البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإحباط: دراسة كلامية (الحلقة الاولى)

الباحث :  الشيخ روح الله فروغي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  35
السنة :  صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 26 / 2025
عدد زيارات البحث :  427
تحميل  ( 546.121 KB )
الملخّص
من اهم المفاهیم الکلامیة التی کثر النقاش فیها بین المتکلمین هو مفهوم الاحباط أو التحابط او الحبط و کثیرا ما یقرن بالتکفیر و یقال «الاحباط و التکفیر» و توجد فی کثیر من الکتب الکلامیة البحث عن الاحباط و أنه هل یجوز الاحباط ام لا و المشهور من الشیعة الامامیة عدم القول بالاحباط و یخالف المعتزلة فی هذه المسالة و قد استدل متکلمو الشیعة علی بطلان الاحباط بادلة متعدده مع الجواب عن الادلة التی استدل بها المعتزله او القائلین به من غير المعتزله مع تفسیر الایات التی توهم ظواهرها اثبات الاحباط و البحث عن الاحباط مرتبط بالبحث عن الثواب و العقاب و حقیقتهما.
و کان العمل فی هذه الحلقة اولا تعریف الاحباط و ثانیا سرد الادلة التی استدل بها علی نفی الاحباط و بطلانه .
و کان الترکیز علی کلمات قدماء المتکلمین ممن سبق الشیخ المفید و من یتلوه من الشریف المرتضی و الشیخ الطوسی و العلامة و غیرهم و قد نقلنا اصل کلماتهم مع توضیح و شرح اذا یحتاج الیهما. و لانقتصر فی البحث علی القدماء بل نقلنا الکلام عن المعاصرین سیما المتکلمین منهم .

وقد عنون هذا البحث فی الکتب الکلامیه تارة بعنوان مستقل و اخری ذیل عنوان الثواب و العقاب و لایخفی أن البحث يرتبط مع البحث عن الثواب و العقاب لان الکلام فی تاثیر الثواب و العقاب او استحقاقهما علی الآخر فالمدعی للاحباط یدعی تاثیر العمل السیء علی العمل الصالح ای یوثر استحقاق العقاب علی استحقاق الثواب.

الكلمات المفتاحية: الاحباط، الابطال، الثواب، العقاب،العمل.

المبحث الأول: تعریف الإحباط ونشأته والأقوال فيه
المطلب الأول: تعریف الإحباط
الإحباط في اللغة

قال الخلیل في معنی الحبط: «الحَبَط: وجع يأخذ البعير في بطنه من كلأ يستوبله، (يقال): حَبِطَت الإبل تَحْبَط حَبَطًا. وحَبِطَ عمله: فسدَ، وأَحْبَطَه صاحبه، والله مُحْبِط عمل من أشرك»[1]. وقال في الصحاح: «قال أبوعمرو: الإحباط: أنْ يذهبَ ماءُ الرَّكِيَّةِ، فلا يعودَ كما كان. ويقال أيضًا: حَبِطَ الجُرحُ حَبَطًا بالتحريك، أي عَرِبَ ونُكِسَ. والحَبَطُ أيضًا: أنْ تأكل الماشيةُ فتُكْثِرَ حتَّى تنتفخ لذلك بطونُها ولا يخرج عنها ما فيها»[2].
وقال الفيروز آبادي: «الحَبَطُ، محرَّكةً: آثارُ الجُرْحِ أو السِياطِ بالبَدَنِ بعدَ البُرْءِ، أو الآثارُ الوارِمةُ التي لم تَشَقَّقْ، فإنْ تَقَطَّعَتْ ودَمِيَتْ، فَعُلُوبٌ، ووجعٌ بِبَطْنِ البعيرِ من كَلأَ يَسْتَوْبِلُه، أومن كَلَأٍ يُكْثِرُ منه، فَتَنْتَفِخُ منه، فلا يَخْرُجُ منها شي‏ءٌ»[3].

وأصل المعنی في الحبط إمّا الفساد والبطلان، وإمّا بقاء الغذاء في بطن الماشیة وعدم خروجها عن بطنها، وهذا المعنی یشیر إلی نوعٍ من الحبس وعدم الخروج، والمعنی الثاني أقرب إلى مسألة إحباط الأعمال، فکأنّ العمل الصالح الذي یتلوه ذنب، یبقی وینجمد في مکانه وإنْ لم یبطل أو ینعدم، والذنوب تمنع من تأثير العمل الصالح.

الإحباط في الاصطلاح
وقد عرف الإحباط في الاصطلاح بتعریفاتٍ شتّی:
التعریف الأول: الإحباط بمعنی الإبطال، أي إبطال العمل، «وعند المعتزلة، ومن خالفنا في ذلك أنّ أحدهما يبطل صاحبه إذا كان ما يستحقّ عليه من الثواب أو العقاب أكثر ممّا يستحقّ على الآخر، فإنّه يبطل الأقل على خلاف بينهم في أنّه يتحبط على طريق الموازنة أوغير الموازنة»[4].

التعریف الثاني: المعنى الثاني للإحباط هو إتيان العمل على خلاف ما يُتوقَّع منه، وهذا يُشبه عدم الإجزاء في علم الأصول، فإنّ إتيان المأتي به مطابقًا للمأمور به يقتضي الإجزاء؛ لأنّ الامتثال متحقّقٌ بعد إتيان المأتي به مطابقًا للمأمور به، ويسقط الأمر على المشهور. وأمّا إتيان المأتي به غير مطابقٍ للمأمور به، فهو يقتضي عدم الإجزاء؛ فعليه، فكلّ عملٍ لا ينطبق على الأجزاء والشرائط المأمور بها، فهو محبوط. وعليه، فلا استحقاق للثواب على العمل المأتي به على غير المأمور به؛ لأنّ العمل المأتي به المغايِر للمأمور به لا ثواب له، حتّى يُحبَط هذا الثواب بوساطة العقاب. وبعبارةٍ أُخرى: لا موضوع للإحباط أصلًا، حتّى يتحقّق الإحباط فيه. وسیأتي حمل أکثر الآیات في الإحباط علی هذا المعنی.
قال الشریف المرتضی حول المعنی الثاني: «إنّ إبطال العمل وإحباطه عبارة عن وقوعه على خلاف الوجه المنتفع به؛ لأنّ أحدنا لو جعل لغيره عوضًا على نقل تراب أو غيره من موضع الى موضع معيّن، لكان إنّما يستحقّ العوض إذا نقله إلى ذلك المكان المعيّن، ولو نقله إلى غيره لقيل: أحبطت عملك وأبطلته وأفسدته من حيث أوقعت على وجهٍ لا يستحق به نفعًا، وأعدلت عن الوجه الذي يستحقّ معه النفع. ومعلوم أنّه هاهنا ما كان يستحقّ شيئًا فأبطله وأحبطه»[5]. وکذا الشیخ الطوسی یختار هذا التعریف للاحباط[6].

