البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

رسالة في أصول الدين

الباحث :  الميرزا القمي (صاحب القوانين)
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  35
السنة :  صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 26 / 2025
عدد زيارات البحث :  1001
تحميل  ( 1.661 MB )
الملخّص
إنّ العقيدة الإسلامية تقوم على أصولٍ راسخةٍ تمثّل جوهر الإيمان وأساس الدين، وهي التوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والمعاد. وقد اعتنى علماء الإسلام، ولا سيّما فقهاء الشيعة الإمامية، ببيان هذه الأصول وتوضيحها بالدليل العقلي والنقلي؛ ليكون المسلم على بصيرةٍ من أمره وعقيدته.
ومن أبرز الكتب التي تصدّت لهذا الموضوع رسالة أصول الدين للمحقّق الجليل الشيخ الميرزا أبي القاسم القمّي أحد كبار علماء القرن الثالث عشر الهجري، وصاحب التصانيف العديدة التي تركت أثرًا بالغًا في الدراسات الأصولية والفقهية، فقد جمع في هذه الرسالة خلاصة الفكر الإمامي في أصول الدين، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث المرويّة عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) مدعّمًا ذلك بالاستدلالات العقلية المحكمة التي تعكس عمق فهمه وبصيرته في علم الكلام.
تمثّل هذه الرسالة إضافةً قيّمةً في التراث العقائدي؛ إذ يعالج القضايا العَقَدية بأسلوبٍ بسيطٍ يجمع بين البرهان العقلي والنقل الشرعي، ويقدّم للقارئ رؤيةً واضحةً حول مرتكزات العقيدة الإمامية، بعيدًا عن التشويه والتحريف، كما أنّ منهجه في هذه الرسالة يجمع بين الأصالة والموضوعية، ممّا يجعله مفيدًا لعامّة الناس في مجال العقيدة الإسلامية.

الكلمات المفتاحية:
أصول الدين، العقيدة الإمامية، التوحيد، المعاد، العدل، الإمامة، النبوة.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبيانًا لكلّ شيءٍ، وجعل الدين منهجًا قويمًا للسالكين، وأرسل خاتم النبيّين محمّدًا(صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين، وأتمّ نعمته بولاية أهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)، فكانوا الهداة إلى الصراط المستقيم، وحملة علوم الدين، وحفظة الشريعة الغرّاء.

أمّا بعد، فإنّ العقيدة الإسلامية تقوم على أصولٍ راسخةٍ تمثّل جوهر الإيمان وأساس الدين، وهي التوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والمعاد. وقد اعتنى علماء الإسلام، ولا سيّما فقهاء الشيعة الإمامية، ببيان هذه الأصول وتوضيحها بالدليل العقلي والنقلي؛ ليكون المسلم على بصيرةٍ من أمره وعقيدته.
ومن أبرز الكتب التي تصدّت لهذا الموضوع رسالة أصول الدين للمحقّق الجليل الشيخ الميرزا أبي القاسم القمّي أحد كبار علماء القرن الثالث عشر الهجري، وصاحب التصانيف العديدة التي تركت أثرًا بالغًا في الدراسات الأصولية والفقهية، فقد جمع في هذه الرسالة خلاصة الفكر الإمامي في أصول الدين، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث المرويّة عن النّبي’ وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) مدعّمًا ذلك بالاستدلالات العقلية المحكمة التي تعكس عمق فهمه وبصيرته في علم الكلام.

تمثّل هذه الرسالة إضافةً قيّمةً في التراث العقائدي؛ إذ يعالج القضايا العَقَدية بأسلوبٍ بسيطٍ يجمع بين البرهان العقلي والنقل الشرعي، ويقدّم للقارئ رؤيةً واضحةً حول مرتكزات العقيدة الإمامية، بعيدًا عن التشويه والتحريف، كما أنّ منهجه في هذه الرسالة يجمع بين الأصالة والموضوعية، ممّا يجعله مفيدًا لعامّة الناس في مجال العقيدة الإسلامية.

نسأل الله تعالى أنْ ينفع بهذا الكتاب كلّ طالب للحقّ، وأنْ يجعل ثوابه في ميزان حسنات مؤلّفه الجليل، وأنْ يثبّتنا وإيّاكم على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

ترجمة المصنّف الميرزا أبي القاسم القمّي
هو الميرزا أبو القاسم بن المولى محمّد حسن، الجيلاني الرشتي الشفتي، من دار السرور الجابلاقي القمّي، والجيلاني بكسر الجيم وسكون الياء نسبةً إلى جيلان ويقال: كيلان بكافٍ فارسيةٍ، قطرٌ من بلاد إيران، قاعدته رشت، والشفتي بفتح الشين وسكون الفاء نسبةً إلى شَفْت قرية من قرى رَشْت، والجابلاقي نسبةً إلى جابلاق بجيمٍ فارسيةٍ وباءٍ فارسيةٍ مضمومةٍ وقافٍ آخر الحروف، ناحية مشتملة على ثلاثمائة قرية، وهي من توابع دار السرور التابعة لمدينة بروجرد، ويُعرف الشيخ المترجَم في الأوساط العلمية بالمحقّق القمّي[1].

أمّا اسم والده، كما ذُكر أعلاه، فهو محمّد حسن، وكان الناس يختصرونه إلى (حسن) فقط، ونظرًا لانتشار لقب (مُلّا) أو (المولى) في زمانه؛ كان يُعرف بـ (مُلّا حسن).

مُلّا حسن كان من أهالي شفت، وهي إحدى القرى التابعة لبلدة فومن القريبة من مدينة رشت في منطقة جيلان، وفي شبابه سافر إلى أصفهان لطلب العلم في حوزتها العلمية، التي كانت آنذاك تحظى بالمكانة العلمية الثالثة بعد حوزتي النجف وكربلاء. وهناك، تتلمذ على يد أساتذة كبار مثل: الميرزا حبيب الله، والميرزا هداية الله[2].


ونظرًا لزواجه من ابنة أستاذه الميرزا هداية الله، قرّر الاستقرار في أصفهان وترك موطنه جيلان، لاحقًا عُيّن أستاذه من قبل الحكومة آنذاك (في عهد نادر شاه من الدولة الأفشارية) لتولّي الشؤون القضائية في منطقة جابلق، وهي قرية تقع على بُعد 12 كيلومترًا من بروجرد، فانتقل معه تلميذه أيضًا إلى هناك.

وفي النهاية، وُلِد المترجم في قرية دره باغ التابعة لجابلق في سنة 1150 أو 1151 أو 1153هـ، تعلّم قواعد الأدب بشقّيه الفارسي والعربي لدى أبيه في قرية دره باغ ثمّ بعده انتقل إلى خوانسار حيث أصبح من طلّاب المرحوم السيد حسين الخوانساري، ودرس الفقه والأصول لبضع سنوات وتزوّج من رضيعة الأستاذ، وبعدها لمواصلة الدراسة توجّه إلى العراق وحضر دروس العالم الشهير محمّد باقر البهبهاني في كربلاء وكان من بين أفضل طلّاب هذا الأستاذ الكبير [3].

وبعد أن أخذ قسطًا وافيًا من العلم عاد إلى دره باغ مجازًا من شيخه البهبهاني، فكانت أسباب المعاش فيها محدودة جدًّا، فاضطرّ إلى الانتقال إلى قرية قلعة بابو من قرى جابلاق، وكادت أن تتّسع عليه المعيشة هناك، فتصدّى له شيخٌ قرويٌّ ثقل عليه وجود الميرزا ودبّر له بعد أنْ أعلن في القرية أنّ الميرزا لا يعرف الكتابة، ودعاه للامتحان أمام الملأ، فقال له: اكتب (حيّة) فكتب الميرزا ما أمر به الشيخ، لكنّ الشيخ رسم صورة الحيّة وعرض على الناس ما كتباه وسألهم أيّهما الحية؟ فأشاروا بجهلهم إلى ما رسمه الشيخ القروي وخَطَّؤوا ما كتبه الميرزا، فتأثّر الميرزا وترك على أثره تلك القرية.

ثمّ انتقل إلى أصفهان في مدرسة كاسه كران، فلمّا استقرّ بها ألحق به بعض علماء الدنيا أذى؛ حسدًا لما رأى فيه من آثار الرشد، فسافر على أثره إلى مدينة شيراز، إذ تزامنت تلك الفترة أيّام حكم السلطان كريم خان الزندي، فبقي سنتين أو ثلاثة هناك، ثمّ عاد إلى قرية بابو مرّة أُخرى، ولكن بسبب خلوّ البلدة من العلماء والفضلاء وقلّة الطلبة فيها، إضافةً إلى صعوبة ظروف المعيشة، قرّر الانتقال إلى مدينة قم، وتوطّن فيها ودرّس فيها، وألّف كثيرًا من كتبه هناك، وانتشر اسمه في أرجاء إيران، وتبعه الناس في التقليد، وظلّ في قمّ حتّى وفاته [4].

أقوال العلماء فيه
لقد أفاض العلماء في مدح هذا العالم الجليل والثناء عليه، ولكن أنقل لكم جانبًا ممّا قيل فيه، حيث قال الشيخ أسد الله التستري عنه في مقابسه: «الشيخ المعظَّم العالِم العَلم المقدّم، مسهّل سبل التّدقيق والتحقيق، مبيّن قوانين الأصول، ومناهج الفروع كما هو به حقيق المتسنّم ذروة المعالي بفضائله الباهرة الممتطى صهوة المجد بفواضله الزاهرة، بحر العلوم الغائص بالفوائد والفرائد، الكاشف بفكره الثاقب عن غوالي الخرائد، شمس النجوم المشرقة بأنوار العوائد على الأماثل والأماجد والأداني والأباعد، الأجلّ الأمجد الأعبد الأزهد الأورع الأتقى الأسعد الأوحد، شيخنا ومولانا ومقتدانا الذى لم يعلم له في الفقهاء سمّي الميرزا أبو القاسم بن الحسن الجيلانى القمّي أدام الله عليه عوائد لطفه الأبدي وفيضه السّرمدي»[5].

وقال السّيد حسن الصدر في تكملة أمل الأمل، وهو ما يعدّ من أجمل وأصوب ما قيل عنه: «أحد أركان الدين، والعلماء الربّانيين، والأفاضل المحقّقين، وكبار المؤسّسين، وخلف السلف الصالحين، كان من جبال العلم، وأعلام الفقهاء المتبحّرين، طويل الباع، كثير الاطّلاع، حسن الطريقة، معتدل السليقة، له أنظار عليّة في الفقه والأصول، وتحقيقات رائقة، وله تبحّر في الحديث والرجال والتاريخ، وإلمام في الحكمة والكلام، كما يظهر كلّ ذلك من مصنّفاته الجليلة، وتحقيقاته الجميلة، هذا مع ورع واجتهاد، وزهد وسداد، وتقوى واحتياط، لا أشكّ في كونه من علماء آل محمّد وفقهائهم المقتفين لآثارهم والمهتدين بهداهم»[6].
وهكذا يصفه المحدّث النوري في خاتمة المستدرك: «عن العالم الكامل المحقّق الجليل الميرزا أبي القاسم بن المولى محمّد حسن الجيلاني، المتوطّن في دار الإيمان حرم الأئمّة (عليهم السلام) قم، صاحب الغنائم والقوانين، وقد أذعن ببلوغه الغاية في الدقّة والتحقيق في الفقه والأصول من عاصره، وتأخّر عنه من المشايخ والفحول، وكان مؤيّدًا مسدّدًا كيّسًا في دينه، فطنًا في أمور آخرته، شديدًا في ذات الله، مجانبًا لهواه، مع ما كان عليه من الرئاسة وخضوع ملك عصره وأعوانه له، فما زاده إقبالهم إليه إلّا إدبارًا، ولا توجّههم إليه إلّا فرارًا»[7].

أساتذته
ويروي عن جماعةٍ من المشايخ أوّلهم السيد حسين الخونساري، ثانيهم الأستاذ البهبهاني، ثالثهم شيخه وأستاذه العالم النحرير المولى محمّد باقر الهزار جريبي الغروى، ورابعهم الفقيه النبيه نخبة الفقهاء والمحدّثين الشيخ محمد مهدي بن بهاء الدين محمّد الفتونى العاملي النجفي [8].

تلامذته
كان من تلامذته ويروون عنه العديد من كبار العلماء في زمانه، ومنهم: الشيخ أسد الله الشوشتري صاحب مقابس الأنوار، والمحقّق السيد محسن الأعرجي، والحاج الشيخ محمّد إبراهيم الكرباسي، والسيد محمّد باقر الرشتي، والسيد عبد الله شبّر، بالإضافة إلى العديد من كبار الفقهاء في عصره [9].


مؤلّفاته
له مصنّفاتٌ كثيرةٌ في مختلف المجالات العلمية بالفارسية والعربية منها [10]:

في الأصول:
كتابه القوانين الذي عكف عليه المحقّقون.
حواشيه التي كتبها عليه.
كتابه الآخر في الأصول على شرح المختصر.

وله في الفقه:
غنائم الأيّام.
جامع الشتّات بالفارسيّة.
كتاب أجوبة المسائل.
كتاب المناهج.
كتاب معين الخواص في فقه العبادات.
كتاب مرشد العوام بالفارسيّة.
10- الإرث.
11- بيع الفضولي.
12- الفرائض والمواريث.
13- بيع المعاطاة.
وله رسائل كثيرة منها:
14- رسالة في أصول الدين.
15- رسالة التسامح في أدلّة السنن.
16- رسالة في مسألة جواز القضاء بتقليد المجتهد.
17- رسالة في عموم حرمة الربا.
18- رسالة في الشروط الفاسدة في البيع.
20- رسالة الفرائض والمواريث.
21- كتاب القضاء والشهادات.
22- رسالة في ردّ الصوفيّة.
23- منظومة في علمي المعاني والبيان.
24- ديوان شعر بالعربيّة والفارسيّة.

وفاته ومدفنه
تُوفّي عام 1231هـ في مدينة قمّ، ودُفن في مقبرة شيخان بالقرب من مقام السيدة معصومة$[11].

النسخة المعتمدة
اعتمدنا في تحقيق وترجمة هذه الرسالة على نسخة مكتبة مجلس شورى ملّي في طهران برقم 10293، بتاريخ 1380هـ وللرسالة نُسخ أُخرى كنسخة مكتبة كاشف الغطاء برقم 19، ونسخة مكتبة مجلس شورى ملّي برقم 14356 في ضمن النسخة الخطية لبعض الأحكام الشرعية المأخوذة من رسالة السيد المجاهد بالفارسية المسمّى إصلاح العمل.

عملنا في التحقيق والترجمة
اتّبعنا في تحقيق وترجمة هذه الرسالة الخطوات الآتية:
تنضيد النصّ اعتمادًا على النسخة المخطوطة المذكورة
مقابلة المنضَّد مع النسخة.
ترجمة النصّ إلى اللغة العربية.
تخريج الآيات القرآنية، ووضعها بين الأقواس المزهّرة بخطٍّ غامق.
تخريج الأحاديث النبوية، والأئمة المعصومين(عليهم السلام) من مصادرها.

تخريج أقوال العلماء من المصادر الأوّلية، ووضعها بين قوسي التنصيص إذا كان نصًّا، وبين قوسين هلاليّين إذا كان معنى، والإشارة إلى مصدره في الهامش بـ(يُنظر).
الاختصار على ذكر اسم الكتاب، واسم المؤلِّف، والجزء والصفحة في الهامش، واسم الكتاب، واسم المؤلِّف، والتحقيق والمراجعة، والناشر، والطبعة، وبلد النشر، وسنة النشر في قائمة المصادر.
تقطيع النصّ، ووضع علامات الترقيم في المكان المناسب لها في المتن.
تشكيل النصّ فيما يحتاج إليه فهم المعنى.
تصحيح الأخطاء الإملائية، ورعاية قواعد الإملاء الحديثة من دون الإشارة إلى ذلك.
إعداد فهرس بالمصادر المعتمدة في التحقيق.

الشكر والتقدير
وفي الختام نرى من الواجب علينا أن نقدّم خالص شكرنا إلى كلّ من أسهم بالمساعدة في هذا العمل المتواضع، وأسأل الله تعالى أنْ يوفّق العاملين في خدمة دينه المبين، وأنْ يوفّقنا لإحياء التراث الإسلامي، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين.

محسن مظاهر شعبان
23 جمادى الآخرة/ 1446هـ
النجف الأشرف


الصفحة الأولى للمخطوطة الصفحة الأخيرة للمخطوطة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّدٍ وآله أجمعين.
أمّا بعد، يقول أقلّ عباد الله، أبو القاسم بن الحسن الجيلاني: إنّ هذه الكلمات القليلة تتعلّق بأصول الدين، وهي مكتوبةٌ بأدلّةٍ إجماليةٍ تتناسب مع فهم وقدرة العامّة، لتعمّ فائدتها أكبر عددٍ ممكنٍ من الناس، وأسأل الله العظيم أن يكون ذلك سببًا في مغفرته لذنوب هذا العبد الفقير المقصّر، وأنْ تشملني رحمة الله وعفّوه مع والديّ.

وهذه الرسالة تتضمّن مقدمة وعدّة أبواب:

المقدّمة
اعلم أنّ أصول الدين ثلاثةٌ: التوحيد، والنبوّة، والمعاد، أمّا العدل والإمامة، فهما من أصول المذهب.
فمَن أنكر أحد الأصول الثلاثة الأولى، فهو كافرٌ نجسٌ، ولا يحلّ أكل ذبيحته، وتُطبَّق عليه جميع أحكام الكفر، أمّا من أقرَّ بهذه الأصول الثلاثة وأنكر العدل أو الإمامة، فلا يُعتبر كافرًا، لكنّه ليس من الشيعة.
وهذه الأصول تُسمّى أصول الدين؛ لأنّ الأصل يعني الأساس والجذر الذي يُبنى عليه كلّ شيءٍ، كأُسس الجدار وجذور الشجرة وما شابه ذلك، أمّا العبادات الأخرى ومسائل الحلال والحرام، فهي فروع الدين، أي: إنّها تشبه الجدار أو الأغصان والأوراق في الشجرة، فإذا كان الأصل ثابتًا ومستقرًّا، يمكن أنْ تقوم الفروع عليه، أمّا إذا لم يكن الأصل موجودًا، فلا يمكن أنْ يكون للفروع ثباتٌ أو بقاء.

فكلّ من كانت أصول دينه فاسدةً، فإنّ فروع الدين وأعماله وطاعاته وعباداته لا تنفعه شيئًا مهما قضى الليل والنهار في العبادة.
الباب الأوّل: في التوحيد
وفيه ثلاثة فصولٍ:
الفصل الأوّل: في إثبات وجود خالق العالم
الفصل الثاني: صفات الكمال الإلهي
الفصل الثالث: في صفات التنزيه الخاصّة بالله

الفصل الأوّل: في إثبات وجود خالق العالم
مِن المسلَّم أنّ لهذا العالم خالقًا، والدلائل على هذا كثيرةٌ، وأقربها إلى فهم العوام دليلان:

الدليل الأوّل
إنّ كلَّ عاقلٍ إذا تأمّل بعين البصيرة في هذا العالَم وما فيه من السماوات والأرض والنجوم والشمس والقمر، وحركة الليل والنهار، وتغيّرات الشمس والقمر، وتنوّع ما في الأرض من حيوانات ونباتات وحبوب، ونموّها ونضجها، واختلاف الفصول الأربعة، وفي خلق الإنسان بما له من أعضاء وجوارح، وقوى ظاهرة وباطنة، وقوى تغذّي الجسم وتوصّل الغذاء إلى جميع الأعضاء، فتُسهم في نموّه وتكوين اللحم والجلد وسائر أجزاء الجسم وأمزجته، أيقن أنّ هذا كلّه لا يمكن أنْ يكون بلا صانع، ويوقن أيضًا أنّ هذا الصانع لابدّ أن يكون كاملًا من كلّ وجهٍ، منزّهًا عن النقص في أيّ جهة.

