبل أن يقوم، قال: قلت: ولِمَ؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشكّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنّه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر غير أنّ الله (عزّ وجلّ) يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون [قال: قلت: جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شيء أعمل؟ قال:] يا زرارة، إذا أدركت هذا الزمان فادعُ بهذا الدعاء: اللّهمّ عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك، اللّهمّ عرّفني رسولك، فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللّهمّ عرّفني حجّتك، فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني»[67].

فيظهر ممّا ورد عن طريق العصمة (صلوات الله عليهم أجمعين) أنّ هناك علاقةً طرديّةً بين معرفة الإمام والضلال، فمن عرف إمامه لم يضلّ، ومن لم يعرف إمامه ضلّ عن دينه ولم يُقبل له عمل.

وقد ورد عنهA الدعاء للعمري وابنه بالتوفيق والثبات: «وفقكما الله لطاعته، وثبّتكما على دينه، وأسعدكما بمرضاته».

وفي مورد آخر نراه يخرج توقيعًا بعد ما حصل تشاجر بين ابن أبي غانم القزويني وجماعة من الشيعة بسبب انكاره لوجود الإمامA قال فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم..

عافانا الله وإيّاكم من الضلالة والفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإيّاكم من سوء المنقلب: أنّه أنهي إليّ ارتياب جماعةٍ منكم في الدين، وما دخلهم من الشكّ والحيرة في ولاة أمورهم، فغمّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا؛ لأنّ الله معنا ولا فاقة بنا إلى غيره، والحقّ معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا، ونحن صنائع ربِّنا، والخلق بعد صنائعنا» [68].

وفي التوقيعين نراه أرواحنا لتراب مقدمه الفداء يبتدأ توقيعه بالدعاء لشيعته وأنصاره بالثبات واليقين وعدم الوقوع في الفتن والضلال، فإنّ ذلك هو الخسران المبين كما دلّت عليه الآيات من القرآن المجيد والسنّة الشريفة.

الشواهد القرآنيّة:

بيّن الله تعالى في كتابه العزيز أهمّيّة الثبات بصيغ عديدة، منها: صيغة الدعاء، وأخرى بصيغة التفضّل منه على العباد، وثالثة بصيغة الصبر على تحمّل المكاره كقوله تعالى: Nوَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ❁ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًاM[69]، وقوله تعالى: Nوَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَM[70]، وقوله تعالى: Nرَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَM[71].



الخاتمة

وبعد الانتهاء من البحث سوف نستعرض إجمالًا في الخاتمة النتائج التي حصلنا عليها بإيجاز.

إنّ للمفاهيم الأخلاقيّة مصطلحاتٍ وصفاتٍ لها أثرٌ مباشرٌ في سلوكيات الفرد، فلا بدّ من الالتفات إليها ومراعاتها.

إنّ للإمام# عدّة وصايا في هذا الخصوص، يجب على المؤمن في عصر الغيبة الاهتمام بها وأن يجعلها سراجًا يستنير بها من ظلمة الدنيا.

إنّ التسليم لأمر الله وأوليائه يجب أن يكون عقيدةً مترسّخةً في طبيعة المكلّف، فإنّ الله تعالى يعبد من حيث هو يريد لا من حيث نريد.

الحذر من التصوّف؛ فإنّه في الحقيقة عبادة لغير الله تعالى، والعبادة لا تكون خالصةً لوجه الله تعالى.

الحثّ على التقوى ومخافة الله ومخالفة الهوى، فإنّ اتّباع الهوى من المهلكات للعبد.

آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين محمّد وعلى آله الغرّ الميامين، ولاسيّما بقية الله في الأرضين المهديّ المنتظر#، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.



فهرس المصادر

القرآن الكريم

ابن طاووس، السيّد عليّ بن موسى بن جعفر، مصباح الزائر، تحقيق، مؤسسة آل البيت %، لإحياء التراث، الناشر، مؤسسة آل البيت % لإحياء التراث – قم، ط1سنة1417 هـ.

----------، مهج الدّعوات ومنهج العبادات، النّاشر، كتابخانه سنائى.

البحراني، السيد هاشم، السيد هاشم البحراني، مدينة المعاجز، تحقيق، الشيخ عزة الله المولائي الهمداني، الناشر، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم – إيران، ط1، 1413هـ.

التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ% (ت260هـ)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي - قم المشرّفة، ط1/1409هـ.

الجزائريّ، السيّد نعمة الله، الأنوار النّعمانيّة في بيان معرفة النّشأة الإنسانيّة، تحقيق، عيسى الأهريّ، وعمران الغريبدوستيّ، النّاشر: مؤسّسة الأعلميّ- بيروت، ط4، 1404هـ.

