الباحث : الشيخ د.خالد الحسني
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 37
السنة : شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : February / 3 / 2026
عدد زيارات البحث : 34
الملخّص
لقد برزت في زمن الغَيبة الصغرى ظاهرة التوقيع التي تُمثّل توجيهات وإرشادات الإمام الحجّة للمؤمنين في مختلف القضايا، وقد تنوّعت هذه التوقيعات من عدّة لحاظات، منها تنوّعها من حيث الموضوع، فبعضها صدر لمعالجة قضايا جزئيّةٍ محدّودة، وبعضها صدر لمعالجة مسائل مهمّةٍ عامّة.
وكان من بين التوقيعات المشهورة المأثورة عن الإمام الحجّة هو التوقيع الذي صدر لإسحاق بن يعقوب جوابًا لأسئلته، وقد تناول الفقهاء والباحثون دراسة هذا التوقيع من الناحيتين السنديّة والدلاليّة، بيد أنّ الذي نُركّز النظر عليه في هذا المقال هو بحث أهمّ ما تضمّنه هذا التوقيع الشريف من توجيه المؤمنين للرجوع إلى الفقهاء زمن الغَيبة في المسائل التي يُواجهونها في حياتهم، وتحليل أبعاده السياسيّة والاجتماعيّة.
وأهمّ فرضيات هذا البحث: أمّا في الدائرة السياسية فهو استهداف التوقيع لإيجاد الوعي السياسي لدى القواعد الشعبيّة عبر ربطها بقيادةٍ نائبةٍ ربطًا موضوعيًّا من خلال تعيين خصائص القيادة النائبة، وصيانة المجتمع من الانزلاق في مستنقع الانحرافات السياسيّة، وأمّا في الدائرة الاجتماعيّة فهو استهداف التوقيع لبناء وحدةٍ اجتماعيّةٍ قويّة الأواصر، وضبط حركة المجتمع وإبعاده عن الحالة الفوضويّة.
الكلمات المفتاحيّة:
الإمام الحجّة ، توقيع إسحاق بن يعقوب، القيادة النائبة، الوعي السياسي، الوحدة الاجتماعيّة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
على الرغم من أنّ ظاهرة التوقيع كوسيلة للتواصل بين الأئمّة من أهل البيت% وبين أتْباعهم كانت موجودةً عند بعض الأئمّة، لكنّها برزت بشكلٍ كبيرٍ في زمن الغَيبة الصغرى؛ لأنّها كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة بين الإمام صاحب الزمان وبين شيعته؛ حيث إنّ ظاهرة التوقيع كانت تتضمّن توجيهات وإرشادات الإمام الحجّة للمؤمنين في مختلف القضايا، وقد تنوّعت هذه التوقيعات من عدّة لحاظات، منها تنوّعها من حيث الموضوع، فبعضها صدر لمعالجة قضايا جزئيّةٍ محدودةٍ، وبعضها صدر لمعالجة مسائل مهمّةٍ عامّة.
لقد اشتهر من بين التوقيعات المشهورة المأثورة عن الإمام الحجّة التوقيع الذي صدر منه لإسحاق بن يعقوب جوابًا لأسئلته التي لم تصلنا. وقد تناول الفقهاء والباحثون دراسة هذا التوقيع من الناحيتين السنديّة والدلاليّة، بيد أنّ الذي نُركّز النظر عليه في هذا المقال هو بحث أهمّ ما تضمّنه هذا التوقيع الشريف من توجيه المؤمنين للرجوع إلى الفقهاء زمن الغَيبة في المسائل التي يُواجهونها في حياتهم، وتحليل أبعاده السياسيّة والاجتماعيّة.
وأهمّ فرضيات هذا البحث: أمّا في الدائرة السياسيّة فهو استهداف التوقيع لإيجاد الوعي السياسي لدى القواعد الشعبيّة عبر ربطها بقيادةٍ نائبةٍ ربطًا موضوعيًّا من خلال تعيين خصائص القيادة النائبة، وصيانة المجتمع من الانزلاق في مستنقع الانحرافات السياسيّة، وأمّا في الدائرة الاجتماعيّة فهو استهداف التوقيع لبناء وحدةٍ اجتماعيّةٍ قويّة الأواصر، وضبط حركة المجتمع وإبعاده عن الحالة الفوضويّة.
يمكن عدّ الهدف من هذا البحث هو السعي للوصول إلى رؤيةٍ أكثر وضوحًا حول المنهج السياسي والحركة الاجتماعيّة المطلوبة في الفترة الراهنة التي نعيشها، وهي فترة الغَيبة الكبرى وفقًا للأطروحة الإسلاميّة بحسب مدرسة أهل البيت %.
التمهيد
قبل البدء في البحث ينبغي أن نتعرّض إلى أمرين، وهما:
الأمر الأوّل: عرْض نصّ التوقيع الشريف: فقد روى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ الْعَمْرِيَّ & أَنْ يُوصِلَ لِي كِتَابًا قَدْ سَأَلْتُ فِيهِ عَنْ مَسَائِلَ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ فَوَرَدَ التَّوْقِيعُ بِخَطِّ مَوْلَانَا صَاحِبِ الزَّمَانِ : «... وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا؛ فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَمْرِيُّ - فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ - فَإِنَّهُ ثِقَتِي، وَكِتَابُهُ كِتَابِي... » [1].
وهذه الفقرة مقتطعة من الحديث؛ فإنّه حديث مفصّل [2]
الأمر الثاني: ذكر سند الحديث بنحو الإجمال: لقد ورد هذا الحديث الشريف بطريقين، وهما:
الطريق الأوّل: رواه الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام الكليني[3] عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب.
الطريق الثاني: رواه الشيخ الطوسي عن جماعةٍ – منهم الشيخ المفيد – عن جعفر بن محمد بن قولويه وأبي غالب الزراري [وغيرهما] عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب.
وقد اختلف الموقف من السند:
فبين مَن ضعّفه كالسيّد الخوئي والسيّد الخميني ؛ لجهالة ابن عصام الواقع في طريق الصدوق، وكذا جهالة إسحاق بن يعقوب الواقع في سند الكليني [4].
وبين مَن اعتبره، كما هو ظاهر - أو صريح - الأكثر [5]، بل وصفوه بالتوقيع الرفيع، أو الشريف، أو الصحيح العالي، أو المبارك [6].
وقد تصدّوا لتصحيح السند، والردّ على إشكاليّة جهالة ابن عصام وإسحاق بن يعقوب بوجوهٍ تُورث الاطمئنان بالصدور [7]، مضافًا إلى أنّه على فرض عدم معلوميّة وثاقة إسحاق بن يعقوب عند الكليني، وعدم إحرازه كونه من الخواصّ فمن المستبعد جدًا عدم مطالبة الكليني له برؤية التوقيع نفسه الذي هو بخطّ الإمام ، واكتفاؤه منه بالنقل الشفوي.
ومن هنا صار مستندًا للفقهاء والباحثين في عدّة أبوابٍ فقهيّةٍ كالتقليد، والقضاء، والولاية العامّة [8].