الدليل الثاني
إذا خرج طفلٌ من داخل البيت وقال: إنّ شيئًا معيّنًا مطلوب في الداخل، أو إنّ حادثة معيّنة قد وقعت، فإنّه يُظنّ غالبًا أنّه صادقٌ، وإذا كان هناك طفلان يُؤكّدان نفس الخبر، يزداد أثر الصدق وضوحًا، وكلّما زاد عدد الأطفال، كان الظنّ بالصدق أقوى، فكيف إذا كان المخبر رجلًا بالغًا؟ بل وكيف إذا أخبر بذلك رجال كثيرون؟
فإذا نقلت جماعةٌ كبيرةٌ خبرًا معيّنًا، فإنّه في كثيرٍ من الأحيان يولّد اليقين، لا سيّما إذا كان هؤلاء الرجال أهل صدقٍ وعدالةٍ، وهذا حكم العقل في مثل هذه الأمور.
وبالمثل، في الأمور التي يكون إدراكها بالعقل، إذا اتّفقت جماعةٌ كبيرةٌ جدًّا على حكمٍ معينٍ، وكان هؤلاء الأفراد جميعهم معروفين بالصدق والصلاح والعلم والفهم والذكاء، والزهد وعدم الارتباط بأهواء الدنيا، فإنّ العقل يحكم بضرورة التصديق بهم، ويقينًا يكون قولهم حقًّا لا شكّ فيه.
فكيف لا يُحصل اليقين من إخبار مائة وأربعة وعشرين ألف نبيّ، ومن بينهم أنبياء عظام كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
ومن المعلوم أنّ جميع الأنبياء من زمن آدمA إلى يومنا هذا، ومعهم أوصياؤهم وعلماؤهم وصُلحاؤهم في كلّ عصرٍ وزمانٍ، قد اتّفقوا جميعًا على القول بأنّ للعالم خالقًا إلهًا واحدًا متّصفًا بجميع صفات الكمال، ومنزّهًا عن العجز والنقص والعيب.
وعلى هذا، فإنّ العقل السليم يحكم بأنّ هذا الجمع العظيم من الأنبياء والأوصياء والعلماء لم يخطئوا ولم يكذبوا، بل إنّ ما قالوه هو عين الحقّ والصدق والصواب.
بل أكثر من ذلك، فإنّ وجود الخالق أمرٌ فطريٌ، بمعنى أنّ الله تعالى قد خلق الإنسان بحيث يكون لديه يقينٌ ضروريٌّ بوجود خالقه دون حاجةٍ إلى تعليم أو دليل، بل حتّى الحيوانات تدرك هذا المعنى، كما يتّضح من آثارها وأخبارها والآيات والعلامات الكثيرة التي تظهر منها.


الفصل الثاني: صفات الكمال الإلهي
ما هو مشهورٌ ومعلومٌ أنّ الله تعالى متّصفٌ بصفات الكمال، ومنها: أنّه قادرٌ، وعالمٌ، وسميعٌ، وبصيرٌ، وحيٌّ، ومريدٌ، ومتكلّمٌ، وصادقٌ، وأزليٌّ، وأبديٌّ.
أمّا القادر: يعني أنّ الله تعالى قادرٌ على كلِّ شيءٍ، يفعل ما يشاء ويمتنع عمّا يشاء، وهو غير مُجبَرٍ على أفعاله، فهو ليس كالنّار التي لا تستطيع إلّا أنْ تحرق؛ إذ إنّها مضطرّةٌ لذلك، بل الله يفعل بإرادته المطلقة، ولا يعجز عن أيّ شيءٍ يريده.
إنْ اقتضت حكمته سبحانه، فإنّه يستطيع أن يخلق عوالم أخرى لا حصر لها، كما أنّه يستطيع أن لا يفعل القبيح أو الظلم، ليس لأنّه عاجزٌ عن ذلك، بل لأنّه لا يفعله لكونه قبيحًا ومخالفًا لحكمته وكماله.
والدليل على أنّ الله قادرٌ: أنّه لو لم يكن كذلك، للزم أنْ يكون عاجزًا، والعجز يستلزم الاحتياج إلى غيره، والله غنيٌّ عن كلّ شيءٍ، فلا يصحّ أنْ يكون عاجزًا بحال.

وصانع العالم والذي هو صاحب هذا الأساس الذي تمّ ذكره، كيف يمكن أنْ يكون عاجزًا؟ ومن ذا الذي سيسدّ حاجته إذا أحتاج إلى غيره؟
أمّا بالنسبة إلى العالِم، أيّ الله سبحانه وتعالى، فهو العليم الذي لا يخفى عليه شيءٌ، سواء ممّا كان أو ممّا سيكون، أو ممّا هو موجودٌ الآن، سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا، جزئيًّا أو كلّيًا، جميع الذرّات وجميع الأمور مكشوفةٌ وظاهرةٌ لديه، وعلمه يشمل الجميع على حدٍّ سواءٍ.
والدليل على ذلك، هو أنّه عندما ثبت أنّ الله تعالى هو صانع العالَم وخالقه، فلا يمكن أنْ يكون جاهلًا به، فكلّ مَن يخلق شيئًا بإرادته واختياره لابدّ أنْ يكون عالمًا بحقيقته وكنهه.
إضافة على ذلك، إنّ علم جميع العلماء الذين هم مخلوقون له يعود إليه، وكمالات الجميع مستمدّةٌ من فيضه الذي لا ينتهي، وقوّة الجميع مستمدّةٌ من قدرته، فكيف يمكن أن يكون مَن منح العلم والقوّة لجميع العلماء وأصحاب القدرة، غير عالمٍ أو غير قادرٍ بنفسه؟
وأيضًا إذا علمت أنّ جميع هذه العجائب المخلوقة من قِبَل الله، سواء كانت في الآفاق أو في الأنفس البشريّة، ممّا يتعلّق بأجسادهم من أجزاء وأعضاء كالعين والأذن واللسان وغيرها، وتركيب كلّ عضوٍ من أجزاء كثيرة يعجز الحكماء عن إدراك حقيقتها ويقفون حائرين أمامها، فإنّ جميع ذلك من خلقه، وهو صانعها جميعًا، فكيف يمكن لمثل هذا الصانع أن يكون جاهلًا؟

واعلم أنّه لا ينبغي التفكير في حقيقة علم الله، يكفي أنْ نعلم أنّ علم الله ليس كعلمنا، حيث يتكوّن في أذهاننا صورةٌ من الأشياء فنسمّيها علمًا، كما لا يمكن القول بأنّ علم الله يعتمد على أنّ جميع الأشياء حاضرةٌ عنده بصورة مباشرة؛ لأنّ ذلك يعني أنّ الشخص الذي سيُخلق بعد آلاف السنين يكون مقرونًا بوجود الله منذ الأزل، وهذا يناقض بداهة العقل والدين.
بل الواجب علينا الإذعان والاعتقاد بأنّ الله تعالى ليس جاهلًا، أمّا كيفية علمه فلا يمكن إدراكها، ولم يُكلّفنا الله بذلك، بل ورد النهي عن الخوض فيها [12].

حاصل الكلام
إنّ علم الله وصفاته الكمالية الأخرى هي عين ذاته المقدسة، بمعنى أنّ ذاته تقوم مقام هذه الصفات، والتفكير في ذات الله لا يؤدّي إلّا إلى الغرق في بحر الضلال، ولا طائل منه.

أمّا كونه سميعًا وبصيرًا
فيعني أنّه يسمع الأصوات دون حاجةٍ إلى أذن، ويرى المبصرات دون حاجة إلى عين؛ لأنّ الاعتماد على أداةٍ أو جارحةٍ يشير إلى الحاجة، وهو ما لا يجوز في حقّ الله سبحانه وتعالى، فالله الكامل بذاته لا يحتاج إلى شيءٍ، ولا يعجز عن إدراك شيء، وحقيقة هاتين الصفتين تعود في جوهرها إلى علم الله.

وأمّا كونه حيًّا
فيعني أنّه حيٌّ، والمقصود بالحيّ هو مَن تظهر منه آثار العلم والقدرة، أي: الأعمال التي تصدر بناءً على المعرفة والقدرة، ومن هنا يتّضح أنّ كلّ مَن هو قادر، فهو بالضرورة عالمٌ وحيٌّ، وبالتالي فإنّ صفة الحياة تعود أيضًا في جوهرها إلى العلم والقدرة.

أمّا كونه مريدًا وفاعلًا
فتعنيان أنّ الله سبحانه وتعالى يقوم بالفعل باختياره ويتركه باختياره، وكلّ فعلٍ يعلمه الله مسبقًا مقرونًا بالحكمة التي تقتضي حصوله، وبالتالي تعود هاتان الصفتان إلى أنّ الله تعالى قادرٌ مختارٌ وعالمٌ بجميع مصالح الأمور.
غير أنّ إرادة الله ليست كإرادتنا التي تقوم على تصوّرنا لمنفعة أو فائدة في الفعل، ممّا يحرّكنا ويحفزنا لاتّخاذ قرار بتنفيذه، بل إرادة الله هي علمه الأزلي بأنّ وجود شيءٍ مّا في زمان محدّد هو مقتضى المصلحة والحكمة، وهذا العلم الإلهي نفسه هو إرادة الله، وبه يتحقّق الفعل، وكما يتّضح لنا من الأحاديث [13] أنّ إرادة الله تعني إيجاد الفعل، وهي من صفات الأفعال وليست من صفات الذات.

وأمّا كونه متكلّمًا
فإنْ كان المقصود بالكلام هو خلقه لكتب مثل القرآن والتوراة والإنجيل، فإنّ هذه صفة فعلٍ وليست من صفات الذات أو صفات الكمال، وإنْ كان المقصود علمه بهذه الكلمات وقدرته على إيجادها، فإنّها تعود أيضًا إلى العلم والقدرة الإلهيين.

وأمّا كونه صادقًا
فيعني أنّه لا يقول إلّا الحقّ، وهذه من صفات أفعاله أو من صفات التنزيه، بمعنى أنّه منزّه عن الكذب، والدليل على ذلك أنّ الكذب قبيحٌ بداهةً في العقل، وحتّى الكذب الذي يُتصوَّر فيه مصلحة لا يصدر عنه؛ لأنّه أيضًا لا يخلو من القبح، والله تعالى ليس عاجزًا عن تحقيق المصلحة أو دفع الضرر بطُرقٍ أُخرى غير الكذب؛ لذلك لا يمكن أنْ يصدر عنه الكذب بأيّ حالٍ من الأحوال.

أمّا كونه أزليًا وأبديًا
فيعني أنّه موجود دائمًا، لم يكن له بداية ولن يكون له نهاية.
والدليل على ذلك، أنّه لو كان حادثًا، أي: مخلوقًا أو مستحدثًا لكان وجوده مستندًا إلى غيره، وبالتالي لن يكون واجب الوجود، وفي هذه الحالة سيكون هناك خالقٌ آخر هو من أوجده، وهذا يتنافى مع مفهوم الإله الحقّ؛ لأنّ واجب الوجود يجب أنْ يكون قائمًا بذاته، أزليًا وأبديًا.

الفصل الثالث: في صفات التنزيه الخاصّة بالله
والمقصود الأمور التي يجب نفيها عن الله سبحانه وتعالى، ويجب الاعتقاد بأنّها ليست لله (عزّ وجلّ).

أوّلًا: ليس له شريك
أي: إنّ الله واحدٌ لا شريك له، فلا يوجد اثنان له، ولا أحد آخر يخلق الخلق، ولا أحد يستحقّ العبادة غيره، والأدلّة على ذلك كثيرةٌ، وما هو أسهل لفهم العوام هو أنّ كلّ مَن يتأمّل في نظام العالم وانتظامه المستمرّ، حيث تسير الأمور على نسقٍ واحدٍ دائمًا كحركات الأفلاك والكواكب، وتعاقب الفصول الأربعة، ونموّ النباتات، وتوالد الحيوانات، وغيرها من الأمور التي تجري على نمطٍ واحدٍ بلا اختلاف، يدرك يقينًا أنّ كلّ هذه الأمور من فعل واحد فقط.

لأنّك إذا نظرت إلى مملكة يحكمها ملكان، تراها دائمًا تسير نحو الخراب والفساد، وكذلك الحال إذا كان لمدينة حاكمان، أو لمحلّة رئيسان، أو في بيت سيدتان، فستجد الفساد وعدم الاستقرار، وقد أشار الحقّ تعالى إلى هذا المطلب في القرآن الكريم بقوله: (لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)[14].
وأيضًا لو كان هناك إلهٌ آخر، لوجب أنْ يبعث من جانبه نبيًّا وكتابًا ودينًا يرشد الناس ويهديهم؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى فيّاض بالخيرات، بل إنّ وحدانية الله أمرٌ فطريٌ، ففي وقت الشدّة والاضطرار، حيث لا مجال للوسوسة والتفكير تجد الإنسان يستغيث بلا اختيار بالله الواحد، ولا يتصوّر في ذهنه إله آخر.

أمّا بعض المجوس الذين قالوا بوجود إلهين؛ أحدهما يسمّونه (يزدان)[15]، والآخر (أهرمن)[16]، أو كما يعبّرون عن الثاني بـ(الظلمة)، فإنّ قولهم باطلٌ وشبهتهم فاسدةٌ، وهم يظنّون أنّ الشرور والآفات مثل الحيّات والعقارب والسموم والوحوش والظالمين والخداع، وكذلك الخير واللذّات مثل الماء والثمار والدواب والمواشي والناس الصالحين، لا يمكن أنْ يكون خالقها واحدًا، فيقولون إنّ خالق الخير هو يزدان وخالق الشرّ هو أهرمن.
وبعضهم أيضًا يعترف بوحدانية الله، لكنّه يقول إنّ الله خلق الشيطان، والشيطان هو الذي خلق الشرور والآفات.
لكن فساد شبهتهم واضحٌ، فكلّ ما في الدنيا ليس شرًّا محضًا، بل إنّ ما يبدو في الظاهر شرًّا، عند التأمّل يتبيّن أنّ فيه فوائد كثيرة، حتى إنّ ضرره بالنسبة إلى فائدته يكاد يكون معدومًا، مثلاّ إذا أُصيب طفل بالتهاب الحلق (الخُنّاق)[17]، فإنّ حجامته تكون سببًا في شفائه وحياته، مع أنّ الحجامة في ظاهرها شرٌّ وألمٌ وأذى.
وإنْ لم يكن في هذه الشرور والآفات سوى التعب والاضطراب والخوف، فإنّ هذه الأمور سببٌ لثوابٍ عظيمٍ وأجرٍ جسيمٍ في الآخرة، وهو أجرٌ لا يزول ولا يفنى فضلًا عن ذلك، فإنّ لها فوائد كثيرة.

منها أنّها تُشوّب لذّات الدنيا وتُكدّرها في نظر أهلها؛ كي يدركوا أنّها غير دائمةٍ، وكي يتوجّهوا يقينًا إلى دار الآخرة.
وبهذا البيان يتّضح لنا أنّ الشرور والآفات ليست شرورًا مطلقة، بل هي ذات حكم وفوائد عظيمة.
وأمّا بطلان عبادة النجوم والماء والنار والحيوانات، فهو أوضح من أنْ يحتاج إلى بيان؛ لأنّ بعض هذه الأشياء يصنعها الإنسان بنفسه، وبعضها الآخر مخلوقات لا يستحقّ أيٌّ منها العبادة بأيّ وجهٍ من الوجوه.

ثانيًا: إنّ الله تعالى ليس مركّبًا من أجزاء
لا من أجزاء جسمانية كالرأس واليد والرِّجل واللحم والجلد والعظم، ولا من أجزاء عقلية كتركيب الإنسان من كونه حيوانًا وناطقًا.
كما أنّه لا مكان له؛ لأنّ الجسم هو ما يقبل الطول والعرض والعمق، والله ليس بجسمٍ، وليس بعَرَض أيضًا، وليس كالألوان والروائح والطعم التي تقوم بالجسم وتحتاج إليه، فلا مكان له، ولا جهة، ولا اتّجاه؛ لأنّ المركّب محتاجٌ إلى أجزائه، والجسم محتاجٌ إلى المكان، والعَرَض محتاجٌ إلى المحل الذي يقوم به، والله سبحانه وتعالى لا يمكن أنْ يكون محتاجًا، فإنْ كان هناك مَن أعطى هذه الأمور لله، لكان هو الإله، وليس الله.

كما أنّه لا شبيه له ولا نظير ولا وزير ولا معين؛ لأنّ الشبيه أو النظير لو وُجد لكان شريكًا له، وبطلان الشريك قد ثبت سابقًا، وأمّا المعين والوزير، فيستلزم أنْ يكون الله محتاجًا، وهذا محالٌ.
وممّا ذكرنا يتّضح أيضًا: أنّ الله تعالى لا يُرى بالعين البصريّة، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنّ العين لا ترى شيئًا إلّا إذا كان الشيء أمامها وفي جهة مقابلة لها، وهذا يستلزم أنْ يكون لله مكان، وبالتالي يلزم منه النقص والاحتياج، وهو محالٌ.
وقد أكّد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: (لَا تُدرِكُهُ الْأَبصَارُ)[18]، وأما بعض الآيات التي قد يظهر من ظاهرها خلاف ذلك، فهي مؤوّلة، والمقصود بها رؤية القلب، أي: اليقين بالله تعالى ومعرفته حقّ المعرفة.

ثالثًا: إنّ الله تعالى ليس محلًّا للحوادث
أي: إنّ اللذّة والألم، والنوم، والندم، والسهو، والنسيان، والشباب، والشيخوخة، والتعب، والعجز، وأمثال هذه الأمور لا تليق به؛ لأنّ جميع هذه الصفات نقصٌ وعيبٌ وتدلّ على العجز والاحتياج، والله تعالى منزّه عن كلّ نقصٍ واحتياجٍ.
رابعًا: إنّ الله تعالى لا يحلُّ في شيءٍ، ولا يدخل في شيءٍ، ولا يظهر في صورة شيءٍ، ولا يتّحد بشيءٍ
كما زعمت جماعةٌ من الصوفية الذين يقولون إنّ الله يحلُّ في العارف أو يتّحد به أو يظهر في صورته، وكما هو مذهب النصارى في شأن عيسى(عليه السلام) ومذهب الغلاة.
وكذلك لا يكون لله زوجة ولا ولد؛ لأنّ بعض هذه الأمور محالٌ عقلًا، مثل اتّحاد شيئين (أي صيرورة الشيئين شيئًا واحدًا)، وبعضها الآخر يستلزم النقص والاحتياج، كما هو الحال مع بقية هذه الادّعاءات.
والله تعالى كان موجودًا أزليًّا في وقتٍ لم يكن معه شيء، وبالتالي فهو لا شريك له في الأزلية، وهذا أمرٌ أجمع عليه أهل جميع الأديان.

الباب الثاني: في العدل
وفيه أربعة مباحثٍ:
اعلم أنّ العدل مِن صفات أفعال الله تعالى، بمعنى: أنّ الله تعالى عادلٌ في أفعاله، فهو صحيح السلوكِ وصادقُ الفعل، لا يظلم أحدًا، ولا يعاقب أو يؤاخذ أحدًا بلا استحقاق.

وتوضيح هذا المطلب يأتي في ضمن عدّة مباحث:
المبحث الأوّل: في الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل لله تعالى [19]
المبحث الثاني: حكم العقل باستحقاق الذمّ والمدح لفاعل بعض الأفعال
المبحث الثالث: لا يصحّ القبح من الله تعالى
المبحث الرابع: إنّ الله تعالى حكيمٌ في أفعاله

المبحث الأوّل
إنّ الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل لله تعالى هو أنّ:
صفات الذات: هي الصفات التي يكون إثباتها أو نفيها دائمًا وثابتًا، بحيث لا يمكن أنْ توجد في وقتٍ دون وقتٍ آخر.
الصفات الثبوتية الذاتية مثل العلم والقدرة؛ لأنّ نفي هذه الصفات عن الله تعالى محالٌ، فلا يمكن أن يقال: إنّ الله يعلم شيئًا في وقتٍ معينٍ ولا يعلمه في وقتٍ آخر، بل علمه دائمٌ وأزليٌّ، وكذلك قدرته دائمةٌ لا تتغير.
الصفات التنزيهية: هي الصفات التي يُنفى ثبوتها عن الله على الدوام، مثل نفي الشريك، أو الاحتياج، أو حلول الحوادث في ذاته؛ لأنّ هذه الأمور محال أنْ تكون موجودة في الله تعالى في أيّ وقتٍ من الأوقات.
صفات الفعل: على خلاف صفات الذات، قد تُثبت وقد تُنفى بحسب الأفعال التي تتعلّق بمشيئته وحكمته، كالخالقية، والرازقية، والإحياء، والإماتة، وغيرها.
على سبيل المثال: يُقال: إنّ الله تعالى خلق فلانًا اليوم، لكنّه لم يخلقه قبل عشر سنين، أو يُقال: إنّ الله تعالى رزق فلانًا اليوم، لكنّه لم يرزقه قبل أن يُخلَق.
وذلك لأنّ صفات الفعل لا تمثّل كمال ذات الله تعالى نفسه، وإنّما كمال ذاته يظهر في كونه قادرًا على هذه الأفعال وعالمًا بها.
وبما ذُكر يتّضح لنا أنّ صفات الذات أزليّةٌ ودائمةٌ لا تقبل التغيّر، بينما صفات الفعل تتعلّق بمشيئة الله وحكمته، فتوجد حينما يشاء الله أن توجد.
وأمّا الفعل وترك الفعل، فليس أيٌّ منهما كمالًا بالذات؛ لأنّ هناك أوقاتًا يكون فيها الفعل نقصًا، وفي أوقاتٍ أخرى يكون كمالًا.

نعم، إذا استعدّت المادّة، ولم يوجد مانعٌ من نزول الفيض الإلهي، ففي تلك الحالة يكون الامتناع عن إعطاء الفيض نقصًا، وليس هذا النقص بسبب ترك فعلٍ خاصٍّ معيّنٍ، بل لأنّه يتنافى مع كون الله تعالى فيّاضًا تامًّا وخيرًا محضًا.