واستند هذا المعنی الثاني إلی المعنی اللغوي للإحباط: وقوله:(فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) معناه: أنّها صارت بمنزلة ما لم يكن، لإيقاعهم إيّاها على خلاف الوجه المأمور به، وليس المراد أنّهم استحقّوا عليها الثواب، ثم انحبطت ... ويقال: حبط عمل الرجل يحبط حبطًا وحبوطًا، وأحبطه اللَّه إحباطًا، والحبط: فساد، يلحق الماشية في بطونها؛ لأكل الحباط، وهو ضرب من الكلاء. يقال: حبطت الإبل تحبط حبطًا إذا أصابها ذلك‏»[7].

المطلب الثاني: النشأة والأقوال
النشأة
نظریة الإحباط ممّا تعتقد به المعتزلة، ولعل الأصل في هذه النظریة ما ذهبت إلیه المعتزلة في مسألة الإیمان والکفر، فهم یعتقدون بنظریة المنزلة بین المنزلتین لمرتکب الذنوب الکبیرة، وهي منزلة بین الإیمان والکفر، بمعنی أنّ من ارتکب ذنبًا من الذنوب الکبیرة فلیس بمؤمنٍ؛ لأنّ الإیمان لا یجامع ارتکاب الذنب، ولیس بکافر؛ لأنّ الکافر لا یعتقد بإلوهیة الله، ورسالة نبیّه، بخلاف مرتكب الكبيرة من أهل الإسلام، وهذا معناه أنّ ارتکاب الکبیرة عندهم أمرٌ خطیرٌ یخرج الإنسان من الإیمان وإنْ لم یدخله في الکفر، فلا یکون مومنًا ولا کافرًا؛ ونظرًا إلی هذه الأهمیة لارتکاب الکبیرة في روءیتهم، فيعتقدون بأنّ ارتکاب الذنب يؤثّر علی الأعمال الصالحة فيبطلها، وقد عبر عنه بالإحباط.

مضافًا إلی هذا أنّ مسالة الإحباط ترتبط مباشرةً بمسالة العقاب والثواب، وهذه ممّا تحدّث عنه المعتزلة والأشاعره وغیرهما، بأنّه کیف یعامل المذنب الذي عنده حسنات، أو المحسن عنده ذنوب، وهل يؤثّر ذنبه علی حسناته، أو تبطل الذنوب الحسنات وتعدمها؟ وهل یمکن اجتماع الحسنات والسیئات في موضعٍ واحدٍ؟ وهل یمکن أنْ يجتمع الثواب والعقاب لشخصٍ واحدٍ بملاك أنّ له طاعات وله معاصي؟ فکانت المعتزلة تری أنّه لا یمکن اجتماع العقاب والثواب أو لا یمکن اجتماع الذنب والإطاعة فيحکمون بإبطال أحدهما الآخر؛ ولهذا قد ذکر الإحباط بعد الکلام عن الإیمان ونصابه وحکم مرتکب الکبیرة، فکأنّ مسالة الإحباط من فروع مسالة الإیمان. «وكانت المعتزلة بأسرها تنكر أنْ يكون الفاسق‏ مؤمنًا، وتقول إنّ الفاسق ليس بمؤمنٍ ولا كافر، وتسمّيه منزلة بين المنزلتين، وتقول: في الفاسق إيمان لا نسمّيه به مؤمنًا، وفي اليهودىّ إيمان لا نسمّيه به مؤمنًا»[8].
ولا یُخفى أنّه من الضروري أنْ نبحث عن حقیقة الثواب والعقاب وعن حقیقة استحقاقهما، وکذا عن حقیقة المدح والذم، وکلّ من هذه الأبحاث یمکن أنْ نبحث عنها بقدر تأثيرها في البحث هنا، والتفصیل موکول إلی محلّه.

2- الأقوال في المسألة
الأول: القول بالإحباط
المعتزلة
المشهور أنّ المعتزلة من القائلین بالإحباط وإنْ وقع الاختلاف بینهم في حدوده، والمشهور أنّ منشأ هذا القول هو أبو علي الجبائي، وقد جاء في عباراتهم ما یدلّ علی اعتقادهم بالإحباط، قال في المغني : «فاعلم أنّ المكلّف لا يخلو، إمّا تخلص طاعاته ومعاصيه، أو يكون قد جمع بينهما، وإذا كان قد جمع بينهما فلا يخلو، إما أنْ تتساوى طاعاته ومعاصيه، أو يزيد أحدهما على الآخر فإنّه لا بد من أنْ يسقط الأقل بالأكثر، وإنْ شئت أوردت ذلك على وجهٍ آخر، فقلت: إنّ المكلّف لا يخلو، إمّا أنْ يستحق الثواب أو أنْ يستحقّ العقاب من كلّ واحدٍ منهما قدرًا واحدًا، أو يستحقّ من أحدهما أكثر ممّا يستحق من الآخر. لا يجوز أنْ يستحقّ من كلّ واحدٍ منهما قدرًا واحدًا لما قد مرّ، وإذا استحقّ من أحدهما أكثر من الآخر فإنّ الأقل لا بد من أنْ يسقط بالأكثر ويزول، وهذا هو القول بالإحباط والتكفير على ما قاله المشايخ ... وجملة القول في ذلك، هو أنا قد ذكرنا أنّ المكلّف إمّا أنْ تخلص طاعاته أومعاصيه، أو يجمع بينهما ويخلطه، فإذا جمع بينهما فلا سبيل إلى التساوي على ما تقدّم، فليس إلّا أنْ يكون أحدهما أكثر من الآخر، والآخر أقل منه، فيسقط الأقل بالأكثر، وهذا هو الذي نعنيه بالإحباط والتكفير»[9].