الحرّ العامليّ، الشّيخ محمّد بن الحسن، الاثنا عشريّة، تعليق وإشراف، السيد مهدي اللازوردي الحسيني والشيخ محمد درودي، الناشر، دار الكتب العلميّة، قم المشرّفة.

----------، تفصيل وسائل الشّيعة إلى تحصيل مسائل الشّريعة، تحقيق ونشر، مؤسّسة آل البيت% لإحياء التّراث- قم، ط2، 1414هـ.

السيوريّ، الشيخ المقداد بن عبد الله الحلّيّ، كنز العرفان في فقه القرآن، تعليق، الشيخ محمّد باقر شريف زاده، الناشر: المكتبة الرضويّة - طهران، ط1384هـ.

الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ، الأمالي، تحقيق، قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسّسة البعثة، الناشر، مؤسّسة البعثة - قم المشرّفة، ط1/1417هـ.

-----------، مَنْ لا يحضـره الفقيه: (ت381هـ)، تحقيق: عليّ أكبر الغفاريّ، الناشر، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة، ط2/1404هـ.

الطّبرسيّ، الشّيخ أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، الاحتجاج، تحقيق، الشّيخ إبراهيم البهادريّ، والشّيخ محمّد هادي بِهْ، إشراف: الشّيخ جعفر السّبحانيّ، النّاشر: دار الأُسوة، ط4، 1424هـ.

الطّبريّ، الشّيخ محمّد بن جرير بن رستم الصّغير، دلائل الإمامة، تحقيق ونشر، مؤسّسة البعثة- قم المشرّفة، ط1، 1413هـ.

الطّوسيّ، الشّيخ محمّد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، تصحيح وتعليق، مير داماد الأسترآبادي، تحقيق، السيد مهدي الرجائي، الناشر، مؤسسة آل البيت% لإحياء التراث، المطبعة بعثت – قمّ، 1404هـ.

----------، الغيبة، تحقيق، الشّيخ عباد الله الطّهرانيّ، والشّيخ عليّ أحمد ناصح، النّاشر، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة- قم، ط1، 1411هـ.

العينيّ، أبو محمّد بدر الدِّين بن أحمد، عمدة القاري في شرح البخاريّ: (ت855هـ)، النّاشر، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت.

 الغازي، داود بن سليمان، مسند الرضا، تحقيق، محمّد جواد الحسيني الجلالي، الناشر، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، ط1، 1418هـ.

الراونديّ، قطب الدِّين، سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح، تحقيق، مؤسسة الإمام المهدي، الناشر، مؤسّسة الإمام المهدي- قمّ المقدسة، ط1، 1409هـ.

الكلينيّ، الشّيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق الرّازيّ، الكافي، (ت328هـ أو 329هـ)‍، تحقيق، قسم إحياء التراث مركز بحوث دار الحديث، النّاشر، دار الحديث للطباعة والنشر، قم المشرّفة، ط1، 1429ق - 1387ش.

مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها، علي بن الإمام جعفر الصادق (ت ق2)، تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم المشرّفة، الناشر، المؤتمر العالمي للإمام الرضا، ط1، 1409.

المشهدي، محمد بن جعفر، المزار، تحقيق، جواد القيومي الأصفهاني، الناشر، نشر القيوم - قم – إيران، ط1، رمضان المبارك 1419هـ.

النجفيّ، بهاء الدين، منتخب الأنوار المضيئة، تحقيق، مؤسسة الإمام الهادي، الناشر، مؤسسة الإمام الهادي، ط1، ذي القعدة 1420 - 1378 ش.

نهج البلاغة: مجموع ما اختاره الشـّريف أبو الحسن محمّد الرّضيّ بن الحسن الموسويّ (ت406هـ) مِنْ كلام أمير المؤمنين أبي الحسن عليّ بن أبي طالبc (ت40هـ)، شرح: الشّيخ محمّد عبده، النّاشر: دار الذخائر، قم المشرّفة، ط1، 1412هـ.

الهنديّ، عليّ المتقيّ بن حسام الدِّين، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق، الشّيخ بكري حيانيّ، والشّيخ صفوة السّقا، النّاشر، مؤسّسة الرّسالة- بيروت، ط/1409هـ.





[1] سورة المائدة: الآية 6.



[2] سورة البقرة: من الآية 282.



[3] سورة البقرة: من الآية 275.



[4] سورة محمّد: الآية 19.



[5] سورة النحل: الآية 90.



[6] سورة النساء من الآية 59.



[7] سورة البقرة: الآية 62.



[8] سورة القلم: الآية 4.



[9] الغازي، داود بن سليمان، مسند الرضا، ص131.



[10] سورة آل عمران: الآية 159.



[11] الكلينيّ، الشّيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، 3/201-202، ب الورع، ح14.



