الباحث : الشيخ مازن المطوري
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 35
السنة : صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : July / 26 / 2025
عدد زيارات البحث : 566
الملخّص
هذه هي الحلقة الثانية من دراسة تعرّضت بالتفكيك والنقد لكتاب (نقد الخطاب الديني) للدكتور نصر حامد أبو زيد، الذي كان في الأصل بحثًا تقدّم به إلى جامعة القاهرة ليحصل على رتبة أستاذ، وقد خصّصه لبيان آليات الخطاب الديني، ومنطلقاته الفكرية، مركّزًا على دراسة أنماط الدلالة في النصوص الدينيّة، وكيفية إنتاجها وقراءتها.
وقد جاءت دراسة الكتاب مركزةً على الإثارات الأساسيّة في كتاب (نقد الخطاب الديني)، مع تحليل بنيتها ومرتكزاتها، والتأشير على التهافت والتناقض، وفقر المعرفة بالفكر الإسلامي واتجاهاته، وشِراك الاختزال التي وقع فيها الدكتور أبو زيد، فضلًا عن الانتقائيّة والأحاديّة، وإسقاط الرؤية العلمانيّة في التعامل مع النصوص الدينيّة. إضافةً إلى المصير إلى النتائج والمؤاخذات نفسها التي سجّلها سلفًا الدكتور أبو زيد على كُتّاب الخطاب الديني.
وقد اتّخذت الدراسة في نقد الأفكار الأساس في الكتاب الطريقة المُركَّزة في عرض الملاحظات، وتسجيل المؤاخذات، وبيان التهافت، وابتعدت قدر الإمكان عن التماهي مع التفصيل والتوسّع، إلّا في الموارد التي تطلّبت ذلك.
الكلمات المفتاحية
المعرفة الدينيّة، الفكر الإسلامي، التأويل، الخطاب الديني، العلمانيّة، الحاكميّة، التراث، النصّ القرآني، التاريخيّة، صمت النص.
المنطلقات الفكريّة للخطاب الدّيني
والمنطلقات الفكريّة للخطاب الدّيني، كما ذكر الدّكتور أبو زيد، اثنان:
أولًا: الحاكميّة
غلب الطابع السياسي على تعاطي الدّكتور مع مسألة الحاكميّة؛ لذلك لن نتوقّف عندها كثيرًا، لكنْ ثمّة نقاطٌ جديرةٌ بالتعليق على نحو المماحكة؛ إذ قال الدّكتور أبو زيد: «كانت دعوة الإسلام في جوهرها دعوةٌ لتأسيس العقل في مجال الفكر، والعدل في مجال السّلوك الاجتماعي، وذلك بوصفهما نقيضين للجهل والظلم»[1]. والسؤال: هل هذا المعنى الذي قرّره الدّكتور دينٌ أم فكرٌ دينيّ؟ ألا يُعدّ هذا توحيدًا بين الدّين والفكر الدّينيّ البشريّ؟
ثم ذكر أنّ مسألة ثبوت النقل بالعقل ممّا يتّفق عليه الجميع تقريبًا[2]، وإذا كان هذا المضمون من الفكر الدّينيّ، فهذا معناه أنّ الدّكتور يتّفق في هذه الآليّة مع الخطاب الدّيني، وأنّ تعميماته السابقة غير صحيحة. ومن ناحية أخرى لا يمكن اختزال مسألة العلاقة بين الوحي والعقل، أو العقل والنقل، بالشكل الذي طرحه الدّكتور أبو زيد، واتّخذ منه متراسًا للهجوم على خصومه الفكريين.
وأختم بملاحظتين على طريقة تعاطيه مع مسألة الحاكميّة:
1- يُلحظ في طريقة تعاطي الدّكتور نصر مع مسألة الحاكميّة غلبة الأيديولوجي على حساب المعرفي، فقد تركت الخلفيّة العَلمانيّة أثرها في مجمل الرؤية التي قدّمها لمسألة الحاكميّة، ودور النصّ وتاريخيّته ومجاله، وحصر التحاكم إلى النبيّ J في النّزاعات الشخصيّة، دون النّزاعات الكبرى السياسيّة والاجتماعيّة!
2- جنح الدّكتور في أكثر من مورد، إلى محاكمة النوايا، وتفسير خبايا النفوس عند تفسيره لتبنّي بعض رجال الخطاب الدّيني مقولة الحاكميّة[3]. مع أنّ الخوض في النوايا، وخبايا النفوس، يفقد البحث قيمته العلميّة والمعرفيّة، وينقله لصالح الأيديولوجي، فضلًا عن افتقاد هذا الخوض الوسيلةَ المُثبِتة، لأنّ الخبايا لا يطّلع عليها إلّا علّام الغيوب.
ثانيًا: النصّ
المدّعى الأساس في هذا المنطلق: أنّ المفاهيم التي تُطرح عبر منطوق النصوص الدّينيّة تاريخيّة، وتاريخيّة النصّ نتيجة لتاريخيّة اللّغة التي صيغ بها. قال الدكتور: «إنّ النصوص دينيّةً كانت أم بشريّةً محكومةٌ بقوانين ثابتة، والمصدر الإلهي للنصوص الدّينيّة لا يخرجها عن هذه القوانين؛ لأنّها تأنسنت منذ تجسّدت في التاريخ واللّغة، وتوجّهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر في واقعٍ تاريخيّ محدّد. إنّها محكومةٌ بجدليّة الثبات والتغيّر، فالنّصوص ثابتةٌ في المنطوق، متحرّكةٌ متغيّرةٌ في المفهوم. وفي مقابل النّصوص تقف القراءة محكومة أيضًا بجدليّة الإخفاء والكشف»[4].
طرح الدّكتور أبو زيد هذا المدّعى بوصفه حقيقةً واضحةً! وفي المقابل يرى الخطابُ الدّينيُّ ـ كما ادّعى أبو زيد ـ : «أن النّصوص الدّينيّة بيّنةٌ بذاتها، ناطقةٌ عن نفسها، هذا رغم أنّه على المستوى النظري ـ خاصّة حين يحاور الشباب ـ يبدو مدركًا للفاصل الزمني واللّغوي بين عصر النصّ وبين العصور التالية، وما يثيره ذلك وَحده من إشكاليّاتٍ في الفهم والتأويل تؤدّي إلى خلافاتٍ لا مجال لتجنّبها»[5].
والملاحظ هنا:
1- تقدّم أن الدّكتور يعدّ الدّين هو النّصوص، وإذا كانت النّصوص تاريخيّةً في منطوقها، فالدّين تاريخيّ بلا إشكال، فالنتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين.
2- إذا عدَّ بعضُ الكتّاب الإسلاميين النّصوصَ الدّينيّةَ بيّنةً بذاتها، فهذا لا يسوّغ تعميم الدعوى لكلّ الخطاب الدّيني، وطرحها بشكلٍ يفهم منه المتلقّي أنّ الخطاب الدّيني بتيّاراته المختلفة يقبل ذلك! ألم يقل القرآن الكريم إنّ هناك آيات محكمات هنّ أم الكتاب وهناك متشابهات[6]! فأيّ باحثٍ يرفض أنْ تكون بعض آيات القرآن محكمةً وبعضها متشابهة! وفي علم الأصول قسّموا الدلالة إلى ثلاثة أقسام: صريحة وظاهرة ومجملة، ولا يوجد من يدّعي أنّ (كلّ النصوص الدّينيّة بيّنةٌ بذاتها). ولو كانت (كلّ) النصوص بيّنةً بذاتها لما وجدنا الاختلاف في الفَهم والاستنباط، وتفسير القرآن الكريم، ولما بقيت حاجةٌ إلى الأبحاث الدلاليّة ومباحث الألفاظ، وأبحاث الظهور في علم أصول الفقه! لكنّها سيرة الدكتور في إطلاق الدعاوى الإنشائيّة، والتعميمات دون مبرّرٍ موضوعيّ!
لا شكَّ في أنّ لغة الدّين عامّةً هي من سنخ لغة البشر، ولا توجد لغةٌ خاصةٌ بالدّين بمعزلٍ عن واقع اللّغة الإنساني، فقد اعتمد النصّ الدّيني كتابًا وسنّةً قوليّةً على المؤدّى المباشر للمفردات والتراكيب اللغويّة العربيّة، والتي تتّسم إجمالًا بالوضوح، والبيان، وإنْ شابها في موارد ملابساتٌ وإشكاليّاتٌ لأسبابٍ ذاتيّةٍ أو عرضيّة، إلّا أنّ هذه كلّه لا يسلب صفة الوضوح والبيان عن لغة النصّ الدّيني. وسيأتي في عنوان (معضلة النصّ القرآني) عرض هذه الإشكاليّة بنحوٍ أوفى.
3- من الغريب أن الدّكتور الذي يدّعي العقلانيّة، ويعدّ العَلمانيّة التأويل العلمي للدّين يستعين بالرؤية الصوفيّة لابن عربي في معالجة إشكاليّة نُدرة النصّ الصريح رغم أنّها ـ أي الرؤية الصوفيّة ـ لا تمتلك مبرّراتٍ عقليّة! وعلى خلاف المزاج الثقافي الذي ينتمي إليه أبو زيد[7].