لکن المعتزلة اختلفوا في کیفية الإحباط بعد الاتفاق علی عدم اجتماع استحقاق الثواب والعقاب معًا. فذهب أبو عليٍّ الجُبَّائي إلى القول بالإحباط والتكفير، ومعناه أنَّ الطاعة إذا تعقَّبت المعصية - سواء كان أزيد أو أنقص - كُفِّرت بها، وإنْ كان المتعقِّب هو المعصية أحبطت الطاعة بمعنی أنّه لا یفصل بین مقدار الطاعة والمعصیة، بل کلٌّ منها يؤثّر في الآخر، ولا تفاوت بین کثرته وقلته. لکن ذهب أبو هاشم إلىٰ القول بالموازنة، ومعناها أنَّ المكلَّف إذا فعل طاعة ومعصية فأيُّهما كانت أكثر أسقطت الأُخرىٰ [10].

وقد قرر النزاع بین المعتزلة بوجهٍ آخر فقيل: «إنّ القائلين بالإحباط اختلفوا في كيفيته، فمنهم من قال بأنّ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنات القليلة، وتمحوها بالكليّة، من دون أنْ يكون لها تأثير في تقليل الإساءة، وهو المحكي عن أبي علي الجبائي. ومنهم من قال بأنّ الإحسان القليل يسقط بالإساءة الكثيرة، ولكنه يؤثّر في تقليل الإساءة، فينقص الإحسان من الإساءة، فيُجزى العبد بالمقدار الباقي بعد التنقيص، وهو المنسوب إلى أبي هاشم.

وهناك قولٌ آخر في الإحباط، وهو ما حكاه التفتازاني في شرح المقاصد، وهو أنّ الإساءة المتأخّرة تحبط جميع الطاعات وإنْ كانت الإساءة أقلّ منها، قال: حتى ذهب الجمهور منهم إلى أنّ الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات»[11].

وعلى هذا ففي الإحباط أقوال ثلاثة:
1- الإساءة الكثيرة تسقط الحسنة القليلة من دون تأثيرٍ في تقليل الإساءة.
2- الإساءة الكثيرة تسقط الحسنة القليلة، مع تأثير الإحسان في تقليل الإساءة.
3- أنّ الإساءة المتأخّرة عن الطاعات، تبطل جميع الطاعات من دون ملاحظة القلّة والكثرة[12].

2- المرجّئة
3- بنو نوبخت
قال الشیخ المفيد في الأوائل: «وأقول إنّه لا تحابط بين المعاصي والطاعات، ولا الثواب ولا العقاب، وهو مذهب جماعةٍ من الإمامية، والمرجّئة، وبنونوبخت، يذهبون إلى التحابط فيما ذكرناه ويوافقون في ذلك أهل الاعتزال»‏[13].

الثاني: المنکرین للإحباط
وقد أنکر الإحباط کلٌّ من الاشاعرة والمرجّئة والإمامیة[14] قال العلّامة الحِلّي: «ذهبت الإماميَّة والأشعريَّة والمرجئة إلىٰ نفيهما؛ لأنَّ الثواب والعقاب إنْ لم يتنافيا فالمطلوب، وإنْ تنافيا لم يكن الطارئ بإزالة الباقي أولىٰ من منع الباقي الطارئ من الوجود»[15].

الثالث: القائلين بالتفصيل
وهاهنا قولٌ ثالثٌ في الإحباط الذي ارتبط الإحباط أو عدمه الی حقيقة الثواب والعقاب فيقبل الإحباط في صورةٍ، ويردها في صورةٍ أخری، ومجمل القول فيه أنّه لو كان الثواب والعقاب أمرين جعليين، ويتبعان وضع الشارع ورفعه، فلا مجال للاحباط، وأمّا إنْ كانا أمرين واقعيين تكوينيين فلا مجال للإحباط. وتفصيل القول فيه أنّ الآراء في حقيقة الثواب والعقاب مختلفة:

الأول: أنّ الثواب والعقاب في الآخرة من قبيل الأمور الوضعية الجعلية كجعل الأجرة للعامل، والعقاب للمتخلّف
الثاني: الثواب والعقاب في الآخرة مخلوقان لنفس الإنسان حسب الملكات التي اكتسبها في هذه الدنيا، بحيث لا يمكن لصاحب هذه الملكة، السكون والهدوء إلّا بفعل ما يناسبها.
الثالث: الثواب والعقاب في الآخرة عبارة عن تمثّل العمل في الآخرة وتجلّيه فيها بوجوده الأخروي من دون أنْ يكون للنفس دورٌ في تلك الحياة في تجلي هذه الأعمال بتلك الصور، بل هي من ملازمات وجود الإنسان المحشور.

فلو قلنا بالوجه الأول (بأنّ الثواب والعقاب في الآخرة من قبيل الأمور الوضعية الجعلية)، كان لنفي الإحباط مجال؛ لأنّ الأمور الوضعية، رفعها ووضعها، وتبسيطها، وتضييقها، بيد المقنّن والمشرّع فالشارع أو المجازي حينما يری أنّ المكلّف يفعل الحسنات فيعطيه الثواب، أو يفعل السيئات فيجزيه العقاب من دون أنْ تكون السيئات تحبط الحسنات، بل للشارع أنْ يتصرّف ويعطي الثواب أو العقاب.

أمّا لو قلنا بالوجه الثاني، وحاصله أنّ الملكات الحسنة والسيّئة التي تعدّ فعليات للنفس، تحصل بسبب الحسنات والسيّئات التي كانت تصدر من النفس. فإذا قامت بفعل الحسنات، تحصل فيها صورةٌ معنويةٌ، مقتضية لخلق الثواب، كما أنّه إذا صدر منها سيئة، تقوم بها صورةٌ معنويةٌ تصلح لأنْ تكون مبدأً لخلق العقاب. وبما أنّ الإنسان في معرض التحوّل والتغيير من حيث الملكات النفسانية، حسب ما يفعل من الحسنات والسيئات، فإنّ من الممكن بطلان‏ صورةٍ موجودةٍ في النفس، وتبدّلها إلى صورة غيرها ما دامت تعيش في هذه النشأة الدنيوية، أمّا إذا تقف الحركة ويبطل التحوّل عند موافاة الموت، فعند ذلك تثبت لها الصور بلا تغيير أصلًا، وعليه كان الإحباط على وفق القاعدة؛ لأنّ الجزاء في الآخرة، إذا كان فعل النفس وإيجادها، فهو يتبع الصورة الأخيرة للنفس، التي اكتسبتها قبل الموت. فإنْ كانت صورةً معنويةً مناسبةً للثواب فالنفس منعّمة في الثواب من دون مقابلة بالعقاب؛ لأنّ الصورة المناسبة للعقاب قد بطلت بصورةٌ أخرى. وإذا انعكست الصورة، انعكس الحكم.

