البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

من هدي الغَيبة إلى استشراف الظهور « المعالم الاجتماعيّة والسياسيّة في وصايا الإمام المهدي(عليه السلام) وتجلّياتها في الواقع المعاصر »

الباحث :  الشيخ محمد رضا الخاقاني
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  37
السنة :  شتاء 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 3 / 2026
عدد زيارات البحث :  1847
تحميل  ( 494.524 KB )
الملخّص
يتناول البحث المعالم الاجتماعيّة والسياسيّة المُستخَلصة من وصايا الإمام المهدي(عليه السلام)، المتمثّلة في توقيعاته وكلماته وأدعيته، ويسعى لإبراز تجلّياتها في الواقع المعاصر. يبدأ البحث بتوصيف المرحلة التي صدرت فيها هذه الوصايا، وهي مرحلة الغَيبة الصغرى بما حمله من تحدّياتٍ وضغوطٍ وملاحقات مارستها السلطة العباسيّة؛ ممّا استدعى تطوير نظام الوكالة لجعله آليةً للتواصل وتدبير شؤون الأمّة.
تُعد قضية العدل ومقاومة الظلم ركيزةً أساسيّةً في الفكر المهدوي؛ حيث تؤكّد التوقيعات والأدعية على حتميّة انتصار الحقّ وإقامة القسط، وتدين الظلم والظالمين، وتدعو إلى عدم التطبيع معهم. كما يبرز البحث أهميّة القيادة الشرعيةّ والهداية المستمرة عبر نظام النيابة الخاصّة (السفراء الأربعة)، ثم النيابة العامّة المتمثّلة بالعلماء والفقهاء، ضمانًا لعدم خلو الأرض من حجّةٍ، واستمرارًا في هداية الأمّة وتوجيهها. وتُعنى الوصايا المهدوية ببناء المجتمع المؤمن بوساطة الدعوة إلى الوحدة والتكافل ونبذ الفرقة، والالتزام بالتقوى وأداء الحقوق الشرعيّة (كالخمس)، ودورها في تحقيق الاستقلال المالي للمجتمع الشيعي، وتطهير الأموال.
كما تتصدّى هذه الوصايا للانحرافات الفكريّة والعقديّة، وتجيب عن الشكوك، مؤكدةً على الثوابت الإيمانيّة. وأخيرًا، يركّز البحث على مفهوم (الانتظار الفعّال) الذي يتجاوز السلبيّة، ليكون استعدادًا وعملًا وأملًا، عبر التحلّي بالورع ومحاسن الأخلاق، والصبر، والإكثار من الدعاء بتعجيل الفَرَج؛ فيكون الفرد والمجتمع مسهمين في تهيئة الأرضيّة لظهور الإمام (عليه السلام)، وإقامة دولة العدل الإلهي.
ويخلص البحث إلى أنّ تجسيد هذه القيم المهدويّة يتطلّب جهدًا علميًّا وعمليًّا لتحويلها إلى سلوكٍ يوميّ ومبادراتٍ جماعيّةٍ تسهم في إصلاح الواقع، وتمهيد الطريق نحو المستقبل المنشود.

الكلمات المفتاحيّة:
 الإمام المهدي(عليه السلام)، الغَيبة، الظهور، التوقيعات، المعالم الاجتماعيّة، المعالم السياسيّة، العدل، مقاومة الظلم، نظام الوكالة، المرجعيّة الدينيّة،  الانتظار الفعّال، الواقع المعاصر.

المقدمة
إنّ عصر الغَيبة الكبرى للإمام المهدي (عليه السلام)، وما يمثّله من تحدٍ إيمانيّ وعمليّ للأمّة الإسلاميّة، يستدعي على الدوام العودة المتجدّدة إلى ينابيع الهدي الإلهي، ولا سيّما ما تركه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)من وصايا وتوجيهات. وفي هذا السياق، تكتسب دراسة التراث المهدويّ بعامة، ووصاياه وتوقيعاته وكلماته بخاصّة، أهميةً استثنائيّة، فهي لا تمثّل إرثًا تاريخيًّا فقط، بل منارة تضيء دروب السالكين في زمن الانتظار، وتقدم رؤًى عمليّةً لبناء الفرد والمجتمع على أُسس العدل والتقوى والوحدة. يهدف هذا البحث، الموسوم بـ (من هدي الغَيبة إلى استشراف الظهور: المعالم الاجتماعيّة والسياسيّة في وصايا الإمام المهدي (عليه السلام) وتجلّياتها في الواقع المعاصر)، إلى الغوص في هذا التراث الثمين؛ لاستجلاء أبرز المعالم الاجتماعيّة والسياسيّة التي حوتها تلك الوصايا، واستكشاف إمكانات تجلّيها وتفعيلها في واقعنا المعاصر.

وقد شكّلت مدوناتٌ جامعةٌ وموثّوقةٌ حجر الزاوية في جمع المادة العلميّة لهذا البحث، وفي مقدّمتها مصادر تُعدّ مرجعًا رئيسًا في هذا الباب، ألا وهي (موسوعة توقيعات الإمام المهدي(عليه السلام)) التي بذل فيها محمد تقي أكبر نجاد جهدًا مشكورًا في جمع هذه النصوص النفيسة وتوثيقها، وكذلك (موسوعة كلمات الإمام المهدي(عليه السلام)) التي أصدرتها مؤسّسة الإمام الهادي(عليه السلام)، التي قدّمت هي الأخرى إضافةً نوعيّةً في تبويب كلمات الإمام (عليه السلام) وتقديمها بطريقةٍ تسهل على الباحثين والمراجعين. إلى جانب هذين المصدرين الرئيسين، استعان البحث بمجموعةٍ من المصادر الحديثيّة والتاريخيّة والفقهيّة التي أضاءت جوانب متعدّدةً من الموضوع، وأسهمت في تكوين فهمٍ شاملٍ للسياقات والمعاني.

وقد سار البحث وفق منهجيّةٍ متعدّدة المراحل لتحقيق أهدافه. بدأت المرحلة الأولى بفهم السياق التاريخي والاجتماعي والعقدي الذي صدرت فيه وصايا الإمام المهدي(عليه السلام)، مع التركيز بنحوٍ خاصٍّ على مرحلة الغَيبة الصغرى، وما اكتنفها من تحدّيات كالتضييق العباسي الشديد، ومحاولات القضاء على نسل الإمامة، وحالة البلبلة التي سادت أوساط بعض الشيعة؛ ممّا أبرز الحاجة الماسّة إلى نظام الوكالة بوصفه وسيلة تواصلٍ آمنةٍ وفعّالةٍ بين الإمام (عليه السلام) وقواعده الشعبيّة. فهم هذه البيئة المعقّدة كان ضروريًّا لتفسير طبيعة التوقيعات والوصايا التي صدرت، والتي اتّسمت غالبًا بالإيجاز والتركيز والحكمة العمليّة.
انتقلت المرحلة الثانية إلى التحليل النصّي والاستقرائي المتعمّق للتوقيعات والكلمات والأدعية المرويّة عن الإمام المهدي(عليه السلام)، بهدف استخلاص المعالم الاجتماعيّة والسياسيّة الجوهريّة. وقد تم التركيز على محاور أساسيّة مثل: مفهوم العدل، ومناهضة الظلم، وآليات القيادة الشرعيّة والهداية المستمرة عبر نظام النيابة الخاصّة، ثم العامة، وأسس بناء المجتمع المؤمن القائم على الوحدة والتكافل والتقوى، وطرق مواجهة الانحرافات الفكريّة والعقديّة، وحماية الهويّة الإيمانيّة للمجتمع.