صمت النصّ الدّيني
ثُمَّ ذكر الدّكتور نصر، وقال: «والفاصل الزمني على أهميّته وأهميّة الإشكاليّات التي يثيرها، ليس هو المشكل الوحيد، فاللّغة في النصوص ولو كانت معاصرةً للقارئ ليست بيّنةً بذاتها؛ إذ يتدخّل أُفق القارئ الفكري والثقافي في فهم لغة النصّ، ومن ثم في إنتاج دلالته. ولعلّه من قبيل التكرار المهم أن نستدعي قول الإمام علي: «القرآن حمّال أوجه»، أو نستدعي قوله الذي سبق الاستشهاد به: «القرآن خطٌّ مسطورٌ بين دفّتين لا ينطق، إنّما يتكلّم به الرجال». ولكن الخطاب الدّيني يُخفي من التراث هذا الجانب المهمّ والخطير في فهم طبيعة النصّ، وهو الفهم الذي سمح بالتعدّدية»[8].
ولكن هل النصوص غير ناطقة، وأنّ الإنسان هو الذي يتدخّل في إنتاج دلالتها، ويؤثّر أفق القارئ الفكري، والثقافي في فهم لغة النص بالشكل المتطرِّف الذي ادّعاه الدكتور أبو زيد؟
في مناقشة ذلك نورد الأمور الآتية:
1- لا نسلّم أنّ النصوص صامتة لا تنطق ولا تتحدّث دلاليًّا. وأغرب من ذلك القول بأنّ القارئ والمتلقّي هو الذي يخلع على النصوص المعاني ومحمولاته المسبقة، فذلك يوقعنا في نسبيّة معاني الألفاظ، فضلًا عن إنكار الدلالات الوضعيّة التي تتسم بالثّبات النسبي. وهذا المعنى، فضلًا عن مخالفته طريقة العقلاء في تعاملهم مع النّصوص، وطريقة الحكيم في إيصال مقاصده عبر الألفاظ، يقودُ إلى لوازم عبثيّةٍ من نقض أغراض الرسالة الدّينيّة، وعبثيّة نزول الدّين، فالنصوص غير صامتة، كما أنّ المؤلِّف لا يموت! وفي الواقع يمثّل الاعتقاد بصمت النصّ الدّيني خطأً كبيرًا، وهو بدوره أوقع الدّكتور في أخطاءٍ جمّة؛ فالألفاظ أوعيةٌ لها معانيها الموضوعة لها، وهي تدلّ عليها بدلالةٍ ثابتةٍ نسبيًّا، ومن ثمَّ لا يمكن تحميلها معاني أخرى لا تناسب طريقة العقلاء في التفاهم. على أنّ العلاقة بين الألفاظ والمعاني في النصوص علاقةٌ توافقيّةٌ اجتماعيّةٌ، فما لم يتم مثل ذلك الاتفاق (وأيًّا كان سبب حصول العلاقة بين اللفظ والمعنى) لا تستقرّ العلاقة ولا الدلالة، وبفعل هذه العلاقة نفهم معاني محدّدةً من ألفاظٍ معيّنةٍ؛ إذ لا نطلق كلمة الميكروب على السائل عديم اللّون والطعم والرائحة!
نعم، النصّ وسيطٌ لغويّ ينقل مراد المتكلّم، وكلّما تقدم الزمان بالنص قد يشوبه الغموض، نتيجة اختفاء قرائن حاليّة أو مقاليّة، أو حدوث استعمالٍ جديدٍ للمفردات، ومن ثَم يصار إلى سوء الفهم، ولذلك جهد علماء أصول الفقه ومنذ عهدٍ قديم في تحليل عمليّة الدلالة، وضبط معايير ومقاييس فهم النصّ في مبحث حجيّة الظواهر.
2- أنّ الاتجاهات التأويليّة والهيرمونطيقيّة الحديثة التي ترى صمت النّصوص، لا تقصر ذلك على النصّ الدّيني، وإنّما يشمل هذا الصمت كلّ نصٍّ، ومن ثمَّ يكون الفكر الدّيني نفسه خاضعًا لقاعدة صمت النّصوص؛ إذ من الواضح جدًا أنّ المعرفة الدّينيّة وفهم الباحث للدّين، إنّما يُنقلان بوساطة النصوص والألفاظ والعبارات، وبما أنّ النّصوص والعبائر صامتةٌ غرثى متعطّشة للمعاني بمقتضى تلك القاعدة التأويلية؛ لذا تكون المعرفة الدّينيّة صامتةً غرثى متعطّشة للمعاني، وعند ذلك لا يصحّ التمييز بين الدّين والمعرفة الدّينيّة على أساس أنّ النصوص وهي الدّين صامتة، وأنّ الإنسان هو الذي يخلع عليها الدلالة!
3- حين قال الدّكتور: «يتدخل أفق القارئ الفكري والثقافي في فهم لغة النص، وفي إنتاج دلالته»، فهو يخلط بين أمرين: الأدوات والوسائل، والأحكام القبْلية؛ لأنّ بعض المعارف ليس لها أيّ دورٍ سوى ما تمثّله من أداتيّةٍ ووسيلةٍ في فهم محتوى النصّ الدّيني، ولا تسهم بأيّة حالٍ في تشكيل محتوى النصّ. وتتمثّل هذه الأداتيّة في قواعد المنطق، وقواعد العقل البديهيّة، والقواعد العقلائيّة في التخاطب والتفاهم وإيصال مراد المتكلم، وكذلك الحال بالنسبة إلى بعض قواعد علم أصول الفقه وعلوم اللغة. فهذه العلوم جميعًا تمثّل أدوات ووسائل يستعان بها من أجل إدراك محتوى النصوص الدّينيّة والخطابات الشرعيّة، ولا يمكن من دونها الوصول إلى معرفة مراد المتكلم. ومن ثمّ تحتاج الممارسة البحثية في الدّين هذه الأدوات ولا تستغني عنها، وهي وإنْ كانت تقع في رتبةٍ سابقةٍ على الممارسة البحثيّة في الدّين، إلّا أنّها لا تشكّل قبليّاتٍ بالمعنى المذموم؛ لأنّ القبليّات المذمومة هي الأحكام المسبقة. أمّا الأدوات والوسائل، فلا يمكن مطالبة الباحث الدّيني أنْ يفرّغ ذهنه منها، وأنْ يواجه النصّ الدّيني بذهنٍ عامّي خالٍ؛ لأنّها مطالبةٌ عبثيّةٌ ولا معنى لها.
نعم، الباحث في الشأن الدّيني، بل في كلّ الشؤون المعرفيّة، مطالبٌ بتفريغ ذهنه من الأحكام المسبقة، التي تسهم في صياغة محتوى النصّ وفق رأي المفسِّر وقناعاته المسبقة، وهذا المعنى هو الذي وردت فيه النصوص الناهية عن تفسير القرآن بالرأي. فهي تنهى عن تفسير القرآن بالقناعة المسبقة والأحكام القبليّة، دون التفسير المسبوق الأدوات، والبديهيّات العقليّة، والقضايا العقلائيّة، والدلاليّة.
فهم النبيّ لا يطابق الدلالة الذاتيّة للنص!
من النّصوص اللّافتة في كلمات أبو زيد في هذا المجال، أعني فيما يرتبط بالنصّ الدّيني، ما ذكره في أنّ فهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا يطابق الدلالة الذاتيّة للنصّ الإلهي، إذ قال: «ومن الضروري هنا أن نؤكّد: أنّ حالة النصّ الخام المقدّس حالةٌ ميتافيزيقيّةٌ لا ندري عنها شيئًا، إلّا ما ذكره النصّ عنها، ونفهمه بالضّرورة من زاوية الإنسان المتغيّر والنسبي، النصّ منذ لحظة نزوله الأوّلى أي مع قراءة النبيّ له لحظة الوحي، تحوّل من كونه نصًّا إلهيًّا، وصار فهمًا نصًّا إنسانيًّا؛ لأنّه تحوّل من التنزيل إلى التأويل. إنّ فهم النبي للنص يمثّل أولى مراحل حركة النص في تفاعله بالعقل البشري، ولا التفات لمزاعم الخطاب الدّيني بمطابقة فهم الرسول للدلالة الذاتيّة للنصّ، إنّ مثل هذا الزعم يؤدّي إلى نوعٍ من الشرك من حيث إنّه يطابق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغيّر، حين يطابق بين القصد الإلهي والفهم الإنساني لهذا القصد ولو كان فهم الرّسول. إنّه زعم يؤدّي إلى تأليه النبيّ، أو إلى تقديسه بإخفاء حقيقة كونه بشرًا، والتركيز على حقيقة كونه نبيًّا»[9].
إنّ هذا النصّ من أكثر النّصوص غرابةً؛ لأنّه:
1- ما المقصود من الدلالة الذاتيّة للنصّ؟ هل يراد بها اتّجاه الصيْمري الذي ادّعى أنّ دلالة الكلمات على معناها دلالةٌ ذاتيّةٌ طبيعيّة، بغير جعل جاعلٍ ولا اعتبار مُعتبِر، ولا يمكن مِن ثَمَّ تعليلها بأيّ شيءٍ خارج ذاتها[10]! ومن الواضح أنّ هذا التوجه مرفوضٌ من غالب الباحثين الذين خاضوا أبحاث الدّلالة، قديمًا وحديثًا، وبكلّ توجهاتهم المعرفيّة، فليس للنّصوص دلالة ذاتيّة.