أمّا إذا لم توجد القابليّة والاستعداد في المخلوق، فإنّ منع الفيض لا يتنافى مع كمال فاعلية الله تعالى وكونه خيرًا محضًا؛ لأنّ الفيض الإلهي لا ينقطع، وإنّما يُمنح لمن له الاستعداد والقابلية.

المبحث الثاني
إنّ العقل البديهي يحكم بأنّ بعض الأفعال تكون بحيث يستحقّ فاعلها الذمّ واللوم بسبب القيام بها، مثل: الظلم، والعدوان، والكذب، وهذه الأفعال تُعدّ قبيحة.
وفي المقابل، هناك أفعال يكون فاعلها بسبب القيام بها مستحقًّا للمدح والثناء، مثل: العدل، والإحسان، والصدق، وهذه الأفعال تُعدّ حسنة.
وهذا الحكم العقلي قائمٌ ولو لم يكن هناك نبيٌّ مرسَل، أو شرعٌ منزل؛ لأنّ العقل وحده كافٍّ للحكم بأنّ صاحب الفعل القبيح مستحقٌّ للذمّ، وصاحب الفعل الحسن مستحقٌّ للمدح.
ومن بين الأفعال التي يحكم العقل بقُبحها: تكليف الإنسان بما لا يطيقه؛ لأنّ ذلك يتنافى مع الحكمة والعدل، والعقل السليم يدرك بوضوح قُبح هذا الفعل.

المبحث الثالث
إنّ القبح لا يصحّ من الله تعالى، وذلك لأنّ القيام بالفعل القبيح يستلزم واحدًا من الأمور التي تتنافى مع كمال الله، مثل:
الجهل: فإذا كان الله تعالى يفعل قبيحًا وهو لا يعلم أنّه قبيحٌ، فهذا يعني أنّه جاهلٌ، وهو أمرٌ محالٌ على الله.
العجز: وإذا كان يعلم أنّ الفعل قبيحٌ ولكنّه لا يستطيع أن يفعله، فهذا يعني أنّه عاجزٌ، وهو أيضًا محالٌ على الله.
الاحتياج: وإذا كان يعلم أنّ الفعل قبيحٌ ولكنّه لا يستطيع أن يمتنع عن فعله إلّا إذا كان محتاجًا إلى القيام به، فهذا يعني أنّه محتاجٌ، وهو ما لا يجوز في حقّ الله.
العبث: وإذا كان قادرًا على الامتناع عن الفعل القبيح، ولكنّه قام به مِن غير حاجةٍ، فهذا يعني أنّه يفعل عبثًا، وهو من السفه، وهو أمرٌ ينافي كمال الله.
كلّ هذه الاحتمالات تؤدّي إلى النقص والعيب، والله تعالى منزّه عن ذلك كلّه، فإنّ خالق العالم هو الذي لا يمكن أنْ يكون جاهلًا، عاجزًا، محتاجًا، أو سفيهًا.
عندما عرفت هذا، فاعلم أنّ ما قاله أكثر علماء أهل السُنّة من أنّ أفعال العباد هي مخلوقةٌ من الله، وأنّ الله تعالى يجري الخير والشرّ على أيديهم، يؤدّي إلى قبحٍ وظلمٍ من الله تعالى، وهذا باطلٌ، ووجه القبح في ذلك هو:
التكليف: إنّ الله تعالى قد أمر العباد ونهاهم، ووعدهم بالثواب وهدّدهم بالعقاب، فإنّ هذا يشترط أنْ يكون العبد قادرًا على الفعل، فإذا كان العبد غير قادرٍ على الفعل، وكان الله هو الذي يجري الأفعال على يديه كما يعتقدون، فمن غير الممكن أنْ يُكلَّف العبد بالطاعة، ولا يجوز أنْ يُعاقب على المعصية؛ لأنّه لا ذنب له في هذا.
كما إذا أمر أحدنا خادمه بفعل شيءٍ لا يستطيع فعله، ثم عاقبه على ذلك، فإنّ الجميع سيلومه ويعتبرونه ظالمًا، فكيف يمكن أنْ يُنسب هذا الفعل إلى خالق العالم؟!

وإذا كان الفعل خارجًا عن قدرة العبد، فإنّ الأمر والنهي يصبح عبثًا لا فائدة منه.
الذمّ والمدح: إنّ الله تعالى في القرآن الكريم مدح المؤمنين والصالحين على أفعالهم الحسنة، وذمّ العصاة والشريرين على أفعالهم السيّئة، فإذا كانت الطاعة والمعصية ليست أفعال العباد، فإنّ المدح والذمّ يصبحان بلا معنى.
كما قال الله تعالى في القرآن الكريم: (:وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[20]، وهذه الآية تدلّ على أنّ الأفعال منسوبةٌ إلى العباد وليست إلى الله تعالى.

وهناك بعض الآيات قد تظهر في ظاهرها على أنّها تدلّ على الجبر، كقوله تعالى: (يُضلّ الله مَن يشاء ويهدي مَن يشاء)[21]، ولكن هذه الآيات يجب أنْ تُؤوَّل بناءً على الأدلّة العقلية القطعية والآيات المحكمة الأُخرى، كما في الآيات التي قد تظهر في ظاهرها على أنّ الله جسمٌ، وهي تتعارض مع حقيقة أنّ الله لا يُرى، ويُؤوَّل ذلك، كما صنعه مشهور الإمامية على أنّ المراد من الهداية هو التوفيق والمراد من الضلالة هو الخذلان.
التوفيق والخذلان: إنّ الله تعالى منح العباد الاختيار والعقل والشهوة، وأعطاهم طريق النجاة والتهلكة، إذا أختار العبد المشقّة وابتعد عن اللذّات، فإنّ الله يُعينه على الطاعة، ويمنحه التوفيق، أمّا إذا اتّبع شهواته بدون ضوابط، وابتعد عن طاعة الله، فإنّه يستحقّ أن يُخذل، أي: يُترك في طريقه.

معنى الخذلان هو أنّ الله يترك العبد لشهواته ويعطيه الفرصة للابتعاد عن طريق الحقّ، ولكن مع كلّ هذه المساعدات والتوجيهات، إذا أصرّ العبد على التمرّد، يُترك ليواجه نتائج اختياراته.
هذا هو معنى الخذلان من الله تعالى، حيث يُترك العبد في طريقه إذا اختار الابتعاد عن الهداية رغم كلّ ما أُعطي مِن هدايةٍ.
إذن المراد من الهداية هو التوفيق من الله تعالى، والمراد من الضلال هو الخذلان، وهذه الأمور لا تستلزم ظلمًا أو تعدّيًا من الله تعالى، فلا قبح في هذه الأفعال ولا ظلم في منح التوفيق أو الخذلان، بل هي جزءٌ من حكمة الله في التعامل مع العباد.
من هنا يتبيّن أنّ الله تعالى له مدخليّة في أفعال العباد، ولكن هذه المدخليّة لا تصل إلى حدّ الجبر، بمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى يؤثّر في أعمال العباد بشكل مّا، ولكن العبد لا يُجبر على فعلٍ معينٍ ضدّ إرادته.
وقد جاء هذا المعنى في تفسير الحديث المشهور، حيث ورد قوله(عليه السلام): «لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين الأمرين» [22].
لا جبر يعني: أنّه ليس هناك من يُجبر العبد على فعلٍ معيّنٍ بشكلٍ مطلقٍ، حيث لا يكون للعبد أيّ اختيارٍ في أفعاله، وتكون أفعاله كلّها من الله فقط.
لا تفويض يعني: أنّه ليس الله قد خلق العبد، ثمّ تركه يفعل ما يشاء من دون توجيه أو تأثير من الله.
بل هو أمر بين الأمرين، أي: إنّ الله تعالى له مدخليّة في الجملة في أفعال العباد، وفي نفس الوقت يظلّ العبد مختارًا في اختياراته.

المبحث الرابع
إنّ الله تعالى حكيمٌ في أفعاله، وهذه الأفعال لا تهدف إلى غرضٍ أو مصلحةٍ بالنسبة له، لكن المقصود من الغرض والمصلحة ليس أن ينتفع الله سبحانه وتعالى بشيءٍ، بل أنْ تكون هذه الأفعال لمنفعة المخلوقات، وتوصيل الفيض والنفع إلى الخلق.
كما يشير إلى هذا المعنى كلام الله تعالى: (وَما خَلَقنا السَّماوات وَالأَرض وَما بَينهُما باطلًا، ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُوا)[23].

الباب الثالث: في النبوّة
وفيه أربعة مطالبٍ:
يعني يجب أن نؤمن بأنّ الله تعالى قد أوجب على نفسه أن يُرسل نبيًّا إلى عباده، والنبيّ الذي أرسله الله هو محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب(صلى الله عليه وآله وسلم) ويشمل هذا الباب عدّة مطالب.
المطلب الأوّل: إنّ الله تعالى واجبٌ عليه أن يبعث نبيًّا
المطلب الثاني: شروط النبوّة
المطلب الثالث: يُعرف ويُدرك صدق نبوّة النبيّ بظهور المعجزة
المطلب الرابع: في نبوّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)


المطلب الأوّل
إنّ الله تعالى واجبٌ عليه أن يبعث نبيًّا، والدليل على ذلك أنّ البشرية بسبب احتياجاتها إلى الأكل والشرب والجماع وغيرها مضطرّةٌ إلى العيش في المجتمع وفي إطار المعاشرة الاجتماعية لا بدّ أن تحدث تعدّيات ونزاعات وصراعات، وخلال الحسابات المتعلّقة بالأموال، وإحقاق الحقوق، وحلّ الخصومات تظهر العديد من المشاكل وعند وقوع التعدّي، قد تحدث جرائم كالقتل والجرح، وتلف الأعضاء، وإتلاف الأموال، وانتهاك الأعراض، وغيرها.
ولمعالجة هذه المشاكل هناك حاجةٌ إلى طريقٍ يوافق الحقّ، والعقل عاجزٌ عن إيجاد الحلول لكثيرٍ منها؛ لذا لابدّ من وجود شخصٍ مرسلٍ مِن الله تعالى، عالم بجميع هذه الأمور لتنظيم العالم، ودفع الفساد والفتنة، وأن يكون علمه مستندًا إلى الإرشاد والإلهام الإلهي.
والدليل الآخر: أنّ أفعال الله تعالى لا تخلو من غايةٍ وفائدةٍ، يجب أنْ يكون الهدف من خلق العالم والإنسانية غاية تليق بالحكمة الإلهية، ومن الواضح أنّ الله لم يخلق العباد ليعتمد عليهم أو يستفيد منهم؛ لأنّه ليس عاجزًا ولا محتاجًا، بل يجب أنْ يكون الخلق لتحقيق منفعةٍ للعباد ونشر فيض إلهي يصل إليهم.

وهذا الهدف لا يمكن تحقّقه في الدنيا؛ لأنّ الدنيا مليئةٌ بالمحن والآلام والأحزان، وما يبدو فيها من لذّات ليس في الواقع لذّات حقيقية، بل هو علاجٌ لآلام معيّنة، كالأكل الذي يداوي ألم الجوع، والشرب الذي يداوي ألم العطش، والجماع الذي يداوي ألم امتلاء المني.

ومثلما حبس البول والغائط يسبّب ألمًا حتّى يتمّ التخلّص منهما، فإنّ الله تعالى أوجد هذه الآلام، وكثيرًا ما يحرم الإنسان حتّى من علاجها، وحتى لو اعتبرنا هذه الأمور لذّات، فإنّها تختلط بآلاف الآلام والأحزان التي تجعلها ثقيلة على النفس، وسرعان ما تزول وتفنى، وإذا عاش الإنسان مئة عام مملوءة باللّذات، فإنّه عند رحيله لن يتبقّى منها شيءٌ سوى شبحٍ كحلمٍ عابرٍ.
إذن لا يمكن أنْ يكون الهدف الإلهي مِن خلق العباد هو هذا الفيض الفاني، ويجب أنْ يكون الهدف تحقيق فيضٍ دائمٍ يليق بالله سبحانه تعالى، وهو غير ممكن في هذه الدنيا الفانية؛ لذا لا بدّ من وجود دارٍ أخرى يكون فيها الفيض أبديًا، وبلا ألم، وهي الجنّة الخالدة ورضوان الربّ المجيد.
وبما أنّ لطف الله اللامتناهي يقتضي أنْ يكون فيضه أكمل وأشمل، فمِن الواضح أنّ الجزاء المرتبط بالاستحقاق والعمل يكون أكثر التصاقًا بالنفوس وأشدّ تأثيرًا فيها؛ لذلك جعل الله تعالى هذا الفيض جزاءً للعمل والاستحقاق، فكلّف العباد بالعبادة والطاعة في الدنيا؛ ليمنحهم بعد ذلك الجنّة الأبدية، حيث يأنسون بالحور العين، ويعيشون مع الأخيار والصالحين، ويتمتّعون بأنواع الفواكه والنعيم واللّذات، ويجاورون الأنبياء والأولياء.

وسيبتهجون بقول الله تعالى في الجنّة: (جزاءً بما كانوا يعملون)[24]، أي: إنّهم يشعرون بالسرور؛ لأنّ هذا الجزاء هو مقابل أعمالهم وطاعاتهم.
ولأنّ طريق التكليف والعبودية الكاملة يتطلّب إلهامًا وإعلامًا من الله تعالى، ولأنّ جميع العباد ليس لديهم الاستعداد والقدرة للتواصل المباشر مع ساحة عظمة الله (عزّ وجلّ) واستعلام ما يخصّهم، فلابدّ من أنْ يختار الله سبحانه وتعالى شخصًا من جنس البشر، وله صلة بهم ومناسبة مع مقام القداسة، بحيث يأخذ الإلهام من الله تعالى بواسطة الارتباط الملكوتي، وينقل ما يوحى إليه إلى العباد بما يتوافق مع طبيعتهم البشرية، وهذا هو النّبي.

المطلب الثاني
هناك عدّة شروط في النبوّة:
الشرط الأوّل: العصمة
يجب أنْ يكون النبيّ معصومًا، أي: أن لا تصدر عنه معصية أو خطأ، سواء في الظاهر أو الباطن، ولا يجوز أن يقع في سهو أو نسيان خصوصًا في أحكام الدين وما يتعلّق بتبليغ الرسالة.

والدليل على ذلك أنّ النّبي هو حافظ شريعة الله تعالى، وأمينٌ على وحيه، وواسطة بين الله وعباده، فإن لم يكن معصومًا، فلا يمكن أنْ يكون محلّ ثقةٍ واعتمادٍ؛ لأنّ مجرد كونه عدلًا ومنزّهًا عن المعصية بدرجة معيّنة لا يكفي؛ إذ لا ينقطع احتمال السهو والخطأ منه؛ لذلك يجب أنْ يكون موضع ثقةٍ من جميع الجوانب.

الشرط الثاني: أنْ يكون أفضل وأعلم من جميع أمّته
لأنّ من القبيح على الله سبحانه وتعالى أنْ يجعل شخصًا أقلّ فضلًا وأقلّ علمًا في موضع القيادة على مَن هو أفضل وأعلم، كما أنّه من القبيح أنْ يأمر الله تعالى أحد شخصين متساويين في الفضل والكمال باتّباع الآخر؛ لذلك يجب أنْ يكون النبيّ في مرتبةٍ لا يصل إليها غيره من البشر، بحيث يكون الأمر باتّباعه لائقًا بحكمة الله تعالى.

وكذلك يجب أنْ يكون النبيّ متفوّقًا في جميع الصفات الحسنة، ومنزّهًا عن جميع الصفات الذميمة، بل يجب أنْ يكون نَسبه طاهرًا وخاليًا من أي عيبٍ كالجذام أو البرص أو ما شابه ذلك.

أمّا مفهوم العصمة في النّبي
ينبغي التنبيه إلى أنّ النّبي ليس مُجبرًا على العصمة بمعنى أنّ الله تعالى قد جعله معصومًا دون أنْ يكون له دور في ذلك؛ لأنّ العصمة في هذه الحالة لن تُعدّ كمالًا له ولن ينال عليها ثوابًا.
لكنّ عصمة النّبي تتحقّق بسبب قوّة نفسه وجهوده في المجاهدة وتحمّله مشقّة العبادة والطاعة باختياره، ممّا يجعله مستحقًّا للألطاف الإلهية اللامتناهية، وهذا ما يجعل الله تعالى يعيّنه ويؤيّده في ترك المعاصي ويمنحه العون في الالتزام الكامل بالطاعة.

المطلب الثالث
يُعرف ويُدرك صدق نبوّة النبيّ بظهور المعجزة، والمعجزة هي عملٌ خارقٌ للعادة يعجز البشر عن الإتيان بمثله، ولا تكون من الأفعال المعتادة لله تعالى التي تجري في الكون بشكل طبيعي.

فإذا أتى النّبي بمثل هذا العمل الخارق مقترنًا بدعوى النبوّة، دلّ ذلك على صدقه؛ لأنّ من يرى مثل هذا العمل الخارق يوقن بأنّه صادرٌ من الله سبحانه وتعالى، تأييدًا لنبيّه.

أمّا شروط المعجزة:
أنْ تكون خارقةً لقدرة البشر: لا بدّ أن تكون المعجزة من نوعٍ يعجز البشر عن الإتيان بمثله، وألّا تكون من قبيل السحر أو الشعوذة أو الخداع البصري؛ لأنّ هذه الأفعال قد تصدر من البشر بصورة متكرّرة.
ألّا تكون من الأفعال المعتادة لله تعالى: المعجزة يجب ألّا تكون شيئًا معتادًا في نظام الكون، كأن يقول أحدهم: أنا نبيٌّ، ومعجزتي أنّ الشمس ستشرق الآن، ثمّ تشرق الشمس؛ لأنّ شروق الشمس في وقتها أمرٌ معتادٌ في نظام الله تعالى، بل يجب أن تكون المعجزة خارقة للعادة، مثل تحويل العصا إلى أفعى أو شقّ القمر إلى نصفين، وأمثال ذلك.
أن تكون مقترنةً بدعوى النبوّة: ظهور المعجزة لا بدّ أن يكون مقارنًا لدعوى النبوّة، بحيث يُفهم منها أنّها تأييدٌ من الله سبحانه وتعالى لدعوته. أمّا الدليل على أنّ المعجزة تصدّق دعوى النبيّ: نحن نعلم أنّ الله سبحانه وتعالى لا يصدر عنه فعلٌ قبيحٌ، ولا شكّ أنّ الكذب قبيحٌ، كما أنّ طاعة الكاذب قبيحة، فإذا كان النبيّ كاذبًا، وظهرت المعجزة على يديه، فهذا يعني أنّ الله تعالى يؤيّد الكذب ويجعل الناس يتّبعون كاذبًا، وهذا قبيحٌ، وبالتالي فإنّ ظهور المعجزة مع دعوى النبوّة دليلٌ قاطعٌ على صدق النبيّ.
أن تكون المعجزة مطابقة لدعوى النبوّة: إذا كانت المعجزة مخالفةً لدعوى النبوّة، فإنّها تدلّ على كذبه بدلًا مِن تصديقه، مثال على ذلك: يُذكر عن مُسَيلَمة الكذّاب [25] أنّه حاول تقليد معجزات النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا له: النّبي يشفي الأعمى بدعائه، فدعا مسيلمة، فحوَّل بصيرًا إلى أعمى، وقالوا: النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بصق في بئرٍ جافّةٍ فامتلأت ماء، فبصق مسيلمة في بئرٍ مليئةٍ بالماء فجفّت، فهذه الأعمال كانت دليلًا على كذبه بدلًا من صدقه.