أما المرحلة الثالثة فكانت مرحلةً تركيبيّةً، هدفت إلى ربط المعالم المستخلصة من النصوص المهدويّة بالواقع المعاصر، ومناقشة كيف يمكن لهذه التوجيهات أن تتجلّى وتُفعّل بوصفها حلولًا ورؤًى للتحدّيات التي تواجه المجتمعات المسلمة اليوم. وقد تضمّنت هذه المرحلة استكشاف الآليّات العمليّة التي يمكن من خلالها ترجمة هذه القيم إلى سلوكياتٍ فرديةٍ ومؤسسيّةٍ ومبادراتٍ مجتمعيّة.
وقد خلص البحث إلى نتيجةٍ مركزيةٍ مفادها أنّ وصايا الإمام المهدي(عليه السلام) لا تشكّل تعاليم نظريّةً أو إرشاداتٍ روحيّةً فرديّة فحسب، بل تقدّم منهاجَ عملٍ متكاملًا للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة للمجتمع المسلم، خاصّة في زمن الغَيبة. يتضمّن هذا المنهاج رؤيةً واضحةً لبناء الذات المؤمنة، وتنظيم الشؤون المجتمعيّة على أُسس العدل والتعاون، ومواجهة الفتن والانحرافات، وترسيخ مبدأ المرجعيّة الدينيّة المؤهّلة كحصنٍ للأمّة. كما أكّد البحث على أنّ مفهوم (الانتظار) كما يبدو من خلال وصايا الإمام (عليه السلام) هو انتظارٌ إيجابيٌّ وفاعل، يستلزم العمل الدؤوب على تهيئة الأرضيّة الروحيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، وتمهيد الطريق نحو المستقبل المنشود الذي يحمل بشارة العدل الشامل والسلام العالمي تحت راية الإمام المهدي(عليه السلام)؛ ممّا يضفي على هذا البحث بعدًا تطبيقيًّا يهدف إلى الإسهام في تقديم قراءةٍ ممنهجةٍ لهذا التراث الغني.

بيئة الوصايا المهدويّة: الإمامة في زمن الغَيبة والتحدّيات المحيطة
 لفهمٍ صحيحٍ للمضامين الاجتماعيّة والسياسيّة لما رُوي من وصايا الإمام المهدي(عليه السلام) من الكلمات والتوقيعات، علينا أن ندرك البيئة السياسيّة والاجتماعيّة والعَقَديّة التي صدرت في ظلّها تلك الوصايا. جاءت مرحلة الغيبة الصغرى بعد حقبةٍ طويلةٍ من التضييق والمراقبة الشديدين مِن قِبَل السلطة السياسيّة المتمثّلة بالخلافة العباسيّة على الأئمّة(عليهم السلام)، كذا الاختناق الشديد الذي كان يعشيه المجتمع الإمامي. بلغت هذا التشدّدات والاختناقات ذروتها في عصر الإمامين العسكريين، الإمام الهادي والعسكري (عليهم السلام) (220-260هـ)؛ إذ فرضت الخلافة عليهما إقامةً جبريّةً في سامراء، مركز الخلافة العباسيّة آنذاك؛ بهدف عزلهما عن القواعد الاجتماعيّة الشيعيّة ومراقبتهما أشدّ الرقابة[1].

 في الواقع، شهدت الساحة السياسيّة ثوراتٍ متعددةً قادها الشيعة العلويّون والحسنيّون. ورغم محاولة الأئمّة (عليهم السلام) تجنب الانخراط المباشر في الصراعات السياسيّة وتركيز نشاطهم على الجوانب العلميّة والدينيّة والثقافية، إلا أنّ استمرار هذه الثورات رسّخ لدى الحكّام اعتقادًا بأنّ أئمّة الشيعة (عليهم السلام) هم من يقفون خلفها؛ ونتيجةً لذلك، فرض الحكّام عليهم إقاماتٍ جبريّةً بوسائل مختلفة منذ عام 202هـ. طالت هذه السياسة الأئمة الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري(عليهم السلام) . وعلى إثر هذه الظروف الصعبة، تم تطوير (نظام الوكالة) لتمكين الأئمّة (عليهم السلام) من مواصلة رعايتهم المعرفيّة والاجتماعيّة للإماميّة. هذا الخناق الشديد هو ما دفع الإمام العسكري(عليهم السلام) إلى إخفاء ولادة ابنه، الإمام المهدي(عليه السلام)، لتجنيبه الرقابة العباسيّة، وليتمكّن من مواصلة دوره الهدائي والمعرفي بعيدًا عن الأنظار[2].

استشهد الإمام العسكري(عليهم السلام) سنة 260هـ دون أن يُظهر ولده المهديّ (عليه السلام) للعامّة؛ دخلت الإمامة مرحلةً جديدةً وحسّاسة. تولّى الإمام المهدي (عليه السلام) الإمامة في سنٍّ مبكّرة جدًّا، وبأمرٍ إلهي، بدأت غَيبته الأولى التي سُمّيت فيما بعد بـ(الغيبة الصغرى)، حفاظًا عليه وعلى مستقبل رسالة الإمامة. لم تكن تلك الغَيبة انقطاعًا تامًّا، بل احتجابًا عن الأنظار العامّة مع استمرار التواصل بالمجتمع بوساطة نخبةٍ من الوكلاء والسفراء على رأسهم: عثمان بن سعيد العمري، ومحمد بن عثمان العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري[3]. لم تمرّ هذه المرحلة من دون تحدّياتٍ وأزمات؛ إذ هناك من ادّعى البابيّة والنيابة والسفارة عن الإمام المهديّ(عليه السلام)، فواجه ذلك الإمامُ (عليه السلام) بإصدار توقيعاتٍ يكذّبهم فيها، ويأمر الناس بالابتعاد عنهم[4].

كانت التوقيعات الصادرة عن الإمام (عليه السلام)  وهي رسائل مختومةٌ بتوقيع الإمام (عليه السلام) أو وكيله الخاص  تمثّل الوسيلة الأبرز لإدارة شؤون الأمّة وتوجيهها في فترة الغَيبة الصغرى. فكانت تردّ تارةً جوابًا لأسئلة الشيعة في مختلف الموضوعات الفقهيّة، العَقَديّة والتفسيريّة، وتارةً أخرى جوابًا لمسائل اجتماعيّةٍ كالمعاملات والحقوق والعلاقات، أو مسائل ماليّة كالخمس والحقوق الشرعيّة، كما تناولت في طيّاتها القضايا السياسيّة من الموقف مع الحكّام والتعامل مع المخالفين، والتحذير من الفتن ومدّعي البابيّة. كذلك هناك بعض التوقيعات بادرت إلى تثبيت العقيدة، أو تعزيةٍ في مصاب، أو تحذيرٍ من خطر. إلى جانب ذلك، حفظت المصادر بعض الكلمات عن الإمام المهدي(عليه السلام) إمّا قبل غًيبته، وإمّا خلالها تتضمّن بعض الأدعية أو الخطب أو الروايات تتحدّث عن فلسفة الغَيبة وعلامات الظهور، ودوره (عليه السلام) في إقامة العدل، وصفات الشيعة المنتظِرين[5].