ونقتصر على ذكر هذا المقدار من العَرْض، ولا نخوض في البحث السندي خوف الإطالة.
ونعقد البحث في محورين، وهما:
المحور الأوّل: دراسة الأبعاد الدلاليّة للتوقيع باللحاظ الاجتماعي والسياسي
ينبغي أن يُعلم أنّ لهذا التوقيع الشريف آفاقًا دلاليّةً مهمّةً تمتدّ على الساحات الفقهيّة والأُصوليّة والعَقَديّة، نشرحها ضمن النقاط الآتية:
النقطة الأُولى: اشتمل هذا التوقيع الشريف على قوله : «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا؛ فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ». ولا يُراد من عنوان (الرواة) هنا نقلة الأحاديث؛ فإنّ ذلك لا يحتاج إلى نصب، فكلّ ثقةٍ - أو كلّ عادلٍ - يُمكن الاعتماد عليه وأخذ الرواية منه، بل المراد بذلك العنوان: (الفقهاء)، وإلّا فإنّ صِرْف نقل الأحاديث لا يحتاج إلى نصبٍ وجَعْل، كما ورد في التعبير الوارد في توقيع شريف آخر: «... فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ مِنْ مَوَالِينَا فِي التَّشْكِيكِ فِيمَا يَرْوِيهِ [ يُؤدّيه] عَنَّا ثِقَاتُنَا، قَدْ عَرَفُوا بِأَنَّا نُفَاوِضُهُمْ سِرَّنَا، وَنُحَمِّلُهُمْ [ونحمله] إِيَّاهُ إِلَيْهِمْ...» [9]، فهذا التوقيع الثاني – كما ترى - خالٍ من النصب.
والذي يحتاج إلى نصبٍ هو مقام المرجعيّة الدينيّة لأخذ الأحكام وتعاليم الدين ونحو ذلك. وإنّما استُعمل عنوان (الرواة)؛ لأنّ الفقيه في مدرسة أهل البيت% يدور في استنباطه مدار النصّ، ولا يتجاوزه؛ بخلاف المذاهب الإسلاميّة الأُخرى.
إذن، المراد النصب، ومن الواضح أنّ هذا النصب هو نصب عامّ، أي: نصب للعنوان، ولم يُعيّن فيه المصاديق. أجل، اشتمل التوقيع في بعض فقراته على الإشارة إلى نصبٍ خاصّ، وهو نصب العمري وابنه وتزكيتهما تزكية لا نظير لها، فقد ورد بُعيد تلك العبارة قوله : «وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَمْرِيُّ - فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ - فَإِنَّهُ ثِقَتِي، وَكِتَابُهُ كِتَابِي».
النقطة الثانية: ليس المقصود من هذا البيان الصادر من قِبَل الإمام الحجّة تخصيص هذا التوجيه بكاتب الأسئلة، وهو إسحاق بن يعقوب دون غيره من الناس، بل المراد التبيين لكلّ مؤمن، بل للمجتمع المؤمن في عمود الزمان، فهو توجيهٌ عامٌّ للمكلّفين كافّة زمن الغَيبة؛ وذلك لعدّة قرائن:
القرينة الأُولى: أنّ العُرف لا يفهم من هذا التعبير الاختصاص؛ فإنّ إسحاق يكفيه مراجعة شخصٍ واحد، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك.
القرينة الثانية: استعمال ضمير الجمع دون ضمير المفرد «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا؛ فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ»، لاحظ قوله : (فَارْجِعُوا)، (عَلَيْكُمْ)، ولذا لم يقل الإمام : «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعْ فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا؛ فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكَ»، بل حتّى لو كان ضمير الخطاب مفردًا لاُستُفيد النصب العامّ أيضًا للقرينة الثالثة.
القرينة الثالثة: أنّ إرجاع إسحاق بن يعقوب إلى شخصٍ خاصٍّ لا يحتاج إلى استخدام لسان النصب العامّ، وبتلك اللهجة الشديدة التي تقشعرّ منها الجلود: «فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ»، بل يكفي إرجاعه إلى شخصٍ معيّنٍ أو اثنين أو إلى جماعةٍ معيّنة، نظير ما ورد عن الإمام أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ A أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ كُتُبِ بَنِي فَضَّالٍ. فَقَالَ: «خُذُوا بِمَا رَوَوْا، وَذَرُوا مَا رَأَوْا» [10].
وإنّما أراد الإمام تثبيت (مبدأ دستوري ثابت أعلى مهيمن)، وهو نصب المرجعيّة الدينيّة للمجتمع الإيماني بأسره، وربطه بها؛ إذ لم يكتفِ بتعيين منصب المرجعية الدينية، بل ركّز أيضًا في الوقت ذاته على لزوم الرجوع إلى تلك المرجعية، ولئن كان النصب حكمًا شرعيًّا من سنخ الأحكام الوضعيّة بحسب الاصطلاح الأُصولي، وهو بيان لسبب الحكم بالإرجاع إلى الفقهاء، فإنّ قوله : (فَارْجِعُوا)، الأمر ظاهر في الوجوب والإلزام، كما يُقال.
ومن الطريف أنّنا نُلاحظ الصيغة القانونيّة المضغوطة الحاسمة التي بُيّن فيها هذا المبدأ الدستوري؛ إذ قلّما نعثر في الأحاديث على مثل هذا التعبير.
النقطة الثالثة: تجدر الإشارة إلى أنّ هذا التنصيب ذو سمتين: فهو تنصيب مقدّس؛ لصدوره عن الناحية المقدّسة، وهو أيضًا تنصيب موضوعي، أي: اشتمل على بيان مِلاكات هذا التنصيب، وتتمثّل بما يلي:
المِلاك الأوّل: المِلاك العلمي، وهو كون المرجع متوفّرًا على فقه الدين، ولفظ «رُوَاةِ حَدِيثِنَا» عنوانٌ مشير إلى ذلك. ومن اللافت للنظر هو استعمال المضاف إليه ضمير الجمع (نا)، فلم يقل الإمام (حديثي أو أحاديثي)، كي ينحصر التنصيب بمَن فقه أحاديث الإمام صاحب الزمان ، بل التنصيب يثبت لمَن فقه أحاديث الأئمّة % ورواياتهم. ونظير هذا اللسان ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة – الواردة في باب القضاء - من قول أبي عبدالله A: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَارْضَوْا بِهِ حَكَمًا؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا»[11].
المِلاك الثاني: المِلاك العَقَدي، وهو كون المرجع مؤمنًا بالمعنى الأخصّ، وهذا ما يُستفاد من إضافة ضمير الجمع (نا)، «رُوَاةِ حَدِيثِنَا؛ فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ... »، فالفقهاء بأحاديث أهل البيت % هؤلاء هم المنصوبون حجّة عليكم، لا كلّ راوٍ للحديث وإن كانت من أحاديث غيرهم كالأحاديث المتداولة في مصادر أهل السنّة.