وقد أشار إلی هذا العلّامة الطباطبائي في کلامه حول الإحباط: «إنّا لو سلكنا في باب الثواب والعقاب والحبط والتكفير وما يجري مجراها مسلك نتائج الأعمال ...كان لازم ذلك كون النفس الإنسانية ما دامت متعلقةً بالبدن جوهرًا متحولًا قابلًا للتحوّل في ذاته وفي آثار ذاته من الصور التي تصدر عنها، وتقوم بها نتائج وآثار سعيدة أوشقية، ... غير أنّ الذات لما كانت في معرض التحوّل والتغيّر بحسب ما يطرؤها من الحسنات والسيئات كان من الممكن أنْ تبطل الصورة الموجودة الحاضرة بتبدلها إلى غيرها، وهذا شأنها حتى يعرضها الموت فتفارق البدن، وتقف الحركة، ويبطل التحوّل واستعداده، فعند ذلك يثبت لها الصور وآثارها ثبوتًا لا يقبل التحوّل والتغيّر إلّا بالمغفرة أو الشفاعة على النحو الذي بيناه سابقًا»[16]. وهذا يعني الإحباط بمعنی عدم إبطال العمل الأخير، وعدم تبديله وتغييره بشيءٍ آخر.
لکن یوجد مذهبٌ آخر في الثواب والعقاب یدلّ علی أنّ الثواب والعقاب لیسا نتیجة الأعمال بشکلٍ تکویني، بل هما من باب المدح والذم من العقلاء، کما یجری هذا الأمر بین العقلاء، والموالی والعبید في الدنیا، وعلی هذا فتغییر الثواب والعقاب أمرٌ ممکن.

«وكذا لوسلكنا في الثواب والعقاب مسلك المجازاة على ما بيّناه فيما مرّ كان حال الإنسان من حيث اكتساب الحسنة والمعصية بالنسبة إلى التكاليف الإلهية، وترتب الثواب والعقاب عليها حاله من حيث الإطاعة والمعصية في التكاليف الاجتماعية، وترتب المدح والذم عليها، والعقلاء يأخذون في مدح المطيع والمحسن، وذم العاصي والمسي‏ء بمجرد صدور الفعل عن فاعله، غير أنّهم يرون ما يجازونه به من المدح والذم قابلًا للتغيّر والتحوّل؛ لكونهم يرون الفاعل ممكن التغيّر والزوال عمّا هو عليه من الانقياد والتمرد»[17].

المبحث الثاني: بماذا یتعلّق الإحباط؟
وممّا ینبغي الالتفات إلیه في تحریر محلّ النزاع أنّ متعلق الإحباط ما هو؟ وهذا أمرٌ یختلف العلماء فيه:
الرأي الأول: قیل إنّ الإحباط یتعلق بالطاعة والمعصیة بمعنی أن المعصیة تحبط الطاعة اذا کانت المعصیة عقیب الطاعة، وکذا الطاعة تکفر المعصیة إذا کانت عقیب المعصیة. «ومعناه [الإحباط والتكفير] أنَّ الطاعة إذا تعقَّبت المعصية - سواء كان أزيد أو أنقص - كُفِّرت بها، وإنْ كان المتعقِّب هو المعصية أحبطت الطاعة»[18].

الرأي الثاني: قیل إنّ متعلّق الإحباط هو الثواب والعقاب، فالعقاب یحبط الثواب والثواب یکفّر العقاب، کما عن العلّامة الحِلي[19]، والشیخ الطبرسي[20].
الرأي الثالث: يتعلّق الإحباط بالعمل، ولا يختصّ بالأعمال العبادية أو القربية، بل يشمل جميع الأعمال والشاهد عليه أنّ الإحباط تعلّق بأعمال الكفار والمنافقين الذين لا عمل قربي لهما.

«الحبط هو بطلان العمل وسقوطه عن التأثير... والذي ذكره تعالى من أثر الحبط بطلان الأعمال في الدنيا والآخرة معًا، فللحبط تعلّقٌ بالأعمال من حيث أثرها في الحياة الآخرة، فإنّ الإيمان يطيب الحياة الدنيا كما يطيب الحياة الآخرة ... فظهر ممّا قربناه أنّ المراد بالأعمال مطلق الأفعال التي يريد الإنسان بها سعادة الحياة، لا خصوص الأعمال العبادية، والأفعال القربية التي كان المرتد عملها وأتى بها حال الإيمان، مضافًا إلى أنّ الحبط واردٌ في مورد الذين لا عمل عبادي، ولا فعل قربي‏ لهم كالكفّار والمنافقين كقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ)[21]، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ وما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ)[22] ، إلى غير ذلك من الآيات»[23].

المبحث الثالث: ما استدلّ به علی نفي الإحباط
ذُکر أنّ الإمامیة ممّن ذهب إلی نفي الإحباط، واستدلّ القائلون بالنفي علی مذهبهم بأدلةٍ عقلیةٍ ونقلیةٍ، والأکثر هي الأدلة العقلیة، وقد بدأت هذه الأدلة العقلیة من المتکلّمین الاوائل، ثم تممها من جاء من بعدهم، وأحیانًا قد تکرر بعض الأدلة في ألسنتهم، ونحن حاولنا سرد الأدلة الأصلیة مع حذف المشترکات في أقوالهم. وقد تکون بعض الأدلة مجملةً في نفسها فتحتاج إلی تبیینٍ وتوضیح.