وصايا الإمام المهدي(عليه السلام): استكشاف المعالم الاجتماعيّة والسياسيّة
نظرًا للمرحلة التي صدرت فيها وصايا الإمام المهدي(عليه السلام) على نحو التوقيعات، كان يضفي عليها الجوانب اجتماعية، إذ إنّها كانت موجّهةً إلى المجتمع الإمامي، تارةً توصيهم بمراعاة العدل والاتّحاد فيما بينهم، وأخرى تبيّن لهم الثوابت العَقَديّة، أو تخطّط لهم الخطوط العامّة في التعامل مع الحكّام والمخالفين. من هذا المنطلق، نحاول من خلال قراءة ما ورد عن الإمام المهدي (عليه السلام) من توقيعاتٍ وتوصياتٍ وأدعيةٍ، أن نبيّن عن المعالم الاجتماعيّة والسياسيّة فيها.

العدل ومقاومة الظلم
إنّ القضية المهدويّة في الفكر الإسلامي، مبنيةٌ على مفهوم العدل، فلا يخلو حديثٌ مشيرٌ إلى هذه القضية من ذلك الجزء المشترك فيها، والحديث المشهور، بل المتواتر بأنّ المهدي(عليه السلام) سيملأ الأرض عدلًا وقسطًا بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا. ففي مصادر أهل السُنّة الحديثيّة نُسب ذلك تارةً إلى الإمام علي(عليه السلام) [6]، وأخرى إلى أحد صحابة النبيّ J[7]، وإلى رسول الله J[8].

 هذا المفهوم مدعومٌ بوعدٍ إلهيّ صريحٍ في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ❁ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾[9]. فالآية تعد المستضعفين في الأرض بانتصار الحقّ، حيث سيرثون الأرض، وسيكونون أئمةً فيها، كما سيُري الله الطغاة بأنّهم مغلوبون لا محالة، فذلك دليلٌ على حتمية الانتصار. ما ورد في الرواية عن ولادة الإمام المهدي(عليه السلام)، يُربط القضيّة المهدويّة بالوعد الإلهي المتمثّل في الآية، إذ الإمام (عليه السلام) فور ولادته تلا تلك الآية، فصرّح الإمام العسكري (عليهم السلام) بأنّ وعد الله حقّ[10]، مشيرًا إلى أنّ ذلك الوعد يتحقّق بابنه هذا(عليه السلام).
إنّ التوقيعات وما بقي من كلمات صاحب العصر(عليه السلام)، لم تتعرّض دائمًا إلى تفاصيل المواجهات السياسيّة المباشرة، ربما بسبب ظروف التقيّة، لكنّ بعضها يحمل في طيّاته إدانة الظلم والفساد، أيًّا كان مغترفه. فنجد في التوقيع الصادر إلى إسحاق بن يعقوب بوساطة محمد بن عثمان العمري، إذ سأل إسحاقُ الإمامَ (عليه السلام) عن بعض المسائل، منها عن المنكرين له (عليه السلام) من أهل بيته وبني عمّه، فقال(عليه السلام): «أما علمت أنّه ليس بين الله (عزَّ وجلَّ)، وبين أحدٍ قرابة؟ ومن أنكرني فليس منّي، وسبيله سبيل ابن [النبي] نوح(عليهم السلام) ... ». كما في التوقيع نفسه علّل(عليه السلام) غيبته أنّه غاب كي لا يكون في عنقه بيعةٌ للطواغيت حين يظهر أمره(عليه السلام)[11]. كذلك في التوقيع الصادر لمحمد بن جعفر الأسدي، أشار صاحب الزمان(عليه السلام) إلى تنديد بالظلم والبراءة من الظالم حيث قال: «فمن ظلمنا كان في جملة الظالمين، وكانت لعنة الله عليه لقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾»[12]. ما ورد في هذين التوقيعين، يمثّل رفضًا مبدئيًّا للتطبيع مع الظالمين، والوقوف على مبدأ العدل، حتّى لو كان الظالم لحقّ الأئمة (عليهم السلام) ممّن ينتسب إليهم.

الأدعية الواردة عن الإمام المهدي(عليه السلام)، كدعاء الفَرَج المشهور، أو أدعية زمن الغَيبة مليئةٌ بالدعاء على الظالمين، والدعاء للمؤمنين بالصبر والفَرَج والنصر. ففي دعاء الشيخ العَمري، تأتي معالم الحُكم المهدويّ بإبادة الظلم والظلمة: «وَأَظْهِرْ بِهِ الْحَقَّ، وَأَمِتْ بِهِ الْبَاطِلَ، وَاسْتَنْقِذْ بِهِ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الذُّلِّ، وَانْعَشْ بِهِ الْبِلَادَ، وَاقْتُلْ بِهِ جَبَابِرَةَ الْكُفْرِ، وَاقْصِمْ بِهِ رُؤُوسَ‏ الضَّلَالَةِ، وَذَلِّلْ بِهِ الْجَبَّارِينَ وَالْكَافِرِين‏». ثمّ يُتبع الدعاء «اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنَا، وَغَيْبَةَ وَلِيِّنَا، وَشِدَّةَ الزَّمَانِ عَلَيْنَا، وَوُقُوعَ الْفِتَنِ بِنَا، وَتَظَاهُرَ الْأَعْدَاءِ عَلَيْنَا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَقِلَّةَ عَدَدِنَا. اللَّهُمَّ فَافْرُجْ ذَلِكَ بِفَتْحٍ مِنْكَ تُعَجِّلُهُ، وَنَصْرٍ مِنْكَ تُعِزُّهُ، وَإِمَامِ عَدْلٍ تُظْهِرُه‏». في فقرةٍ أخرى من الدعاء، يُبيّن عمّا سيقوم به الحُكم المهدوي: «وَأَحْيِ بِهِ الْقُلُوبَ الْمَيْتَةَ، وَاشْفِ بِهِ الصُّدُورَ الْوَغِرَةَ، وَاجْمَعْ بِهِ الْأَهْوَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ عَلَى الْحَقِّ، وَأَقِمْ بِهِ الْحُدُودَ الْمُعَطَّلَةَ وَالْأَحْكَامَ الْمُهْمَلَةَ، حَتَّى لَا يَبْقَى حَقٌّ إِلَّا ظَهَرَ، وَلَا عَدْلٌ إِلَّا زَهَر‏»[13]. فنجد في هذا النموذج، أنّ إقامة العدل، وكبت الظلم والظالمين، وإقامة حدود الله وأحكامه، من المعالم الرئيسة للفكر المهدوي. كما نجد أنّ الدعاء بتفريج الكروب التي يعيشها المجتمع الشيعي في ظلّ الصراعات وغَيبة إمامه(عليه السلام)، أمرٌ بارزٌ فيه، وفي غالب الأدعية الواردة عن صاحب الزمان(عليه السلام).
وفقًا لما مضى، نجد أنّ الوعد الإلهي بتحقّق العدل سائدٌ في الفكر المهدوي، سواء على مستوى الإسلامي العام أو الشيعي الخاص. كما أنّ التنديد بالظلم والطغيان المتمثّل بالدعاء عليهم، والوعد بإقامة الدولة المهدوية تُعدّ من أهمّ ما جاء في التوقيعات والأدعية المهدويّة، إذ تدلّنا على مبدأ العدل ومقاومة الظلم الذي يكون من الأبعاد الاجتماعيّة والسياسيّة للوصايا المهدويّة.