المِلاك الثالث: كون المنصوب نائبًا، أي: لا يتصرّف بنحو الأصالة والاستقلاليّة، بل بنحو النيابة والممثّلية عن إمام الأصل، الذي هو حجّة الله فقط وفقط، ويترتّب على ذلك ما يأتي:
أن لا يخرج النائب عمّا هو مظنّة رضاه في تصرّفاته وتدابيره، وعليه إحراز هذا الرضا بقدر الوسع، وإنّما قلنا بحسب الوسع؛ لأنّ الشأن في ذلك كما هو الشأن في سائر الأحكام المشروطة بالقدرة؛ لذا يجدر التنبيه على أنّه ينبغي أن لا يُتوقّع من المرجعيّة ما هو خارج عن قدرتها، فهو إنّما يتحرّك بمقدار بسط يده.
كما أنّ عليه محاكاة إمامه في طريقة التعامل مع القضايا بحسب الوسع، لكن مع لحاظ التناسب مع الظروف، ومن هنا لا يصحّ الجمود عمّا هو منقول عن الأئمّة % من التصرّفات، فربّما لا تتناسب مع زماننا، ولا يصحّ تسجيل إشكالٍ على المرجعيّة بسبب ذلك، فمثلًا لو كانت الظروف مريبةً من الناحية الأمنيّة، فوضع المرجع الحرس للحماية لا يُعدّ ذلك خلافًا لسيرة الأئمّة %.
المِلاك الرابع: أنّ موقع التمثيل والنيابة عن الإمام يُملي على المرجع التحلّي بالسلوكيّة المطلوبة دينيًّا ورساليًّا، سواء على صعيد السلوكيّات الشخصيّة والفرديّة أو على صعيد السلوكيّات الاجتماعيّة العامّة، وهذا ما يقتضي أُمورًا:
التحلّي بالتقوى وعدم الانزلاق في المحرّمات كإمامه المعصوم A، أي: يلزم توفّره على صفة العدالة الشرعيّة، والتي هي مطلوبةٌ شرعًا في ما هو دون ذلك من المواقع الدينيّة كإمامة الجماعة، فكيف بمقام النيابة؟!
بل يُمكننا التقدّم خطوة إلى الأمام بدعوى: أنّ المُستفاد من سياق التنصيب ولسانه عدم الاقتصار التوفّر على مسمّى العدالة الفقهيّة، بل يجب التحلّي بالزهد، وعدم الانكباب على الدنيا، وعدم الاسترسال مع الهوى النفسي والمطامع الشخصيّة، ومراعاة السنن، كما هو مقتضى موقع النيابة عن المعصوم A، وكما هو مقتضى كونه واقعًا تحت نظر إمام العصر ، كما يُستفاد ذلك من قوله: «فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ»، أي: وأنا ناظر عليهم ومراقب لهم.
ونحن لو طالعنا بعض فقرات هذا التوقيع لتجلّى إلينا مدى نزاهة الإمام وعدم اهتمامه بالدنيا ولا بالمال، قال : «وَأَمَّا الْمُتَلَبِّسُونَ بِأَمْوَالِنَا فَمَنِ اسْتَحَلَّ مِنْهَا شَيْئًا فَأَكَلَهُ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ النِّيرَانَ. وَأَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِشِيعَتِنَا وَجُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ أَمْرِنَا لِتَطِيبَ وِلَادَتُهُمْ وَلَا تَخْبُثَ. وَأَمَّا نَدَامَةُ قَوْمٍ شَكُّوا فِي دِينِ اللَّهِ عَلَى مَا وَصَلُونَا بِهِ فَقَدْ أَقَلْنَا مَنِ اسْتَقَالَ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى صِلَةِ الشَّاكِّينَ»، وهكذا يجب أن يكون شأن نائب الإمام .
وفي ما يتعلّق بالمجتمع والأُمور العامّة ينبغي رعاية ما يقتضيه الإنصاف والقسط بين الناس، وعدم التبعيض، فقد رُوِيَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِاللَّهِ A، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَمَّاطِينَ [12] فَقَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ تَقَعُ فِي أَيْدِينَا الْأَرْبَاحُ وَالْأَمْوَالُ وَتِجَارَاتٌ نَعْرِفُ أَنَّ حَقَّكَ فِيهَا ثَابِتٌ وَإِنَّا عَنْ ذَلِكَ مُقَصِّرُونَ، فَقَالَ A: «مَا أَنْصَفْنَاكُمْ إِنْ كَلَّفْنَاكُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ» [13].
الحاصل: أنّ منصب المرجعيّة ذو حدود أربعة: حدّ علمي، وحدّ عقدي، وحدّ انتمائي، وحدّ سلوكي. ونُنبّه إلى أنّه قد صُرّح بهذه الحدود في بعض الأحاديث الأُخرى كالحديث الصادر عن أبي الإمام صاحب الزمان ، وهو الإمام الحسن العسكري A، قال فيه: «.... فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائنًا لِنَفْسِهِ حَافِظًا لِدِينِهِ مُخَالِفًا عَلَى هَوَاهُ مُطِيعًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ... » [14].
المحور الثاني: دراسة الآثار الاجتماعيّة والسياسيّة للتوقيع
لا يخفى أنّ لهذا التوقيع الشريف آثارًا عديدة، منها الآثار الاجتماعيّة والسياسيّة، وهذا ما سنفصّله فيما يأتي:
أوّلًا: دراسة الآثار الاجتماعيّة للتوقيع
لو أنعمنا النظر في هذه الحدود الأربعة لاتّضح لنا ما يأتي:
النقطة الأُولى: أنّ رجوع المجتمع الإيماني إلى هذه المرجعيّة هو رجوعٌ واعٍ، وليس رجوعًا عمياويًّا ولا جزافيًّا؛ لأنّه مطلوبٌ منه تطبيق تلك الملاكات على مَن يرجعون إليه، إمّا بصورةٍ مباشرةٍ وإمّا بالاستعانة بالخبراء الأُمناء على الأُمّة والدين. وبفضل هذا الوعي الجماهيري التفّ أبناء المجتمع المؤمن حول محوريّة المرجعيّة الدينيّة على طول التاريخ.
النقطة الثانية: أنّ هذا الرجوع يستبطن نوع رقابةٍ إلهيّةٍ من قبل إمام العصر، كما يستبطن أيضًا رقابةً شعبيّةً على المرجع إمّا بصورة مباشرة أو بالاستعانة بالخبراء الأُمناء على الأُمّة والدين، فهو مرجعٌ للاُمّة يتمتّع بسمة المرجعيّة ما دام واجدًا لمِلاكات التنصيب الأربعة المتقدّمة، وإلّا فسيفقدها فورًا؛ فلا تبعيّة للأشخاص بما هم أشخاص. ورقابة الأُمّة في واقعه هو مبدأ آخر موازٍ للمبدأ الأوّل، وهو مبدأ المرجعيّة.