القسم الأول: الأدلة العقلیّة
الدلیل الأول: عدم التضادّ بین الثواب والعقاب
التحابط بین الثواب والعقاب، إنّما یلزم لو کان کلٌّ منهما مضادًّا للآخر، فلا یمکن الاجتماع بینهما؛ لأنّ الجمع بین المتضادین محالٌ، فإذا تحقّق الثواب في موضوع وهو المکلّف؛ فلا یمکن حلول العقاب في هذا الموضوع نفسه، وکذا العکس، لکن إذا لم یکن بین الثواب والعقاب تضادٌّ فلا ضیر في اجتماعهما في موضوعٍ واحدٍ، فالمکلّف یستحقّ الثواب لما فعل من الطاعات، ویستحقّ العقاب لما فعل من المعصیات، فلا تطارد بینهما في اجتماعهما في موضوعٍ واحد. وقد اُستدلّ علی عدم التضادّ بینهما بأنّ الثواب من جنس العقاب واجتماع المتنجانسین في موضوعٍ واحدٍ ممکن.

«ومن قوي ما يدلّ على نفي التحابط بين الثواب والعقاب: أنّ الشي‏ء إنّما ينفي غيره ويبطله ويحبطه، إذا ضادّه أو نافاه، أمّا فيما يحتاج ذلك الشي‏ء في وجوده إليه لا تضادّ ولا تنافي بين الثواب والعقاب المستحقّين؛ لأنّ الثواب قد يكون من جنس العقاب، ولو خالفه لما انتهى إلى التنافي والتضادّ، ولو كان هناك تضاد أو تنافٍ، لكان على الوجود كتنافي سائر المتضادات... وإذا بطل الإحباط، فلا بد من أنْ يكون من ضمّ إلى الإيمان المعاصي الموسومة بالكبائر من أن يرد القيامة، وهو مستحقٌّ لثواب إيمانه وعقاب معصيته، فإن لم يغفر عقابه إما ابتداءً أو بشفاعة، عُوقب بقدر استحقاقه، ثم نقل إلى الجنة، فيخلد فيها بقدر استحقاقه»[24].

وقد ذُکر هذا الاستدلال في کلام الشیخ الطوسی حیث قال: «والذي يدل على بطلان التحابط: أنّه لا تنافي بين الطاعة والمعصية، ولا بين المستحقّ عليهما من الثواب والعقاب، ولا ما يجري مجرى التنافي، والشي‏ء ينافي غيره لتضادٍ بينهما أو ما يجري مجرى التضادّ». واستدلّ الشیخ علی عدم التضادّ في أمرین بین الطاعة والمعصیة، وبین الثواب والعقاب، والدلیل علی عدم التضادّ بین الطاعة والمعصیة هو أنّ الطاعة والمعصیة من جنس واحد؛ لأنّ الفعل الواحد قد یکون طاعةً ویستحقّ علیه الثواب، وقد یکون هذا الفعل نفسه معصیة یستحقّ علیه العقاب، ولو کان متضادًا لا یمکن أن یفعل في فعلٍ واحدٍ. واستدلّ بهذا الدلیل نفسه علی عدم التضادّ بین الثواب والعقاب؛ لأنّ الثواب علی تفسیره هو النفع، والعقاب هو النفرة، وقد یکون شيءٌ نافعًا من جهة، ولکنه یقع سببًا للنفور من جهة أخرى، مثل الدواء المرّ الذی یکون نافعًا من وجه، لکنه سبب للضرر علی بعض القوی، أو یکون سببًا للنفرة عنه، ویمکن أن یمثل أيضًا بالغذاء، فإنّه یکون نافعًا للجایع، ومضرًّا للمتلیء.

«وإنـّما قلنا لا تضادّ بين الطاعة والمعصية؛ لأنّهما من جنسٍ واحد، بل نفس ما يقع طاعةً كان يجوز أنْ يقع معصية، ألا ترى أنْ قعود الإنسان في دار غيره غصبًا معصية، وهو من جنس قعوده فيها بإذنه، وهو حسن مباح، وهما جنس واحد. وكذلك لا تضادّ بين المستحق عليهما لمثل ذلك بعينه؛ لأنّ الثواب من جنس العقاب، بل نفس ما يقع ثوابًا كان يجوز أنْ يقع عقابًا؛ لأنّ الثواب هو النفع الواقع على بعض الوجوه، ولا شي‏ء يقع نفعًا إلّا وكان يجوز أنْ يقع ضررًا وعقابًا بأنْ يصادف نفارًا»[25].

الدلیل الدليل الثاني: عدم التنافي
وقد أشار الشيخ إلی مسألة یمکن أنْ نعدّها دلیلًا آخر، وهو أنّه بعد تسلیم التضادّ بین الثواب والعقاب، لکنّ ذلك لا يستلزم التنافي بینهما، وحاصله أنّ التضادّ وقع بین الموجودین الذين یکون أحدهما ضدًّا للآخر، لکنّ المعدومین أو الموجود والمعدوم لا تضادَّ بینهما؛ لأنّ الطرفين أو الطرف الواحد لا یکون موجودًا؛ فالمعدومان یمکن اجتماعهما في حال العدم کالبیاض والسواد المعدومین، فهما یجتمعان؛ لأنّهما معدومین، والحکم بعدم اجتماعهما مختصٌّ بما إذا کانا موجودین، وکذا الأمر في اجتماع الثواب والعقاب لدى مستحقهما؛ إذ التحابط یقتضي انعدامهما جمیعًا؛ لأنّ الثواب یعدم العقاب، والعقاب یعدم الثواب، فکلاهما معدومان، ویمکن اجتماعهما في حال عدمهما، فثبت المطلوب.

«ولو كان بينهما تضادٌّ على تسليمه لما تنافى الثواب والعقاب، وهما معدومان؛ لأنّ الضدّ الحقيقي لا ينافي ضدّه في حال عدمه؛ لأنّ السواد والبياض قد يجتمعان في العدم. والتحابط عندهم في المستحقّين من الثواب والعقاب، وهما لا يكونان إلّا وهما معدومان؛ لأنّهما إذا وجدا خرجا عن كونهما مستحقين،‏ وإنْ شئت قلت: قد ثبت استحقاق الثواب على الطاعة، فلا وجه يقتضي إزالته فيجب أنْ يكون ثابتًا على ما كان، فإنْ ادّعوا أنّ بينهما تنافيًا تكلّمنا عليه فيما بعد»[26].