القيادة الشرعيّة والهداية المستمرّة
إنّ أمر الإمامة في المنظومة الشيعة العَقَديّة، أمرٌ مستمرٌّ، فلا يمكن للأرض أن تخلو من حجّةٍ؛ إذ إنّها لو خلت من الحجّة لساخت بأهلها. فالله سبحانه لم يدع الأرض بغير عالم، فلولا ذلك لم يُعرف الحقّ من الباطل. فالله سبحانه أعظم من أن يترك الأرض بغير إمامٍ عادل. هذا الأمر مستمدٌّ من رواياتٍ كثيرةٍ عن أهل البيت (عليهم السلام)، فهناك روايات كثيرة ورد فيها أنّه بموجب عدم خلوّ الأرض من حجّة الله، ستكون الهداية مستمرّة[14]. أشار الإمام العسكري(عليه السلام) إلى هذا الأمر حين وُلد ابنه المهدي(عليه السلام)، حيث قال(عليه السلام) : «زَعَمَ الظَّلَمَةُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَنِي لِيَقْطَعُوا هَذَا النَّسْلَ، فَكَيْفَ رَأَوْا قُدْرَةَ اللَّه‏؟»[15].
إلى عصر الإمام الهادي(عليه السلام) (220-254هـ)، كان هناك ارتباطٌ ميسورٌ في الجملة مع شخص الإمام(عليه السلام)؛ فنجد تحت ظلّ الظروف السياسيّة الخاصّة أو تشديد الخناق على الشيعة عامةً، أو تشديد المراقبة على شخص الإمام(عليه السلام) خاصةً، تغيّرت سبل ارتباط الشيعة مع الأئمة(عليهم السلام)، بدءًا من عصر الإمام الصادق(عليه السلام) (114-148هـ)، وبظهور العبّاسيين وعلى الخصوص عصر خلافة المنصور(حكم 137-158هـ)، تمّ تشديد المراقبة على الإمام الصادق(عليه السلام). من هذا العصر بدأ التخطيط لمنظومة الوكالة للأئمة(عليهم السلام)، فالمصادر تذكر أسماء خمسةٍ من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) كانوا وكلاء له، ووسطاء ارتباط الشيعة به (عليه السلام).

في عصر الإمام الكاظم(عليه السلام) (148-183هـ) أخذت هذه المنظومة بالاتّساع، فبالرغم من حبس بعض الوكلاء وتعذيبهم في سجون العبّاسيّين، نجد هناك بعض المندوبين عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في مدنٍ مهمّةٍ كالكوفة، بغداد، المدينة، مصر ومناطق أخرى. وفي عصر إمامة الإمامين الرضا والجواد(عليه السلام) (183-220هـ) اتّسعت جغرافيا الوكالة، إذ أصبح في كثير من المناطق كالأهواز، وسيستان، وبُست، والريّ، وواسط، إضافةً إلى المدن الكبرى، وجود لوكلاء الإمامين(عليه السلام) الذين كان أدوارٌ بارزة، ومسؤوليات مهمّة. فبعضهم أدّى أدورًا حكوميّةً بالتصدّي للمناصب السياسيّة والقضائيّة، وغير ذلك.
مع ابتداء عصر إمامة الإمام الهادي(عليه السلام)، وبعده الإمام العسكري(عليه السلام) ونظرًا إلى الظروف الخاصّة السياسيّة والاجتماعية، من تشديد الرقابة على الأئمة(عليهم السلام)، والإقامة الجبرية لهم، أصبحت منظّمة الوكالة تؤدّي دورًا ألمع؛ فقد أصبحت حلقة الوصل الوحيدة بين الإمام(عليه السلام) والمجتمع الشيعي، وبعد استشهاد الإمام العسكري(عليه السلام)، امتدّت الهداية الإلهية بوساطة السفراء الأربعة للإمام المهديّ(عليه السلام)[16].

فأوّل خطوةٍ للإمام المهدي(عليه السلام) كانت تتمثّل بتعيين السفراء وتوثيقهم كما وقع ذلك لكلٍّ من عثمان بن سعيد العَمري، ومحمد بن عثمان العمري، وحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري. فعثمان وابنه محمّد نصّبهما الإمام العسكري(عليه السلام) نائبين لابنه المهديّ(عليه السلام)[17]، فبعد وفاة عثمان، خرج التوقيع بنيابة محمد بن عثمان عن أبيه[18]. بعد محمد بن عثمان وبعد جوٍّ من التعجّب في المجتمع الإمامي من إرجاع الأمور إلى حسين بن روح النوبختي، خرج توقيع التوثيق له من قِبَل صاحب الأمر(عليه السلام)[19]. فآخر النواب كان علي بن محمد السمري حيث خرج التوقيع إليه بقرب وفاته والأمر بعدم الوصية إلى أيّ شخصٍ بعده[20]. فكان بوفاة السمري في عام 329هـ انقضاء مرحلة الغَيبة الصغرى، وبداية الغَيبة الكبرى. في هذا العصر، كانت المرجعية الفكريّة والشرعيّة للإمام(عليه السلام) بوساطة نوّابه الخاصّين، فنجد توقيعاتٍ كثيرةً صدرت عن الناحية المقدّسة أي الإمام المهديّ  تتضمّن أجوبةً في مختلف المسائل الفقهيّة والعقديّة[21].
لم يكن انقطاع النيابة الخاصّة بمنزلة أمرٍ غير منتَظَرٍ لدى الشيعة؛ إذ قبل ذلك وفي التوقيع الصادر لإسحاق بن يعقوب في عهد نيابة محمد بن عثمان، أشار الإمام  المهدي(عليه السلام) إلى ما على الشيعة فعله في حال انقطاع النيابة الخاصّة. فورد في ضمن ذلك التوقيع: «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا؛ فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِم‏»[22]. لم يكن الرجوع إلى المحدِّثين والفقهاء من أصحاب الأئمة (عليه السلام) أمرًا غريبًا على المجتمع الشيعي؛ إذ كان من واجبات منظومة الوكالة، من عصر الإمام الصادق (عليه السلام) إلى عصر الغَيبة الصغرى، القيادة العلميّة، والرجوع إلى رواة الأحاديث من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)، والفقهاء منهم. كما أنّ بعد وفاة كلّ إمامٍ(عليه السلام)، كانوا وكلاء الأئمّة (عليهم السلام) مرجعًا للناس في تعيين الإمام (عليه السلام) التالي[23].

كذلك، أمْر الأئمة (عليهم السلام) بالرجوع إلى رواة الأحاديث والفقهاء من أصحابهم(عليهم السلام) لم يكن أمرًا جديدًا على المجتمع الشيعي؛ فهناك رواياتٌ كثيرةٌ عن أهل البيت(عليهم السلام) يأمرون فيها بالمراجعة إلى رواة الأحاديث من أصحابهم[24]، منه ما رُوي عن الإمام الصادق(عليه السلام) في التحكيم والقضاء حيث قال(عليه السلام): «يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَمًا؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا»[25]. فالأوصاف الواردة في هذه الرواية تُعيّن المقصود بمن تتمثّل فيه القيادة الشرعيّة، ويُؤخذ منه الهداية: مَن روى أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)، ونظر في الحلال والحرام، فتفقّه في الدين، وعرف الأحكام. هناك روايةٌ أخرى توسّع دائرة المراجعة إلى رواة الأحاديث والفقهاء مِن صِرف الرجوع إليهم في الأحكام الشرعيّة إلى أخذ معالم الدين بما فيه العقائد، حيث صدرت في زمن حضور الإمام المهديّ(عليه السلام) فضلًا عن غَيبته(عليه السلام). فعندما سأل علي بن المسيّب الهمداني الإمام الرضا(عليه السلام) بأنّه عمّن يأخذ معالم دينه، أرجعه الإمام(عليه السلام) إلى زكريا بن آدم القمّي «المأمون على الدين والدنيا»[26].
إنّ نقل المرجعيّة من السفراء الخاصّين إلى خطٍّ عامٍّ يمثّله العلماء المؤهّلون علمًا وتقوى، يضمن استمرار القيادة الدينيّة والفكريّة للأمة في غياب الإمام الظاهر، حيث ستكون الاستفادة من الإمام المهديّ(عليه السلام) في حال غَيبته، كما نصّ عليه في التوقيع، كالانتفاع بالشمس إنْ غيّبتها السحاب، إذ هو أمانٌ لأهل الأرض[27].