2- بعد الإيمان أنّ الألفاظ قوالب تنشأ بينها وبين المعاني علاقةٌ بسبب الوضع، والتباني اللّغوي والاجتماعي، فحينئذٍ لا يوجد إشكالٌ في أن يتوصّل الإنسان إلى فهم القصد الإلهي الحقيقي في النصّ القرآني؛ فما دام القرآن الكريم قد نزل بلغة العرب، وجرى على ما يفهمونه من كلماتهم وتراكيبهم التي استعملها وجاراهم فيها، فأين المشكلة في أنْ يسعى الباحثون لفهم المراد الجدّي والحقيقي الإلهي، بل هو غاية المفسّرين للقرآن الكريم؛ فهم يسعون إلى فهم المداليل الجِديّة، والحقيقيّة للآيات الشريفة.
3- من اللّافت هنا ما عدّه (النصّ الخام)، ووسمه بوصفه «حالة ميتافيزيقيّة لا ندري عنها شيئًا، إلّا ما ذكره النصّ عنها». لكن ما المقصود بالنصّ الخام؟ ذكر الدّكتور في هامش الكتاب أنّ النصَّ الخام مفهومٌ يطرحه حسن حنفي كثيرًا في كتاباته ويعني به «النصّ بمعزلٍ عن أيّ تأويلٍ أو تفسير، وهي حالةٌ افتراضيّةٌ محضة، لا تختلف كثيرًا عن حالة النصّ الميتافيزيقية»[11].
ومن الواضح أنّ النصّ الخام بهذا المعنى ليس حالةً ميتافيزيقيّة، وإنّما هو من الوجود الكتبي، أو اللّفظي. وإذا قلنا إنّ القرآن نزل بلغة العرب بألفاظها ومعانيها، ولم يجترح لنفسه طريقةً خاصّةً، ولم يجرِ على الأسلوب الرمزي، كما تدّعى بعض التوجّهات الباطنيّة والمغالية، فكيف يقال حينئذٍ: لا ندري عنه شيئًا؟! إذ الدراية باللّغة العربيّة والعلاقات الوضعيّة والعُرفيّة فيها، تستلزم الدراية بالنصّ القرآني بوصفه نصًّا عربيًّا، وإلّا انتقض الغرض من نزوله بلغة العرب. نعم القرآن في وجوده المفارِق قبل نزوله بلغة العرب على شكل ألفاظ لا ندري عنه شيئًا، وكما قال هو عن نفسه:(إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)[12].
4- أما دعواه أنّ فهم النبيّ لا يطابق الدلالة الذاتيّة للنصّ، ففيه جرأةٌ كبيرة. وفضلًا عن الجرأة هناك خلطٌ بين الجانب الوجودي وجانب الفهم الدّلالي؛ إذ ما ذكره من الشرك وتأليه النبيّ إنّما يتصوّر لو قلنا بالمطابقة والإحاطة الوجوديّة بين الثابت والمتغيّر، والمطلق والنسبي، وإحاطة الممكن المحدود بالواجب اللّا متناهي وجودًا، وهي إحاطةٌ ممتنعة. وأمّا فهم القصد الإلهي، والوصول إليه بوساطة الألفاظ والقوالب الجُملية التي توسّل بها الوحي الإلهي لإيصال مقاصده إلى البشر، فلا معنى لتصوّر مثل هذه اللوازم من الأساس فيها. ولستُ أدري إنْ كان يقصد بالتغيّر حتّى في الإدراك، الذي هو أمرٌ غير مادي، ومن أفعال النفس! إلّا إذا كان يبني على ماديّة الفكر والإدراك عند الإنسان! زِد على هذا، أنّ تلقّي النبيّ للوحي بلفظه ومعناه، ليس من قبيل العلم الحصولي وإنّما سنخ آخر من الإدراك.
هذه المآزق كلّها تورّط فيها الدّكتور نتيجة الارتجال، وإطلاق الأحكام من دون تأنٍّ، ودون تحقيقٍ لمجموعة مسائل مترابطة.
انتقائيّة التنوير!
من الملاحظات الواضحة في مفاصل الكتاب، وتحديدًا في الفصل الأوّل منه، الانتقائيّة؛ ففي الوقت الذي انتقد فيه الدّكتور الكتّاب الإسلاميين المصريين ووسمهم بالانتقائيّة، نجده سلك هذا المنحى ومارس الانتقائيّة بصورةٍ فجّةٍ جدًّا. وأكتفي هنا ببعض الشواهد:
أ- حتّى يعزّز أبو زيد دعواه في أنّ قراءة النصّ تتأثّر بالأفق الفكري والثقافي للقارئ، ليثبت إسهام القارئ في إنتاج دلالة النصّ، ارتكز إلى نصٍّ يُنسب إلى الإمام عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام) يرتبط بناطقيّة القرآن وصمته: «إنّما هو خطٌّ مَسطور بين دفّتينِ لا ينطقُ، إنّما يتكلّمُ بِهِ الرِّجالُ» [13]، حيث اكتفى به لتعزيز فرضيّته، وفي المقابل تغافل عن المقولة الأخرى المنسوبة للإمام (عليه السلام) التي قال فيها: «وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، نَاطقٌ لاَ يَعْيَا لِسَانُهُ» [14]. إنّ أسئلة العصور، والأفق الفكري والثقافي للقارئ، لا تُحدّد مضمونَ الإجابة، ولا تزُق المعاني في النصوص، ولا تُنتج دلالتها، وإنّما تفتح الآفاق للقارئ والمتلقّي للنصّ ليس إلّا، ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) عن القرآن «استنطقوه»، أي هو يمتلك جواب أموركم، لكنّه يحتاج إلى الإثارة والاستنطاق. وهذا معناه عدم إمكان الاستناد لهذا النصّ وحده لتقرير قاعدة صمت النصّ القرآني، أو أن الرّجال هم الذين يُنتجون دلالته حسب خلفياتهم الفكريّة والثقافيّة؛ لأنّه قال في الحديث الآخر: «ناطقٌ لا يعيا لسانُه»، لكن الدّكتور انتقى النصّ الأوّل لتعزيز فرضيّته! ويبدو أنّ التسارع، والهمّة في نقد أفكار الخطاب الدّيني، ممثّلًا بالمودودي وسيّد قطب، لم يتركا مجالًا لمراجعة الموقف بشكلٍ علميّ، وشامل!
ب- في سياق حديثه عن إهدار البعد التاريخي، ذكر مفهوم الجهل، وادّعى أنّ الجهل في لغة ما قبل الإسلام يعني: «الخضوع لسطوة الانفعال والاستسلام لقوة العاطفة، دون الاحتكام إلى رزانة العقل وقوة المنطق»[15]. واستشهد لمدّعاه هذا بأبياتٍ من الشّعر، كقول بعضهم:
ألا لا يجهلن أحـدٌ علينا فنجهلُ فوقَ جهل الجاهلينا
وقول الآخر:
أحلامنا تزن الجبال رزانةً وتخالنــا جِنًّا إذا مــا نجهلُ
واستنتج: «فالجهل هنا ينصب على السّلوك المنافي للعقل والمنطق، وهو كما يُفهم من سياق الاستخدام في شعر ما قبل الإسلام، العدوان الذي لا سبب له ولا مُبرِّر من جهة العقل والمنطق»[16].
أشرتُ سابقًا إلى وجه الإشكال في هذه الفكرة، وأزيد الآن أنّ الدّكتور مارس انتقائيّةً واضحة، وركن إلى عدم المتابعة؛ إذ تُوقِف أبسط مراجعة لمعاجم اللّغة التي تنقل الاستعمال الباحث على أنّ ما ذكره الدّكتور يمثّل استعمالًا لمفردة الجهل، وليس الاستعمال الوحيد، ولا المعنى الموضوع له. قال الخليل في العين: «جهل: الجهل نقيض العلم، تقول: جهل فلان حقّه، وجهل علَيَّ، وجهل بهذا الأمر. والجهالة أنْ تفعل فعلًا بغير علم. والجاهليّة الجهلاء: زمان الفترة قبل الإسلام»[17]. وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللّغة: «جهل: الجيم والهاء واللّام أصلان أحدهما خلاف العلم، والآخر الخفّة وخلاف الطمأنينة. فالأوّل الجهل نقيض العلم، ويقال للمفازة التي لا علم بها مجهل. والثاني قولهم للخشبة التي يُحرّك بها الجمر مجهل، ويقال استجهلت الريحُ الغُصن إذا حرّكته فاضطرب..»[18]. وقال الرّاغب في المفردات: «جهل: الجهل على ثلاثة أضرب، الأوّل: وهو خلو النفس من العلم، وهذا هو الأصل.. والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه. والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يُفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا، أو فاسدًا»[19].