وقد أشار الشریف المرتضی إلى إمکان اجتماع الطاعة والمعصیة في موضوعٍ واحد، وعدم التنافي بینهما بقوله: «والذي يدلّ على نفي التحابط: أنّ نفي الشي‏ء لغيره لا يكون إلّا مضادًّا، أو ما جرى مجراه، ولا تضادّ بين الطاعة والمعصية، بل هما من جنسٍ واحدٍ عندنا وعندهم. بل نفس ما يقع طاعةً يمكن أنْ يقع معصية»[27].

وقد بُیّن هذا الدلیل بوجهٍ آخر في کلام العلّامة الحِلّي حاکیًا عن الشیخ، وقال: «إنَّ القول بالإحباط مبنيٌّ على المنافاة بين الثواب والعقاب، ولا منافاة بينهما، فيبطل القول بالإحباط. وبيان عدم المنافاة: أنَّهما إمَّا أنْ تكون في سببهما أو في استحقاقهما، والكلُّ باطل. أمَّا عدم المنافاة في سببهما؛ فلأنَّه يمكننا أنْ نفعل طاعةً ببعض الجوارح، ومعصيةً بالبعض الآخر دفعةً واحدة. وأمَّا عدم المنافاة في استحقاقهما فظاهر؛ إذ لا استبعاد في ثبوت حقٍّ لشخصٍ، وآخر عليه في حالةٍ واحدةٍ، وأمَّا عدم المنافاة في استبقائهما، فلإمكان الجمع بينهما بأنْ يفعل أحدهما قبل الآخر»[28].

الدلیل الثالث: عدم المانع
يمكن الاستدلال علی نفي الإحباط بأنّ من ثبت له استحقاق الثواب بالطاعة، فزوال هذا الاستحقاق یحتاج إلی مزیل، وإلّا فيبقی الثواب بلا مانع منه، لكن العقاب لا يمكن أنْ یكون مانعًا عن الثواب؛ لأنّ المانع یلزم أنْ یکون مضادًّا للشيء، والعقاب لا تضادّ بینه وبین الثواب، فلا یمنع العقاب عن الثواب. «وإنْ شئت أنْ نختصر هذه الجملة فنقول: قد ثبت استحقاق الثواب بالطاعة، فلا وجه يقتضي زواله، فيجب أنْ يحكم باستمرار استحقاقه».[29]

الدلیل الرابع: عدم التساوی بین المذنب والمطیع
لو صحّ الإحباط بین الثواب والعقاب؛ فيلزم أنْ یکون الشخص الذي ارتکب المعصیة، وأتى بالطاعة، وساوى مقدار حسناته مقدار سیئاته، بمنزلة من لم یذنب، ولم یطع أصلًا؛ لأنّ هذا المقدار من الذنب یزیل ذلك المقدار من الطاعة، وکذا ذلك المقدار من الطاعة یزیل هذا المقدار من الذنب؛ فلا یکون عنده ذنب ولا طاعة، وهذا الشخص کمن لا یرتکب الذنوب، ولا یأتي بالطاعات أصلًا، لکن هذا خلاف الضرورة، فبالوجدان نعرف أنّ ثمّة فرقًا واضحًا بین الحالتين. وکذلك لو زاد مقدار الإساءة علی الطاعة، وأزالت الإساءة هذا القدر من الطاعة، وتبقی من الإساءة (مثلًا لو کان مقدار الإساءة 100، ومقدار الإطاعة 50؛ فإنّ الإساءة تذهب بمقدار 50 من الطاعات، ویبقی 50 من الاساءات سلیمة عن المعارض)، فيكون هذا العبد کمن لم یحسن ولم یأتِ بالطاعة أصلًا، لکنّ الوجدان لا یقبل هذا، بل یعترف بالفرق بینهما، وکذا من کان مقدار حسناته أکثر من سیئاته، فهذه الحسنات تزیل السیئات، وتبقی بمقدار الزائد علیها، وهذا الشخص کمن لم یرتکب سیئةً أصلًا مع أنّ الوجدان لا یقبل هذه المساواة بین الشخصین.

«وممّا يدلّ على نفي التحابط أنّ القول به يوجب في مَن جمَع بين إحسانٍ وإساءةٍ أنْ يكون عند العقلاء بمنزلة من لم يحسن ولم يُسِئ، بأنْ يتساوي ويتعادل ما يستحقّ من مدح وذم على إحسانه وإساءته، أو أنْ يكون بمنزلة من لم يحسن إنْ كان المستحقّ على إساءته هو الزائد، أو بمنزلة من لم يُسِئ إنْ كان المستحقّ على إحسانه هو الزائد، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك»[30].

الدلیل الخامس: اجتماع الإحسان والإساءة
لو کان الإنسان یُحسن إلی زید، ویُسيیء إلیه أیضًا، فقد اعترف بأنّ زیدًا یجتمع فيه الإحسان والإساءة، ویکون موردًا للإحسان والإساءة معًا، فيُمدح ویُذمّ معًا علی الإحسان والإساءة، فهذا دلیلٌ علی أنّ الاستحقاقین یجتمعان في موضعٍ واحدٍ، فلا یزیل أحدهما الآخر؛ لأنّه لو أزال أحدهما الآخر فلا مدح له علی الإحسان کما لا ذمَّ له علی الإساءة. «قد علمنا أنّه يحسن من يحسن إليه بعض الناس بإحسانٍ واساءةٍ إليه- لا يظهر زيادة أحدهما على الآخر- أنْ يمدحه على إحسانه، ويذمّه على إساءته، ويقول له في المحافل: قد أحسنت إليَّ في كذا، ويمدحه ويشكره، ثم يقول: لكنّك أسأت في كذا- ويعنّفه ويبكّته – فلو تجرّد إحسانك لَخلص لك مدحي وشكري. وهذا يدلّ على اجتماع الاستحقاقين، ويبطلان ما يدّعونه من التحابط. وإذا اجتمعتا في بعض المواضع عُلم فساد ما يُدّعى من التنافي، وحمل على هذا الموضع الظاهر ما يغمض من المواضع»[31].