[12] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه، الأمالي، ص469.



[13] الهنديّ، عليّ المتقيّ بن حسام الدِّين، كنز العمّال، 3/597.



[14] سورة الصف: الآيتان 2-3.



[15] الطّوسيّ، الشّيخ محمّد بن الحسن، الغَيبة، ص287؛ الطّبرسيّ، للشّيخ أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، الاحتجاج، 2/279-280.



[16] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار، ص10-11؛ الطّبرسيّ، للشّيخ أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، الاحتجاج: 2/324-325.



[17] الطّوسيّ، الشّيخ محمّد بن الحسن، الغَيبة: 292-293؛ الطبرسي، الاحتجاج، 2/284.



[18] الصدوق، الشّيخ محمّد بن عليّ بن بابويه القمّي،ّ كمال الدين وتمام النعمة، ص510-511، قطب الدِّين الراونديّ، سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح، 3/ 1110؛ النجفيّ، بهاء الدين، منتخب الأنوار المضيئة، ص238.



[19] سورة النساء: من الآية 59.



[20] الطّوسيّ، الشّيخ محمّد بن الحسن، الغَيبة، ص285-286.



[21] الطّبرسيّ، الشّيخ أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، الاحتجاج، 2/290.



[22] الطبرسي، الاحتجاج: 2/300، البحراني، السيد هاشم، السيد هاشم البحراني، مدينة المعاجز، 8/208.



[23] الصدوق، الشّيخ محمّد بن عليّ بن بابويه القمّي، كمال الدين وتمام النعمة، ص487؛ الطّبريّ، الشّيخ محمّد بن جرير بن رستم، دلائل الإمامة، ص526؛ النجفيّ، بهاء الدين، منتخب الأنوار المضيئة، ص231.



[24] المصدر نفسه.



[25] الطّوسيّ، الشّيخ محمّد بن الحسن، الغَيبة، ص373.



[26] الشيخ الطوسيّ، اختيار معرفة الرجال، 2/816.



[27] ابن طاووس، السيّد عليّ بن موسى بن جعفر، مهج الدعوات ومنهج العبادات، ص279.



[28] سورة القصص: الآية 68.



[29] سورة النساء: الآية 65.



[30] سورة المائدة: الآية 118.



[31] سورة الحجرات: من الآية 1.



[32] سورة الأنبياء: الآية 73.



[33] سورة المائدة: الآية 70.



[34] سورة المائدة: الآية 78.



[35] الحرّ العامليّ، الشّيخ محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة، 7/27، ب 2 من أبواب الدعاء، ح9.



[36] المصدر نفسه، 7/39، ب 8 من أبواب الدعاء، ح5.



[37] محمد عبده، نهج البلاغة، 4/35.



[38] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، 7/39، ب 8 من أبواب الدعاء، ح6.



[39] مؤسسة آل البيت، مسائل علي بن جعفر، ص350.



[40] السيد ابن طاووس، مصباح الزائر، ص317.



[41] سورة الفرقان: من الآية 77.



[42] سورة آل عمران: من الآية 147.



[43] سورة يونس: الآية 12.



[44] سورة فصّلت: الآية 51.



[45] الجزائريّ، السيّد نعمة الله، الأنوار النعمانيّة، 2/202.



[46] الحرّ العامليّ، الشّيخ محمّد بن الحسن، الاثنا عشريّة، ص32.



[47] تقدّم تخريجها.



[48] سورة الحديد: من الآية 27.



[49] سورة البقرة: الآية 104.



[50] السيوريّ الحلّيّ، الشيخ المقداد بن عبد الله، كنز العرفان، 2/318.



[51] سورة طه: الآيات 124-126.



[52] سورة آل عمران: الآية 135.



[53] سورة المائدة: من الآية 49.



[54] سورة القصص: الآية 78.



[55] تفسير الإمام العسكري: 300.



[56] سورة البقرة: من الآية 88.



[57] سورة الروم: الآية 29.



[58] سورة المائدة: الآية 77.



[59] سورة القمر: الآية 3.



[60] سورة القصص: الآية 50.



[61] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ، من لا يحضره الفقيه، 3/166، ب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات، ح3615.



[62] تقدّم تخريجها.



[63] سورة التغابن: الآية 16.



[64] سورة البقرة: الآية 188.



[65] سورة النساء: الآية 2.



[66] سورة العنكبوت: الآية 69.



[67] الكلينيّ، الشّيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، 2/148، ب في الغيبة، ح5.



[68] الطّوسيّ، الشّيخ محمّد بن الحسن، الغَيبة، ص285.



[69] سورة الإسراء: الآيتان74-75.



[70] سورة الأعراف: الآية 126.



[71] سورة آل عمران: من الآية 147.