المطلب الرابع
في نبوّة نبيّنا محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب(صلى الله عليه وآله وسلم)، اعلم أنّه لا شكّ ولا شبهة في أنّه وُلد وادّعى النبوّة، وظهرت على يديه معجزات تؤيّد دعواه، ولذلك فهو نبيٌّ كما أوضحنا سابقًا أنّ من يدّعي النبوّة وتظهر على يديه معجزة يجب أن يكون نبيًّا.
أمّا أنّه جاء وادّعى النبوّة، فهذا من الأمور المتواترة اليقينية، كما نعلم يقينًا أنّ في الأزمنة السابقة كان هناك (رستم)[26] وأنّه كان يتميّز بالشجاعة العظيمة، و(الإسكندر ذو القرنين) وكان ملكًا عظيمًا، وهذا العلم نشأ من كثرة تداول الأخبار ونقلها من شخص إلى آخر.
وبالمثل، فقد حصل اليقين بشأن دعوى نبوّة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه جاء وادّعى هذه الدعوة (النبوّة).
وأمّا أنّه أظهر معجزات تؤيّد دعواه، فإنّ معجزات النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من أن تُحصى، ولكنْ هناك أمران أكثر وضوحًا لمعظم الناس، وأسهل فهمًا، وأقرب إلى التصديق، وأبعد عن وساوس الشياطين والشكوك.
وسبب ذكر هذين الأمرين: أنّ باقي المعجزات تحتاج إلى إثبات من خلال الأخبار والروايات، وقد لا يستطيع البعض الوصول إلى اليقين بشأنها، بسبب كونهم عوامًّا لا يقرأون الكتب ولا يطمئنّون إلى النقل.
أمّا هذان الأمران، فهما موجودان الآن وآثارهما باقيةٌ:
الأوّل: القرآن الكريم الذي نسبته إلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) متواترةٌ ويقينيةٌ، وكما نعلم بوجود الهند ومكّة رغم أنّنا لم نرَهما، فإنّنا نعلم أنّ هذا القرآن جاء به ذلك النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا كون القرآن معجزة: فإنّ لذلك أوجهًا كثيرةً، وسنذكر بعضًا منها مع التوضيح.
إنّ العادة الإلهية جرت بأن يجعل معجزة كلّ نبيٍّ تتناسب مع نوع العلم الذي كان سائدًا في زمانه، والذي اشتهر به علماء ذلك العصر، بحيث يكون ذلك العلم في كماله لديهم.
فعلى سبيل المثال، في زمن النّبي موسى(عليه السلام) كان علم السحر منتشرًا بشكلٍ واسعٍ، وكان هناك سحرة بارعون قادرون على القيام بأعمالٍ غريبةٍ وعجيبة، كإلقاء العصي والحبال وتحويلها إلى هيئة أفاعٍ تتحرّك، فجعل الله معجزة موسى من نفس نوع ذلك العلم، ولكن بطريقةٍ تتجاوز قدرة البشر.
فأصبح الأمر أنّ عصا موسى التهمت سحر السحرة بالكامل، ولم يعد له أي أثرٍ، وأدرك السحرة أنّ ما فعله موسى(عليه السلام) ليس من باب السحر أو الشعوذة، بل هو فعلٌ إلهيٌ، فآمنوا به وقدّموا أنفسهم فداءً في سبيل الله تعالى، ولم يتردّدوا حتّى عندما أمر فرعون بقتلهم وصلبهم.
وكذلك في زمن النّبي عيسى(عليه السلام) كان علم الحكمة والطبّ قد بلغ ذروته، واشتهر في ذلك العصر علماء مثل أفلاطون وجالينوس الذين كانوا يعالجون أمراضًا مستعصية ويشرفون على علاج الحالات المزمنة، فجعل الله تعالى معجزة عيسى من هذا الباب، ولكن بما يعجز عنه البشر مثل إحياء الموتى الذين فارقوا الحياة منذ سنوات، وشفاء المولود أعمى، وعلاج مرض البرص وسائر الأمراض.
أمّا في زمن النّبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كان فنّ البلاغة والشعر في أوج ازدهاره، وكان العرب يتفاخرون فيما بينهم بالأشعار البليغة والخُطب المليئة بالحكمة، فجعل الله تعالى القرآن معجزة النّبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وتحدّاهم أن يأتوا بمثله إن كانوا يشكّون في نبوته.

فقال: إذا شككتم في هذا القرآن، فأتوا بمثله، أو بعشر سورٍ من مثله، أو حتى بسورةٍ واحدةٍ فقط[27]. ورغم كل محاولاتهم، لم يتمكّنوا من الإتيان بمثله، ولو استطاعوا ذلك لما تحمّلوا كلّ تلك المصاعب والمحن، ولما قتلوا أنفسهم، ولما تركوا أهاليهم وذويهم عرضةً للأسر.
هذا الأمر السهل لا يمكن أن يتجاوزه أي عاقلٍ ليقدّم على أمر شديد الصعوبة، ويمكن تفسير عجزهم بأنّ الله تعالى صرف نيّاتهم وأفكارهم عن هذا الأمر، فلم يكن لهم التوفيق لتحقيقه أو الوصول إليه.

هذا المعنى يتوافق مع حقيقة بلاغة القرآن التي بلغت حدًّا يستحيل معه على الناس أنْ يأتوا بمثله، وكلا الوجهين صحيحٌ؛ إذ إنّ كلّ من يمتلك أدنى قدرٍ من الفهم يستطيع أنْ يميّز بين القرآن وسائر الكلام، ويدرك أن لا كلام يمكن أن يقف في وجه القرآن.
ثمّ إنّ نظم القرآن وتركيبه يختلف تمامًا عن أي كلام آخر، فهو ليس شعرًا، ولا خطبةً، ولا نوعًا من الإنشاء أو الإملاء المستخدم في الرسائل والمكاتبات، ولا أحد يمتلك القدرة على التكلّم بهذا الأسلوب الغريب والطريقة العجيبة.
وأيضًا لا يوجد أي اختلافٍ في القرآن، فأي شخصٍ ليس بليغًا بدرجة كافية تظهر في كلامه تفاوتات بين أوّله وآخره، خاصّة إذا كان الكلام طويلًا، سواء أكان ذلك بسبب الغفلة أم الخطأ، أمّا القرآن، فلا يوجد فيه أي اختلافٍ.
إضافة إلى ذلك، فإنّ أي كلامٍ إذا قرأه الإنسان مرّةً واحدة، فإنّ طبيعته تنفر منه في المرّة الثانية والثالثة، مهما كان الكلام بليغًا وعاليًا في مستواه، حتى لو كان من تأليف قائله نفسه، أمّا القرآن، فكلّما تكرّر قراءته لا يُمَلّ، بل يبقى دائمًا جديدًا ومتجدّدًا.

الثاني: أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يذهب إلى مدرسة، ولم يتعلّم في درسٍ، ولم يكتب شيئًا، وقد نشأ يتيمًا في قومٍ كالعرب، فظهور علوم وآداب بهذا المستوى العالي منه دون أن يكون ذلك من عند الله تعالى، لا يمكن تفسيره بأي وجهٍ من الوجوه.
أمّا حال العرب، فهو معروفٌ لمّن عاشرهم ولو قليلًا، لا سيّما أهل البادية منهم، فهؤلاء لم يكن لديهم لا فهم، ولا حياء، ولا أدب، ولا عفّة، ولا ستر، ولا ذوق، كانوا لا يتورّعون عن كشف عوراتهم، ويأكلون كلّ خبيثٍ ومتعفّنٍ، بما في ذلك حيوانات مثل الفئران، والأفاعي، والضباع، والضفادع، وغيرها، ولم يكن لديهم أي اهتمامٍ بالتزكية أو التنقية، بل يأكلونها مع أحشائها وأمعائها نيئة أو مطبوخة.
كما أنّهم كانوا يكتفون ببول الإبل في الشرب والاغتسال وما شابه ذلك، وكلّ هذا وهم تحت تأثير التربية الإسلامية منذ أكثر من ألف سنة، فكيف كان حالهم في زمن الجاهلية؟

وممّا هو معلومٌ عنهم أنّ حتّى عباداتهم كانت بهذا الشكل، كانوا يطوفون بالكعبة عراة، يصفّقون، ويصفّرون، فمِن الواضح كيف كانت باقي أفعالهم، وقد اتّسموا بالعصبية، والحسد، والعداوة، وكافّة الصفات الذميمة التي كانت متأصّلة فيهم.
وأمّا العلوم والآداب التي ظهرت من النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأخلاق الحسنة التي تميّز بها، فهي فوق أن تُحصى في الكتب والسجلّات، ويكفي دليلًا على ذلك أنّ أكثر مِن ألف سنة قد مرّت، وما زال العلماء العظام في كلّ زمانٍ ومكانٍ يتفكّرون في علومه ويشرحونها، ويتناولون أخلاقه وآدابه، ومع ذلك لم يصلوا إلى كنهها.

فالأُسس التي وضعها، والأحكام التي جاء بها لرفع الدعاوى ودفع الظلم والتعدّي، ومنع التطاول على النفس والعرض والمال، كأحكام المرافعات، وإثبات الحقوق بالشهادة واليمين، وتشريع القصاص، وتقدير الديّات، وتنظيم النكاح والطلاق، والاعتبار بيد التصرف، ورفض الدعوى التي تخلو من البيّنة، وغير ذلك، كلّها تشير إلى نظامٍ دقيقٍ ومتكاملٍ.
وأمّا الطُرق التي وضعها للتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى في أنواع العبادات والأذكار، فهي دليلٌ قاطعٌ على عظمة رسالته، كيف يمكن لرجلٍ عربيٍ أمّيٍ لم يذهب إلى مدرسةٍ ولم يدرس في مكان ما، أن ينبثق من بين قومٍ بهذه الصفات التي سبق ذكرها، وأن يدّعي النبوّة، ويأتي بهذه العلوم والآداب بالإضافة إلى تلك الأطوار والأخلاق التي ظهرت منه من تواضعٍ، وحياءٍ، وعفّةٍ، وذكاءٍ، وفطنةٍ، ووفاءٍ، وكرمٍ، وشجاعةٍ، وحلمٍ، وسائر صفات الكمال؟!
كلّ ذلك يقينًا يدلّ على أنّ هذا الأمر ليس إلّا من عند الله (جلّ وعلا)، ومِن بين هذه العلوم والآداب العظيمة، يأتي القرآن المجيد شاهدًا خالدًا على نبوّته ورسالته.
رغم أنّ القرآن في حقيقته يشتمل على كلّ شيءٍ إلّا أنّ ظاهره لا يظهر كلّ هذه الأمور إلّا للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيّه، ولهذا السبب في العصور المتتالية وفي كلّ زمان تعمّق جميع العلماء في التفكير فيه، وكتبوا تفسيراتٍ لا حصر لها ومع ذلك لم يصلوا إلّا إلى قطرةٍ من بحر معانيه.
وكأنّ القرآن حتّى الآن بكرٌ لم يمسّه أحد بتفسيرٍ شاملٍ، ومِن هذه المعجزات التي ظهرت بنبوّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، يتجلّى أيضًا صدقه وأمانته بوضوح.
فكلّ ما جاء به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حقٌّ، ومِن جملة ما جاء به أنّ دينه ناسخٌ للأديان السابقة التي جاء بها الأنبياء، فبذلك أصبحت أديان أهل الكتاب من اليهود والنصارى باطلة.
أمّا الشبهة التي أثارها اليهود بأنّ النسخ قبيحٌ، وحجّتهم في ذلك هي: إذا كان دين موسى جيّدًا، فكيف أصبح العمل به الآن سيّئًا؟! وإذا كان سيّئًا، فلماذا أنزله الله تعالى في البداية؟!

فالجواب على هذه الشبهة يكمن في فهم طبيعة النسخ في التشريع الإلهي.
النسخ ليس تغييرًا في ذات الخير أو الشرّ، بل هو انتقالٌ من تشريعٍ يناسب زمانًا معيّنًا وظروفًا معيّنة إلى تشريعٍ آخر يناسب زمانًا وظروفًا أخرى.
فالدين الذي جاء به موسى(عليه السلام) كان صالحًا لزمانه ولأمّته، ولكنّه لم يكن مصمّمًا ليبقى للأبد، أمّا الإسلام فهو دينٌ كاملٌ وخاتمٌ لجميع الشرائع، يناسب كلّ زمانٍ ومكانٍ، وجاء ليحقّق الخير الأسمى للإنسانية جمعاء، وبذلك لا يتعارض النسخ مع حكمة الله تعالى وعدله، بل يبرز كمال تدبيره ورعايته للبشر.

هذه الشبهة باطلةٌ؛ لأنّنا نقول: إنّه ليس من الواجب أنْ يكون كلّ شيءٍ إمّا جيّدًا بالذات أو سيّئًا بالذات، بل يمكن أن يكون شيء ما جيّدًا من جهةٍ وسيّئًا من جهةٍ أخرى، مثلًا ضرب اليتيم إذا كان من أجل تأديبه فهو أمرٌ جيّدٌ، أمّا إذا كان بقصد إيذائه فهو أمرٌ سيّئٌ.
وبالمثل، قد يكون دين ما صالحًا لأمّة معيّنة في زمنٍ معيّنٍ، وقد يكون فاسدًا وملائمًا لأمّةٍ أخرى في زمنٍ آخر، كالأدوية التي قد تكون مفيدةً لبعض الناس في وقتٍ ما، ولكنّها قد تكون ضارّةً في وقتٍ آخر أو بالنسبة لأشخاصٍ آخرين.
وبذلك يمكن فهم أنّ الشريعة التي جاء بها موسى كانت صالحةً لأمّته في زمانها، ولكن عندما جاء الإسلام، كان هو التشريع الذي يناسب الزمان والمكان الذي جاء فيه، ويحقّق مصلحة البشرية جمعاء.

الباب الرابع: في الإمامة
وفيه مقصدان:
المقصد الأوّل: في ضرورة تعيين الإمام.
المقصد الثاني: في تحديد الإمام الواجب الطاعة بعد خاتم النبيّين(صلى الله عليه وآله وسلم).
المقصد الأوّل: في ضرورة تعيين الإمام
المقصود بالإمام هو الشخص الذي يكون قائدًا لجميع الناس نيابةً عن النّبي في أمور الدين والدنيا، ووجود الإمام مشابهٌ لوجود النبيّ من حيث الضرورة، والدليل على وجوب وجود الإمام هو نفس الدليل الذي يثبت وجوب وجود النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّ إزالة المفاسد التي تترتّب على معاشرة بني البشر تقتضي وجود شخصٍ عالمٍ بمصالح الدين والدنيا وحافظ للشريعة، خصوصًا بعد النّبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لن يأتي نبيٌّ بعده.

والأمر يصبح أشدّ ضرورة عندما نأخذ بعين الاعتبار أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بُعث لجميع الخلائق من الجنّ والإنس إلى يوم القيامة، ومع ذلك فإنّ معظم أهل العالم لم يدخلوا في الإصلاح إلّا قلّة قليلة منهم ممّن توفّاهم الله تعالى.

أمّا أولئك الذين دخلوا في الإسلام، فإنّ غالبهم كانوا من المنافقين، فكيف يمكن الاعتماد على أناسٍ لم يستقرّ إيمانهم ولم تترسّخ ديانتهم لحفظ الشريعة ونقلها إلى الغائبين وتوصيلها إلى جميع الخلائق، مع غياب العصمة لدى هؤلاء الناس، وافتقار معظمهم إلى العدالة، بل وإلى الإيمان نفسه؟!

وكيف يمكن أن يتحقّق ذلك الاهتمام الذي أولاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأمر الدين وتعليمه للشرائع والآداب في جميع تفاصيلها وكلياتها، حتّى أنّه تحمّل في سبيل ذلك كلّ ألوان الأذى والمِحن على نفسه الشريفة؟!
لقد عاش(صلى الله عليه وآله وسلم) في الدنيا دون أن ينعّم بشيءٍ من ملذّاتها رغم كمال ملكه وسؤدده، بل قضاها في كمال الزهد، ممّا يظهر بوضوح أنّ غرضه الوحيد كان نشر الدين المبين، ومع ذلك كيف يمكن تصوّر أن يترك هذه الأمّة الضالّة دون أن يكمّل هدايتها وإرشادها، ودون أن يبلغ أحكام الشريعة إلى جميع العباد، ودون أن يعين خليفة له يقوم بترويج الدين والحفاظ على الملّة؟! أيعقل أنْ يترك كلّ ذلك مهملًا ويرحل رحيلًا لا رجعة فيه؟!

والحال أنّ أي شخصٍ يمتلك أدنى درجةٍ من العقل إذا رأى علامات رحيله عن الدنيا، فإنّه لا يهمل الوصية بشأن أمور مَن يخلفه، ولا يتغافل عن تدبير الأمور الدنيوية الجزئية له، فكيف يمكن أن يُتصوّر ذلك ممّن هو أكمل الناس عقلًا، وأشدّهم حرصًا على أمّته؟! فكيف يمكن لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان أرحم بالأمّة من الوالدين، أن يترك أمرها مهملًا، دون وصيّةٍ أو تعيين خليفة؟! وكيف يتوافق ذلك مع قول الله تعالى: (اليوم أكملتُ لَكم دينَكم وأتممتُ عليكم نِعمتَي)[28]؟!
لا شكّ أنّ تعيين الخليفة والإمام له دورٌ جوهريٌ في إتمام الدين وإكمال النعمة، بل لا يمكن تحقّق ذلك بدونه، ومن هنا يتّضح أنّ هذا الأمر قد تحقّق بالفعل، وأنّ الله تعالى قد عيّن خليفة، وأخبر بذلك في هذه الآية الكريمة.
وعليه، فإنّ الإمام في مذهب الشيعة الإمامية يجب أنْ يكون أفضل الناس ومعصومًا، استنادًا إلى نفس الأدلّة التي تثبت ضرورة العصمة في النبوّة، كما يجب أنْ يكون من قريشٍ ومن بني هاشم، كما يظهر من الأخبار المتواترة.

واعلم أنّ الإمام يُعرف بإحدى الطرق الثلاثة:
الطريق الأوّل: أن يكون أفضل من جميع الأمّة: فإذا ادّعى شخصٌ الإمامة، وكان أفضل من جميع الأمّة أو مِن جميع الأشخاص الذين ادُّعيت الإمامة في شأنهم، فإنّه يجب أنْ يكون هو الإمام؛ لأنّ تقديم المفضول على الفاضل قبيحٌ عقلًا.
الطريق الثاني: إظهار المعجزة: إذا ادّعى شخصٌ الإمامة، وأظهر معجزةً تؤيّد دعواه، فإنّ ذلك يدلّ على صدقه تمامًا كما هو الحال في إثبات النبوّة.
الطريق الثالث: النصّ الصريح من الله أو الرسول: إذا ورد نصٌّ في القرآن أو حديث للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يدلّ بوضوح على إمامته ووجوب طاعته، فإنّ ذلك يكون حجّةً قاطعةً على إمامته.

المقصد الثاني: في تحديد الإمام الواجب الطاعة بعد خاتم النبيّين (صلى الله عليه وآله وسلم)
اعلم أنّ الأمّة انقسمت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى فرقتين:

الشيعة الإماميّة
ذهبوا إلى أنّ الخليفة الشرعي بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرةً هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، وبعده الإمام الحسن(عليه السلام) ثمّ الإمام الحسين(عليه السلام) ثمّ الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام) ثمّ ابنه الإمام محمد الباقر(عليه السلام) ثمّ ابنه الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) ثمّ ابنه الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام) ثمّ ابنه الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) ثمّ ابنه الإمام محمد بن علي التقي الجواد(عليه السلام) ثمّ ابنه الإمام علي بن محمد النقي الهادي(عليه السلام) ثمّ ابنه الإمام الحسن بن علي الزكي العسكري(عليه السلام) ثمّ ابنه الإمام الحجة بن الحسن القائم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وأمّا أهل السنّة
فقد قالوا: إنّ الإمام بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو أبو بكر بن أبي قحافة، ثمّ بعده عمر بن الخطّاب، ثمّ بعده عثمان بن عفّان، ثمّ بعده علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه).
وحيث إنّ هذه الرسالة مكتوبة خصّيصًا للعوام، فإنّني لا أتطرّق هنا إلى الأدلّة التي يمكن أن تُستنبط من القرآن والأحاديث إلّا بشكلٍ مختصرٍ جدًّا. والسبب في ذلك أنّ الأمر في النهاية يعتمد على قبول قول العالِم الذي ينقل ويُفسّر القرآن والحديث لهم، فيتحوّل الأمر كلّه إلى نوعٍ من التقليد.
ونريد أنْ نقول: إنّ على العوام جميعًا أنْ يجتهدوا في هذه المسائل (أصول الدين) ويصلوا إلى فهم الأدلّة بأنفسهم، على الرغم من أنّ التقليد للعالِم قد يكون نوعًا من الاجتهاد والاستدلال أيضًا.

وذلك لأنّ العامّي إذا عرف العالِم بالفضل والعلم والدين والورع والتقوى، وتيقَّن مِن حاله أنّه لا يكذّب، وأنّه يعدّ وضع الحديث وافتراء الكذب على الله تعالى ورسوله حرامًا، فقد يحصل له من كلام هذا العالم يقينٌ تامّ، بل أحيانًا يكون الاطمئنان الذي ينشأُ لدى العامّي من كلام ذلك العالم خصوصًا إذا كرّر عليه الأدلّة وشرح له وجوه دلالتها، أقوى من اليقين الذي يحصل لعلماء الشيعة أنفسهم من خلال الأدلّة.
على أي حال، سنذكر دليلًا إجماليًا يثبت حقّانية مذهب الشيعة وبطلان مذهب أهل السنّة، ثمّ نشرح ما يناسب من الشرح بعد ذلك بالتفصيل. الدليل الإجمالي هو أنّ وجود الإمام أمرٌ ضروريٌ، سواء كان ذلك وفقًا لمذهب أهل السنّة أو مذهب الشيعة، فإذا ثبت بطلان أحد هذين المذهبين، لزم أنْ يكون الآخر صحيحًا.

ونقول: إنّ إثبات دعوى الإمامة يجب أنْ يكون بأحد أمرين:
إخبار من الله ورسوله، أنْ يشهد النصّ الإلهي أو النبويّ على إمامته.
كون المدّعي للإمامة أفضل من جميع الناس، أو على الأقلّ أفضل ممّن يُعتبر أحدهم إمامًا في نظر الناس، أو ممّن يُدّعى في شأنهم الإمامة.
فإذا تحقّق أحد هذين الشرطين، ثبتت الإمامة شرعًا وعقلًا.