وهذا المعنى واضح جدًّا في قواميس ومعاجم اللّغة في أبسط مراجعة، وقد تضمّن الشّعر الجاهلي مفردة الجهل بهذا المعنى، قال زهير بن أبي سلمى:
فأقبلتُ في السّاعين أسألُ عنهم سؤالكَ بالشيءِ الذي أنتَ جاهلُه
وفضلًا عن ذلك، فالجهل بمعنى الخضوع لسلطة الانفعال يرجع في حقيقته إلى عدم العلم؛ إذ من جهل تعدّى طورَه وتجاوز الحدود. وكثيرًا ما حلّت المصائب بالبشر نتيجة الجهل بحقيقة الأفعال، ونتائجها ومآلاتها، رغم صدورها من أفراد يحملون عناوين برّاقة!
زِد على هذا، لو قمنا بعملية استقراء في القرآن الكريم لاستعمال مفردة الجهل، نجد الآيات أرجعت كلّ السّلوكيّات والموبقات الفرديّة والجماعيّة، والتجاوزات والعدوان، والاعتقادات الشركيّة والوثنيّة، إلى الجهل بمعنى عدم العلم والمعرفة، وعلّلتها به، وهاك نماذج منها:
ـ في مجال الشذوذ الجنسي: (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)[20]، فهنا وصف إتيان الذكور عبر الفعل الشاذ وهو سلوك، بالجهل.
ـ وفي العلاقات غير الشرعيّة: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)[21].
ـ وعن العقائد والطلبات المزاجيّة: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ)[22].
ـ وعن العصبيّة: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)[23].
وغيرها من الموارد التي عرضها القرآن الكريم، ويمكن الوقوف عليها بأدنى مراجعة. فللجهل تأثيرٌ خطيرٌ وهو مصدر الشّرور؛ لذلك كان من أهم أهداف بعثة الأنبياء(عليهم السلام) اجتثاث جذور مرض الجهل من المجتمع، ومن دون علاج هذا الوباء الفتّاك الذي قد يتمظهر بأشكال برّاقة، لا يمكن أنْ تسود القيم الدّينيّة والإنسانيّة، (رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ، وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلٰالٍ مُّبِينٍ)[24].
نعم، لا يعني الجهل بالضّرورة أن يكون الإنسان غير متعلّم، أو غير متوفّر على معلوماتٍ نظريّة، فقد يتّخذ الجهل صورةً ثقافيّة، ويكون على شكل تنظيرٍ ومقولاتٍ، ولكنّها جاهليّة! وما أشدّ الجاهليّة وأكثر الجهل الذي انتشر في عصرنا تحت مسمّيات التمدّن، والتحرّر، والثّقافة! وفذلكة الموقف: أنّ الدّين يوم جاء بمنظومته أراد من البشر أن ينقادوا إليه على مستوى الفكر والعمل، وعدّ كلَّ أخذٍ وتلبّسٍ بفكرةٍ وعملٍ مخالفٍ جاهليّةً وجهلًا؛ ولهذا وصف القرآن طائفةً من المسلمين بالجاهليّة في أعقاب معركة أُحد بسبب تصوّراتهم المغلوطة: (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ، وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)[25]، فالظنُّ بالله على غير الحق ظنٌّ جاهليّ. وهو السّبب في وصف الآخذ بالطاعة متقدّمًا والعاصي متأخّرًا: (لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)[26]، فالتأخّر والتقدّم في اللحاظ القرآني وصف لجهة الإعراض والأخذ بالمعارف والتعاليم الإلهيّة.
ج- حتّى يؤكّد أبو زيد دعواه في أن للنّصوص الدّينيّة مجالات فعّاليتها الخاصّة، وأنّ ثمّة مجالات أخرى تخضع لفاعليّة العقل البشري والخبرة الإنسانيّة، وأنّ الخطاب الدّيني يعمل على مدّ فعّالية النّصوص إلى كلّ المجالات! ذكر أنّ الخطاب الدّيني يتجاهل الفروق بين المجالات والتي صيغت في مبدأ: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم!)[27].
وفي هذا المورد تحديدًا، نجد تعانقًا بين الانتقائيّة وبين غلبة الأيديولوجي على حساب المعرفي؛ فلأنّ هذه المقولة المزعومة تناسب نظرةَ أبو زيد للنبوّة، وتلائم الإطار العَلماني، استعان بها واتخذها كأمرٍ مُسَلّمٍ غير خاضع للنقاش في ثبوته التاريخي، ومضمونه ولوازمه، ولم يعمل فيها مبضع التدقيق الذي مارسه في النّصوص الروائيّة عند حديثه عن النصّ في منطلقات الخطاب الدّيني! بل نجد اليقين الذهنيّ والحسم الفكريّ الذي عدَّه من آليّات الخطاب الدّيني!
ولستُ أدري هل كان آحاد معاصري النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يعرفون حاجة النخيل إلى التأبير، وهو يجهل ذلك -حاشاه- رغم كونه ابن البيئة العربيّة؟ وإذا كان النبيّ يعرف أنّ الآخرين أعلم منه في شؤون الدنيا فَلِمَ تدخّل في أمورٍ لا تعنيه وليست من اختصاصه؟ ألم يكن ملتفتًا إلى أنّ الناس تطبيقًا لقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[28]، يهتمّون بكلّ كلمةٍ تصدر عنه ويرتّبون عليها الأثر؛ لعلمهم أنّه:(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)[29]؟ ولِمَ يُعرِّض النبيّ الناسَ إلى الضّرر الجسيم لعدم خبرته بهذه القضايا، ثم لا يَضْمنُها لهم؟! ألم يأمر النبيّ - كما في الخبر الصحيح في كتب أهل السنّة - عبدَ الله بن عمرو بن العاص بأن يكتب كلّ ما يسمعه منه، حيث أوْمَأ بأُصبعه إلى فِيهِ وقال: «اكتب؛ فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلّا الحقّ» [30]. فكيف يتناسب هذا مع ذاك؟!
والحقّ، أن الدّكتور نصر ليس أحسن حالًا من جورج طرابيشي نظيره في الخطاب العَلماني، الذي جعل هذه المقولة الزائفة دليلًا على وجود بذور العَلمانيّة في الإسلام[31]! ولا أحسن حالًا من عبد الكريم سروش الذي اتّخذ منها ذريعةً لتأييد مدّعاه في جهل النبيّ بعلوم عصره، وجعل من سكوت بعض العلماء والمسلمين لقرونٍ عن هذه الروايات، ومعايشتهم لها، أداةً للقول بعدم منافاة هذا الاعتقاد للإيمان والنبوّة[32]!
هذه عيّنةٌ من موارد هي شواهد على انتقائيّة الدّكتور نصر، وكيفيّة تعامله مع المسائل بتبسيط! وكيف اهتم بمقولة هي وفق رؤيته من «النّصوص الفرعيّة»[33]، التي (خضعت لآليّات الانتقال الشفاهي)، وفيها «إشكاليّة أكثر تعقيدًا»[34]، وهي أقرب إلى «مجال النّصوص التفسيريّة من حيث إنّها رُويت بالمعنى لا بلفظ النبيّ»[35]، إضافة إلى «ما هو معروف من أسبابٍ وملابساتٍ كثيرةٍ أدّت إلى الزيادة في جسد الحديث بالوضع والانتحال»[36]. لكنّه مع هذا كلّه عاملها بيقينٍ ذهنيّ، وحسمٍ فكريّ، متجاوزًا كلّ الشِّعارات التي حشرها في كتابه حشرًا، والتي حدّثنا فيها عن ضرورة «الإبداع لا مجرّد الاجتهاد، والاكتشاف لا مجرّد ترديد أقوال القُدماء»!
هو التناقض الصارخ في الخطاب العَلماني، الذي يعلن تشكيكه بالحديث النبوي، وعدم وثوقه بروايته، لكنّه يتلقّف منه ما يُناسب آيديولوجيّته، ومنطلقاته الفكريّة، في توجّهٍ نفعيٍّ صارخٍ!
تجويف النّصوص الدّينيّة
ابتدأ الدّكتور نصر حامد الفصل الثالث بتأكيد أنّ الفكر الدّيني، شأنه شأن أيّ فكرٍ بشري، هو نتاجٌ طبيعي لمجمل الظروف التاريخيّة، والحقائق الاجتماعيّة لعصره. وعدّ أنّ الفكر الجدير حقًّا باسم الفكر هو الفكر الإيجابي، الذي يتصدّى لحقائق العصر الذي ينتمي إليه بالتحليل، والتفسير، والتقويم[37].
من المهم هنا التأكيد على قبول هذه الفكرة على وجه الإجمال، أي بنحو الموجبة الجزئيّة بتعبير أهل المنطق، لكن هذا الادّعاء الكبير في كلام الدّكتور، وبهذه السِّعة والشمول يحتاج إلى إثبات، وإثبات هذه القضية الكليّة له سبيلان: إمّا عبر الاستقراء التام، وهو شبه مستحيل ومتعذّر. وإمّا عبر البرهان العقلي القائم على أساس الضّرورة والملازمة، وهذا بدوره (بهذا الشكل) ليس موجودًا، ويخلو كلام الدّكتور نصر من الأمرين معًا. ويبدو أنّه لا يجد نفسه ملزمًا بمثل هذا التدليل؛ لأنّ القضية وفق دعواه أصبحت «في حكم الحقائق المسَلَّم بصحتها، والتي كافح رواد النهضة والتنوير طويلًا من أجل إقرارها، وتثبيتها في تربة ثقافتنا»[38]!