النقطة الثالثة: لقد كان لالتفاف الأُمّة حول مرجعيّتها بركات وبركات، منها:
وحدة المجتمع الإيماني؛ فإنّ المرجعية الدينيّة – طبقًا للرؤية الشيعيّة – هي الضمان لوحدة الصفّ، وتخليصه من الاختلافات الداخليّة المنهكة التي تستنزف طاقات المجتمع عادة، ولا يقتصر دَور المرجعيّة على حفظ وحدة المجتمع في الدائرة الشيعيّة الضيّقة، بل هي الحريصة على وحدة المجتمع بكلّ أطيافه، كما هو مقتضى النيابة عن الإمام الأصل، وهي بمنزلة السلك الذي ينظم فئات المجتمع ومكوّناته ويحفظها من أن تنخرط، فالمرجعيّة الدينيّة أُبوّةٌ للمجتمع، لاحظ الخطاب الرقيق النابض بالعاطفة الجيّاشة، والحبّ المفرط للمؤمنين «أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ - أَرْشَدَكَ اللَّهُ وَثَبَّتَكَ وَوَقَاكَ مِنْ أَمْرِ الْمُنْكِرِينَ لِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِنَا وَبَنِي عَمِّنَا»، فقد ورد في خطبة السيّدة الزهراء$: «وَطَاعَتَنَا نِظَامًا لِلْمِلَّةِ، وَإِمَامَتَنَا أَمَانًا لِلْفُرْقَةِ » [15].
تأمين سلامة المسيرة؛ إذ المجتمع يتعرّض دومًا إلى تيّاراتٍ فكريّةٍ وعَقَديّة مريبة، ومن الصعوبة عادة التمييز بين الغثّ والسمين حتّى للنخب فضلًا عن الملأ العامّ، وهنا يأتي دَور المرجعيّة كصمّام أمانٍ يصون المجتمع من الانحرافات، ويحميه من الغزو الثقافي نظرًا لخبرته العلميّة ما دام يُؤدّي وظيفته نائبًا عن المعصوم A.
فقد وردت بعض الفقرات في التوقيع تكشف عن متابعة الإمام للتياّرات بل وللأفراد متابعةً دقيقة، وتعيين الموقف تُجاههم، وجعل المجتمع على بيّنةٍ من أمره، وضخّه بالوعي الثقافي والوضوح في الرؤية، قال : «وَأَمَّا ظُهُورُ الْفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اللَّه ِ، وَكَذَبَ الْوَقَّاتُونَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُسَيْنَ لَمْ يُقْتَلْ فَكُفْرٌ وَتَكْذِيبٌ وَضَلَالٌ... وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَمْرِيُّ - فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ - فَإِنَّهُ ثِقَتِي، وَكِتَابُهُ كِتَابِي. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ الْأَهْوَازِيُّ فَسَيُصْلِحُ اللَّهُ قَلْبَهُ، وَيُزِيلُ عَنْهُ شَكَّهُ... وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ بْنِ نُعَيْمٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ. وَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ الْأَجْدَعُ مَلْعُونٌ وَأَصْحَابُهُ مَلْعُونُونَ، فَلَا تُجَالِسْ أَهْلَ مَقَالَتِهِمْ؛ فَإِنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَآبَائِي % مِنْهُمْ بِرَاءٌ».
ويستمرّ الضخّ الثقافي حيث يتعرّض إلى أُمورٍ عَقَديةٍ لتثبيت عقائد المجتمع المؤمن وتحصينه: «وَأَمَّا عِلَّةُ مَا وَقَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ... إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِي إِلَّا وَقَدْ وَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ، وَإِنِّي أَخْرُجُ حِينَ أَخْرُجُ وَلَا بَيْعَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الطَّوَاغِيتِ فِي عُنُقِي. وَأَمَّا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَهَا عَنِ الْأَبْصَارِ السَّحَابُ، وَإِنِّي لَأَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ»، كما اشتمل التوقيع على بعض التوجيهات الفقهيّة والأحكام الشرعيّة أيضًا. وليس المراد تصدّي المرجع بنفسه لذلك، بل يُمكنه الاعتماد على جهازه المرجعي من مبلّغين ومرشدين.
حفظ هيبة المجتمع أمام سائر المجتمعات؛ فإنّ المجتمع الذي لا رأس له يكون كالجثّة الهامدة، فاقدًا لمَن يُمثّله تمثيلًا حقيقيًا، ويكون رمزًا حيًّا يُمكن النظر إليه والتعامل معه حينئذٍ من قِبَل المجتمعات الأُخرى، فالمرجعيّة الدينيّة تمنح المجتمع قوّة، وتُكسبه اعتبارًا وجاهًا أمام العالم. وهذه المعالم نلمسها بوضوحٍ في مجتمعاتنا الشيعيّة، وباتت من امتيازاتنا التي يفقدها غيرنا من أبناء سائر المذاهب الإسلاميّة، فضلًا عن أبناء الديانات الأُخرى.
ثانيًا: دراسة الآثار السياسيّة للتوقيع
وهنا نقطتان، وهما:
النقطة الأُولى: لقد اتّضح لنا في المقطع الأوّل من بحثنا هذا أنّ التوقيع قد دلّ على نصب الفقهاء في زمن الغَيبة مراجع ونوّابًا عن الإمام صاحب الزمان ، «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا؛ فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ». وعلى الرغم من أنّه تنصيبٌ لموقعٍ ديني ّواجتماعي، بيد أنّه يترشّح منه تنصيب سياسي للمرجعيّة الدينيّة النائبة بلا ريب؛ وذلك للتقريبات التالية:
التقريب الأوّل: أنّ الشارع المقدّس لا يُقدّم غير النائب - الفاقد للفقه والخبرة والعدالة - على النائب الفقيه الخبير العادل الواجد لهذه الخصائص؛ وإلّا فسيكون من باب تقديم المفضول على الفاضل، وهو مرفوض عقلًا وعقلائيًا: أمّا بلحاظ العقل فإنّ العقل يرفض تقديم أحد المتساويين مع عدم المرجّح، فكيف يقبل بتقديم المرجوح على الراجح؟! وأمّا عقلائيًا فإنّ العقلاء يُقدّمون الأفضل في جميع شؤونهم حتّى الأُمور الصغيرة والحقيرة بسبب ميلهم الفطري، فكيف يرضون بتقديم الأردأ على الأجود؟!
التقريب الثاني: أنّ الشارع ليس لديه منصبان ونيابتان: منصب ديني واجتماعي، ومنصب سياسي، بل لديه منصبٌ واحدٌ ونيابةٌ واحدة، يكون على عهدته هداية المجتمع وإرشادهم لما يُصلحهم في الدنيا والآخرة.
التقريب الثالث: التمسّك بالإطلاق اللفظي لـ (الحوادث الواقعة)؛ بناءً على كون اللام لام الجنس، فإنّها لا تختصّ بمجالٍ معيّنٍ كالمجال الفقهي دون غيره، بل يكون الأمر سيّالًا لكلّ ما يحتاجه المجتمع من قضايا وملابسات تشريعية، أو اجتماعيّة أو عَقَديّة أو سياسيّة. ولو نوقش بأنّه بسبب عدم وصول الأسئلة إلينا فمن المحتمل كون السؤال كان عن حوادث خاصّة، وعليه تكون اللام عهديّة للإشارة إلى تلك الحوادث المسؤول عنها.