إضافةً إلى تضمين استمرار القيادة الدينيّة والشرعيّة بتفويض النيابة العامّة إلى العلماء، تصدّى الإمام (عليه السلام) بنفسه إلى الانحرافات الداخليّة إبّان غَيبته الصعرى؛ إذ اتّخذ موقفًا حاسمًا مِن مدّعي النيابة له (عليه السلام) كذبًا، كما وقع ذلك للشلمغاني، فورد التوقيع الشريف فيه: «هُوَ مِمَّنْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهُ النَّقِمَةَ، وَلَا أَمْهَلَهُ، قَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَفَارَقَهُ، وَأَلْحَدَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَادَّعَى مَا كَفَرَ مَعَهُ بِالْخَالِق‏»[28]. كذلك كان هناك مواجهة وتصدٍّ لغيره ممّن ادّعى النيابة الخاصّة، كما مرّ سابقًا.
إضافةً إلى التصدّي للانحرافات الفكريّة التي ظهرت على الساحة الاجتماعيّة، نجد أنّ الإمام المهديّ(عليه السلام) في عصر غَيبته الصغرى يتصدّى إلى رفع بعض الشكوك والإجابة عن المسائل المختلفة. من ذلك أنّ الإمام (عليه السلام) يحتجّ على بعض من ارتاب في إمامته (عليه السلام)، نحو ما ورد عنه (عليه السلام) في ما تشاجر ابن أبي غانم القزويني وجماعة من الشيعة في أمر إمامته (عليه السلام)[29]، أو ما خرج إلى محمّد بن إبراهيم بن مهزيار حيث شكّ في إمامته (عليه السلام)[30]. كذلك ما ورد عنه (عليه السلام) من التصدّي إلى بعض الاعتقادات المغاليّة في المجتمع الشيعي[31]، أو ما ورد في تكذيب عمّه جعفر الذي دعى الناس إلى نفسه، وادّعى الإمامة[32]. هذا الأمر يظهر الدور القيادي في التصدّي للانحرافات الفكريّة والعَقَديّة الخطيرة للإمام (عليه السلام) في عصر غَيبته الصغرى، حيث تكشف عن واجبٍ آخر للقيادة الشرعيّة المتمثّلة في الفقهاء في عصر الغَيبة الكبرى، إذ عليهم التصدّي للانحرافات العَقَديّة والفكريّة عن الثوابت الاعتقاديّة للطائفة الإماميّة.

وفقًا لما أسلفنا، يظهر بُعدٌ اجتماعيٌّ مهمٌّ كامنٌ في الوصايا المهدويّة في أمر القيادة الشرعيّة والدينيّة. فبمراجعة نصّ التوقيعات الواردة في البراءة منهم، نتمكّن من أن نعيّن بعض النقاط التي أدّت وجودها إلى خروج تلك التوقيعات بحقّهم مِن الحرص على الأموال والمقامات الدنيويّة، والانحرافات العَقَديّة الفكريّة من الغلوّ والعقائد الباطلة بحقّ الأئمة(عليه السلام)[33]. هذا الأمر يعطينا دلالةً أخرى لتلك التوقيعات، حيث يدلّنا على بعض الصفات التي يجب على النوّاب العامّة من العلماء والفقهاء أن يفتقدوها، وأن لا ينظروا إليها. كذلك بتنقيح القيادة الشرعيّة والمعرفيّة من الإمام (عليه السلام) إلى نوّابه الخاصّين، ومن ثمّ إلى النيابة العامة للفقهاء، يتبيّن لنا واجب الفقهاء القيادي في ساحتي الفقه والاعتقاد، إذ عليهم في الوهلة الأولى التصدّي للفتيا جوابًا عن المسائل الشرعيّة، والقيام باستخراج الأحكام، وفي المرتبة الأخرى المواجهة الفعّالة التي تتسّم بالجهة الاستدلاليّة والإقناعيّة للانحرافات الفكريّة والاعتقاديّة.

بناء المجتمع المؤمن: الوحدة والتكافل
بالإمعان في التوقيعات الصادرة عن صاحب الزمان (عليه السلام) في زمن الغَيبة الكبرى، ولا سيّما التوقيعات الصادرة إلى الشيخ المفيد (ت 413هـ)، نتمكّن من العثور على بعض الوصايا التي فيها الدعوة إلى الاتّحاد واجتماع القلوب، والتكافل، ومراعاة الأخلاق في المجتمع الشيعي. فنجد تارةً في التوقيع الصادر في عام 410هـ أنّ الإمام (عليه السلام) حذّر الشيعة من دخول الفتن، وأوصاهم بالتقية ابتعادًا من الدخول في نارٍ أوقدها الجهلة، فدعاهم إلى الالتزام بفعل ما يقرّبهم إلى الله وإلى أهل البيت(عليهم السلام)، والابتعاد عمّا يبعدهم عن الله وعن أهل البيت(عليهم السلام)[34]. ونجد تارةً أخرى في توقيعٍ صدرٍ إثر اختلاف الشيعة في الإمامة بعد الإمام العسكري(عليه السلام)، أنّ الإمام المهديّ (عليه السلام) يوصي الشيعة بتقوى الله، وتسليم الأمر المختلف فيه إليه(عليه السلام)، والالتزام بالسنّة الواضحة[35]، فذلك وصيّة الإمام (عليه السلام) للمجتمع الشيعي بالاتّحاد، ونبذ الفرقة والاختلاف.

في التوقيع الثاني الصادر إلى شيخ المفيد في عام 412هـ، يبيّن الإمام(عليه السلام) أنّ الشيعة بمراعاة تقوى الله، وإخراج ما عليهم إلى مستحقّيه، سيكونون آمنين من الفتن المبطلة، والمحن المظلمة. في فقرةٍ أخرى، ورد في التوقيع الشريف: «وَلَوْ أَنَّ أَشْيَاعَنَا وَفَّقَهُمْ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ عَلَى اجْتِمَاعٍ مِنَ الْقُلُوبِ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ عَلَيْهِمْ، لَمَا تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْيُمْنُ بِلِقَائِنَا، وَلَتَعَجَّلَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ بِمُشَاهَدَتِنَا عَلَى حَقِّ الْمَعْرِفَةِ وَصِدْقِهَا مِنْهُمْ بِنَا، فَمَا يَحْبِسُنَا عَنْهُمْ إِلَّا مَا يَتَّصِلُ بِنَا مِمَّا نَكْرَهُهُ، وَلَا نُؤْثِرُهُ مِنْهُم‏»[36]. فصاحب الأمر(عليه السلام) يدعو الشيعة إلى الالتزام بتقوى الله وتأدية حقوقه سبحانه إلى مستحقّيه، فذلك دعوى إلى تأسيس مجتمعٍ إيمانيّ رصين. كذلك يظهر من الفقرة التالية من التوقيع نفسه، أنّ الإمام (عليه السلام) يدعو المجتمع الإمامي إلى اتّحاد القلوب والوفاء بالعهد، ما يجعل المجتمع الشيعي مجتمعًا متماسكًا مراعيًا للقيم الأخلاقيّة. بعد ذلك، يحمّل الإمام (عليه السلام) المسؤولية على أفراد المجتمع، إذ ما يحبسه من إظهار أمره هو ما يبلغه من أفعال بعض أفراد المجتمع الشيعي ممّا يكرهه، فذلك يشير إلى أنّ عدم مراعاة التقوى في المجتمع وعدم تأدية حقوق الله سبحانه سيبعد المجتمع عن الكمال الممهّد لظهور الفرج. فالانتظار على أساس هذا التوقيع، لم يكن أمرًا فرديًا، بل يجب على المجتمع بأكمله أن يمهّد الأرضية المناسبة لظهور الحجّة (عليه السلام) باتّحاد القلوب، والوفاء بالعهود، ومراعاة تقوى الله، وتأدية حقوقه سبحانه إلى مستحقّيه.
في التوقيع الثاني الصادر للشيخ المفيد، جاء الكلام عن تأدية حقوق الله إلى مستحقّيه، فهنا يأتي البُعد الاقتصادي للمجتمع الشيعي تحت قيادة الإمام المهديّ(عليه السلام)، أو نوابّه الخاصّة أو العامّة. في توقيعٍ صدر لشخصٍ من أهل مصر، حيث كان له أموال الخُمس يريد إيصالها إلى الإمام العسكري(عليه السلام)، لكن بلغه استشهاد الإمام(عليه السلام) فراح يبحث عن خليفته(عليه السلام)، فخرج التوقيع: «آجَرَكَ اللَّهُ فِي صَاحِبِكَ فَقَدْ مَاتَ، وَأَوْصَى بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ إِلَى ثِقَةٍ يَعْمَلُ فِيهِ بِمَا يَجِب‏»[37]. فهذا يدلّنا إلى استمرار القيادة الشرعيّة التي يندرج تحتها القيادة الماليّة للإمام(عليه السلام) متمثّلًا بالنواب.