أهل السنّة يقولون: إنّ الإمامة تتحقّق من خلال البيعة، أي: إنّ الناس يجتمعون ويختارون شخصًا ليكون الإمام، وهذا العمل يُمكن أنْ يتمّ من خلال تجمّع عددٍ من الناس، كما حدث بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبينما كان علي بن أبي طالب(عليه السلام) مشغولًا بغسل وتكفين النبي’، في هذه الأثناء اجتمع بعض الصحابة في سقيفة بني ساعدة، واتّخذوا تدبيرًا يقتضي بأن تكون الخلافة لأبي بكر.
بعد أبي بكر، أوصى بانتقال الخلافة إلى عمر بن الخطّاب، ثمّ قام عمر بإنشاء مبدأ الشورى، حيث تمّ تحديد ستة أشخاص للتشاور بينهم لاختيار الخليفة المقبل، وتهدف هذه الشورى إلى أن يكون عثمان بن عفّان هو الخليفة، كما سيتمّ توضيحه لاحقًا، بهذه الطريقة تمّ تثبيت خلافة عثمان.
إذا قال أهل السنّة: إنّهم لا يقبلون ما أخبر به الله تعالى ورسوله، أو لا يعترفون بفضل ومعجزات علي بن أبي طالب(عليه السلام) مع أنّ ذلك مثل إنكار وضوح الشمس.
فإنّنا نقول لهم: أي دليلٍ عقليٍ أو نقليٍ يدلّ على أنّ اجتماع رأي مجموعة من الناس الذين ليسوا معصومين، ولا يعلمون بواطن الناس، ولا يعلمون بمصالح الناس، يمكن أنْ يثبت إمامة أيّ شخص، حتى لو كان ذلك شخصًا بلا مؤهّلات تليق بتلك المنزلة الرفيعة؟!
وهل يمكن أن يقال: إنّ بمجرد أنْ يُجمع رأي مجموعةٍ من غير المعصومين، يجب على الجميع اتّباعه، حتّى لو كان هذا الشخص مثل معاوية أو يزيد؟!
فإنّ معاوية لعدائه لأهل البيت(عليهم السلام) ومواقفه العدائية تجاه علي بن أبي طالب(عليه السلام) أمر بسبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) على المنابر لسنوات، وكان من وراء ذلك العديد من الفتن والفساد، حيث حارب الإمام علي(عليه السلام) وقتل المسلمين.

أمّا يزيد، فقد كان مسؤولًا عن قتل الحسين بن علي (عليه السلام)، وكلّ ما له من عيوبٍ أخلاقيةٍ وسلوكيةٍ، بما في ذلك شرب الخمر وارتكاب الفواحش. وكان يعتقد أنّ مَن يعارض سلطته يجب أن يُقتل، حتى لو كان المعارض شخصًا كعلي بن أبي طالب(عليه السلام).
وهكذا استمرّ هذا الموقف في الخلافة الإسلامية، حيث ثبتت الإمامة لشخصيات مشكوك في أخلاقها وفسقها، مثل معظم خلفاء بني أميّة وبني العبّاس الذين كانوا معروفين بفسقهم الظاهري وكفرهم الباطني.
وهل يمكن للعقل أنْ يجيز أن تصبح النواميس الإلهية، والأسرار الربّانية، والحقائق القرآنية التي كان بيانها من اختصاص محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب(صلى الله عليه وآله وسلم)في يدٍ حافظها ومؤسّسها أشخاص مثل معاوية ويزيد وأمثالهما؟! وأولئك الذين لبسوا هذا الثوب في البداية عندما تولّوا هذا الأمر كانت آثار النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) لا تزال موجودةً، ولم يكن بعدُ قد استقرّ لباس الخلافة المغصوبة الجبرية بشكل كامل؛ لذلك اضطرّوا تحت ستار الزهد والنفاق والطاعة والعبادة إلى الترويج للدنيا.
ولكن بمجرد أنْ أصبحت هذه الطريقة مستمرّةً، ومع كون معظم الناس تابعين للدنيا ومنقادين لأيّ شخصٍ يفتح لهم أبوابها، سعوا إلى ترسيخ هذا الأساس الباطل، حتّى أنّ عثمان تجاوز الحدود وفتح أبواب التعلّق بالدنيا أكثر للناس، وهكذا تدريجيًا أصبح أولئك الذين ادّعوا الخلافة جهارًا نهارًا لا يتحرّجون من الفسوق والظلم والاعتداء، وكانوا يرضون بقتل الأئمّة الطاهرين(عليهم السلام) بل إنّ بعضهم أظهر العداوة لسيدة النساء$ واستخفّ بالقرآن المجيد. وحتّى يومنا هذا يستند نظام ملكهم إلى الإجماع والبيعة، وكلّ من تمّ تنصيبه ملكًا تُعتبر طاعته واجبةً.
وما شواهد تفضح حقيقة أنّ أمرًا عظيمًا الذي يلي مرتبة النبوّة، إذا وُكّل إلى الناس لِيُقيموه، ينتهي به الحال إلى هذا المستوى من الفساد والانحراف، وكلّ ذلك يُشبه ما يقولونه في جواز أنْ يكون إمام الجماعة فاسقًا أو فاجرًا، ويُجيزون الصلاة خلف أي بارٍّ أو فاجر.
فإن قال أهل السنّة: إنّ لدينا دليلًا على أنّ البيعة أمرٌ حسنٌ، وأنّه يمكن تثبيت الأمور باجتماع رأي الناس؛ لأنّ الإجماع حجّةٌ، والمقصود بالإجماع هو أن يجتمع علماء أمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) على أمرٍ، فإذا اجتمعوا فهو حقٌّ وصواب.
نقول لهم: ما الدليل على حجّية الإجماع؟ خصوصًا أنّ علماء السنّة أنفسهم قد اختلفوا اختلافًا عظيمًا في كتبهم الأصولية حول ما إذا كان الإجماع حجّة أم لا، بل أكثر من ذلك، هل تحقّق شيءٌ كهذا في الواقع أصلًا أم لا؟! وأولئك الذين قالوا بثبوت تحقّق الإجماع وحجّيته قد اختلفوا في سبب كونه حجّة، وما هو الدليل على حجّيته؟! فبعضهم يقول: العقل يدلّ على حجّيته؛ لأنّه لا يمكن أنْ يجتمع الناس جميعًا على الباطل. وبعضهم يقول: إنّ الآية القرآنية تدلّ على ذلك. وآخرون يقولون: إنّ الآية لا تدلّ، بل هناك حديثٌ عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم):« لا تجتمع أمّتي على خطأ» [29].

لكنّهم يستمرّون في الجدال والخصام حول هذه المسألة، ومن ينظر بعين الإنصاف في كتبهم يدرك أنّ أيًّا من هذه الأدلّة لا يثبت ما يدّعونه.
وبعد التسليم بكلّ هذه المقدمات، نقول: أين تحقّق اجتماع جميع علماء الأمة؟! ألم يكن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) من علماء الأمّة؟! ألم يكن الحسن والحسين (عليه السلام) وسلمان وأبو ذر والمقداد وغيرهم، مثل سعد بن عبادة وكبار الأوس والخزرج، من علماء الأمّة؟! كيف أصبح علماء الأمّة في ذلك الوقت محصورين في قلّةٍ معدودةٍ مِن أصحاب الأهواء، وبذلك ثبت هذا الهدف العالي؟!
وكلّ من يدّعي أنّ هؤلاء كانوا حاضرين، فإنّه ينكر أمرًا بديهيًّا وبمجرد الادّعاء لا يثبت ما يقوله.
خلاصة القول هي أنّ معرفة أمور الدين بكلّ ما فيها من كثرةٍ، وتعقيدٍ، وغموضٍ، وارتباطها بمصالح عامّة المسلمين في السياسة والإدارة في جميع الأوقات، ونشر شؤون الدين والدنيا بين أهل العلم، يجب أنْ تُوكل إلى شخصٍ يكون أمينًا، ومعصومًا من الخطأ، وغير جاهلٍ أو غافلٍ عن أي حكمٍ مِن الأحكام، ولا يمكن معرفة مثل هذا الشخص أو تعيينه إلّا من قِبَل الله سبحانه وتعالى ورسوله.
فإذا قال أهل السنّة: نحن لا نقبل بأنّ الله تعالى ورسوله قد عيّنا الشخص الذي تزعمونه، وعليكم إثبات ذلك.

نقول لهم:
أوّلًا: إنّ أهل السنّة يعترفون إجمالًا بصلاحية وإمامة إمامنا، ونحن وأنتم متّفقون على حقيقة إمامته، أمّا أنتم فتدّعون مزيدًا من الأحكام والإضافات، وعليكم إثبات هذه الادعاءات، وليس علينا، وبما أنّنا نقول: إنّ وجود الإمام ضرورة حتميّة، فإنْ ثبت أنّ مذهبكم بلا أساس أو باطل وبلا دليل، فإنّ مذهبنا بالضرورة يبقى صحيحًا وثابتًا.

وإذا قال أهل السنّة بناءً على الاستبعاد: كيف يمكن لمذهبكم الذي يستند إلى إخبار من الله تعالى ورسوله، أنْ يكون صحيحًا مع أنّ الله تعالى ورسوله قد أخبرا أنّ الخليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو علي بن أبي طالب(عليه السلام) ومع وجود هذا العدد الكبير من الصحابة الكبار، المرموقين، الذين بذلوا أرواحهم وأموالهم وأولادهم في سبيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكانوا يفنون أعمارهم في طاعة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومع سماعهم من النبيّ أنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) هو الخليفة بلا فاصل، كيف يمكن أنْ ينقلبوا جميعًا عن الدين بمجرد وفاة النّبي، ويخالفوه علنًا، ويختاروا غيره لهذا الأمر؟! أي عقلٍ يقبل ذلك؟!
نقول لهم في الرد: لا تستبعد هذا الأمر في زمنٍ كانت فيه قوّة وشوكة الإسلام أعظم مما كانت عليه في ذلك الوقت، وقد غلب الإسلام العالم، جرّب وانظر، إذا ظهر عالم فاضل زاهد تقيّ يدعو الناس إلى الدين والهداية والإرشاد، فهل يجتمع الناس حوله ويكون أتباعه أكثر، أم أنّ شخصًا مخادعًا لا دين له، يبيح لنفسه المذاهب الباطلة، يثور على الناس، ويبيح أموالهم لجنده وأتباعه، ويمنحهم الإذن في القتل والنهب، ويفتح لهم أبواب المنافع الدنيوية؟!

كن على يقينٍ أنّ أتباع ذلك المخادع سيكونون أغلبية الناس، وأتباع ذلك العالم قليلون، وحتى هؤلاء القليلون غالبًا ما يدورون حول ذلك العالم لأسبابٍ دنيويةٍ طمعًا في أنْ يكون وسيطًا لهم لأخذ الخُمس والزكاة، أو ليحلّ لهم نزاعاتهم المالية والقضايا الدنيوية، أو ليشفع لهم عند الأمراء والسلاطين لقضاء حاجاتهم، أو لطلب الاستخارة لأمور دنياهم، أو ليأخذوا منه العلم كي يصبحوا قادةً ومقتدين يُلجأ إليهم في الرئاسة.
أمّا من يتّبع ذلك العالم خالصًا لله ومن أجل الطاعة في الدين، فهو نادرٌ ووجوده كالكبريت الأحمر، فما عسى أنْ يفعل الناس الذين همّهم الدنيا مع علي بن أبي طالب(عليه السلام) الذي لم يعطِ أخاه عقيلًا من بيت المال ما يكفيه ليشبع بطنه، بينما كان أطفاله يعانون من الجوع والوهن؟!
ومع ذلك حاول عقيل أنْ يستميل قلب الإمام بأنْ يُكرمه بضيافةٍ عسى أنْ يحصل منه على شيءٍ، فأخذ عقيل قليلًا من قوت نفسه وأهله، وأعدّ به ضيافة ليوم واحد للإمام، فسأله الإمام: يا عقيل، من أين لك هذا؟ قال: إنّني حرمت نفسي وأهلي من احتياجاتنا لأتمكّن من إكرامك. فقال(عليه السلام): من الواضح أنّك تستطيع أنْ تعيش بما هو أقلّ مما أعطيك؛ لذا يجب إعطاء هذا الفائض لكثير من المسلمين.
لماذا لا يتّبعون مثال عثمان الذي أعطى أربعةً من أصهاره أربعمائة ألف دينار؟ وأيضًا، لماذا يستغربون هذا الأمر في حين أنّ أمورًا أعظم من ذلك حدثت في بني إسرائيل وهم يقبلونها، كقصّة موسى وهارون والسامري وعبادة العجل.
وكما أنّ نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) تحمّل المشاق في سبيل أمّته وهدايتهم إلى الطريق الصحيح، كذلك موسى(عليه السلام) تحمّل تلك المشاق لإنقاذ بني إسرائيل من قوم فرعون، وبعد أنْ أنقذهم ذهب إلى جبل الطور ليأتي بالتوراة، وترك أخاه هارون خليفةً له واعدًا بالعودة بعد أربعين يومًا.

عندما ذهب موسى صنع السامري من الذهب والفضة عجلًا وألقى في فمه حفنةً من التراب التي أخذها من أثر قدم جبرائيل(عليه السلام) فصدر صوت من العجل، ثمّ قال السامري لبني إسرائيل: هذا هو إلهكم وإله موسى. فعبد القوم العجل على الرغم من جهود هارون في منعهم إلّا أنّه لم ينجح، وعندما عاد موسى بعد أربعين يومًا، وجد قومه يعبدون العجل.

يا أهل العبرة والإنصاف، قولوا: أيّهما أعجب وأبعد احتمالًا، هذه القصّة أم قصّتنا؟!
موسى ذهب وعاد بعد أربعين يومًا، أما نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد انتقل إلى الرفيق الأعلى ولم يبقَ إلّا وعد يوم القيامة، السامري صنع العجل وبمجرد أنْ أصدر العجل صوتًا، قال: هذا هو الإله، فأطاعه الناس، وهنا أيضًا عُمَر أقام أبا بكر على المنبر وقال: هذا خليفة رسول الله.
القول بإمامة أبي بكر من قِبل أمّة النّبي، هل هو أبعد احتمالًا من قول بني إسرائيل بأنّ العجل إلههم وإله موسى؟!
ومثل هذا الاستغراب هو شُبهتهم الأخرى، حيث يقولون: إذا كان الحقّ منذ البداية مع علي بن أبي طالب(عليه السلام) وكان هو الخليفة الشرعي، فلماذا لم يطالب بحقه منذ البداية؟! ولماذا لم يقل شيئًا أو يتحرّك للدفاع عن حقّه رغم شجاعته وقربه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! ولماذا تقاعس في البداية، بينما عندما حان دوره للإمامة قام بالقتال الشديد واستعاد حقّه؟! فهذا يدلّ حسب قولهم، أنّه لم يكن له حقٌّ في البداية.
والرد على هذه الشبهة أوضح من الشمس، فقد أثار أهل الكوفة نفس هذه الشبهة في زمن أمير المؤمنين(عليه السلام) وقد قدّم الإمام(عليه السلام) لهم جوابًا شافيًا، ولكن تفصيل هذا الجواب يطول في هذا المقام.

نقول بالاختصار: إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قد ناقش واحتجّ، ولكن لم يصل إلى نتيجةٍ بسبب خوفه من أنْ يؤدي قلّة الأنصار وقلّة عدد المسلمين وكثرة المنافقين إلى أنْ يُمحى اسم الإسلام تمامًا، فإذا كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع تسلّطه ومكانته العظيمة، قد تعامل بالمداراة مع المنافقين من أجل تقوية الإسلام بالتدبير، فإنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان أولى أنْ يفعل ذلك وهو بمفرده.
ولا شكّ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أفضل من أمير المؤمنين(عليه السلام) ومع ذلك قضى بداية أمره في الذلّة حتى إنّهم خطّطوا لقتله، فاضطرّ إلى الهروب والاختباء في الغار، وتحمّل أنواع الأذى والإهانة، ولكن مع مرور الوقت بدأ المسلمون في الازدياد، رغم أنّ أغلبهم كانوا منافقين، وكان دائمًا يعاني منهم، ومع ذلك كان قريبًا من الله (عزّ وجلّ)، ومستجاب الدعاء، وكان معه أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومع ذلك تعامل بتلك الطريقة.
وإذا كان أمر الله (عزّ وجلّ) أنْ يكون السلوك في بداية الأمر بالمداراة والرفق حتّى تكتسب الدعوة قوةً ظاهرية، فلا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يستطيع أنْ يخالف أمر الله، ولا وصيّه يستطيع ذلك، فقد جرت الحكمة الإلهية بأنْ يكون الدين قائمًا على الحجّة والبرهان والهداية، وليس على قوّة السيف.
نعم، عندما بلغت الدعوة الإسلامية قوّةً إلى حدٍّ ما، لم يكن هناك مانعٌ بأمر الله من وضع السيف على المخالفين والمعاندين، ثمّ إنّ هذا النهج ليس خاصًّا بأمير المؤمنين(عليه السلام)، بل إنّ أنبياء أولي العزم كانوا دائمًا خائفين ومترقّبين، كما هو واضحٌ من حال نوح وإبراهيم وموسى وعيسى(عليهم السلام) والآيات القرآنية في ذلك صريحةٌ.

فليس عجيبًا أنْ يخاف أوصياء الأنبياء، بل العبرة تكمن في أنّ فرعون ونمرود ادّعيا الألوهية، ومع ذلك فإنّ الله (عزّ وجلّ) أمهلهما لفترات طويلة، وإذا اقتضت الحكمة الإلهية التعامل بالمداراة، فلا يمكن لأحد أنْ يجادل في أمر الله تعالى.
وهناك شواهد كثيرة على بطلان طريقتهم، والمقام ليس مناسبًا لذكرها جميعًا، منها مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) الذي هو الإمام الرابع عندهم، فإذا حارب معاوية وعائشة وطلحة والزبير ضدّه وقاتلوه، ومعاوية أمر بلعنه وسبّه على المنابر لفترة طويلة، فإنّهم بمجرد أنْ يقولوا: معاوية قد اجتهد وأخطأ ولكنّه معذور، وعائشة قد تابت، يرضون بذلك ويدفنون هذه القبائح. فلماذا إذا اجتهد أعاظم علماء الإمامية وقالوا: إنّ سبّ الشيخين جائزٌ، لا يُعذرون في خطئهم ويعتبرون واجبي القتل؟! هل علي بن أبي طالب(عليه السلام) أقلّ مكانةً من أبي بكر وعمر؟! أو أنّ معاوية أعظم من جميع علماء الإمامية؟!

إذا ادّعوا أنّ معاوية كان رجلًا صالحًا ولم يقصّر في اجتهاده، وأنّ ذلك لم يكن بسبب العصبيّة أو العداوة أو الحميّة، فنحن نقول الشيء نفسه عن علمائنا، فإذا لم تقبلوا حجّتنا، فنحن أيضًا لا نقبل حجّتكم.
وشاهد آخر: محمّد بن أبي بكر، على الرغم من أنّه أخو عائشة التي تعتبر في مذهبهم أفضل نساء النبي، لا يُلّقب بـ(خال المؤمنين)، بينما معاوية الذي هو أخو أم حبيبة، يُلقّب بـ(خال المؤمنين)، والسبب الوحيد لذلك هو أنّ محمّد بن أبي بكر كان من محبّي علي بن أبي طالب(عليه السلام) بينما كان معاوية من أعدائه، ولا يوجد تفسير آخر لهذا التمييز.

أمّا تفصيل بعض ما يقرب من فهم العوام في إثبات إمامة أئمّة الهدى(عليهم السلام) وإبطال إمامة خلفاء الجور، فإنّه يتضمّن عدّة مطالب:
المطلب الأوّل: في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه(عليه السلام)
وتُثبت إمامته بأنّه كان أفضل من أولئك الثلاثة ومن جميع أمّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أي: إنّه كان متفوّقًا في جميع الكمالات؛4\ ولذلك كانت مرتبته في القرب من الله تعالى أعلى، فمن ثمّ هو الأَولى بالتقديم؛ لأنّ العقل يحكم بوضوح بأنّ تقديم المفضول على الفاضل قبيح، ولا يمكن لأي عاقلٍ أن يقبل أن يتّبع الأعلم الذي يعمل بعلمه أكثر من غيره شخصًا أقلّ منه علمًا ولا يعمل بعلمه، كما أنّ صريح الآية القرآنية يدلّ على ذلك.
أمّا بيان أفضلية أمير المؤمنين(عليه السلام)، فهو أنّ جميع علماء الإسلام من علماء الفقه والحديث والتفسير والكلام والعربية وغيرهم، يُرجعون سلسلة علومهم في الاستفادة إليه، وكلّ مَن تأمّل في خُطبه وأدعيته المنقولة عنه يدرك مرتبة علمه، حتّى إنّ الفصحاء والبلغاء قالوا: إنّ كلامه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق.