نعم، الحقيقة مقدّسة، ويفترض بالجميع مراعاة هذه القداسة، وإذا كان الدّكتور نصر يدّعي أنّ الفكر الدّيني المعاصر أخفى هذه الحقيقة، وأهال عليها تُراب النسيان، لحساب (إطلاقيّةٍ تقاربُ حدودَ القداسةِ ينسبها إلى نفسه بطريقة غير مباشرة)، فقد وقع في الشراك ذاته، وفيما نعاه على الفكر الدّيني، ونسبَ القداسةَ إلى نفسه بشكلٍ مباشر! فأيّ قداسةٍ أوضح من تقرير مدّعاك بوصفه من الحقائق المُسلًّم بها! أليست الحقائق مقدّسة؟
سلاح الأسلمة
في سعي إلى احتكار الحقيقة المقدّسة، والهجوم على مناوئيه في الخطاب الدّيني، وتعزيز خطابه العَلماني، اتخذ الدّكتور نصر حامد من فكرة الأسلمة سلاحًا للنفخ في متبنّياته. والأنسب إثبات كلامه: «نشير إلى مظاهر الإطلاقيّة والقداسة في المحاولات التي تُبذل في شكل مؤتمراتٍ وندواتٍ ولقاءاتٍ ومؤلّفات، موضوعها جميعًا ما يطلقون عليه اسم (الأسلمة)، في جميع مجالات النشاط الإنساني. وإذا كانت الدعوة إلى أسلمة القوانين بالاحتكام إلى الشريعة الإسلاميّة أمرًا مفهومًا في سياق تاريخنا الثقافي، رغم الخلاف حول مجالات التطبيق وآليّاته، فإنّ الدعوة إلى أسلمة العلوم والآداب والفنون، دعوةٌ ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. إنّها دعوةٌ تؤدّي إلى تحكيم الفكر الدّيني الخاضع لملابسات الزمان والمكان والموقف الاجتماعي في مجالاتٍ فكريّةٍ، عقليّةٍ إبداعيّة، لم تتعرّض لها النّصوص الدّينيّة، وإنْ حاول الفكر الدّيني دائمًا بطرقٍ تأويليّةٍ ملتويةٍ أنْ يستنطق النّصوص الدّينيّة، بما يراه في المجالات المشار إليها»[39].
يثير هذا النصّ مجموعةً من المسائل والإشكاليّات، وجريًا على طريقتنا في هذا المضمار النقدي، نتوقّف عندها على شكلِ ملاحظات مكثّفة:
1- بدايةً نسجّل تحفّظنا على مشروع أسلمة العلوم الذي بدأت بواكير صَرْعَتِه منذ عقود، وعُقدت لأجله مؤتمراتٌ وصدرت مقرّراتٌ ومؤلّفاتٌ ودوريّات. وينطلق تحفّظنا من فكرةٍ منهجيّةٍ تتمثّل في أنّ العِلم كائنٌ محايدٌ لا يتحيّز إلى دينٍ أو مذهبٍ أو جماعة، وهو يبتغي كشف ضرورات الواقع، وأحكام التكوين والطبيعة، وفق أساليب ومناهج معيّنة. وفي المقابل لم يتّخذ الإسلام عقيدةً وشريعةً موقفًا رسميًّا من كشف ضرورات الواقع التكويني، ولم يطرح تفسيراتٍ نهائيّةً للمعرفة والكونيّات؛ ولذلك نرفض ما يعرف بالمنطق الإسلامي، والإبستمولوجيا الإسلاميّة، وعلم الاجتماع الإسلامي، وعلم النفس الإسلامي.
نعم، قرّر الإسلام مجموعة أصولٍ وضوابط في التعامل مع الاجتماع البشري، والنفس الإنسانيّة، لكنّها ليست علومًا، وإنّما تمثّل وجهته في كيفيّة تدبير المجتمع وتربية الإنسان بما ينسجم مع رؤيته لطبيعة الوجود والحياة؛ لذلك ميّز الفقيه والمفكّر السيّد محمّد باقر الصّدر مقدّمة كتابه القيّم اقتصادنا، بين المذهب الاقتصادي في الإسلام، وبين علم الاقتصاد، والمدّعى وجود مذهب اقتصادي في الإسلام، وليس علم الاقتصاد[40].
وعلى كلّ حال، فأسلمة العلوم هدف عند طيفٍ من الباحثين في الشأن الدّيني، ومهما ذكروا له من مبرّراتٍ وضرورات، يبقى موقفًا اجتهاديًّا لهم، رغم خطئه، وابتلائه بتحميل النّصوص الدّينيّة ما لا تحتمله، وتورّطه بالتأويل وهو قاعدة الاستثناء، ولا يمكن بالمحصّلة الحديث عنه بإطلاقية، بوصفه عنصرًا مشتركًا بين كافة التوجهات الإسلاميّة!
2- من الغريب أنّ الدّكتور نصر وسَم الفكر الدّيني بالخضوع لملابسات الزمان والمكان، وسكت عن الآداب والفنون، وكأنّها من ضرورات التكوين وحقائق العلوم غير الخاضعة للزمان والمكان! والحال أنّ الفنون والآداب تتأثّر بالمزاج الثقافي والقيمي السائد في المجتمعات، فَلِمَ جاز للدّكتور أنْ يتعامل مع الفن والآداب بإطلاقيّةٍ مرتفعةٍ على الزمان والمكان، لكنّه تعامل مع الفكر الإسلامي بوصفه خاضعًا لملابسات الزمان والمكان! وإذا كان يحقّ للآخرين تصدير أحكامهم القيمية ورؤاهم عبر الفن والأدب، فلِمَ لا يسوغ لنا أن نضمِّن الفن والأدب رسالتنا في الحياة، ورؤيتنا للإنسان والاجتماع!
وإذا كان الأدب هو تعبيرٌ إنسانيٍّ عن الهواجس والعواطف، والأفكار والخواطر، شِعْرًا ونَثْرًا وبكلّ أشكال النثْر؛ فمثل هذا التعبير يناسب كلّ مضمونٍ ومادّةٍ، وبصرف النظر عن توجّه صاحبه والتزامه الدّيني من عدمه. وأين المشكلة في أنْ يعبّر المسلمُ عن هواجسه وعواطفه وأفكاره نثرًا وشعرًا منضبطًا بالأحكام القيميّة الدّينيّة! وأنْ يتّخذ من الفنون خير وسيلةً لإيصال محتواه الداخلي الإيماني ورؤيته العَقديّة! ويبدو أنّ المشكلة في الالتزام الدّيني نفسه، فالمطلوب أنْ تتفلّت هذه المجالات من الضوابط والقيم، وتكون محكومةً بقانون الهوى وما يُراد ويُشتهى فقط!
وإذا كان الدّين من المكوّنات الأساس في المجتمع والحياة، ولا يمكن لأيّة قوّةٍ عزله أو فصله عنهما، فالمفروض أنْ ينعكس الدّين بقيمه وتعاليمه وعقيدته في الفنّ؛ لأنّ الفنّ كما يقولون انعكاسٌ لحياة الناس. والحقّ لا قيمة للفنّ، كلّ فنّ، ما لم يوظّف في خدمة الأفكار والقيم، ولا قيمة للفنّ ما لم يُشخّص مشاكل الواقع الحياتي للإنسان على مستوى الأفكار، وعلى مستوى السّلوك، وما لم يحاول معالجتها عبر الوسائل الفنّية. ولا قيمة للفنّ ما لم يكن معبّرًا عن هويّة المجتمع. أمّا الفنّ من أجل الفنّ، أو الفنّ الذي يستهدف أوّلًا وآخرًا إبراز الجسد في مفاتنه، وتقديم العلاقات الجنسيّة غير المشروعة بوصفها واقعًا من أجل سلب المهابة عنه، وكسر الحاجز القيمي والحساسيّة الأخلاقيّة في المجتمع تجاهه، فمثل هذا العمل لا يعبّر عن الفنّ، وغاية ما يمثّله الهبوط في الأداء، والانسلاخ عن القيم والأخلاق. ولا شكّ في أنّ الفنّ وسيلةٌ بليغةٌ في التبليغ، وإيصال الرسائل الهادفة والهادية للإنسان.
وإذا كانت هناك مشكلة مع نمطٍ من التيارات المتطرّفة في تعاملها مع الفنون والآداب، فهذه المشكلة لا تُسوّغ هذا الخطاب الإطلاقي، والوقوع في شراك مغالطة التعميم.
3- من اللّافت أنّ الدّكتور جعل من المدّعى برهانًا! إذ لا شك في أنّ نصر حامد وهو يكتب هذا المقطع كان أمينًا لإيمانه العَلماني، فهو يصدر من الرؤية التي ترى أنّ هذه المجالات من فاعلية العقل الإنساني، وليس للدّين موقفٌ منها، أو لم تتعرّض لها النصوص الدّينيّة. ومن الواضح أنّ هذه النقطة بالتحديد هي موضع الخلاف بين العَلماني والمتديّن، فكيف تُجعل الدعوى برهانًا، والنتيجة مقدّمةً؟!