ما يظهر من حرص الإمام (عليه السلام) على صرف أموال الخمس وفقًا لمجرى صرفها وبإذنه(عليه السلام)، كما ورد ذلك في التوقيعات الشريفة الصادرة جوابًا على محمد بن جعفر الأسدي[38]، لم يكن حرصًا على صِرف الأموال، بل ذلك حِرص على ترسيخ مبدأ الحقوق وتأديتها والالتزام بما أوجب الله سبحانه، إذ قال(عليه السلام) في توقيع آخر: «وَأَمَّا أَمْوَالُكُمْ فَمَا نَقْبَلُهَا إِلَّا لِتُطَهَّرُوا، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُصَلِّ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَع‏»[39]. فبالنظر إلى موارد مصرف الخُمس[40]، نجد أنّ الإمام (عليه السلام) أو نوّابه للحفاظ على المجتمع الشيعي من الفقر والفاقة والحاجة إلى الآخرين يحتاجون إلى الأموال كي يديرون شؤون فقراء ذلك المجتمع. فالنصف يُصرف حفاظًا على كرامة من يتّصل نسبه بأهل البيت(عليهم السلام) والنصف الآخر يُصرف على ما يراه الإمام(عليه السلام) لازمًا من تأمين حاجات المجتمع الإيماني في مختلف طبقاته. فهذا الأمر يفضي إلى استقلاليّةٍ ماليّةٍ لدى المجتمع الشيعي، فتنقطع حاجته عن الآخرين، كما يسهم في بثّ روح التكافل الاجتماعي حيث إنّ المجتمع نفسه ومِن أمواله، يعين مَن نالته يد الفقر والحاجة. وذلك ثمرة اجتماعيّة مهمّة للوصايا المهدويّة في الدعوة إلى الاتّحاد، وتأدية حقوق الله التي تستلزم قوام المجتمع الشيعي اقتصاديًّا واجتماعيًّا وفكريّا[41].
أمّا من الجهة الأخلاقيّة وما يتعلّق بالتهذيب الأخلاقي للمجتمع إضافة إلى ما مرّ من إشاراتٍ التزاميّةٍ في بعض التوقيعات، فيبدو أنّ الإمام (عليه السلام) قد أخذ طريق الدعاء كما فعله جدّه علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام). إذ نجد في مضامين الأدعية الواردة عن الإمام (عليه السلام)، الأمر بالرضى بأمر الله من غيبة الحجّة، والتسليم لأمره، وانتظار الفَرَج، حيث يقول الإمام (عليه السلام): «وَتُرْضِيَنِي بِقَضَائِكَ، وَتُبَارِكَ لِي فِي قَدَرِكَ حَتَّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ شَيْ‏ءٍ أَخَّرْتَهُ، وَلَا تَأْخِيرَ شَيْ‏ءٍ عَجَّلْتَهُ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِك‏»[42].

كذلك ما يوجد في التوقيع الصادر عنه(عليه السلام) المشهور بزيارة آل ياسين، فيما إذا أرادوا الشيعة التقرّب إلى الله بوساطة الإمام(عليه السلام)، فيدعون بهذا الدعاء: «سَلَامٌ عَلَى آلِ يس، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا دَاعِيَ اللَّهِ وَرَبَّانِيَّ آيَاتِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَابَ اللَّهِ وَدَيَّانَ دِينِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ وَنَاصِرَ خَلْقِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حُجَّةَ اللَّهِ وَدَلِيلَ إِرَادَتِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا تَالِيَ كِتَابِ اللَّهِ وَتَرْجُمَانَهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَقِيَّةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مِيثَاقَ اللَّهِ الَّذِي أَخَذَهُ وَوَكَّدَهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَعْدَ اللَّهِ الَّذِي ضَمِنَهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْعَلَمُ الْمَنْصُوبُ وَالْعِلْمُ الْمَصْبُوبُ وَالْغَوْثُ وَالرَّحْمَةُ الْوَاسِعَةُ، وَعْدًا غَيْرَ مَكْذُوب‏»[43]. فهذا الدعاء، كما يبثّ محوريّة صاحب الأمر (عليه السلام) في حياة المرء الشيعي، يحمل معه صفات وخصائص للإمام (عليه السلام)، فبه تكون القضية المهدويّة حيّةً في المجتمع، حاملةً معها البنى العَقَديّة في الإمامة وثقافة الانتظار، إذ المهدي (عليه السلام) وَعدٌ غير مكذوب لإقامة العدل والقسط، ومحو الظلم والجور. فهذا الأمر ظاهر في طيّات الأدعية الواردة عن صاحب الأمر (عليه السلام)، سواء التي علّمها شيعته، أو ما كان يدعو بها بنفسه(عليه السلام)[44].
وفقًا لما أسلفنا من دراسةٍ عيّنةٍ ممّا ورد عن صاحب الأمر (عليه السلام) من التوقيعات والأدعية والروايّات، وجدنا أنّ هناك وصايا اجتماعيةً تهدف إلى بناء مجتمعٍ إيمانيّ متّحدٍ قلبًا، ناكرًا الفُرقة والاختلاف، وداعيًا إلى الألفة والتكافل. كما أنّ الإمام (عليه السلام) جعل واجب تمهيد الأرضيّة المناسبة لإظهار أمره على عاتق المجتمع الشيعي، فالمجتمع بتقوى الله والالتزام بحقوق الله تعالى وتهذيب النفس، يمهّد لظهور الحجّة (عليه السلام). فمسألة انتظار الفرج، لم تكن مسألةً فرديّةً وفقًا لما يوجد في التوقيعات الشريفة، بل واجبٌ مجتمعيٌّ، فيجب على الشيعة التحلّي بالأخلاق الحميدة، والسريرة الصالحة كي يتحقّق وعد الله المحتوم بظهور الحجّة، وإقامة العدل والقسط في العالم.