ومن حيث البلاغة والفصاحة، ومن حيث اشتماله على علوم اللغة العربية والحِكم الدقيقة، ومن وفرة علمه ومزاياه الأخرى، أدّى ذلك إلى أنّ بعض الناس غلوا فيه واعتقدوا بألوهيّته، وما زال في العالم اليوم أناسٌ من هذه الفئة كثيرون.
وأفضلية أمير المؤمنين(عليه السلام) من جوانب أخرى واضحةٌ كالشمس، فقد كان أكثر الناس جهادًا في سبيل الله تعالى، وقوّة دين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما تحقّقت بسيفه، وما صدر عنه في معارك بدر وأُحد وخيبر وحنين والخندق، وقتله عمرو بن عبد ود أمرٌ معروفٌ لدى جميع المسلمين والكافرين؛ إذ لم يجرؤ أحد من المسلمين على مواجهته سوى علي بن أبي طالب(عليه السلام) ولو لم يذهب هو، لكان ذلك سببًا في زوال الدين، ومن هنا قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«ضربة علَيٍّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين الجنّ والإنس» [30].

ولا شكّ أنّ المجاهد في سبيل الله أفضل من غير المجاهد، وأفضل من الذي يقلّ جهاده، كما أشار الله تعالى في القرآن الكريم مرارًا [31]، ولا شكّ أيضًا أنّ الشجاعة والنبل شرط أساسي في مقام الإمامة؛ إذ ينبغي أن يكون الإمام والخليفة ذا قلب شجاع.
جرّب واُنظر: إذا كان قائد الجيش جبانًا، حتى لو كان في الجيش مئة ألف مقاتلٍ مثل رستم الأسطوري، فإنّه بمجرّد أنْ يخاف القائد أو يتراجع قليلًا، سيتفرّق الجيش، وعلى العكس إذا كان القائد شجاعًا ومقدامًا، فإنّ الشجاعة تنتقل إلى جيشه، ولا شكّ أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان أشجع من جميع الأمّة، ومن الخلفاء الثلاثة.

فإذا كان مع كونه أشجع من الجميع قد قام بكلّ تلك الأعمال الجهادية والمعارك العظيمة، فهو أحقٌّ بهذا المقام، وكذلك كان في مرتبة الزهد والاعتماد على الله تعالى بحيث لا يوجد أحدٌ في مرتبة زهده مثله، لم يكن يأكل في الدنيا طعامًا يشبع، بل كان طعامه الخبز الجاف من دقيق الشعير غير المخبوز، وكان لباسه دائمًا مرقعًا، أحيانًا كان يصلح ثوبه بليف النخيل وأحيانًا بجِلد.
ولا شكّ أنّ المؤمن والمسلم لا يقتل قلبه شيء أكثر من لذائذ الدنيا الزائلة، وكلّ مَن يدخل جهنّم إنّما يدخل بسبب انغماسه فيها، والإمام والخليفة يجب أنْ يمنع الناس من هذه اللذائذ الدنيوية، ولا يمكن لشخصٍ أنْ يمنع غيره إلّا إذا كان هو نفسه قد نأى عن تلك اللذائذ، فإذا كان الإمام يجب أنْ يدفع الناس إلى كلّ مرتبةٍ من مراتب الكمال، ويمنعهم من الدنيا، فيجب عليه أنْ يكون هو نفسه في هذه المراتب كاملًا، وكلّما كان زهده أكثر، كانت استحقاقاته في الأمر والنهي أكبر.
وكان عمله وعبادته أعظم من كلّ أحدٍ، فإنّ كثرة عبادته ووفرة تضرّعه وبكائه ومناجاته وحضوره الكامل في مجال قرب الله تعالى أظهر من أنْ يُعبر عنه بالكلمات، كان جبينه المبارك كركبة الجمل بسبب كثرة السجود، وكان في كثير من الأحيان يغشى عليه من كثرة المناجاة والدموع، وفي أثناء صلاته كان متوجّهًا إلى الله تعالى بشكل كامل لدرجة أنّه لم يشعر بإزالة السهم من قدمه.

وكذلك سخاؤه ووجوده الحليم والصبر وسموّ كمالاته البدنية والروحية وقربه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ونسبه العظيم وخصوصيته التي كانت له مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كلّ ذلك غنيٌّ عن البيان. هذه المراتب لم تكن موجودةً لدى أي من الخلفاء أو غيرهم من الأمّة، ومع تكامل هذه الكمالات فهو أرقى من جميع الخلق وأقرب إلى عرش الخالق.
إذن فهو أفضل من غيره من جميع الوجوه، ومع وجود كلّ هذه الفضائل، كيف يمكن أن يكون من المناسب أن يجعل الله شخصًا في إمامة مَن هو حائرٌ ومتحيّرٌ في أغلب مسائل الدين، وفي كلّ جهاد يكون فيه خائفًا وجبانًا، وليس لديه شيء من هذه الفضائل والمزايا؟!

كيف يمكن أنْ يكون هذا الشخص إمامًا؟!
هذا لا يمكن إلّا أنْ يكون ظلمًا وقبحًا، ولا يجوز هذا على الله سبحانه وتعالى. إضافةً على ذلك، عندما يكون الشخص صاحب فسقٍ وأفعالٍ قبيحةٍ واضحة، كيف سيكون حاله؟!
كما هو معروفٌ ومشهورٌ عن حال أبي بكر، فقد اغتصب فدك من فاطمة الزهراء$ مع أنّه كان في يدها وفي تصرّفها، ثمّ طلب شهادة منها، وعندما جاء علي بن أبي طالب(عليه السلام) شاهدًا، وكذلك أمّ أيمن، ومطالبة فاطمة الزهراء$ بشهادتها، رفض ذلك، وقال: إنّه يحتاج إلى شاهدٍ من الرجال، وأيضًا وضع حديثًا يزعم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» [32].
وهذا الحديث لا أصل له وهو كذبٌ ينافي آيات القرآن الكريم، ومع ذلك فإنّ علماءهم يتمسّكون به لتبرير دفن عمر وأبي بكر في حجرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بحجّة أنّه وصل إلى عائشة عن طريق الإرث، وأنّ دفنهما تمّ بإذنها وحفصة.

وبعضهم يقول: إنّ الحجرة كانت جزءًا من مهر عائشة، ومع ذلك لم يطلب أحد منهم شاهدًا أو بيّنة في هذا الباب.
وفي المقابل، عندما أثبتت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهما) حقّهما بحججٍ وافرة، وكتب أبو بكر ورقة يعيد فيها فدك إلى فاطمة÷، جاء عمر واطّلع على الأمر، فأخذ الورقة من يدها ومزّقها وأساء إليها، وهذا بالرغم من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »من أذى فاطمة فقد أذاني، ومن أذاني فقد أذى الله« [33].

أمّا البُدع التي أدخلوها في الدين والظلم الذي وقع على ذرّية سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم) فهي أكثر من أن تُحصى في الكُتب، ومن أقبح مظاهر الظلم وأوّل السيوف التي سُلّت على الدين القويم كانت حادثةً منع عمر إحضار الدواة والكتف عندما اشتدّ وجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) واقترب من الرحيل.
وقد نقل علماء أهل السنّة الموثوقون عندهم كالبخاري ومسلم هذه الحادثة، وهؤلاء العلماء يعتبر أهل السنّة كلامهم في صحّة الأحاديث مثل القرآن، ففي وقت اشتداد وجع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ائتوني بكتف شاة أكتب لكم كتابًا لن تضلّوا بعده. فقال عمر: إنّ الرجل ليهجر، حسبنا كتاب الله[34].
ومن الواضح أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الوقت الضيق لم يكن يريد أن يكتب كلّ مسائل الدين ووصاياه المفصّلة، بل كان يريد أنْ يكتب أمرًا مجملًا يتضمّن كلّ ما تحتاجه الأمّة، وهذا لم يكن سوى وصيّة الخلافة؛ لأنّه مع علمه بالنصوص والأخبار التي أعلنها خلال حياته عن خلافة أمير المؤمنينA يعلم أنّ البعض سيتجاهلونها أو ينكرونها بلسانهم، فأراد أنْ يترك وصيّةً مكتوبةً لا يمكن إنكارها.

لكن هذا الرجل المتعجرف منع ذلك، ونسب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الهذيان، ووصفه بعبارة غير لائقة قائلًا: إنّ هذا الرجل ليهجر. وبهذا الكلام نسب إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) الخطأ وقال: حسبنا كتاب الله. النّبي الذي بشهادة القرآن بعبارة صريحة: Pلا يَنطقُ عَن الهَوى إنْ هُو إلّا وَحيٌ يُوحىO[35]، وبذلك جعل نفسه أعلم من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
ومع كلّ هذا، لا أفهم لماذا بذلوا كلّ هذا الجهد لتعيينه خليفةً بعد ذلك؟! ولماذا أوصى أبو بكر بأنْ يكون عمر خليفة؟! ولماذا أمر عمر بالشورى؟! أليس كتاب الله كافيًا؟!
ومع كلّ هذا، لا ندري كيف يمكن لشخص لا يفقه شيئًا أنْ يفهم من كتاب الله شيئًا، فالذين بذلوا جهودًا عظيمةً في التعامل مع كتاب الله لم يتمكّنوا من استنباط ألف حكمٍ منه بينما مسائل الدين أكثر من مائة ألف مسألة، وتزداد يومًا بعد يوم، ومع ذلك قام هذا الرجل بتغيير صريح حكم الله ورسوله، فحرّم زواج المتعة ومتعة الحجّ، وأسقط عبارة (حيّ على خير العمل) من الأذان.
ومن أفعاله أيضًا أنّه عند وفاته أمر بالشورى، وخلاصة ما حدث أنّه عند موته ألقى أمر الخلافة للتشاور بين ستة أشخاص: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وقال: إذا اتّفق الجميع على شخصٍ واحدٍ، فهو الخليفة، وإذا اختلفوا، فإنْ كان طرف أكثر عددًا، يُقتل الطرف الأقلّ، وإذا كانوا متساوين، وكان اثنان يختاران شخصًا، واثنان آخران يختاران آخر، فالطرف الذي فيه عبد الرحمن هو الذي يُعتبر، ومن لم يوافق يُقتل.

وبعد أنْ وضع هذا النظام خرجوا من البيت، فقال أمير المؤمنين علي(عليه السلام): أكمل تدبيره لحرماني من الخلافة؛ لأنّه يعلم أنّ عبد الرحمن ابن عم سعد، وعثمان صهر عبد الرحمن، وكان يعلم أنّ هؤلاء الثلاثة لن ينفصلوا عن بعضهم، وفي النهاية سيبقى طلحه والزبير معي وبما أنّ عبد الرحمن في الطرف الآخر، فإمّا أن أُقتل أو أبايع أحدهم.
وأمّا ما كتبه العلماء في مطاعن أبي بكر وعمر، وما نقلوه من كتب أهل السنّة الذين يعترفون بهذه الأمور، فهو أكثر من أنْ يُحصى في هذه الأوراق، ولكن نكتفي بهذا المقدار.
أمّا عثمان، فإنّه تجاوز حدود الخلافة الظاهرية، وأظهر أعلى درجات حبّ الدنيا، وأساء إلى جماعة من الصحابة العظام كأبي ذر الذي عدّه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل بيته، وقال عنه: «ما أظلّت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر» [36].

ومع ذلك، قام بإهانته وإيذائه بشتّى الطرق، وأخرجه من المدينة، وكما ضرب عبد الله بن مسعود ضربًا شديدًا أدّى إلى وفاته بسبب رفضه أن يُسلّم مصحفه ليغيّره عثمان، وأخيرًا أخذ مصحفه وأحرقه أو غلاه في الماء.

وأمّا عمار بن ياسر الذي كان من عظماء الصحابة وفي مرتبة سلمان وأبي ذر، وله أحاديث كثيرة في مدحه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد ضربه عثمان حتى تسبّب له بأذى جسيم، بالإضافة إلى ذلك، عيّن عثمان مجموعةً من الفسّاق وشاربي الخمر كولاة وأرسلهم إلى المناطق المختلفة، وبسبب كثرة فساده وظلمه، ثار الناس عليه حتّى انتهى الأمر بقتله في مذلّةٍ وخزيٍ.
وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) راضيًا بقتله، ولم يُدفن عثمان إلّا بعد ثلاثة أيّام، وهذا التأخير في تجهيز جنازته لم يكن إلّا لعدم استحقاقه للتكفين والدفن. ومِن ثَمّ بايع المسلمون علي بن أبي طالب(عليه السلام) بعد مقتل عثمان، وأصبح خليفةً ظاهرًا كما كان في الباطن، وأمّا تسامحه مع عثمان في حياته، فلا يمكن تفسيره إلّا بأنّه كان مستحقًّا لذلك المصير.
ومن الغريب أنّ أهل السنّة يستبعدون فكرة أنّ الصحابة الكبار ارتدّوا عن الحقّ بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع علمهم بإمامة علي(عليه السلام) فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تفسير ما حدث مع عثمان؟!
كيف يُقال: إنّ عثمان كان إمام زمانه وأنّ الصحابة كانوا مطيعين له، ومع ذلك لم يتولَّ أحدٌ منهم تجهيز جنازته أو دفنه حتى حمله بعض محبّيه ودفنوه في مقبرة اليهود؟!
ومن جملة الأحاديث التي تدلّ على إمامة علي بن أبي طالب(عليه السلام) نكتفي بذكر حديثٍ واحدٍ لكي لا تخلو هذه الرسالة عن الحديث، وهذا الحديث قد نقله أهل السنّة بتواتر، حتّى صار معلومًا كوجود مكّة والمدينة، ولا ينكره إلّا المعاند.
وقد نقل بعض علماء أهل السنّة هذا الحديث عن 120 صحابيًا، وقد رواه بعضهم بمئة وخمس طُرق، وآخرون بخمس وسبعين طريقًا، وبعضهم نقل أكثر من ذلك، ومَن أنكر أصل الحديث بينهم نادر جدًّا، وإنْ كان البعض قد أشكل على دلالته.
وخلاصة الواقعة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد عودته من حجّة الوداع وصل إلى غدير خم في وقت الظهيرة، في حرٍّ شديدٍ، وأمر الناس أنْ ينزلوا، فأُقيم له منبرٌ، فصعد عليه وألقى خطبةً بعد الحمد والثناء، وقال: «أيّها الناس ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟». فقالوا: بلى. فقال:«فمن كنتُ مولاهُ، فعلِيٌّ مولاهُ، اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه» [37].

كلمة (مولى) في اللغة العربية له معانٍ كثيرة، ولكن لا يناسب هذا السياق المذكور إلّا معنى الأولوية في التصرّف وحقّ الولاية والاختيار. وقد حاول بعض علماء أهل السنّة بدافع الضرورة، تفسير كلمة (مولى) بأنّها تعني الناصر أو المحبّ، حيث الناصر بمعنى المُعين، والمحبّ بمعنى الصديق، ولكن من يمتلك عينًا بصيرةً وقلبًا منصفًا يدرك أنّ في مثل هذا الوقت والموقف، لا يمكن أنْ ينزل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع هذا الجمع العظيم من الناس فقط ليقول: «من كنتُ ناصرهُ فعلِيٌّ ناصرهُ»، أو:«من كنتُ محبّه فعلي محبّه»، فهذا أمرٌ جزئيٌ لا يستحقّ هذا الموقف العظيم.
ولو كان المراد هو توصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام) بأنْ يكون نصيرًا أو محبًّا للناس، لكان يكفي أنْ يوصّيه وحده دون الحاجة لإعلان ذلك أمام الجميع، وإنْ كان القصد هو كسب قلوب الناس تجاه علي(عليه السلام) فإنّ هذا يدلّ أيضًا على أنّ المطلوب هو اتّباع الناس له، وهو ما يشير إلى معنى الولاية والخلافة.
أمّا القول بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد فقط أنْ يبين أنّ عليًا صديقٌ للناس أو حبيبهم، فهذا تفسير ضعيف ولا يتناسب مع الموقف والجهد المبذول في إيقاف هذا الجمع في وقت الظهيرة والحرّ الشديد، ثمّ إنّ هذا المعنى يُستفاد من آياتٍ أخرى في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: (المؤمنون بعضُهم أولياء بعض)[38]، فلماذا كلّ هذا التجمّع والبيان لهذا الغرض؟

وإذا كان الغرض من الإعلان هو كسب القلوب ودعوة الناس إلى الالتفاف حول علي(عليه السلام)، فهذا لن يكون إلّا لأجل اتّباعه في أوامره ونواهيه، وهو معنى الولاية والخلافة.
وممّا يؤكّد هذا المعنى أنّ أوّل الحديث يشير بوضوح إلى أنّ المقصود هو الأولويّة والاختيار المطلق لعلِيّ(عليه السلام) كما كانت لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس غير ذلك.

المطلب الثاني: في حقيقة إمامة باقي الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)
أوّلًا: قد أوضحنا بطلان مذهب أهل السنّة الذي هو أكبر فرق الإسلام، ولكن هذا لا يعني إثبات صحّة باقي الأديان والمذاهب، إنّ مذهب الفرقة الإمامية هو الإيمان بإمامة هؤلاء الاثني عشر إمامًا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنّ وجود الدين أمرٌ ضروريٌ، فإنّ هذا الحصر في مذهب الإمامية يثبت كونه الحقّ.
ثانيًا: كما ذكرنا، يجب أنْ يكون هناك إمامٌ في كلّ عصرٍ، ويشترط في الإمام أنْ يكون معصومًا، وباتّفاق الجميع لم يكن هناك في أي عصرٍ مِن عصور الأئمّة الاثني عشر شخص آخر معصوم، وبالتالي فإنّهم وحدهم الأحقّ بالإمامة؛ لأنّ العصمة شرطٌ أساسيٌ للإمام.
ثالثًا: أورد أهل السنّة في كتبهم المعتبرة أحاديث كثيرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تنصّ على أنّ الأئمّة بعده اثنا عشر وكلّهم من قريش، وفي بعض رواياتهم ورد أنّ خلافة قريش باقيةٌ إلى يوم القيامة، وبما أنّ هذا العدد والشروط والترتيب لم يقل به أحد غير الإمامية، فإنّ هذه الأحاديث تكون دليلًا على صحّة مذهبهم.
رابعًا: نقل أهل السنّة في روايات كثيرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:«إنّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي» [39]. وفي بعضها: «إنّي تاركٌ فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا أبدًا كتاب الله وعترتي» [40].

وهذان الحديثان يقبلهما أهل السنّة، وعلى فرض قبولهم به وتسليمهم بأنّه من كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه يترتّب على ذلك أحد الأمور التالية:
إمّا أنْ يكون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كاذبًا أو أنّ المقصود بالعترة وأهل البيت(عليهم السلام) أشخاص آخرون غير الأئمّة الطاهرين، أو أنّ المقصود هم الأئمة الطاهرون(عليهم السلام). وأهل السنّة لا يعتقدون أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان كاذبًا، ولا يرون أنّ مِن بين العترة وذرّية النّبي كالسادة والأولاد، أحدًا يجب طاعته بحيث يمكن القول: إنّهم هم المقصودون. وبالتالي، لا يبقى إلّا أنّ المراد هم الأئمّة الطاهرون(عليهم السلام).
وكما قلنا: يجب أنْ يكون الإمام أفضل من غيره، ولا شكّ في أنّ الأئمّة(عليهم السلام) كانوا في كلّ عصرٍ أفضل من الجماعات التي ادّعت الإمامة. فالحسنان (عليه السلام) على سبيل المثال، كانا بلا شكّ أفضل من معاوية ويزيد، وعلي بن الحسين(عليه السلام) كان أفضل من عبد الملك بن مروان، وكذلك باقي خلفاء بني أميّة وبني العبّاس.

في كلّ زمن ادّعى فيه أحد الخلفاء الخلافة، كان فضل الأئمة ظاهرًا على الكلّ ومعترفًا به، ولو كان بالإمكان الطعن في فضيلتهم، لكان الخلفاء في عصرهم أولى بفعل ذلك، خصوصًا أمثال هارون الرشيد والمأمون، وهما من أعظم ملوك الأرض الذين خضعت لهم جميع علماء الدنيا، فمِن البديهي أنّ هؤلاء الخلفاء، الذين أرادوا أنْ يدّعوا الخلافة النبوية، كانوا يحاولون تزيين أنفسهم بالكمالات الظاهرة والباطنة لكي يتمكّنوا من تسخير قلوب العامّة، دون اللجوء إلى استخدام قوّة السيف لنشر سلطتهم. والنتيجة هي أنّه إذا كان بإمكانهم الادّعاء بأنّهم أهل للاستحقاق وصلاحّية الخلافة، لكان الأولى بهم أنْ يفعلوا ذلك بدلًا من الاعتماد على القوّة والسيف والإكراه العلني.
فلو كان بإمكان ملوك متسلّطين كهؤلاء أنْ يطعنوا في فضيلة هؤلاء العظماء، لكان لزامًا عليهم أنْ يضعّفوهم ويظهروا عدم أهليتهم، وأنْ يجعلوا الناس تابعين لهم في الباطن كما هم في الظاهر، وألّا يجدوا أنفسهم مضطرّين للجوء إلى وسائل أخرى كالقتل أو التصفية.
لكن عندما عجزوا عن إضعاف مكانة الأئمّة(عليهم السلام) لجأوا إلى أساليب أخرى كتسميمهم أو اغتيالهم، ما جعلهم مكشوفين أمام العالم وأثبت خزيهم في الدنيا والآخرة.