على أنّنا لو افترضنا عدم تعرّض النّصوص لها بنحوٍ واضح، وبعناوينها، فلا يلزم منه عدم إمكان استنباط حكمها من النّصوص الشرعيّة، اعتمادًا على أدلّةٍ لفظيّةٍ مطلقة، أو عامّة، أو على أقل تقدير تمسّكًا بقواعد الإباحة والحلّية والبراءة. أو المطلوب أنْ يكون سلوك الإنسان في الحياة بعيدًا عن موقفه الإيماني، وما يتطلّبه من رعاية ضوابط الشريعة؟!
ولستُ أدري لِمَ جاز للدّكتور أنْ يمارس كلّ أشكال التأويل للدّين ونصوصه، وفق الرؤية التي يصدر عنها، فشرّق وغرّب، ولكن لا يجوز في المقابل للفكر الإسلامي، وباحثيه، استنباط حكمً هذه المجالات من النصّ الشرعي، وإذا ما حاولوا وسَمنا ذلك بـ(طرق تأويليّة ملتوية)!
وفي الواقع، أنّ كلَّ شيءٍ اعتبره الدّكتور نصر هِنةً، أو عابَه على الخطاب الدّيني الذي دخل معه في صراع، قد وقع فيه نفسه، ولم يسلم من إشكاليّاته!
معضلة النصّ القرآني
ذكر الدّكتور نصر بعد كلامٍ طويلٍ، وقال: «ولعلّنا الآن أصبحنا في موقفٍ يسمح لنا بالقول بأنّ النّصوص الدّينيّة نصوصٌ لُغويّةٌ، شأنها شأن أيّة نصوصٍ أخرى في الثقافة، وأنّ أصلها الإلهي لا يعني أنّها في درسها وتحليلها تحتاج إلى منهجياتٍ ذات طبيعةٍ خاصّةٍ تتناسب مع طبيعتها الإلهيّة الخاصّة. إنّ القول بإلهيّة النّصوص والإصرار على طبيعتها الإلهيّة تلك، يستلزم أنّ البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها، ما لم تتدخّل العناية الإلهيّة بوهب بعض البشر طاقاتٍ خاصّة تمكّنهم من الفَهم، وهذا بالضبط ما يقوله المتصوّفة. وهكذا تتحوّل النّصوص الدّينيّة إلى نصوصٍ مستغلقة على فهم الإنسان العادي - مقصد الوحي وغايته- وتصبح شفرةً إلهيّةً لا تحلّها إلّا قوّة إلهيّة خاصّة، وهكذا يبدو وكأنّ الله يكلّم نفسه ويناجي ذاته، وتنتفي عن النصوص الدّينيّة صفات الرِّسالة والبلاغ والنّور»[41].
من الأمور اللّافتة في تعامل الدّكتور نصر حامد مع مسائل الفكر الإسلامي، أنّه يذكر أشياءً بوصفها إبداعًا توصّل إليه، وفتحًا غفل عنه روّاد الخطاب الدّيني أو تغافلوا، ولستُ أدري إنْ كانت هذه الظاهرة شعوريّة أو غير شعوريّة! ولا أدلّ على ذلك من النصّ الماثل أمامنا؛ فقد قرّر الدّكتور فيه شيئًا وكأنّه وِترٌ في الفكر، وأوحديٌّ في علوم القرآن وقواعد التفسير والدّلالة، والحال مغاير لذلك؛ لأنّ لُغة النصّ القرآني من المسائل التي تعرّض لها الباحثون في علوم القرآن، واختلفت فيها أنظارهم.
لا شك في أنّ القرآن الكريم جاء باللّغة العربيّة السائدة المتداولة وقت نزوله، رغم إبداعه دلالاتٍ لمفردات من قبيل المؤمن، والمنافق، والكافر، والعرش، والكرسي. لكن هل التزم القرآن الكريم باللّغة السائدة عند عامّة العرب؟ بمعنى أنّنا حين نريد تفسير جميع المفردات والاصطلاحات القرآنيّة فلا بُد أنْ نلتزم بالمعنى اللّغوي والعرفي في عصر نزول القرآن؟ أم أنّ لُغة القرآن رمزيّةٌ وإشاريّةٌ وليست لغةً عرفيّةً عامّة؟ أو هي لغةٌ واقعيّة؟
ويتركّز البحث في لُغة القرآن حول الخصوصيّات القرآنيّة بلحاظ الكلمات والتراكيب والجُمل، فهل تدلّ المفردات والتراكيب الجُمليّة في القرآن الكريم على المعاني العرفيّة التي يعرفها الناس بحكم الوضع؟ أو تدلّ على مسمّياتٍ خاصّةٍ حقيقيّةٍ اتّبع القرآن في إيصالها الأُسلوب الرمزي والإشاري؟
وهذا البحث قديمٌ وحديث، فقد تناوله الباحثون منذ القديم، وكان محطّ اهتمام أهل اللّغة، والأدب، وعلوم القرآن، وتركوا في هذا المجال مؤلّفاتٍ وآثارًا قيّمة ومهمّة، ولا غنى عنها لكلّ باحثٍ في هذا الشأن.
وبالعودة إلى السّؤال عن لُغة القرآن قُدّمت نظريّات، منها نظريّة العرف العام، وحاصلها: أنّ القرآن الكريم لم يسلك في إيصال مفاهيمه أُسلوبًا وطريقةً خاصّة، كالفلسفي، والعرفاني، والعلمي، والرّمزي، وإنّما استعمل المفردات المتعارفة عند الناس، وسار على أساس النّظام اللّغوي الذي ألِفَه العرب. ومنها نظريّة تقول بالتركيب من عدّة أساليب. وقدّم أهل الباطن - قديمًا وحديثًا - النظريّة الرمزيّة والتأويليّة، وهناك توجّهاتٌ خاصّةٌ افترضت أنّ اللّغة القرآنيّة خاصّة بأهل البيت (عليهم السلام). وقدّم باحثون آخرون نظريّة العرف الخاص بالقرآن الكريم، المركّبة من العرف العام مع الدّلالات والاصطلاحات الخاصّة، وهي واقعيّةٌ غير أسطوريّةٍ ولا خياليّة. وتحقيق المسألة موكولٌ إلى الدّراسات القرآنيّة.
أمّا الاتجاه المعروف بين الباحثين في هذا المجال، سنّة وشيعة، فيرفض أنْ تكون لغة القرآن رمزيّةً إشاريّة، أو خاصّةً بمجموعةٍ من الناس، ويتّخذون موقفًا مناهضًا ومتشدِّدًا من اتجاهات الباطن والغلو، التي حوّلت القرآن الكريم إلى معمّياتٍ، ورموزٍ وإشاراتٍ، لا يفهما إلّا مَن أفاض الله عليه الموهبة!
وإذا كان الحال على هذه الشاكلة، فأيّ فتحٍ، أو إضافةٍ في دعوى الدّكتور: «أنّ أصلها الإلهي لا يعني أنّها في درسها وتحليلها تحتاج إلى منهجيّاتٍ ذات طبيعةٍ خاصّةٍ تتناسب مع طبيعتها الإلهيّة الخاصّة»، أو في دعواه: «إنّ القول بإلهيّة النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهيّة تلك، تستلزم أنّ البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخل العناية الإلهيّة بوهب بعض البشر طاقاتٍ خاصّة تمكّنهم من الفهم، وهذا بالضبط ما يقوله المتصوفة»! فالباحثون في الشأن القرآني سنّةً وشيعةً لا يَدَّعون الأوّل، ويرفضون قول المتصوّفة، فلِمَ الإصرار على الأسلوب الموهِم للقارئ! فهل مِن التّنويرِ والتّجديدِ، وإعادةِ التأويل، إيهامُ المُتلقّي، ومجانبةُ الأمانةِ في عرْض المسائل؟!
وإذا كان بعض الباحثين قد ذكروا علمَ الموهبة، واكّدوا عليه بوصفه من شروط المفسِّر[42]، فلا تسوغ نسبةُ ذلك إلى كلّ توجّهات الفكر الإسلامي؛ لأنّ ما يسمّى بعلم الموهبة إنْ كان من قبيل الشهود الباطني فلا يُقبل من غير المعصومين(عليهم السلام). على أنّه لا يوجد معيارٌ خاصٌّ وواضحٌ لعلم الموهبة، فيمكن أنْ يدّعيه كلُّ واحدٍ لنفسه، وأنْ ينفيه عن الآخر. وما لا معيار له لا معياريّة له، ولا يُقبل بوصفه من شروط المفسِّر للنصّ القرآني.
يوقفك كلّ هذا على ما ذكرناه قبْلًا، في أنّ الدّكتور يذكر أشياءً يتصوّرها وترًا في الفكر، والحال هي من الواضحات في المعرفة الدّينيّة، أو هي آراء خاصّة بأصحابها.
زِد على ذلك ما يأتي:
1- ثمّة ارتباك وتنافٍ بين نصوص الدّكتور نصر، فتارة يدّعي ويقول: «إنّ القولَ بإلهيّة النّصوص، والإصرار على طبيعتها الإلهيّة تلك، تستلزم أنّ البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخّل العناية الإلهيّة بوَهب بعض البشر طاقاتٍ خاصّة تمكّنهم من الفَهم، وهذا بالضبط ما يقوله المتصوّفة. وهكذا تتحوّل النّصوص الدّينيّة إلى نصوصٍ مستغلقة على فهم الإنسان العادي - مقصد الوحي وغايته - وتصبح شفرةً إلهيّة، لا تحلّها إلّا قوّة إلهيّة خاصّة، وهكذا يبدو وكأنَّ الله يكلّم نفسَه ويناجي ذاتَه، وتنتفي عن النّصوص الدّينيّة صفات الرِّسالة والبلاغ والنّور»[43].