الانتظار الفعّال: استعدادٌ وعملٌ وأمل
الحثّ المتكرّر على الإكثار في الدعاء بتعجيل الفَرَج، كما ورد في التوقيع الشريف[45]، ليس طلبًا أو توصيةً محضة، بل تعبيرٌ عن الشوق، وإعلان الولاء، وتجديد العهد. فما ورد في نصوص الأدعية التي يُطلب فيها الفَرَج لصاحب الزمان(عليه السلام) دالٌّ على هذه المرتكزات، كما أنّها تُبقي القضيّة المهدويّة حيّةً في نفوس المجتمع الشيعي، وهذا في حدّ ذاته عملٌ عباديّ يُربط المؤمن بقضيّته الكبرى. كما مرّ أكثر من مرّة وكما ورد في التوقيع للشيخ المفيد، هناك ربطٌ واضحٌ بين إصلاح الأمّة ووحدتها وبين تعجيل ظهور الإمام (عليه السلام)؛ فذلك يحوّل الانتظار من حالةٍ ساكنةٍ دون عمل، إلى مسؤوليةٍّ تاريخيّةٍ تقتضي عمل المجتمع الدؤوب على إصلاح نفسه في بُعديه الفردي والمجتمعي.

ورد في التوقيع الشريف عن الدعاء في غيبة القائم (عليه السلام):« اللَّهُمَّ فَثَبِّتْنِي عَلَى دِينِكَ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِك،‏ ... فَصَبِّرْنِي عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ، وَلَا تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ، وَلَا أَكْشِفَ عَمَّا سَتَرْتَهُ، وَلَا أَبْحَثَ عَمَّا كَتَمْتَه‏ ...» [46]. فالصبر والثبات أمران رئيسان في انتظار الفَرَج؛ إذ يؤدّيان إلى عدم الخوض في خضمّ الفتن، وقد أشارت إليه كثيرٌ من الروايات عن الأئمّة(عليهم السلام)، فقد عن الإمام الصادق(عليه السلام) قوله: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ، فَلْيَنْتَظِرْ، وَلْيَعْمَلْ بِالْوَرَعِ، وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ، فَإِنْ مَاتَ وَقَامَ الْقَائِمُ بَعْدَهُ، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَدْرَكَهُ. فَجِدُّوا وَانْتَظِرُوا هَنِيئًا لَكُمْ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الْمَرْحُومَة»[47]. إنّ هذه الرواية بمنزلة منهجٍ عامٍّ للمجتمع الشيعي في غَيبة إمامهم(عليه السلام)، فعليهم التحلّي بالأخلاق الحميدة، والورع والانتظار، فالصبر والثبات على الإيمان ممّا يستعدّ به المجتمع الشيعي لإظهار أمر صاحب العصر(عليه السلام).
إنّ هذه القضايا تستدعي من المجتمع الإمامي انتظار الفَرَج بنحوٍ فعّالٍ وإيجابي. ويسهم التراث المهدوي الروائي الشيعي، بما يزخر به من علامات الظهور وأخبار متعلقة به[48]، في بثّ روح الأمل وتثبيت ثقافة الانتظار، إذ يؤكّد على حتميّة الوعد الإلهي بظهور الحجّة (عليه السلام)، بغضّ النظر عن طول الزمن، وشدّة المحن.

النتيجة: تجسيد القيم المهدويّة في الحياة اليوميّة
وفقًا لما أسلفنا من معطيات التوقيعات والمرويّات عن الإمام الحجّة (عليه السلام)، عرفنا أنّ العدالة رمزٌ للقضية المهدوية، ونكران الظلم والدعاء على الظالمين والفاسدين من مقوّمات هذه القضيّة؛ لذا فالحياة المرء الشيعي المعاصر، يجب أن تكون على وفق ما دعت إليه الوصايا المهدويّة من مراعاة العدل وإنكار الظلم، وذلك يدعو المجتمع الإمامي على الصعيدي السياسي والاجتماعي إلى الدفاع عن حقوق المظلوم، ومراعاة كرامة الإنسان وحقوقه الإنسانيّة.
الأمر الذي طالما شاهدناه في ظلّ المرجعيّة الرشيدة على مختلف العصور، فنجد أنّ حوزة النجف الأشرف التي استقرّت فيها القيادة الشرعيّة للطائفة الإماميّة، اتّخذت مواقف مشرّفةً في نصرة المظلوم، مهما كان مذهبه وطائفته، من ذلك مواقف علماء الحوزة والمراجع العظام تجاه العدوان الإسرائيلي على فلسطين. أضف إلى ذلك فتوى الجهاد الصادر عن المرجعيّة العليا المتمثّلة بآية الله العظمى السيستاني (حفظه الله)، التي كانت تجسيدًا للقيم المهدويّة على الصعيد الاجتماعي والسياسي بالوقوف في وجه الأعداء. هذا والتوصيات العديدة الصادرة من المرجعيّة في لزوم مراعاة العدل بين جميع طوائف المجتمع العراقي، كان على النهج المهدوي، وموافقة لما يظهر من فحوى التوقيعات الشريفة والروايات المرويّة عن صاحب العصر والزمان (عليه السلام).

ظهر مِن تصدّي الإمام (عليه السلام) إلى مَن كان يدّعي بابيّة الإمام(عليه السلام) والنيابة عنه كذبًا، واجب آخر على القيادة الشرعيّة المتمثّلة في الفقهاء في عصر الغَيبة الكبرى، إذ عليهم التصدّي للانحرافات العَقَديّة والفكريّة عن الثوابت الاعتقاديّة للطائفة الإماميّة، وتجنّب الصفات السلبيّة، فالوصايا بمراعاة التقوى، تؤكّد لزوم تهذيب النفس والتحلّي بالأخلاق الحميدة على القيادة الشرعيّة في زمن الغيبة. بوجود هذه الصفات وانتقال الريادة الاقتصادية إلى الفقهاء المستوفين لتلك الصفات، تكون النزاهة الماليّة وتحقّق العدالة الاقتصاديّة ممكنةً في زمن الغَيبة، ويساعد ذلك المجتمع الشيعي في الحفاظ على استقلاليّته الماليّة وعدم حاجته إلى الغير.
كذلك دعوة الناس إلى الانتظار الفعّال بمراعاة تقوى الله وحدوده سبحانه، والتهذيب الفردي والاجتماعي، والتحلّي بالصفات الحميدة، تمهيدًا لظهور القائم (عليه السلام)، تضع مسؤوليّةً اجتماعيّةً على عاتق جميع أفراد المجتمع الشيعي لتكوين مجتمعٍ مثاليّ أخلاقيًّا؛ وهذا الأمر يوجِب على أفراد المجتمع التحرّك إلى ذلك، حيث يجعل التأخير في تحقّق وعد الله الصادق بملء الأرض عدلًا وقسطًا على ذمّة أفراد المجتمع. فالعمل المقرون بالأمل، يجعل المجتمع المنتظِر مجتمعًا يفوق على جميع التحدّيات المعاصرة.
وبعبارة مختصرة: إنّ تفعيل هذا الهدي المهدويّ في حياتنا اليوم يتطلب منا جهدًا مزدوجًا: جهدًا علميًّا لفهم النصوص في سياقها واستخلاص مقاصدها، وجهدًا عمليًّا لترجمة هذه المقاصد إلى سلوكٍ فرديٍّ ومبادراتٍ جماعيّةٍ تسهم في إصلاح واقعنا، وتمهّد الطريق نحو المستقبل المنشود الذي تتوق إليه البشريّة جمعاء، مستقبل العدل والسلام تحت راية المصلح العالمي المنتظَر (عليه السلام).
يُعدّ هذا الجهد المتواضع لاستخلاص الأبعاد الاجتماعيّة والسياسيّة من الوصايا المهدويّة، خطوةً أولى على طريق السعي نحو هدفٍ أسمى، يتمثّل في تجسيد التعاليم المهدويّة وتطبيقها في واقع الحياةِ الاجتماعيّة المعاصرة، ومواجهة تحدّياتها.