فالجواب:
الأوّل: أنّنا لا نحتمل وجود قضايا خاصّةٍ يُرجع فيها إلى الفقهاء دون غيرها، ولا سيّما الفقهاء المنصوبين.
الثاني: يُمكننا أن نتمسّك بإطلاق قوله : «فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ» [16]، وما عليك إلّا أن تُلاحظ صيغة النصب الباتّة والقاطعة «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا؛ فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ»، ولا سيّما إذا لوحظ ظرف الصدور، وهو كونه من إمام سيغيب غَيبةً طويلة.
النقطة الثانية: لذلك النصب عدّة بركات، منها:
تحديد الاتّجاه السياسي العامّ للمجتمع المؤمن، ألا وهو نشدان العدالة الاجتماعيّة على يد المنقذ الواقعي للبشريّة من كلّ أنواع الظلم، ومن جميع ألوان الحيف، وبناء المجتمع الإنساني السعيد، وقد جاء في التوقيع الشريف دعوة المؤمنين إلى التطلّع إلى ذلك القائد «وَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ الْفَرَجِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فَرَجُكُمْ»، فلا تذهب بكم المذاهب شرقًا وغربًا، ولا تغترّوا بالشعارات الخلابة، فكلّ دعوة غير دعوة المنقذ الإلهي هي هواء في شبك، وأنّ كلّ رايةٍ سياسيةٍ تُرفع غير رايته فهي تيه وضلال ومنحرفة عن صراط الله وسبيله القويم، كما ورد في المعتبرة [17] عن أبي عبدالله A: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [ تعالى ] [18]»[19].
ومن الواضح أنّ الراية التي يرفعها المرجع النائب ليست كباقي الرايات؛ لأنّها هي راية هذا المنقذ الموعود نفسها، وليست راية مستقلّةً عنه.
غلق الباب أمام المدارس والتيّارات السياسيّة التي تعصف بالمجتمع، وتُحاول استغلاله عادة، وتوجيهه وفق ما تشتهي، فما دام المرجع معيّن، فمنه نعرف تكاليفنا الفرديّة والاجتماعيّة في مختلف الساحات والمساحات، فلا فراغ قيادي حتّى يفتقر المجتمع إلى إرشاد هذا الفرد أو ذاك، أو إلى هذا التنظيم السياسي أو ذاك، إلّا إذا انضووا تحت مظلّة المرجعيّة العليا، وحينها سنعود إلى المربّع الأوّل. وعليه، فلا يبقى ثمّة مطمعٌ لأحد في المجتمع المؤمن. ومن هنا يتجلّى أيضًا مدى دَور المرجعيّة الدينيّة في صيانة المجتمع سياسيًّا، سواء على صعيد انتخاب الاتّجاه السياسي أو على صعيد انتخاب الموقف السياسي، أو على صعيد انتخاب الأفراد للمواقع المتقدّمة.
أنّ عالمنا يضجّ بالأحداث والأزمات والمفاجآت والتعرّجات والالتواءات السياسيّة داخليّة كانت أو خارجية، وعادةً ما تجعل المجتمع يتعامل معها بصورةٍ انفعاليّةٍ إقدامًا أو إحجامًا أو تشكيكًا وتردّدًا، ولا سيّما مع الحرب الإعلاميّة والنفسيّة التي تقارن تلك الحالات. وهنا يبرز دَور المرجعيّة بوصفها مصدرًا موجِّهًا موثوقًا للمجتمع، فلا داعي أن يتسكّع أبناء مجتمعنا على أبواب الساسة لمعرفة الموقف المطلوب، بل يستند المجتمع في مثل هذه الحالات إلى المرجعيّة التي هي ركن وثيق؛ ولذا تجد تاريخنا الشيعي حافلًا بالتجارب السياسيّة المشرّفة والناجحة، سواء في مواجهة الاحتلال أو في ترتيب الأوضاع الداخليّة للبلدان، أو في تحقيق الاستقلال، أو في تأمين المستقبل السياسي. ومن هنا صار الآخرون يحسبون للشيعة ألف حساب، ويعدّونهم رقمًا صعبًا في المعادلات السياسيّة.
أهمّ نتائج البحث
أوّلًا: في ما يتعلّق بالبُعد الدلالي فقد توصّلنا إلى ما يأتي:
دلالة التوقيع على تنصيب الفقهاء للمرجعيّة الدينيّة من قِبَل الإمام الحجّة ، وليس المراد الإرجاع إلى الرواة بما هم نقلة للأحاديث.
عدم تخصيص التوجيهات الواردة في التوقيع بالسائل، وهو إسحاق بن يعقوب، بل المراد عموم المؤمنين.
أنّ هذا التنصيب ذو سمتين: فهو تنصيبٌ مقدّس؛ لصدوره عن الناحية المقدّسة، وهو أيضًا تنصيبٌ موضوعي، أي: اشتمل على بيان مِلاكات هذا التنصيب، وتتمثّل بما يأتي:
الملاك الأوّل: المِلاك العلمي.
المِلاك الثاني: المِلاك العقدي.
الملاك الثالث: كون المنصوب نائبًا.
المِلاك الرابع: اقتضاء موقع التمثيل والنيابة عن الإمام التحلّي بالسلوكيّة المطلوبة دينيًّا ورساليًّا.
ثانيًا: وأمّا ما يتعلّق بالآثار الاجتماعيّة للتوقيع فقد توصّلنا لما يلي:
أنّ رجوع المجتمع الإيماني إلى هذه المرجعيّة هو رجوعٌ واعٍ، وليس رجوعًا عمياويًّا ولا جزافيًّا.
أنّ هذا الرجوع يستبطن نوع رقابةٍ إلهيّةٍ من قبل إمام الأصل ، كما يستبطن أيضًا رقابةً شعبيّةً على المرجع إمّا بصورةٍ مباشرةٍ، وإمّا بالاستعانة بالخبراء الأُمناء على الأُمّة والدين.
لقد كان لالتفاف الأُمّة حول مرجعيّتها بركات وبركات، منها:
وحدة المجتمع الإيماني.
تأمين سلامة المسيرة.
حفظ هيبة المجتمع أمام سائر المجتمعات.
ثالثًا: وأمّا ما يتعلّق بالآثار السياسيّة للتوقيع فقد توصّلنا لما يلي:
على الرغم من أنّه تنصيبٌ لموقعٍ دينيّ واجتماعيّ، بيد أنّه يترشّح منه تنصيبٌ سياسيّ للمرجعيّة الدينية النائبة بلا ريب؛ وذلك لعدّة تقريبات.
لقد كان لتصدّي المرجعّية سياسيًّا بركاتٌ وبركاتٌ، منها:
تحديد الاتّجاه السياسي العامّ للمجتمع المؤمن، ألا وهو نشدان العدالة الاجتماعيّة على يد المنقذ الواقعي للبشريّة من كلّ أنواع الظلم، ومن جميع ألوان الحيف، وبناء المجتمع الإنساني السعيد.