الدلیل السادس: عدم المنافاة عقلًا بین الثواب والعقاب
العقل یحکم بأنّ الإحباط مردودٌ عند العقل؛ لأنّ العقل لا یری تنافي بین الثواب والعقاب، بل للمحسن الثواب، وللمسيء العقاب، وموضوع کلٍّ منهما مستقلٌّ عن الآخر، « والإحباط باطل؛ لأنَّ العقل لا يقتضي‏ محو الإحسان الكثير بالإساءة القليلة، ولا منافاة بين الثواب والعقاب»[32].

الدلیل السابع: إمکان العکس
إنّ المدّعي للإحباط یعتقد بأنّ الإحسان الذي تتلوه الإساءة یبطل ویحبط؛ لأنّ الإساءة تُبطل الإحسان، لكن السوال أنّه لماذا لم یکن الأمر بالعکس؟ بمعنی أنّ الإحسان السابق یبطل ویعدم الإساءة اللاحقة؟ فکأنّ الإحسان مستقرٌّ في مکانه ویدفع کلّ ما ینافيه من الإساءة وغیرها، وما لم یقم دلیلٌ علی إبطال هذا الاحتمال الثاني لا مجال للقول بالإحباط. وقد أشار إلی هذا الاستدلال الشريف المرتضى بقوله: «والإحباط باطل؛ لأنَّ انتفاء الأقدم بالأحدث ليس أولىٰ من عكسه»[33].

الدلیل الثامن: عدم إمكان إراءة الخير
إذا كان العمل الذي یحبط باقيًا، ولم یعدم فلا یمکن الجمع بینه وبین قوله تعالی: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ). لأنّ الموضوع وهو العامل الخیر موجود لكن رؤیة العمل غیر موجودٍ مع أنّ الآیة کانت بصدد بیان أنّ کلّ الخیرات ولو مثقالًا منها یکون مجزیًا به، أمّا إذا لم یبقَ العمل، بل کلما یوجد العمل الصالح، فينفیه العمل السيء، فلا یبقی عمل خیر، حتی کان العامل له یری عمله في الآخرة، مع أنّ الآیة تدلّ علی رؤية الخیر من فاعله.

«والإحباط باطل؛ لأنَّ العقل لا يقتضي‏ محو الإحسان الكثير بالإساءة القليلة، ولا منافاة بين الثواب والعقاب، ولأنَّ انتفاء الأقدم بالأحدث ليس أولىٰ من عكسه، وللزوم الدور المشهور، ولأنَّ الطارئ إنْ أحبط وبقي أدَّىٰ إلىٰ مخالفة قوله تعالىٰ‏: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)[34]، وإنْ لم يبقَ استحال زوال شيء منهما، إذ لا مقتضيَ له إلَّا بإلزام‏ وجودهما حال عدمهما، لوجوب وجود العلَّة مع المعلول‏»[35].

الدلیل التاسع: قبح الظلم
ویمکن أنْ یُستدلّ علی نفي الإحباط بأنّ الإحباط مستلزمٌ للظلم علی العباد، والظلم علی العباد منفيٌّ عنه تعالی؛ لأنّ المحسن الذي تكون إساءته أکثر من إحسانه، لا یستحقّ لإحسانه شيئًا من الثواب مع أنّ هذا ظلم في حقّه؛ لأنّه حینما یحسن فيستحقّ الثواب، ولا یمنع العادل الثواب عن مستحقّه وإنْ کان مسیئًا أیضًا في بعض أفعاله، بل العادل یعطیه الثواب علی إحسانه، ویعاقبه علی إساءته وکذلک في جانب الإساءة، فإنّ الإحسان لا یقلع الإساءة من جذورها. قال العلّامة الحِلّي في شرح قول المحقّق الطوسي: (لاستلزامه الظلم): «ويدلّ على بطلان الإحباط أنّه يستلزم الظلم؛ لأنّ من أساء وأطاع وكانت إساءته أكثر يكون بمنزلة من لم يحسن، وإنْ كان إحسانه أكثر يكون بمنزلة من لم يُسئ وإنْ تساويا يكون مساويًا لمن لم يصدر عنه أحدهما وليس كذلك عند العقلاء»[36].

الدلیل العاشر: عدم تأثير الإیمان
یمکن أنْ یستدلّ علی بطلان الإحباط بأنّ الإیمان علّةٌ تامةٌ لاستحقاق الثواب، والمعلول وهو استحقاقّ الثواب یبقی ببقاء علّته، ولو ارتکب الإساءة بعد الإحسان فلا تأثير له في علیة الإيمان في معلوله، بل یبقی علی کونه علّةً لاستحقاقّ الثواب فيبقی استحقاق الثواب حاله.
قال المحقّق البحراني:«أنَّ بقاء العلَّة التامَّة يستلزم بقاء المعلول، وقد كان الإيمان قبل المعصية علَّة تامَّة لاستحقاق الثواب، وهو بعينه باقٍ بعدها، فوجب بقاء معلوله بعدها. وهذه الحجَّة مبنيَّةٌ علىٰ أنَّ الإيمان عبارةٌ عن التصديق القلبي، وسنُبيِّن ذلك»[37].

الدليل الحادی عشر:
هذا الدلیل ذکره الشریف المرتضی في الموصلیات، وهو أنّ الثواب المستحقّ علی الطاعة أما مطلق، أي لا یشترط في استحقاقّ الثواب إلی شرط، بل الطاعة نفسها تکفي لاستحقاق العقاب، وأمّا يكون مشروطًا، والشرط هو أنّ الفاعل لا يرتكب ذنبًا في المستقبل، فاستحقاقّ الثواب يكون مقیّدًا بهذا الشرط. فإنْ کان استحقاقّ الثواب علی الوجه الأول، أي لا يكون مشروطًا بشيء، فيكون استحقاقّ الثواب دائمیًا، ولا تضرّه أي معصية أبدًا؛ لأنّ وقوع الطاعة کالعلّة التامّة لاستحقاق الثواب، ولا يضرّ معه المعصیة، وهذا معناه بطلان الإحباط.