قائمة المصادر
ابن أبي شيبة، عبد الله‏، المصنف في الأحاديث والآثار، السعودية  الرياض‏، مكتبة الرشيد، 1409هـ.
ابن طاووس، علي بن موسى‏، فتح الأبواب بين ذوي الألباب وبين ربّ الأرباب، إيران  قم‏، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)‏، 1409هـ.
أحمد بن حنبل‏، مسند أحمد، لبنان ــــ بيروت، مؤسسة الرسالة، 1421هـ.
اکبر نژاد، محمد تقی‏، موسوعة توقيعات الإمام المهدي (عليه السلام)، إيران  قم‏، منشورات مسجد جمكران المقدس، 1427هـ.
جباری، محمدرضا‏، سازمان وکالت و نقش آن در عصر ائمه(عليهم السلام)، إیران  قم، مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی، 1382هـ.
جعفریان، رسول‏، حیات فکری و سیاسی امامان شیعه (علیهم السلام)، إیران  قم، أنصاريان، 1387هـ.
الحر العاملي، محمد بن حسن‏، وسائل الشيعة، إيران  قم‏، مؤسّسة آل البیت (علیهم السلام) لإحياء التراث، 1409هـ.
الصدوق، محمد بن علي‏، كمال الدين وتمام النعمة، إيران  طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1395هـ.
الطبرسي، أحمد بن علي‏، الاحتجاج علی أهل اللجاج، إيران  مشهد، نشر المرتضی، 1403هـ.
الطوسي، محمد بن حسن‏، كتاب الغيبة، إيران- قم‏، دار المعارف الإسلامية، 1411هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب‏. الكافي، إيران  طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ.
المسعودي، علي بن حسين‏، إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب، إیران  قم، أنصاريان، 1426.
معمر بن راشد‏، جامع معمر بن راشد؛ الملحق بمصنف عبد الرزاق، الهند، المجلس العلمي، 1403هـ.
المفيد، محمد بن محمد بن النعمان ت:( 413هـ) ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، إيران  قم‏، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413هـ.
----------‏، الاختصاص، إيران  قم‏، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413هـ.
مؤسسة الإمام الهادي( لجنة الحديث)‏، موسوعة كلمات الإمام المهدي (عليه السلام)، إيران  قم‏، پیام امام هادیA، 1433هـ.
النعماني، محمد بن إبراهيم‏، الغيبة، إيران  طهران، مكتبة الصدوق، 1397هـ.
الیعقوبي، أحمد بن إسحاق‏، تاريخ اليعقوبي، لبنان-بيروت، دار صادر، د. ت.
Hussain, Jassim M. The Occultation of the Twelfth Imam (A Historical Background). 1 vols. Tehran: Bunyad Be’thet, 1982.



--------------------------------------------
[1]‏ الیعقوبي، أحمد بن إسحاق‏، تاريخ اليعقوبي، 2/484؛ والمسعودي، علي بن حسين، إثبات الوصيّة للإمام علي بن أبي طالب، ص268.
[2] Hussain, The Occultation of the Twelfth Imam, 54-55.
[3]  جعفریان، حیات فکری و سیاسی امامان شیعه، ص588.
[4]  الطوسي، محمد بن حسن‏، كتاب الغيبة، ص397-415.
[5]  ‏اکبرنژاد، موسوعة توقيعات الإمام المهدي (عليه السلام)، ص6-7؛ ومؤسسة الإمام الهادي، موسوعة كلمات الإمام المهدي(عليه السلام)، ص5-6.
[6]  ‏معمر بن راشد، جامع معمر بن راشد، 11/ 373.
[7]  ‏ابن أبي شيبة، عبد الله، المصنّف في الأحاديث والآثار، 7/514.
[8]  ‏أحمد بن حنبل، مسند أحمد، 17/ 309-310.
[9]  القصص، ص5-6.
[10]  الطوسي، الغَيبة، ص236.
[11]  الصدوق، محمد بن علي كمال الدين، 2/483-485.
[12]  الطبرسي، أحمد بن علي‏، الاحتجاج، 2/479.
[13]  الصدوق، كمال الدين، 2/512-515.
[14]  الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 1/178-179 (باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة).
[15]  ‏الطوسي، الغَيبة، ص223.
[16]  جباری، سازمان وکالت ونقش آن در عصر ائمه A، 1/61-66.
[17]  ‏الطوسي، الغَيبة، 355-356.
[18]  ‏الصدوق، كمال الدين، 2/510.
[19]  ‏الطوسي، الغَيبة، ص372-373.
[20]  ‏المصدر نفسه، ص395.
[21]  اکبرنژاد، موسوعة توقيعات الإمام المهدي (عج)، ص121-159.
[22]  ‏الصدوق، كمال الدين، 2/484.
[23]  ‏ جباری، سازمان وکالت ونقش آن در عصر ائمه A، 1/321-323.
[24]  ‏ الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، 27/136-153.
[25]  ‏الكليني، الكافي، 1/67.
[26]  ‏المفيد، محمد بن محمد، الاختصاص، ص87.
[27]  الصدوق، كمال الدين، 2/485.
[28]  ‏الطوسي، الغَيبة، ص411.
[29]  ‏الطبرسي، الاحتجاج، 2/466-468.
[30]  ‏الصدوق، كمال الدين، 2/487.
[31]  ‏ الطوسي، كتاب الغَيبة، ص293-294؛ الطبرسي، الاحتجاج، 2/ 473-474.
[32]   الصدوق، كمال الدين، 2/ 442؛ الطوسي، كتاب الغَيبة، ص287-290.
[33]  الطوسي، الغَيبة، ص397-415؛ جباری، سازمان وکالت ونقش آن در عصر ائمه A، 2/642-643.
[34]  الطبرسي، الاحتجاج، 2/497-498.
[35]  ‏الطوسي، الغَيبة، ص268.
[36]  ‏الطبرسي، الاحتجاج، 2/499.
[37]  ‏المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد، 2/364-365.
[38]  الصدوق، كمال الدين، 2/520-521 و522.
[39]  ‏الطوسي، الغَيبة، ص290.
[40]  الحر العاملي، وسائل الشيعة، 9/ 509-521 (أبواب قسمة الخمس).
[41]  هنا لم أرد الخوض في ردّ ما يظهر من التوقيع الشريف مِن إباحة الخُمس للشيعة في عصر الغيبة، فقد تصدّى لذلك بحوث الفقهاء العظام وهو أجنبي عن موضوع البحث.
[42]  ‏ابن طاووس، علي بن موسى، فتح الأبواب، ص206.
[43]  ‏الطبرسي، الاحتجاج، 2/493.
[44]  اکبرنژاد، موسوعة توقيعات الإمام المهدي (عج)، 161-270.
[45]  ‏الصدوق، كمال الدين، 2/485.
[46]  ‏المصدر نفسه، 2/512.
[47]  ‏النعماني، محمد بن إبراهيم، الغيبة، ص200.
[48] ‏المصدر نفسه، ص194-201؛ الصدوق، كمال الدين، 2/649-656.