غلق الباب أمام المدارس والتيّارات السياسيّة التي تعصف بالمجتمع، وتُحاول استغلاله عادة، وتوجيهه وفق ما تشتهي.
بروز دَور المرجعيّة بوصفه مصدرًا موجِّهًا موثوقًا للمجتمع، ولا سيّما أنّ عالمنا يضجّ بالأحداث والأزمات والمفاجآت والتعرّجات والالتواءات السياسيّة داخليّة كانت أو خارجيّة.
المصادر
القرآن الكريم
الآخوند الخراساني، محمد کاظم، حاشية المكاسب، وزارة الإرشاد الإسلامي -إيران، ط 1 / 1406 هـ.
الاسترآبادي، محمد أمين، الفوائد المدنيّة (وبهامشه: الشواهد المكّية)، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين – قم، ط 1 / 1424 هـ.
الآشتياني، الميرزا محمّد حسن، کتاب القضاء، منشورات دار الهجرة - قم، ط 2 / 1404 هـ، 1363 هـ. ش.
الأنصاري، مرتضی بن محمّد أمين، کتاب القضاء والشهادات، مجمع الفکر الإسلامي - قم / 1415 هـ.
----------، کتاب المكاسب، مجمع الفكر الإسلامي - قم، ط 3 / 1420 هـ، 1378 هـ. ش.
الإيرواني، باقر، دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي ـ قم، ط 2 / 1427 هـ
بحر العلوم، محمّد، بلغة الفقيه، منشورات مكتبة الصادق - طهران، ط 4 / 1403 هـ، 1984 م، 1362 هـ. ش.
البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، مؤسّسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم / بدون تاريخ
البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى: الاجتهاد والتقليد، مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي – قم، ط 1 / 1364 – 1370 هـ. ش.
الحائري، كاظم، أساس الحكومة الإسلامية، مطبعة النيل – بيروت، ط 1 / 1399 هـ.
----------، ولاية الأمر في عصر الغَيبة، مجمع الفكر الإسلامي – قم، ط 2 / 1424 هـ.
الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلی تحصيل مسائل الشريعة المعروف اختصار اسمه بـ (وسائل الشيعة)، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط 1 / 1412هـ
الحكيم، محسن الطباطبائي، مستمسك العروة الوثقى، مطبعة الآداب – النجف الأشرف / 1391 هـ، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي – قم، ط 4 / 1404 هـ.
الحكيم، محسن الطباطبائي، نهج الفقاهة، مطبعة 22 بهمن – قم / بدون تاريخ.
الحلّي (العلامة)، الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم، ط 1 / 1417 هـ
الخميني، الإمام روح الله، کتاب البيع، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني - قم، ط 1 / 1421 هـ، 1379 هـ. ش
الخميني، مصطفى، ولاية الفقيه، مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ طهران، ط 1 / بدون تاريخ.
الخوئي، أبو القاسم، مباني تكملة المنهاج، [مطبعة الآداب - النجف الأشرف / بدون تاريخ]، طبعة المكتبة العلمية - قم، ط 2 / 1396 هـ.
-----------، معجم رجال الحديث، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي - قم، ط 5 / 1413 هـ، 1992 م.
الراوندي، قطب الدين سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح، مؤسّسة الإمام المهدي - قم، ط 1 / 1409 هـ.
السبزواري، المولی محمّد باقر، کفاية الفقه المشتهر بـ ( کفاية الأحكام)، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم، ط 1 / 1423 هـ.
السيفي المازندراني، علي أكبر، دليل تحرير الوسيلة ـ ولاية الفقيه، مؤسّسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني ـ طهران، ط 2 / 1428 هـ.
الصافي، لطف الله، مجموعة الرسائل، بدون تاريخ.
الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه، مَن لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم، ط 2 / بدون تاريخ.
-----------، کمال الدين وتمام النعمة، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم / 1405 هـ، 1363 هـ. ش.
الطباطبائي اليزدي، محمّد کاظم، العروة الوثقی (مع التعليقات)، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم، ط 1 / 1420 هـ.
الطبرسي، الإمام السعيد أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، الاحتجاج، مطابع النعمان - النجف الأشرف / 1386 هـ، 1966 م.
الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال المعروف بـ (رجال الكشّي)، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم / 1404 هـ.
-----------، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، دار الكتب الإسلامية - تهران، ط 4 / 1363 هـ. ش.
-----------، تهذيب الأحكام، دار الكتب الإسلامية - طهران / 1390 هـ.
-----------، كتاب الغَيبة، مؤسّسة المعارف الإسلامية – قم، ط 1 / 1411 هـ.
الفاضل الأصفهاني، بهاء الدين محمّد بن الحسن المعروف بالفاضل الهندي، کشف اللثام عن قواعد الأحكام، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرّسين - قم، ط 1 / 1416 هـ.
الفيّاض الكابلي، محمد إسحاق، تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى، محلاتي – قم، ط 1 / بدون تاريخ.
الفيض الكاشاني، محمد محسن، الحقّ المبين في تحقيق كيفية التفقّه في الدين، سازمان چاب دانشگاه / 1390 هـ، 1349 هـ. ش.
-----------، الوافي، مكتبة أمير المؤمنين علي - إصفهان، ط 1 / 1406 هـ. ش.
الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية - طهران، ط 3 / 1388 هـ.
المجلسي، محمّد باقر، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، دار الكتب الإسلامية - طهران، ط 1 / 1408 هـ، 1367 هـ. ش.
المفيد، أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، مؤسسة آل البيت % لإحياء التراث - قم، ط 1 / 1412 هـ.
المنتظري النجف أبادي، حسين علي، مبانى فقهى حكومت إسلامى [باللغة الفارسية]، مؤسّسة كيهان ـ قم، ط 1 / 1409 هـ.
مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي طبقًا لمذهب أهل البيت، مجلّة فقه أهل البيت، العدد: 44، السنة الحادية عشرة / 1427 هـ = 2006 م.
النجفي الخوانساري، موسى بن محمد، منية الطالب في شرح المكاسب، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين – قم، ط 1 / 1418 هـ.
النجفي، محمّد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام، مؤسسة التاريخ العربي - بيروت، ط 7 / بدون تاريخ.
النراقي، المولی أحمد بن محمد مهدي، عوائد الأيّام، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، ط 1 / 1417 هـ = 1375 هـ. ش.
-----------، مستند الشيعة في أحكام الشريعة، مؤسسة آل البيت % لإحياء التراث - قم، ط 1 / 1415 هـ.
الهمداني، محمد رضا، مصباح الفقيه، منشورات مكتبة الصدر – طهران / بدون تاريخ.
[1] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، کمال الدين وتمام النعمة، 483 – 485، ح 4؛ الطوسي، محمد بن الحسن، كتاب الغَيبة، 290 – 293، ح 247؛ الطبرسي، الإمام السعيد أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، الاحتجاج، ص282 - 284؛ الراوندي، قطب الدين سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح، 3/ 1113 – 1115، ح 30؛ الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن وسائل الشيعة، 27/140، ب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 9.