على سبيل المثال: المأمون العبّاسي جمع علماء من اليهود والنصارى وغيرهم ليجادلوا الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) بهدف الطعن فيه، لكن الإمام(عليه السلام) ألزمهم الحّجة من كتبهم وأديانهم، أسكتهم، وهكذا كان سلوك باقي الخلفاء مع الأئمّة الطاهرين(عليهم السلام) إذ لم يستطيعوا الطعن في فضلهم وإثبات عدم أهليتهم للإمامة.
إنّ كلامنا هذا يشبه ما قلناه سابقًا في شأن إعجاز القرآن الكريم؛ إذ لو كان بإمكان كفّار قريش أنْ يأتوا بسورةٍ صغيرةٍ مثل سُور القرآن، لفعلوا ذلك، ولألزموا النبيّ محمّدًا(صلى الله عليه وآله وسلم) بها، ولما اضطّروا إلى تلك الحروب والخصومات والقتل والأُسر وغيرها.

أمّا الفضائل التي ظهرت عن الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) في عصور الخلفاء فلا تُعدّ ولا تُحصى، مع أنّهم كانوا غالبًا في ظلّ حكوماتهم مقهورين أو مسجونين، ولم يكن لشيعتهم الجرأة على الاستفادة من وجودهم.
نعم، في عهد الإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق (عليهما السلام) خلال أواخر دولة بني أميّة وبداية دولة بني العبّاس، حين انشغل الطرفان بالصراعات بينهما، توفّرت للشيعة فرصة قصيرة استطاعوا فيها التوجّه لخدمة هذين العظيمين، وخلال هذه الفترة القصيرة انتشرت أغلب كتب الحديث لدينا من هذين المصدرين للإمامة.

وقد بلغ عدد الفضلاء الذين تتلمّذوا على يد الإمام الصادق(عليه السلام) أربعة آلاف شخص، واستفادوا من علمه، ممّا يُظهر مقامه الرفيع مقارنة بأئمّة السنّة، وهو أمرٌ مشهورٌ ومعروفٌ.
كما أنّ المناظرات التي أجراها علماء أهل السنّة مع أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) كأبي حنيفة ومؤمن الطّاق وغيرهم، تُظهر عمق علم هؤلاء الأصحاب، وبالرغم من ذلك، فإنّ علماء أهل السنّة وقضاتهم كانوا يستفيدون من أصحاب الإمام(عليه السلام).
أمّا المعجزات الكثيرة التي ظهرت عن الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) فقد سجّلها أهل السنّة في كُتبهم، وإذا نظرنا بعين الاعتبار، نجد أنّ إحياء ذكرى الإمام الحسين(عليه السلام) وزيارة الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) معجزةٌ مستمرّة باقيةٌ إلى يوم القيامة، كلّ عزيز مهما بلغت مكانته، إذا مات فإنّ الحزن عليه يستمرّ لمدّة أقصاها سنة واحدة، وبعد ذلك يهدأ القلب وينسى المصاب، أمّا مصيبة أولئك العظماء، فعلى الرغم من مرور أكثر من ألف عامٍ تبقى حيّةً، وتظلّ مصائبهم كأنّها حدثت اليوم.

في حين أنّ قبور الملوك والخلفاء أصبحت مهجورةً ومنسية، وما زال الناس من مختلف بقاع العالم يتركون الأهل والمال ويتحمّلون مشاقّ السفر ليأتوا إلى زيارة قبورهم (عليهم السلام).
ومَن له الفهم والمعرفة في الجملة عندما ينظر في العلوم التي نشرها هؤلاء العظماء، سواء في علم الكلام أو الفقه أو التفسير أو الأخلاق أو التاريخ أو الطبّ وسائر العلوم، يدرك يقينًا أنّ هذه العلوم مستمدّة من الله تعالى.
وكذلك في الأدعية والمناجاة التي كانوا يتوجّهون بها إلى ربّهم، فإنّ مَن يتأمّل فيها يدرك معنى المعرفة الإلهية الحقّة، وطريقة العبادة الصحيحة، وكيفية طلب الحوائج، وحقيقة الحمد والثناء والتمجيد والاستغاثة والتضرّع والتوبة والإنابة، لا سيّما عندما تكون تلك الأدعية مصاغةً بألفاظٍ أثمن من الدُرر، وأحلى من العسل المصفّى، وأحبّ إلى القلب من رحيق المحبوب الطيب المظهر.
ففي فصاحتها وبلاغتها لا يمكن مقارنة أيّ كلامٍ بها سوى كلام الله، خصوصًا كتاب نهج البلاغة والصحيفة السجادية، المشهورة بزبور آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنجيل أهل البيت(عليهم السلام) والتي تشبه الكتب السماوية في مضمونها وروحانيتها.

وكذلك الأدعية والمناجاة الأخرى كدعاء كميل ودعاء أبي حمزة الثمالي الذي يُتلى في أسحار شهر رمضان المبارك.
وبعد كلّ هذا نقول: إنّ الدليل الذي يكفي للشيعة هو تلك الأحاديث التي دوّنها علماؤنا في كتبهم، حيث إنّ كلّ إمامٍ أوصى بالإمامة للإمام الذي يليه حتى النهاية، وهي بقدر يكفي لإفادة اليقين.
ومن المعلوم: أنّ العلماء الورعين الصالحين والأتقياء الذين لم يكن لهم دافع لتحصيل منافع دنيوية، كانوا يخاطرون في تسجيل ونقل تلك الأحاديث، مع أنّ جميع الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يعيشون في حالةٍ من الخوف والاختفاء، والشيعة أنفسهم كانوا في خوف وذعر دائمين.
لم يكن لدى هؤلاء العلماء أيّ دافع في نقل وتوثيق تلك الأحاديث سوى الحقّانية والتقوى، إذ لو لم يكن هذا الأمر يسبّب هلاك دنياهم، فإنّه لم يكن ليجلب لهم منفعة في آخرتهم.

ومع ذلك، كان في توثيق تلك الأخبار خطورة عظيمة على حياتهم وأموالهم وشرفهم، لكنّهم بالرغم من ذلك بذلوا كلّ هذا الجهد في تسجيل هذه الأحاديث حتّى جمعت بهذا الشكل، وهذا بحدّ ذاته يُعدّ من القرائن الدالّة على صدقها وصحتها.

المطلب الثالث: في بيان غيبة الإمام الثاني عشر حجة بن الحسن(عليه السلام) وبقائه حيًّا
اعلم أنّ أهل السنّة قد نقلوا في كتبهم أحاديث كثيرةً عن رسول الله’، حيث أخبر عن ظهور المهدي (عَجّلَ اللهُ تعالى فَرَجَه الشريف) وولادته، وأنّه سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعد أنْ امتلأت جورًا وظلمًا، وأنّ اسمه موافق لاسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد نقل بعض علماء الشيعة أكثر من مئة وخمسين حديثًا من كتب أهل السنّة في هذا الباب.
أمّا الأحاديث التي رواها الشيعة في كتبهم عن أئمّتهم وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهي تتجاوز الألف حديث، وكثير من هذه الكتب قد أُلّف قبل ولادة الإمام المهدي (عَجّلَ اللهُ تعالى فَرَجَه الشريف)، ممّا يزيد من درجة اليقين بها بسبب تواترها، فضلًا عن أنّ هذه الأحاديث مقرونةٌ بالإعجاز لاشتمالها على الإخبار بالمستقبل ووقوع ما أخبرت به.
وحتّى مع غضّ النظر عن هذه الأحاديث، فإنّ بعض الأدلّة السابقة تثبت صحّة ذلك، مثل أنّ كلّ عصرٍ يحتاج إلى إمامٍ، وأنّ هذا الإمام يجب أن يكون معصومًا، ولم يدّعِ أحد غير الشيعة وجود مثل هذا الإمام، وبعد بطلان دعوى مذهب أهل السنّة في مواجهة دعوى الشيعة، لم يقم أحد دليلًا ينقضها.
ولا شكّ أنّ الدين الحقّ يجب أن يكون ثابتًا، وإذا ثبت بطلان دين غير الشيعة، كان مذهب الشيعة هو الحقّ، وأمّا استبعاد أهل السنّة لفكرة أنْ يكون هناك إمامٌ مستور، بحيث لا يطّلع عليه أغلب الناس، وأنْ يكون بنفسه غائبًا، فيتساءلون عن فائدته للأمّة، وكيف يمكن أنْ يبقى حيًّا طوال هذه المدّة، فهذا الاستبعاد باطلٌ.

ونظير ذلك قد وقع في الأمم السابقة، كما أخبر المنجّمون في زمن نمرود بأنّ شخصًا سيولد ويكون سببًا لزوال ملكه، فقام بفصل الرجال عن النساء، لكن والد النبي إبراهيم(عليه السلام) اجتمع سرًّا بوالدته، فولد إبراهيم في كهف وبقي مختفيًا لفترة من الزمن.
وكذلك أخبر منجّمو فرعون بأنّ شخصًا مِن بني إسرائيل سيولد ويكون سببًا لهلاك فرعون، فأمر فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل، ولكن حملُ أمّ موسى وولادته وقعا في السرّ، وبعد أنْ كبر موسى وقتل ذلك القبطي وفرّ هاربًا، بقي في أطراف مصر مدّة من الزمن، ولم يتمكّن فرعون من اكتشاف أمره على الرغم من سلطانه وقوّته.

وهذه القصص كلّها مشهورةٌ ومعروفةٌ، وقد وردت في القرآن الكريم والأحاديث النبويّة، فما المانع إذن، بعد أنْ أخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة الهداة (صلوات الله عليهم أجمعين) بأنّ المهدي سيظهر ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعد أنْ امتلأت جورًا وظلمًا، أنْ يكون طواغيت زمانه قد سعوا لاكتشاف أمر هذا النور الإلهي، وعملوا على هلاكه، وبحثوا عن حاله؟!
لكنّ الله تعالى، بفضله ورحمته، أخفى حمله وولادته عن الأعداء، وأطّلع على ذلك بعضًا من أوليائه، ثمّ التقى به عدد كبير من الشيعة، واستفادوا من وجوده، ونقلوا عنه أخبارًا وأحاديث كثيرة.
وهذا الاستغراب الذي يبديه المنكرون ليس أشدّ من استغراب الكفّار والمنافقين فيما يتعلّق بالمعاد وإحياء العظام وهي رميم، فإذا كان الله قادرًا على تحقيق مثل هذا الأمر البعيد، وهو أمرٌ واقعٌ لا محالة، فلماذا يستغربون وقوع أمرٍ قد قامت عليه الأخبار المتواترة والأدلّة القطعية؟!
أمّا بالنسبة لعمره الشريف، فما وجه الاستغراب في ذلك؟! والحال أنّ أهل السنّة يؤمنون بوجود الخضر وإلياس، اللذين وُجدا منذ زمن بعيد قبل نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ عمر النبي نوح(عليه السلام) معروفٌ ومشهورٌ، وإبليس نفسه موجود منذ قبل خلق آدم(عليه السلام) وسيبقى إلى يوم القيامة.

وأمّا مسألة غيبته وعدم انتفاع الأمّة به، فذلك بسبب عصيان الأعداء وطغيانهم، وليس بإرادة الإمام نفسه أو أمر الله تعالى، كما أنّه لا فرق بين إمام ظاهر هجَره الناس وتركوه، فلم يطيعوه، وحُرم أتباعه من الاستفادة منه - كما حصل مع بعض الأئمّة السابقين - وبين إمامٍ غائبٍ لا يتمكّن أحدٌ من الوصول إليه، بل إنّ كثيرًا من الأنبياء مرّوا بحالاتٍ مشابهة، ومع ذلك كانت لهم فوائد عظيمة حتى في حال الغيبة، كالشمس المستترة خلف السحاب، فإنّها رغم احتجابها تبقى ذات أثر ونفع.
وإنْ لم يكن في الغيبة إلّا ابتلاء الناس بالتكليف والإيمان به وانتظاره، فإنّ ذلك كافٍّ كحكمةٍ عظيمةٍ بعد أنْ قامت الأدلّة على وجوده، وهذه فائدةٌ جليلة، وهي من مصاديق الإيمان بالغيب الذي أثنى الله تعالى عليه.

وخلاصة القول: إنّ الأمور التي تقيمها الحكمة الإلهية، كيف يمكن لعقولنا الناقصة أن تدرك حقيقتها؟!
ألم ترَ أنّ نبيًّا أولي العزم مثل موسى(عليه السلام) لم يستطع تحمّل مرافقة عبدٍ من عباد الله، وهو الخضر(عليه السلام) ولم يتمكّن من إدراك حكمة أفعاله؟! وذلك حين قام الخضر بثقب السفينة، وقتل النفس الزكيّة، وبنى جدارًا كان على وشك السقوط دون أنْ يطلب أجرًا، رغم شدّة جوعهما وامتناع أهل تلك القرية عن تقديم الطعام لهما!

فكيف يمكن لنا، نحن ضعفاء العقول، أنْ نحيط بجميع أسرار الله تعالى وحكمه وندرك حقيقتها؟!
وأمرٌ آخر: فقد روى أهل السنّة والشيعة حديثًا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «من مات ولم يعرف إمام زمانه، فقد مات ميتة جاهلية» [41]. وهذا حديثٌ متّفقٌ عليه، ومعناه واضحٌ، أي: إنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات على الجاهلية، أي: مات كافرًا، ومن المشهور أنّ علماء أهل السنّة قد أوصوا بعدم مناقشة الشيعة في هذا الحديث إلّا بالسيف والخنجر!

أمّا نحن، فبحمد الله، نعرف إمام زماننا ونقرّ به ونعترف، فلا حرج علينا. ولكن أهل السنّة قد اضطربوا كثيرًا في تفسير هذا الحديث، فقال بعضهم: إنّ إمام الزمان هو القرآن، وهذا تأويل واضح البطلان لا يحتاج إلى كثيرٍ من الفهم ليدرك الإنسان مدى بُعده عن معنى الحديث.
وقال آخرون: إنّ إمام الزمان هو سلطان العصر، حتى لو كان مثل يزيد بن معاوية! وقبح هذا القول أيضًا واضحٌ لكلّ ذي عقل.
وقد نُقل أنّ ملّا جلال الدواني، وهو من أعاظم فقهاء ومحقّقي أهل السنّة، كان يومًا في مجلسٍ دار فيه النقاش حول هذا الحديث، فأدلى كلّ واحدٍ منهم برأي، فقال بعضهم: إنّ إمام الزمان هو السلطان، وكان في ذلك الوقت ملك الروم يُدعى أولدران بايزيد. فأمسك ملّا جلال بلحيته وقال ساخرًا: «هل يُعقل أن يُعذِّب الله تعالى جلال الدين محمّد في يوم القيامة لأنّني لم أعرف أولدران بايزيد؟!».
وعلى أي حال، إذا كان لابدّ أنْ يكون هناك دينٌ في العالم، وكان للإنسان أنْ يختار مذهبًا، فلا دليل قائم على صحّة أي مذهب غير هذا المذهب؛ لأنّ أقوى الأديان وأكبر الفرق في الإسلام هم أهل السنّة، فإذا ثبت بطلان مذهبهم، فلا يبقى أيّ دليلٍ على صحّة غيره، ويكون الحقّ منحصِرًا في مذهب الشيعة.

ووفقًا لمقتضى هذا المذهب، فلا بدّ من الإذعان واليقين بولادة الإمام المهدي، ووجوده، وظهوره متى شاءت المشيئة الإلهية.
عجّلَ اللهُ فَرَجَه الشريف، وقرّب خلاصنا ببركة أجداده الطاهرين، (صلوات الله عليهم أجمعين).
واعلم أنّ للإمام المهدي عَجّلَ اللهُ فَرَجَه غيبتين:
إحداهما الغيبة الصغرى، التي استمرّت سبعين سنة وزيادة، وفيها كان كثير من الشيعة يتشرّفون بلقائه عبر سفرائه، حيث كانوا يحملون إليه مسائل وعرائض الشيعة، ويتلقّون منه الأجوبة، وأشهر هؤلاء السفراء كانوا أربعة:

عثمان بن سعيد الأسدي
ثمّ ابنه محمّد بن عثمان
ثمّ أبو القاسم الحسين بن روح
ثمّ علي بن محمّد السمري
وبعد وفاة السمري، بدأت الغيبة الكبرى، فانقطع الاتّصال المباشر بالإمام، ولم تَعُد الأخبار والآثار تصل منه كما كانت في الغيبة الصغرى.
ومع ذلك، فإنّ الأحاديث المأثورة عبر هؤلاء السفراء لا تزال كثيرةً ومتداولةً بين الشيعة، وقد ظهرت على أيديهم معجزاتٌ ببركة الإمام المهدي (عجّلَ اللهُ فَرَجَه الشريف)، حيث كانوا يخبرون عن أمورٍ غيبيةٍ تتعلّق بأحوال الشيعة، وكان الشيعة يرفعون إليهم الخُمس والنذور والحقوق الشرعية، ليُوصلوها إلى الإمام(عليه السلام).
وقد وردت في كتب الشيعة أحاديث كثيرةٌ حول هذا الموضوع، وأُلّفت فيه مؤلّفات عديدة، وهذه الكتب كافية لإثبات الحجّة على الشيعة، حتّى لو لم يكن هناك غيرها ومع ذلك، فللّه الحمد إنّ أمر الإمام أوضح من أنْ يظلّ مخفيًّا.


الباب الخامس: في المعاد
يجب علينا الاعتقاد بأنّ الحياة ستعود بعد الموت، وأنّ الروح ستتّصل بهذه الأبدان نفسها التي كانت في الدنيا، حتّى بعد موتها وتحلّلها. والاستبعاد الذي أبداه الكفّار تجاه هذا الأمر لا مبرّر له في مقابل قدرة الله المطلقة، كما أكدّ ذلك في القرآن الكريم مرارًا.
واعلم أنّ الدليل على المعاد، أي: على وجود عالمٍ آخر تكون فيه الحياة، ويُجازى فيه الإنسان على أعماله، بحيث ينال المحسن ثوابه والمسيء عقابه، ثابت بالعقل والنقل معًا.
أمّا الدليل العقلي على المعاد، فقد أُشير إليه سابقًا، ونضيف هنا أنّ مَن عرف الله تعالى وأدرك أنّه حكيمٌ وعادلٌ وقادرٌ، فإنّه يوقن بوجوب المعاد؛ لأنّ خلق العالم والإنسان لم يكن عبثًا، بل لا بدّ أنْ يكون له غاية وفائدة.
وهذه الفائدة لا يمكن أنْ تكون في الدنيا؛ لأنّ الدنيا مليئةٌ بالآلام والمتاعب، وحتّى اللذّة التي يُتصوَّر وجودها فيها ليست سوى دفعٍ للألم، وليست لذّةً خالصة، كما أنّها ممزوجة بألف نوعٍ من الهموم والأحزان، فلا يمكن أنْ تكون هذه الحياة غايةً مقصودةً من خالقٍ كريمٍ حكيمٍ.
ولو كان الغرض الإلهي من خلق الإنسان هو مجرّد الحياة الدنيا، لكان فعله عبثًا ولغوًا، بل ظلمًا، وحاشاه سبحانه عن ذلك، كما قال في القرآن الكريم:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ❁ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ)[42].