لكنّه صرّح قبل هذا النصّ، وقال: «إنّ النّصوص لا تنفك عن النّظام اللّغوي العام للثقافة التي تنتمي إليها، لكنّها من ناحيةٍ أخرى تُبدع شفرتها الخاصّة التي تعيد بناء عناصر النظام الدلالي الأصلي من جديد. وتقاس أصالة النّصوص وتتحدّد درجة إبداعيّتها بما تُحدثه من تطوّرٍ في النّظام اللّغوي، وما تحقّقه نتيجة لذلك من تطوّرٍ في الثقافة والواقع معًا. وعلى ذلك يمكن القول: إنّ النّصوص ترتبط بواقعها اللّغوي الثقافي، فتتشكّل به من جهة، وتُبدع شفرتها الخاصّة التي تعيد بها تشكيل اللّغة والثقافة من جهةٍ أخرى»[44].
وهذان النصّان متنافيان؛ فإذا كان النصّ الإلهي - كأيّ نصٍّ آخر- قد أبدع شفرته الخاصّة، وأعاد بناء النّظام الدّلالي من جديد، فهذا يلازم تحوّله من لغة الدّلالة العامّة إلى لغة الدّلالة الخاصّة، وبعد هذا التحوّل لا يكون متاحًا لعامّة الناس مقصد الوحي وغايته، وعندها تنتفي عنه صفات الرِّسالة والبلاغ والنّور. وهكذا وقع الدّكتور في المأزق الذي هرب منه، وكرّر بصياغةٍ أخرى ما يقوله المتصوّفة، وأهل الموهبة! والباطنيّون وأصحاب الرموز!
2- أكّد الدّكتور في حديثه المذكور آنفًا قائلًا: «النّصوص الدّينيّة نصوصٌ لغويّةٌ شأنها شأن أيّة نصوصٍ أخرى في الثقافة، وأنّ أصلها الإلهي لا يعني أنّها في درسها وتحليلها تحتاج إلى منهجيّاتٍ ذات طبيعةٍ خاصّةٍ تتناسب مع طبيعتها الإلهيّة الخاصة». وأنّ «الإصرار على طبيعتها الإلهيّة تلك، تستلزم أنّ البشر عاجزون، بمناهجهم، عن فهمها ما لم تتدخّل العناية الإلهيّة». تقدّم منا تعليق على بعض جوانب هذا الكلام، ونزيد هنا: ثمّة خلط وعدم وضوح في الحديث عن مصدر النّصوص الدّينيّة. صحيح أنّ القرآن الكريم لفظًا ومعنى هو وحي الله النازل على قلب النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأنّ دوره التبليغ والتلاوة وإيصاله إلى الناس بصريح آيات القرآن[45]. لكن لمّا يقال إنّ هذه النّصوص بمفرداتها وجملها وتراكيبها إلهيّة، فلا يقصد أنْ هذه المفردات والتراكيب الجُمليّة الاسميّة والفعليّة وغيرها لم تكن عند العرب، وأنّ الوحي ابتدعها وزجّها داخل لغتهم! فمثل هذا الكلام لا يدّعيه أحد؛ إذ لا إشكال في أنّ المفردات القرآنيّة عربيّةٌ ومتداولةٌ عند عرب الجزيرة، ولم يبتدعها القرآن من العدم، وإنّما جاء بالمفردات العربيّة التي انتخب أكملها وأحسنها، وركّبها في شكلٍ جعل العرب عاجزين عن مجاراته، ولا أظنّ أنّنا نحتاج إلى تنظيرٍ فلسفيّ وعقليّ محضٍ لإثبات هذا المطلب. ومن الطبيعي حينئذٍ أننا لا نحتاج إلى نظامٍ لغويّ ودلالي إلهي حتّى نفهم النصّ القرآني، فلست أعرف مصدر هذه الملازمات المغروسة في ذهن الدّكتور نصر. وإذا كان هناك مَنْ يدّعي مثل هذه الحاجة فعهدتها عليه، وليس مُلزمًا لغيره، ولا يمكن عدّه توجّه الفكر الدّيني الوِتر والرسمي!
3- تقدّم عند الحديث عن النصّ في منطلقات الخطاب الدّيني، أن الدّكتور نصر تجرّأ على فهم النبيّ للوحي، وقال: «إنّ فهم النبيّ للنصّ يمثّل أولى مراحل حركة النصّ في تفاعله بالعقل البشري، ولا التفات لمزاعم الخطاب الدّيني بمطابقة فهم الرّسول للدّلالة الذاتيّة للنصّ. إنّ مثل هذا الزعم يؤدّي إلى نوعٍ من الشرك من حيث إنّه يطابق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغيّر، حين يطابق بين القصد الإلهي والفهم الإنساني لهذا القصد ولو كان فهم الرّسول». وإذا كان الرّسول وهو السفير الإلهي لا يفهم ما سمّاه الدلالة الذاتيّة للنصّ، فهذا ينتج ما أشار إليه الدّكتور بقوله الآخر: «وهكذا تتحوّل النّصوص الدّينيّة إلى نصوصٍ مستغلقةٍ على فهم الإنسان العادي - مقصد الوحي وغايته - وتصبح شفرةً إلهيّةً لا تحلّها إلّا قوّة إلهيّة خاصّة، وهكذا يبدو وكأنَّ الله يكلّم نفسه ويناجي ذاته، وتنتفي عن النّصوص الدّينيّة صفات الرِّسالة والبلاغ والنّور». فأيّ قيمةٍ لنصٍّ دينيٍّ إلهيٍّ لا يفهمه السفير الإلهيّ كما هو عليه؟ والنصّ الذي لا يفهم الرّسول دلالته الذاتيّة هو شفرةٌ لا تُحلّ إلّا بقوّةٍ إلهيّةٍ، هو مناجاةٌ بين مبدع النصّ ونفسه! ولن يكون مُلزمًا للبشر، بل تنتفي عن إنزاله الغرضيّة والهدفيّة. هي لُعبة أنْ يُنزل الله نصًّا لا يفهم دلالته الذاتيّة حتّى سَفيره، ثم يطالبنا بفهمه والعمل بمقرّراته! وإذا كان الدّين هو النّصوص، وكانت النّصوص بشريّة، والقارئ هو الذي يُنتج دلالة هذه النّصوص وفق ما يمتلكه من أُفقٍ فكريّ وثقافي، ووفقًا لعصره وبيئته وظروف تاريخه، ولم تكن في النّصوص ما سمّاه دلالة ذاتيّة، ولم يكن حتّى فهم الرّسول يطابق القصد الإلهي، فأيّ قيمةٍ تبقى لمثل هذا النصّ (الدّين)؟! ألا تعبّر مثل هذه النّصوص عن ضياع في فوضى النسبيّات يكون كلُّ شيءٍ فيها مقبولًا وصحيحًا؟
وإذا كانت كلّ القراءات ممكنةً، ونسبيّةً، فكيف يمكننا تفضيل واحدةٍ منها على باقي القراءات؟ ومَن هو الحكم والمرجِع في تحديد الصحيح والخاطئ منها، والجيّد والرديء من الفَهم؟ والحقُّ أنّ هذه الرؤية - إذا جاز إطلاق الرؤية عليها- لا تجني على النصّ الدّيني فقط، بل تجني على اللّغة، لُغتنا التي نتكلّم بها ونتواصل عبرها مع الماضي والحاضر والمستقبل، اللّغة التي نعبّر بها عن آلامنا وأفراحنا وهواجسنا ومشاعرنا وفكرنا، ستغدو شيئًا فارغًا لا يلدُ شيئًا ولن يلد. نعم نكون أمامَ ثرثرةٍ لا نهائيّةٍ من الادّعاء والادّعاء المضاد! وإذا كان الحال على هذه الشاكلة، فلستُ أعرف الغاية التي من أجلها كتب الدّكتور نصر (نقد الخطاب الدّيني)، وقدّمه لنا! فهل يمكن أنْ نصل إلى مقصده وندرك مغزاه ومراده؟
الحبّ والعبوديّة
في أُخريات الكتاب أثبت الدّكتور نصًّا يستحق الوقوف عنده، قال: «ويُغفل الخطاب الدّيني بُعدًا آخر في النصّ الدّيني لعلاقة الله بالإنسان - خاصة الإنسان المؤمن- هي علاقة الحب، التي تنبّه لها الخطاب الصوفي وألحَّ عليها. ولسنا نريد هنا أنْ نُساجل الخطاب الدّيني بقدر ما نسعى إلى بلورة وعيٍّ بأنماط الدلالة في النّصوص الدّينيّة»[46].