[2] وإليك النصّ بتمامه: « مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: «سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ الْعَمْرِيَّE أَنْ يُوصِلَ لِي كِتَابًا قَدْ سَأَلْتُ فِيهِ عَنْ مَسَائِلَ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ، فَوَرَدَ التَّوْقِيعُ بِخَطِّ مَوْلَانَا صَاحِبِ الزَّمَانِ : أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ - أَرْشَدَكَ اللَّهُ وَثَبَّتَكَ وَوَقَاكَ مِنْ أَمْرِ الْمُنْكِرِينَ لِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِنَا وَبَنِي عَمِّنَا - فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، وَبَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ، وَمَنْ أَنْكَرَنِي فَلَيْسَ مِنِّي وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ ابْنِ نُوحٍ، وَأَمَّا سَبِيلُ ابْنِ عَمِّي جَعْفَرٍ وَ وُلْدِهِ فَسَبِيلُ إِخْوَةِ يُوسُفَ A. وَأَمَّا الْفُقَّاعُ فَشُرْبُهُ حَرَامٌ، وَلَا بَأْسَ بِالشَّلْمَابِ. وَأَمَّا أَمْوَالُكُمْ فَلَا نَقْبَلُهَا إِلَّا لِتُطَهَّرُوا، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصِلْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ، وَمَا آتَانَا اللّٰهُ خَيْرٌ مِمّٰا آتٰاكُمْ. وَأَمَّا ظُهُورُ الْفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اللَّهِ، وَكَذَبَ الْوَقَّاتُونَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُسَيْنَ لَمْ يُقْتَلْ فَكُفْرٌ وَتَكْذِيبٌ وَضَلَالٌ. وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَمْرِيُّ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ فَإِنَّهُ ثِقَتِي، وَكِتَابُهُ كِتَابِي. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ الْأَهْوَازِيُّ فَسَيُصْلِحُ اللَّهُ قَلْبَهُ، وَيُزِيلُ عَنْهُ شَكَّهُ. وَأَمَّا مَا وَصَلَنَا بِهِ فَلَا قَبُولَ عِنْدَنَا إِلَّا لِمَا طَابَ وَطَهُرَ. وَثَمَنُ الْمُغَنِّيَةِ حَرَامٌ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ بْنِ نُعَيْمٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ. وَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ الْأَجْدَعُ مَلْعُونٌ وَأَصْحَابُهُ مَلْعُونُونَ، فَلَا تُجَالِسْ أَهْلَ مَقَالَتِهِمْ فَإِنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَآبَائِي % مِنْهُمْ بِرَاءٌ. وَأَمَّا الْمُتَلَبِّسُونَ بِأَمْوَالِنَا فَمَنِ اسْتَحَلَّ مِنْهَا شَيْئًا فَأَكَلَهُ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ النِّيرَانَ. وَأَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِشِيعَتِنَا وَجُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ أَمْرِنَا لِتَطِيبَ وِلَادَتُهُمْ وَلَا تَخْبُثَ. وَأَمَّا نَدَامَةُ قَوْمٍ شَكُّوا فِي دِينِ اللَّهِ عَلَى مَا وَصَلُونَا بِهِ فَقَدْ أَقَلْنَا مَنِ اسْتَقَالَ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى صِلَةِ الشَّاكِّينَ. وَأَمَّا عِلَّةُ مَا وَقَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: Nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْM إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِي إِلَّا وَقَدْ وَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ، وَإِنِّي أَخْرُجُ حِينَ أَخْرُجُ وَلَا بَيْعَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الطَّوَاغِيتِ فِي عُنُقِي. وَأَمَّا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَهَا عَنِ الْأَبْصَارِ السَّحَابُ، وَإِنِّي لَأَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ، فَأَغْلِقُوا أَبْوَابَ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِيكُمْ، وَلَا تَتَكَلَّفُوا عِلْمَ مَا قَدْ كُفِيتُمْ، وَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ الْفَرَجِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فَرَجُكُمْ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا إِسْحَاقَ بْنَ يَعْقُوبَ وَعَلىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى».
[3] قال الصدوق في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن محمد بن يعقوب الكليني (ره) فقد رويته عن محمد بن محمد بن عصام الكليني، وعلي بن أحمد بن موسى، ومحمد بن أحمد السناني [ الشيباني ] رضي الله عنهم عن محمد بن يعقوب الكليني، وكذلك جميع كتاب الكافي فقد رويته عنهم عن رجاله« الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، مَن لا يحضره الفقيه، 4/534، المشيخة. و – كما ترى - فقد ترضّى الصدوق عليهم، ومن المستبعد عدم وثاقة هؤلاء الثلاثة الذين هم طريقه إلى هذا الكتاب المهمّ، وهو الكافي.
[4] الخوئي، أبو القاسم، مباني تكملة المنهاج، 1/ 7. البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى - كتاب الصوم، 2/ 83 – 84. وانظر، الفيّاض الكابلي، محمد إسحاق، تعاليق مبسوطة، 5/190؛ الخميني، الإمام روح الله، كتاب البيع، 2/635.
[5] الفيض الكاشاني، محمد محسن، الحقّ المبين، ص9 – 10؛ البحراني، يوسف الحدائق الناضرة، 13/259؛ النراقي، المولی أحمد بن محمد مهدي، عوائد الأيام، ص420؛ النجفي، محمّد حسن جواهر الكلام، 11/190، و21 / 395، و40 / 18؛ الأنصاري، مرتضی بن محمّد أمين، القضاء والشهادات، ص70؛ الأنصاري، مرتضی بن محمّد أمين، كتاب المكاسب، 3 / 555؛ الهمداني، محمد رضا، مصباح الفقيه، 3 / 126، 161 – 162.
[6] النراقي، عوائد الأيام، ص442، 532، 657؛ النراقي، مستند الشيعة، 10 / 419، و17 / 19. الأنصاري، القضاء والشهادات، 34، 48، 229؛ الآشتياني، كتاب القضاء، ص8، 12؛ الطباطبائي اليزدي، العروة الوثقى، 6 / 419؛ موسى النجفي، منية الطالب، 2 / 233، 234؛ الحكيم، محسن الطباطبائي، مستمسك العروة الوثقى، 1 / 106؛ الحكيم، محسن الطباطبائي نهج الفقاهة، ص300؛ لطف الله الصافي، مجموعة الرسائل، 1 / 346.
[7] لطف الله الصافي، مجموعة الرسائل، 1 / 347؛ كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، ص155 - 157.