تشبيه لطبيعة الدنيا
وقد ضرب بعض أهل المعرفة مثالًا بليغًا لطبيعة الدنيا، فقالوا:
لو كان إكرام الله لعباده مقصورًا على متاع الدنيا، لكان ذلك أشبه بأنْ يدعو شخصٌ عظيمٌ إنسانًا إلى وليمة، لكنّه يجعله يجلس في خرابةٍ مليئةٍ بالعقارب، والثعابين، والأسود، والنمور، والذئاب، والخنازير، والدببة، وجميع أنواع الوحوش الضارية والسامّة.
ثمّ يضع أمامه طعامًا ليأكله، لكنّه في الوقت نفسه يجعل جلادَين يقفان فوق رأسه بسيوف مسلولة، ينتظران لحظة انتهاء طعامه ليقطعوا رأسه! وفي كلّ لقمةٍ يرفعها إلى فمه، تلسعه الأفاعي، وتهاجمه السباع، وتترصده السيوف.
فهل يليق بمضيفٍ كريمٍ أنْ يجعل ضيافته على هذه الصورة؟! فكيف يُنسب مثل هذا الفعل إلى الله سبحانه، وهو أكرم الأكرمين؟!
هذه الدنيا هي الخرابة التي تحتوي على جميع الأوجاع والسموم والمرارات، حيث تنتظر سيف الأجل الذي يأخذ حياة الإنسان ويقضي على عمره بعد انتهاء مدّة رزقه. أمّا الضيافة التي تليق بكريم، فهي في الآخرة، حيث نعيم لا ينقطع ولذّة بلا ألم، وطعام بلا خوف أو مرض أو غمّ.
وفي الدنيا، نرى في كثيرٍ من الأحيان ظالمًا يظلم ويعيش في رفاهيةٍ وراحة، بينما يعاني المظلوم في شقاءٍ ومحنة، مثلما كان الحال مع يزيد بن معاوية وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن، (لعنة الله عليهم)، تجاه سيد الشهداء (عليه السلام)، وأهل بيته وأصحابه.
ولكن في النهاية، عندما يموت هذان الفريقان ويصبحان ترابًا ويأخذ الريح الجميع معهم ولا يكونون في اليوم التالي، فإنّ الله تعالى سيأخذ حقّ المظلومين من أولئك الظالمين، ويصعد بالمظلومين إلى مراتب عالية من المقرّبين في أعلى علّيين. ففي ذلك الوقت، لو لم يكن كذلك سيكون هناك ظلمٌ عظيمٌ وظلمٌ كبيرٌ على الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

فالعقل الصريح يحكم بوجوب المعاد، ولا يمكن لأحد أنْ يقول بعدل وحكمة الله وتنزّهه عن الأفعال القبيحة وينكر المعاد.
أمّا الدليل النقلي، فهو إجماع جميع الأنبياء وأهل الأديان، ومن أول القرآن إلى آخره، وجميع الكتب السماوية مليئة بذلك، ولا حاجة لذكره. ومن الآيات الدالّة على ذلك ما ذكرنا، فهي تشتمل على كلام الله وبرهان عقلي.
ويجب أنْ نعلم: أنّ المعاد جسمي، أي: أنّ الروح تعود إلى الجسد، ويعود هذا الجسد كما كان، والآخرة هي دار جسمانية تضمّ الأشجار والثمار والحور والقصور وأنواع الملائكة والغرف والزينة من أنواع الأقمشة والجواهر. هناك، سيكون للناس لذّات من الأطعمة والمشروبات والملابس وغير ذلك من لذّات النكاح ومصاحبة النساء الجميلات وكلّ ما يشتهيه الإنسان.
أمّا جهنّم، فهي مكانٌ مليءٌ بالنار والسلاسل والأغلال والهراوات الثقيلة التي يمسكها ملائكةٌ غلاظٌ شداد، وهناك أطعمةٌ شديدة السوء مثل النحاس المذاب والقذارة والنفايات من أفعال الزناة الذين غليت أجسادهم في أوعية جهنّم لوقت طويل، مع صحبت الشياطين وغيرها من العذابات.

الدليل على كلّ هذا هو كلام الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وجميع الكتب السماوية، ومن ينكر المعاد الجسمي ويكتفي بالمعاد الروحي، كما قال حكماء اليونان، فهو كافر؛ لأنّ هذا المعنى هو من بديهيات دين نبينا، بل جميع أديان الأنبياء، وهو صريحٌ في آيات القرآن، وإنكار هذا يعني إنكار صدق الله تعالى ورسوله، ومن ينكر الله ورسوله فهو كافرٌ.
وقد قال حكماء اليونان: إنّ الروح تبقى بعد مفارقة الجسد، وإذا كانت قد فعلت أعمالًا حسنة في الدنيا، فإنّها تكون سعيدةً وتتمتّع بذلك، وهذا هو جنّتها، وإذا كانت قد فعلت أعمالًا سيّئة، فهي في حالة سوءٍ وحزن، وهذه هي جهنّمها. والاعتقاد بأنّ المعاد هكذا وليس غيره هو كفرٌ.

ومن الآيات القرآنية التي تدلّ بوضوح على المعاد الجسمي، نكتفي بذكر آيةٍ واحدة، وهي قوله تعالى في سورة يس:
(:وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)[43].

وفي شأن نزول الآية الشريفة ورد: أنّ أُبيّ بن خلف جاء بعظمٍ بالٍ إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فدلّكه وفتته بيديه وقال: أنت تقول إنّ الله يحيي هذا العظم البالي في القيامة؟

فأجاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«نعم، ويحييك الله ويُدخلك النار» [44]. فنزلت هذه الآية: (وضربَ لنا مثلًا ونسيَ خلقَه).
وحاصل شبهة ذلك الكافر استبعاده واعتقاده بأنّ الأمر بعيد جدًّا أن يُحيي الله العظم البالي، فأجاب الله تعالى على استبعاده قائلًا: لقد نسيَ خلقَه، فقد خلقنا أوّلًا من التراب ثمّ من نطفة، وخلقنا من التراب وقطرة الماء ما جعله يتشكّل في جسدٍ يحتوي على أعضاء وأجزاء متعدّدة من لحمٍ وجلد وعظمٍ ووريدٍ وعضلاتٍ ورأسٍ وأيدٍ وأرجلٍ وعيونٍ وآذانٍ، مع قوى الظواهر كالرؤية والسمع والذوق والشمّ، وفصل بين الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف، وقوى باطنية مثل العقل والخيال والإدراكات المختلفة، وقوى هضمية مثل الجاذبية التي تجذب الطعام للجسم والمثانة التي تحتفظ به، وأيضًا القوى التي تساعد على النموّ مثل الكبد، والدفع للفضلات من الجسم كالشعر والأظافر وما إلى ذلك.
فهل هذا أصعب من أن يحيي الله تعالى هذا العظم البالي ليجعله إنسانًا ثانيًا؟! ثمّ قال الله تعالى: (قلْ يُحييها الذي أنشأها أوّل مرّةٍ وهو بكلّ خلقٍ عليمٍ).

أي: قل لهم يا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الذي يحيي تلك العظام هو من خلقها أوّل مرّة، حين لم تكن شيئًا، فخلقها من التراب على هذه الهيأة، والآن وقد صار هناك نموذجٌ لخلقهم، فإنّ إعادة خلقهم أهون من الإنشاء الأوّل.
(وهو بكلّ خلقٍ عليمٍ)، أي: إنّ الله تعالى عليمٌ بجميع أنواع الخلق، فهو قادرٌ على الخلق من غير مادّةٍ أو أصلٍ، كما فعل في البداية، وقادرٌ أيضًا على إحياء الموتى، حتّى وإنْ صار الميت ترابًا وتفرّق بفعل الرياح، أو تحوّل ترابه إلى آنية وفخّار، أو صار جزءًا من أجساد الحيوانات، بل حتّى إن أكله إنسان آخر وأصبح جزءًا من بدنه، فإنّ الله تعالى قادرٌ على فصل العناصر الأصلية للمأكول وإحيائه منها، وطرح العناصر الزائدة التي تحوّلت إلى لحمٍ وجلدٍ في بدن الآكل، ثمّ يعيد الحياة إلى المأكول من جديد.
وبعد ذلك، ولإزالة استبعاد الكافر لهذا الأمر، ضربَ الله لهم مثلًا من واقعهم، فقال تعالى: (الذي جعلَ لكم من الشجرِ الأخضرِ نارًا فإذا أنتم منه توقدون).

أي: إنّه هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا، فبمجرّد أنتم توقدون منها النار. وهذان نوعان من الأشجار ينبتان في أرضين مختلفتين، يُسمّى أحدهما المرخ والآخر العفار، فإذا أخذوا غصنًا من أحدهما وحكّوه بالآخر، اشتعلت منه النار، كما يحدث مع حجر الصوان، فيستخرجون منه النار.
فإذا كان الله قادرًا على أنْ يجعل النار وسط الماء الموجود في الشجر الأخضر، رغم أنّ الماء والنار ضدّان متقابلان، أفلا يستطيع أنْ يعيد الروح إلى العظام البالية ويحييها من جديد؟!

ثمّ يؤكّد الله تعالى هذه الحجّة بإثبات قدرته العظيمة فيقول: (أوَليسَ الذي خلقَ السماواتِ والأرضَ بقادرٍ على أنْ يخلق مثلهم؟ بلى، وهو الخلّاق العليم).

أي: أليس الذي خلق السماوات والأرض بكلّ عظمتها قادرًا على أنْ يعيد خلقهم مرة أخرى؟! فمن خلق هذه الأجرام الضخمة، وما فيها من الكواكب والنجوم والشمس والقمر وسائر العجائب والغرائب، وكذلك الجبال والبحار والأشجار والمعادن وسائر الموجودات، أليس بقادرٍ على أنْ يبعث أجسادهم من جديد؟! (بلى وهو الخلّاق العليم).
أي: بلى، إنّه قادرٌ، وهو كثير الخلق، وقدرته تامّة وكاملة، وعلمه واسع يشمل جميع الأمور.
وأمّا الشبهات التي يثيرها شياطين الإنس والجنّ، بعد أنْ ثبت يقينًا بطلانها بكلام الله ورسوله، فلا ينبغي لأحدٍ أنْ يصغي إليها أو يشغل فكره بها.
واعلم أنّ أحوال ما بعد الموت كثيرة، وقد أخبر الله تعالى ورسوله عنها، سواء قبل يوم القيامة أو بعده، كسكرات الموت، وعالم البرزخ، وهو المرحلة الفاصلة بين الدنيا والقيامة، وما فيه من سؤال منكر ونكير في القبر، وضغط القبر، ونعيم الجنّة وعذاب النار في الدنيا البرزخية.

وكذلك ما سيحدث يوم القيامة من النفخ في الصور الأوّل، وموت جميع الكائنات، حتّى ملائكة السماوات وحملة العرش، ثمّ النفخ في الصور الثاني وبعث جميع الخلائق، والحشر والنشر، والحساب، والصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة، وغير ذلك مما يقع في القيامة وقبلها.
وقد أخبر الله تعالى عن جميع هذه الأمور في القرآن، ويجب علينا الإيمان بها، وقبول ظاهرها، وترك معرفة حقيقتها إلى الله ورسوله، وما هو واجب علينا أنْ نؤمن بها ونصدّق بها؛ لأنّ الله تعالى ورسوله لا يقولان إلّا الحقّ.
أمّا فروع الدين، ففي هذه الأزمنة التي لا يمكن فيها الوصول إلى النّبي’ أو الإمام، فإن كلّ ما ثبت يقينًا أنّ الله ورسوله قد جاءا به، فإنّ إنكاره يُعدّ إنكارًا لله ورسوله، وهو كفرٌ. لذلك، من أنكر أحد هذه الأمور فقد كفر.
فإذا عرفت الله ورسوله بالدليل العقلي والنقلي، ثمّ جاءك عالِم من علماء الدين الأتقياء، الذين يتّبعون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة الهدى (عليهم السلام) وبيّن لك شيئًا من هذه الأمور، فعليك أن تقرّ به ولا تنكره.
أمّا إذا لم يحصل لك اليقين من كلامه، بحيث تحتمل أنّه قد أخطأ أو اشتبه أو سهى، فقل: ما ورد في القرآن وكلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أقبله، وما لم يثبت عندي يقيناّ فأسلّمه إلى الله تعالى.
وإذا استطاع الشخص أنْ يستنبط مسائل الفروع من كلام الله ورسوله والأئمة الطاهرين، وذلك بقدر وسعه واستطاعته، بحيث يفهم أنّ حكم الله هو كذا، ولو كان ذلك عن طريق الظنّ الراجح، فيعمل به، وهذا الشخص يُطلق عليه في الاصطلاح مجتهد.

أمّا من لم يكن لديه هذه القدرة ولم يصل إلى هذه المرتبة، فإنّ تكليفه هو التقليد، أي: أن يتبع ذلك المجتهد ويأخذ منه مسائل دينه.

ويجب على كلّ من لديه القابلية والاستعداد في هذا الزمان أنْ يجتهد وجوبًا كفائيًا، بحيث إذا وُجد مجتهدٌ في منطقةٍ أو قبيلةٍ تكفي معرفته لسدّ حاجتهم، فإنّ هذا الوجوب يسقط عن الآخرين.
لكن يبقى الاجتهاد واجبًا كفائيًا، بحيث يجب أنْ يستمرّ بعض الناس في طلب العلم ليصبحوا مجتهدين، حتّى لو وُجد مجتهد قائم؛ لأنّ الاعتماد على مجتهدٍ واحدٍ فقط دون إعداد غيره قد يؤدّي إلى انقطاع الاجتهاد عند وفاته.

والمشهور في المذهب عند علماء الشيعة أنّ الإنسان في مسائل الفروع يجب أنْ يكون إمّا مجتهدًا وإمّا مقلّدًا لمجتهد، فإنْ لم يكن أحدهما، فإنّ عبادته غير صحيحة، حتّى لو قام بها بطريقة صحيحة ظاهريًا.
لذلك، أيّها الأخ، افتح عينيك وأذنيك، وأصلح أمور دينك في الأصول والفروع، فقد خُلقت لهذا الهدف، لا تنخدع بمكر الشيطان، ولا تغفل، فإنّك لا تطيق عذاب جهنّم.
أعاذنا الله وإيّاكم من النار، ورزقنا بفضله ورحمته مرافقة الأبرار، الحمد لله على تمامه.

المصادر
القرآن الكريم
ابن كثير (774هـ)، البداية والنهاية، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، بيروت، 1435هـ.
الأمين، السيد محسن (1371هـ)، أعيان الشيعة، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الأولى، بيروت، 1402هـ.
البخاري، محمّد بن إسماعيل (256هـ)، صحيح البخاري، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، بيروت، 1422هـ.
التبريزي، محمّد علي مدرّس (1373هـ)، ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية أو اللقب، نشر خيام، الطبعة الثالثة، طهران، 1369هـ.
الترمذي، محمّد بن عيسى (279هـ)، سنن الترمذي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، 1416هـ.
التستري، الشيخ أسد الله (1237هـ)، مقابس الأنوار ونفائس الأسرار، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى، قم، بدون تا.
الخوانساري، السيد محمّد باقر الموسوي (1313هـ)، روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات، نشر إسماعيليان، الطبعة الأولى، قم، 1432هـ.
الزركلي، خير الدين(1396هـ)، الأعلام، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة، بيروت، 1400هـ.
الزمخشري، جار الله (583هـ)، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، بيروت، 1412هـ.
السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث (275هـ)، سنن أبي داود، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، 1430هـ.
السيوطي، جلال الدين (911هـ)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت، 1432هـ.
الشبستري، عبد الحسين ، مشاهير شعراء الشيعة، المكتبة الأدبية المختصّة، الطبعة الأولى، قم، 1421هـ.
الشيخ الصدوق (381هـ)، التوحيد، تحقيق: السيد هاشم الحسيني الطهراني، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى، قم، 1416هـ.
الشيخ الكليني (329هـ)، الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، طهران، 1407هـ.
الطهراني،الشيخ آقا بزرك (1389هـ)، مصفى المقال في مصنّفي علم الرجال، دار العلوم، الطبعة الثانية، بيروت، 1408هـ.
القمّي، الميرزا أبو القاسم (1231هـ)، جامع الشتّات، تصحيح: مرتضى رضوي، انتشارات كيهان، الطبعة الأولى، طهران، 1413هـ.
القمّي، الميرزا أبو القاسم (1231هـ)، رسائل الميرزا القمّي، تحقيق: عباس التبريزيان، مكتب الإعلام الإسلامي، مؤسّسة بوستان، الطبعة الأولى، قم، 1428هـ.
القمّي، لشيخ عباس (1359هـ)، الكنى والألقاب، منشورات مكتبة الصدر، الطبعة الأولى، طهران، 1397هـ.
المتقّي الهندي (975هـ)، كنز العمّال، مؤسّسة الرسالة، الطبعة الأولى، بيروت، 1409هـ.
المجلسي، الشيخ محمّد باقر (1110هـ)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية، بيروت، 1403هـ.

---------------------------------------------
[1] أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين: 2/411.
[2] جامع الشتّات، المحقّق القمّي (فارسي): 9، المقدمة.
[3] ينظر: أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين: 2/411.
[4] رسائل الميرزا القمّي، المحقّق القمّي: 1/10.
[5] مقابس الأنوار ونفائس الأسرار، الشيخ أسد الله التستري: 19.
[6] تكملة أمل الآمل، السيد حسن الصدر: 6/325.
[7] خاتمة مستدرك الوسائل، المحدّث النوري: 2/124.
[8] الكنى والألقاب، الشيخ عبّاس القمّي: 1/143.
[9] ريحانة الأدب، محمّد علي المدرّس التبريزي: 6/69.
[10] الأعلام، خير الدين الزركلي: 5/183. والذريعة، آغا بزرك الطهراني: 1/441، و2/182، و3/193، و4/391، و5/59 و105 و209 و242 و250، و6/174 و242، و7/127، و8/206 و293، 10/218، و11/43 و78 و130 و156 و183 و201، و12/40، 13/189. ومشاهير شعراء الشيعة، عبد الحسين الشبستري: 1/61. وموسوعة مؤلّفي الإمامية، مجمع الفكر الإسلامي: 2/515. ويذكر صاحب روضات الجنّات: «قيل: قد وجد بخطّه قدّس سرّه ما يؤدّى أنّه كتب أكثر من ألف رسالة في مسائل مخصوصة من العلوم هذا». روضات الجنّات، السيد محمّد باقر الخوانساري: 5/373.
[11] مصفى المقال، آغا بزرك الطهراني: 35.
[12] ينظر: الكافي، الكليني: 1/107، باب صفات الذات، ح2. وكنز العمال، المتّقي الهندي: 3/106، ح5706.
[13] ينظر: الكافي، الكليني: 1/109، باب الإرادة من صفات الفعل، ح1و3و7.
[14] سورة الأنبياء: 22.
[15] الذي هو إله الخير.
[16] الذي هو إله الشرّ.
[17] داءٌ مُعدٍ يصيب الحلق والحنجرة، يصعُب معه التنفس، وتصحبه حرارة عالية وضعف، ويقال له: الدفتيريَّة.
[18] سورة الأنعام: 103.
[19] ومن المعلوم أنّ صفات الله من مباحث التوحيد ولكن بما أنّ بعض المطالب في صفات الفعل ترتبط بالعدل ذكرها المصنّف هنا في باب العدل.
[20] سورة النحل: 118.
[21] سورة إبراهيم: 4.
[22] التوحيد: 206.
[23] سورة ص: 27.
[24] سورة الواقعة: 24.
[25] هو مُسَيلمة بن ثمامة الحنفي، روي عن الجاحظ أنّ مُسيلمة قبل ادّعائه للنبوّة كان يدور في بعض الأسواق ويبحث عن طرق تعلّم الاحتيالات والتعويذات، واستخدم بعضها عند ادّعائه النبوّة، كما ذكر في الأخبار أنّ مُسيلمة أراد أن يأتي ببعض معجزات النّبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا أنّ النتيجة جاءت معاكسة، فمثلا روي أنّه بصق في بئر فجفّ ماؤه، وأُتي بغلام ليبرّك عليه، فمسح على رأسه فقرع رأسه، وأُتي برجل أصابه وجع في عينيه فمسح على عينيه فعُمي. ينظر: ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، جار الله الزمخشري: 4/198، والبداية والنهاية، ابن كثير: 6/327.
[26] هو بطلٌ أسطوري وحسب الأسطورة الفارسية هو فارسٌ ومغامر تغنٌى به فردوسي في ملحمته الشاهنامة، ومآثره ملأت القصص الفارسية، واسمه مردّد في الشعر القديم والحديث.
[27] كما في سورة الطور: 34، وسورة هود: 13، وسورة يونس: 38.
[28] سورة المائدة: 3.
[29] الحديث رواه الترمذي، وابن ماجة، وأبو داود، وأحمد ابن حنبل، والدارقطني، والحاكم النيسابوري وآخرون. ولفظ الحديث عند أبي داود:«لا تجتمعوا على ضلالة». سنن أبي داود: 4/98، وأمّا عند الترمذي والآخرون: «إنّ الله لا يجمع أمّتي، أو قال: أمّة محمّد على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ، شذّ إلى النار». سنن الترمذي: 4/39، ح2167.
[30] ورد في البحار هكذا: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «لضربة علَيٍّ خير من عبادة الثقلين». بحار الأنوار، العلّامة المجلسي: 2/39.
[31] كسورة النساء: 95.
[32] صحيح البخاري: 4/71.
[33] كنز العمال، المتقي الهندي: 12/111.
[34] صحيح مسلم: 3/1259.
[35] سورة النجم: 3.
[36] الاختصاص، الشيخ المفيد: 13.
[37] الكافي، الكليني: 1/295.
[38] سورة التوبة: 71.
[39] صحيح مسلم: 3/123.
[40] سنن الترمذي: 5/329.
[41] الغيبة، النعماني: 63. وفي مصادر أهل السنّة في صحيح مسلم: 3/1478.
[42] سورة المؤمنون: 115-116.
[43] سورة يس: 78-81.
[44] الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: 12/378.