ويجب أن نؤكّد هنا ما ذكرناه سابقًا في أنّ عنوان الكتاب يتضمّن نكهةً ضبابيّةً؛ إذ كيف ساغ للدّكتور أن يُجري مقابلةً بين الخطاب الدّيني وبين الخطاب الصوفي! فهل الخطاب الصوفي لا يندرج في الخطاب الدّيني؟ أليس المنحى الصوفي واحدًا من تيّارات المعرفة والفكر الإسلامي، بصرف النظر عن موقفنا منه، وتحفّظنا عليه منهجًا، ومفرداتٍ، وسلوكًا.
أما علاقة الحب مع الله، البعد الذي أغفله الخطاب الدّيني! فنشير هنا إلى أنّ القرآن الكريم ذكر كلمة الحب في توصيف العلاقة بين الله تعالى والإنسان مرّاتٍ عديدة، من قبيل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه)[47]، وقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)[48]، وقوله تعالى: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)[49]، وقوله تعالى: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)[50]، وغيرها.
وفي المقابل، ذكر القرآن الكريم كلمة العباد في توصيف علاقة الإنسان بالله تعالى مرّاتٍ عديدة، من قبيل قوله تعالى: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ)[51]، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ)[52]، وقوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ)[53]، وقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)[54]، وقوله تعالى: (وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)[55]، وغيرها.
ولا يصح في تبليغ الدّين، وبيان علاقة الإنسان بالله تعالى، التأكيدُ على علاقةٍ بعينها دون أُخرى، كما نجده هذه الأيام من سيادةِ خطاب المؤاخذة والعقاب على خطاب الرحمة والعفو عند جماعةٍ من الناس، وسيادةِ خطاب الرّحمة والعفو والمغفرة على خطاب المؤاخذة، كما تُروّج له جماعةٌ أخرى، فكما أنّ الله رحيمٌ غفورٌ ودودٌ محبٌّ لخلقه هو شديد العقاب.
وإذا كان الخطاب الصّوفي - كما سمّاه الدّكتور - ركّز على علاقة الحبّ فقد أغفل في الوقت نفسه علاقةَ العبادة، والمؤاخذة، كما أغفل خطابٌ آخر علاقة الحبِّ وركّز على علاقة العبادة وإنْ كانت بلا روح.
والصحيح أن يتم التأكيد على العلاقتين وإظهارهما، إذ لا انفصال بينهما؛ فالحب يستتبع العبادة والانقياد لله تعالى. ويبقى لكلِّ مقامٍ مقال، تبعًا لاختلاف الظروف والمُتلقّي.
قائمة المصادر
أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، المركز الثقافي العربي، المغرب- بيروت، الطبعة الثالثة، 2007م.
أحمد بن حنبل، مسند أحمد، مؤسّسة الرسالة، لبنان، الطبعة الأوّلى، 1416هـ.
أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللّغة، تحقيق: عبد السلام محمّد هارون، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، 1404هـ.
الأصفهاني، الرّاغب، مقدّمة جامع التفاسير، حقّقه وقدّم له وعلّق حواشيه: د. أحمد حسن فرحات، دار الدعوة، الكويت، الطبعة الأولى، 1405هـ.
__________، المفردات في غريب القرآن، ضبط: هيثم طعيمي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأوّلى، 2002م.
بدوي، عبد الرحمن، مذاهب الإسلاميين، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأوّلى، 1996م.
الخليل الفراهيدي، العين، تحقيق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة، إيران، الطبعة الثانية، 1409هـ.
الخوئي، السيّد أبو القاسم، منهاج الصالحين، مؤسسة الإمام الخوئي، الطبعة الثانية والثلاثون، 1424هـ.
د. جورج قرم، المسألة الدينيّة في القرن الواحد والعشرين، تعريب: د. خليل أحمد خليل، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأوّلى، 2007م.
الرازي، فخر الدّين، المحصول في علم الأصول، علّق عليه ووضع حواشيه: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ.
السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأوّلى، 1420هـ.
سروش، د. عبد الكريم، التراث والعَلمانيّة، البنى والمرتكزات، الخلفيّات والمعطيات، ترجمة: أحمد القبانجي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الأوّلى، 2009م.
سروش، عبد الكريم، القبض والبسط في الشريعة، ترجمة: دلال عبّاس، دار الجديد، بيروت، الطبعة الثانية، 2010م.
سيّد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الرابعة والثلاثون، 1425هـ.
السيّد محمّد باقر الصّدر، اقتصادنا، مركز الأبحاث والدراسات التخصصيّة للشهيد الصّدر، قم، الطبعة الأوّلى، 1424هـ.
السيوطي، جلال الدّين، الإتقان في علوم القرآن، اعتنى به وعلّق عليه: مصطفى شيخ مصطفى، مؤسسة الرسالة ناشرون، لبنان، الطبعة الأولى، 1429هـ.
__________، المزهر في علوم اللّغة وأنواعها، شرحه وضبطه وصحّحه وعنون موضوعاته وعلق حواشيه: محمد أحمد بك ومحمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، مكتبة دار التراث، القاهرة، الطبعة الثالثة.
الشريف الرّضي، نهج البلاغة، ضبط نصّه: الدّكتور صبحي الصالح، دار الحديث للطباعة والنشر، قم، الطبعة الثالثة، 1426هـ
الصّدر، السيّد محمّد باقر، فلسفتنا، مركز الأبحاث والدراسات التخصصيّة للشهيد الصّدر، قم، الطبعة الأوّلى، 1424هـ.
الطبري، محمّد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1979م.
طرابيشي، جورج، هرطقات عن الديموقراطيّة والعَلمانيّة والحداثة والممانعة العربيّة، دار الساقي بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، بيروت، الطبعة الأوّلى، 2006م.
عادل ضاهر، الأُسس الفلسفيّة للعَلمانيّة، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2015م.
العَك، الشّيخ خالد عبد الرحمن، أصول التفسير وقواعده، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثانية، 1406هـ.
فهمي هويدي، القرآن والسلطان، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1999م.
القزويني، محمّد بن يزيد، سنن ابن ماجة، تحقيق: بشّار عواد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأوّلى، 1418هـ.
كاترين كنسلر، ما العَلمانيّة، ترجمة: محمّد الزناتي، جيوم ديفو، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2017م.
الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي، دار الحديث للطباعة والنشر، قم، الطبعة الأولى، 1430هـ.
معرفة، الشّيخ محمّد هادي، التفسير والمفسرون، الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة، مشهد، الطبعة الثانية، 1425هـ.
نصوص معاصرة، مجلّة فصليّة تعنى بالفكر الدّيني المعاصر، السنة الرابعة، صيف وخريف 2008م.
النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأوّلى، 1424هـ.
------------------------------------------------
[1] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 62.
[2] م.ن، 62.
[3] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 70- 71، 76، 79.
[4] م.ن، 89.
[5] م.ن، 92.
[6] آل عمران، الآية: 7.
[7] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 97.
[8] م.ن، 92- 93.
[9] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 99- 100.
[10] الرّازي، المحصول في علم الأصول، 1: 42- 43؛ السّيوطي، المزهر في علوم اللّغة وأنواعها، 1: 47.
[11] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 100، الهامش برقم: 98.
[12] الزخرف، الآية: 3- 4.
[13] الطبري، تاريخ الرّسل والملوك، 5: 66.
[14] الشريف الرضي، نهج البلاغة، 279، خ 133.
[15] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 56.
[16] م.ن، 56- 57.
[17] الخليل الفراهيدي، العين، 3: 390.
[18] بن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللّغة، 1: 491.
[19] الرّاغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، 107.
[20] النمل: 55.
[21] يوسف: 33.
[22] البقرة: 118.
[23] الفتح: 26.
[24] الجمعة: 2.
[25] آل عمران: 154.
[26] المدّثر: 37.
[27] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 29.
[28] الحشر: 7.
[29]النجم: 3- 4.
[30] سنن أبي داود 3: 512، ح 3646.؛ مسند أحمد 11: 57، ح6510.
[31] جورج طرابيشي، هرطقات عن الديموقراطية والعَلمانيّة والحداثة والممانعة العربيّة، 1: 19- 20.
[32] مجلّة نصوص معاصرة، العدد 15/16: 34، جواب الدّكتور سروش على الرد الأوّل للشيخ جعفر سبحاني.
[33] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 105.
[34] م. ن، 89.
[35] م. ن، 100.
[36] م. ن، 101.
[37] م. ن، 195.
[38] م. ن، 196.
[39] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 196- 197.
[40] الصّدر، السيّد محمّد باقر اقتصادنا، 36، 39- 40.
[41] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 208- 209.
[42] الرّاغب الأصفهاني، مقدّمة جامع التفاسير، 95؛ السّيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 2: 772؛ العَك، خالد عبد الرحمن ، أصول التفسير وقواعده،187 ؛ معرفة، محمّد هادي ، التفسير والمفسّرون، 1: 51.
[43] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 209.
[44] م.ن، 205.
[45] لاحظ مثلًا: سورة البقرة: 151، سورة آل عمران: 164، سورة الجمعة: 2، سورة الطّلاق: 11، سورة البيّنة: 2، وغيرها.
[46] أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الدّيني، 224- 225.
[47] البقرة: 165.
[48] آل عمران: 31.
[49] المائدة: 54.
[50] البقرة: 177.
[51] الزخرف: 68.
[52] الزمر: 17.
[53] الزمر: 10.
[54] البقرة: 186.
[55] الفرقان: 63.