[8] الاسترآبادي، محمد أمين الفوائد المدنية، ص301؛ المحقّق السبزواري، كفاية الأحكام، 1 / 410؛ الفيض الكاشاني، الحقّ المبين، ص9 – 10؛ الفاضل الأصفهاني، كشف اللثام، 10 / 29 – 30؛ البحراني، الحدائق الناضرة 13/ 259؛ النراقي، عوائد الأيام، ص420، 442، 532، 657؛ النراقي، مستند الشيعة، 10 / 419، و 17: 19؛ النجفي، جواهر الكلام، 11 / 190، و 21 / 395، و 40 / 18؛ الأنصاري، القضاء والشهادات، ص34، 48، 70، 229؛ الأنصاري، كتاب المكاسب، 3 / 555؛ الآشتياني، كتاب القضاء، ص8، 12؛ الهمداني، مصباح الفقيه، 3 / 126، 161 – 162؛ محمد بحر العلوم، بلغة الفقيه، 3 / 217؛ الآخوند الخراساني، حاشية المكاسب، ص94؛ الطباطبائي اليزدي، العروة الوثقى، 6 / 419؛ موسى النجفي، منية الطالب، 2 / 233، 234؛ الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، 1 / 106؛ الحكيم، نهج الفقاهة، ص300؛ لطف الله الصافي، مجموعة الرسائل، 1 / 346.
[9] الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، 1 / 38 - 39، ب 2 من أبواب مقدّمة العبادات، ح 22، و27: 149 – 150، ب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 40؛ الطوسي، اختيار معرفة الرجال، 2 / 816 – 817، ح 1020. وإليك سند وصدر التوقيع: محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ، قال: حدّثني أبو حامد أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَرَاغِيِّ، قَالَ: وَرَدَ عَلَى الْقَاسِمِ بْنِ الْعَلَاءِ نسخة ما خرج من لعن ابن هلال، وَكان ابتداء ذلك: أن كتب A إلى قوّامه بالعراق: «احذروا الصوفي المتصنّع... ».
[10] الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، 27 / 142، ب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 13؛ الطوسي، كتاب الغَيبة، ص389 – 390، ح 355. 816 – 817، ح 1020.
[11] الكليني، الكافي، 1 / 67 – 68، ح 10، و7 / 412، ح 5؛ الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، 3 / 8 – 11، ح 3233، أورد قطعة منه؛ الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، 1 / 34، ح 12، و27 / 136 - 137، ب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 1، و300، ب 31، ح 2. وحيث إنّ الحديث مطوّل نقتصر على إيراد صدره: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ صَفْوَانَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللَّهِ A عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ أَوْ إِلَى الْقُضَاةِ أَيَحِلُّ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «مَنْ تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ فَحَكَمَ لَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتًا وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ ثَابِتًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ. قُلْتُ: كَيْفَ يَصْنَعَانِ؟ قَالَ: انْظُرُوا إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَارْضَوْا بِهِ حَكَمًا؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا، فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا بِحُكْمِ اللَّهِ قَدِ اسْتَخَفَّ وَعَلَيْنَا رَدَّ، وَالرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ... ».
[12] القمّاط – كشدّاد -: من يصنع القمط للصبيان، والقُمُط: الحبال. وقيل: القمّاط: مَن يعمل بيوت القصب.
[13]الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، 9 / 545، ب 4 من أبواب الأنفال وما يختصّ بالإمام، ح 6؛ الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، 2 / 44، ح 1659؛ الطوسي، الاستبصار، 2 / 59، ح 194؛ الطوسي، تهذيب الأحكام، 4 / 138، ح 389.
[14]الطبرسي، الاحتجاج، 2 / 457 – 458. وإليك قطعة من الحديث: «.... وَكَذَلِكَ عَوَامُّ أُمَّتِنَا إِذَا عَرَفُوا مِنْ فُقَهَائِهِمُ الْفِسْقَ الظَّاهِرَ وَالْعَصَبِيَّةَ الشَّدِيدَةَ وَالتَّكَالُبَ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا وَحَرَامِهَا، وَإِهْلَاكَ مَنْ يَتَعَصَّبُونَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لِإِصْلَاحِ أَمْرِهِ مُسْتَحِقًّا، [وَبِالتَّرَفْرُفِ] بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ عَلَى مَنْ تَعَصَّبُوا لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْإِذْلَالِ وَالْإِهَانَةِ مُسْتَحِقًّا، فَمَنْ قَلَّدَ مِنْ عَوَامِّنَا مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءِ فَهُمْ مِثْلُ الْيَهُودِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْلِيدِ لِفَسَقَةِ فُقَهَائِهِمْ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِنًا لِنَفْسِهِ حَافِظًا لِدِينِهِ مُخَالِفًا عَلَى هَوَاهُ مُطِيعًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْضَ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لَا جَمِيعَهُمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ رَكِبَ مِنَ الْقَبَائِحِ وَالْفَوَاحِشِ مَرَاكِبَ فَسَقَةِ الْعَامَّةِ فَلَا تَقْبَلُوا مِنَّا عَنْهُ شَيْئًا وَلَا كَرَامَةَ».
[15] الطبرسي، الاحتجاج، 1/99.
[16] الحائري، كاظم، ولاية الأمر، ص123.
[17] سند الحديث: محمد بن يعقوب الكليني عن محمد بن يحيى العطّار عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
وليس ثمّة مَن يتوقّف فيه سوى الحسين بن المختار، وهو أبو عبد الله القلانسي، كوفي من أصحاب الكاظم والصادق C.
أ - ذهب بعض الى توثيقه: فقد عدّه المفيد من خاصّة الكاظم A وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته؛ الشيخ المفيد، الإرشاد، 2 / 247 ـ 248. ووثّقه ابن عقدة؛ العلامة الحلّي، خلاصة الأقوال، ص337. وعدّ العلامة المجلسي هذه الرواية حسنةً أو موثّقةً؛ العلامة المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، 26 / 325، بل عدّها آخرون من الصحيح؛ منتظري، مباني حكومت اسلامي، 1 / 376؛ الإيرواني، دروس تمهيديّة، 1 / 549. مجلّة فقه أهل البيت % 44 / 66. واكتفى بعض بوصفها بأنّها معتبرة؛ السيفي المازندراني، دليل تحرير الوسيلة / ولاية الفقيه، ص123. وهو المعتمد استنادًا لتوثيق الشيخ المفيد له، ورواية ابن أبي عمير عنه وعدد من الأجلاء، واختاره الخوئي؛ الخوئي، معجم رجال الحديث، 7 / 95.
ب - فيما ضعّفه آخرون: العلامة الحلّي، خلاصة الأقوال، ص337، رقم (1)؛ ولعلّه لرميه بالوقف، وهو غير قادحٍ مع عدم ثبوت وقفه. وقال بعض بأنّه: قيل في حقّه بأنّه: ضعيف جدًا لا يُلتفت إليه، كذّاب وضّاع للحديث، فاسد المذهب؛ الخميني، مصطفى، ولاية الفقيه، ص61. ولست أدري من أيّ مصدر أخذ ذلك؟
[18] الفيض الكاشاني، الوافي، 2 / 249، ح 728.
[19] الكليني، الكافي، 8 / 295، ح 452؛ الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، 15 / 52، ب 13 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، ح 6.