وإنْ کان الوجه الثاني وهو أنّ استحقاق الثواب يكون مشروطًا بشرط وهو ألّا يرتكب المطیع في المستقبل ذنبًا، فيستلزم أنْ يكون المطيع الذي علم الله تعالى أنّه سيرتكب ذنبًا في المستقبل لا يستحقّ الثواب؛ لأنّ شرط استحقاق الثواب غير حاصلٍ، وإذا لم يكن له ثواب، فليس يتصوّر في حقّه إحباط؛ لأنّه لا يكون مستحقًّا للثواب، فكيف يمكن أنْ يحبط ثوابه المعصية، وبعبارةٍ أخرى ليس لهذا المطيع الذي سيرتكب الذنب في المستقبل استحقاقّ للثواب، فلا يكون له ثواب حتى يحبط بوساطة العقاب فثبت أنْ لا إحباط أصلًا في کلا الفرضین.
«وقد استدلَّ علم الهدىٰ (قدَّس الله روحه) في الموصليَّات في الوعيد على بطلان القول بالتحابط بدليلين آخرين: أحدهما: أنَّ الثواب المستحقَّ علىٰ الطاعة لا يخلو من وجهين: إمَّا أنْ يكون جهة استحقاقه وقوع الطاعة فقط من غير شرط، أو يكون استحقاقّ الثواب بها مشروطًا بألّا يأتي فاعلها في المستقبل بندمٍ عليها أو كبيرة. فإنْ كان الوجه الأوَّل وجب أنْ يكون استحقاق الثواب‏ ثابتًا، وإنْ واقع فاعلها الكبائر؛ لأنَّ ما أوقعه لم يُخرِج الطاعة من وقوعها الذي هو سبب الاستحقاق. وإنْ كان الوجه الثاني وجب أنْ يكون المطيع الذي علم تعالى من حاله أنَّه يأتي في المستقبل بكبيرةٍ لم يستحقّ ثوابًا؛ لأنَّ الشرط في استحقاقه الثواب لم يحصل. وإذا كان كذلك لم يكن لقولهم: إنَّ عقاب الكبيرة أحبط ثواب الطاعة معنًى؛ لأنَّ الثواب إذا لم يكن مستحقًّا كيف يقال: إنَّه انحبط؟»[38].

ثم ذُکر إشکال بأنّ استحقاق الثواب مشروطٌ بعدم الندم علیه، وعدم الإتیان بالکبیرة عقیبه، وأجاب عنه بقوله: «فإنْ قالوا: الطاعة يستحقُّ بوقوعها علىٰ الوجه المأمور به الثواب، غير أنَّ‏‏ الاستحقاق لا يثبت إلَّا بشرط ألّا يندم عليها ولا يأتي بكبيرة .قلنا: هذا فصلٌ وفرقٌ منكم بين الاستحقاق وبين ثبوته، حتَّىٰ جعلتم أحد الأمرين مشروطًا والآخر غير مشروط. وهذا فصلٌ وفرقٌ غير معقول؛ لأنَّ العقلاء لا يفصلون ولا يُميِّزون بينهما، إذ ثبوت الاستحقاق هو الاستحقاق لا ينفصل عنه، وكلُّ ما لا يثبت من الاستحقاق فليس استحقاقًا، وما يمنع من أحد الأمرين يمنع من الآخر»[39].

الدليل الثاني عشر: تأثير الترك
هذا الدلیل له مقدمةٌ، وهي أنّه لو كان يؤثّر العمل السيّىء في العمل الصالح، فعدم هذا العمل السيّىء يؤثّر في عقاب ترك العمل الصالح، مثلًا لو نقارن بين الزِّنا، وهو العملُ السَّيِّئ، وبين توحيدِ الله، وهو العملُ الحَسَن، فلو يُحبط عقابُ الزِّنا ثوابَ التوحيد، فيمكن أن يُقال إنّ تاركَ الزِّنا له أجرٌ أعظمُ من المُخِلِّ بمعارفِ التوحيد، لأنّه لو زنى يُحبط عملُه هذا الثوابَ المُترتّب على التوحيد، لكنّه لم يَزْنِ، ولم يُخِلَّ بثوابِ التوحيد، فثوابُه لتركِه الزِّنا يُكفِّر عقابَ إخلالِه بمعارفِ التوحيد، لكنّ هذا باطلٌ بالاتفاق، ولا يمكن القول إنّ تاركَ الزِّنا يُكفِّر تركُه هذا إخلالَه بمعارفِ التوحيد.

«والدلیل الثاني [ممّا استدلّ به علم الهدی في الموصلیات]: أنَّ حكم الشيء مع غيره كحكم تركه مع ترك ذلك الشيء. وبيانه: أنَّ قتل أحدِنا ولدَ غيره لـمَّا كان إساءةً إليه أعظم من الإحسان الذي هو إطعامه الطعام اللذيذ وإعطاءه اليسير من المال، كان تخليص ولده من القتل وامتناعه من قتل ولده مع قدرته عليه وعزمه عليه إحسانًا إليه، أعظم من الإساءة التي هي امتناعه من إطعام الطعام وإعطائه‏‏ اليسير من المال اللذين استحقَّهما عليه. وإنَّما فرضنا الاستحقاق في الإطعام وإعطاء المال ليصحَّ كون الامتناع منهما إساءة. إذا تقرّر هذا، فلو كان الزنا في باب المعصية أعظم من التوحيد في باب الطاعة حتى يحبط عقابه ثواب معارف التوحيد لكان الكفّ والامتناع منه في باب الطاعة أعظم من الإخلال بمعارف التوحيد في باب المعصية، وكان يجب فيمن لا يزني ويخلّ معارف التوحيد أنْ يكفّر ثوابُ اجتنابه من الزنا عقابَ إخلالِه بمعارف التوحيد، وهذا باطلٌ معلوم خلافه بالاتفاق»‏[40].

الثالث عشر: قبح الإحباط
استدلّ علی نفي الإحباط بأنّ الإحباط قبیحٌ بین العقلاء فيقبح في حقّه تعالی أیضًا «يقبح في الشاهد إحباط إحسان المحسن دائمًا بفعلٍ يسيرٍ من المعصية، والعلم به ضروري»[41]. «وأمَّا إبطال الإحباط؛ فلأنَّ من عَبَد الله تعالى ألف سنةٍ، ثمّ عزم علىٰ معصية لزم أنْ يُحبِط الله كلَّ ذلك، وهو قبيح عقلًا»[42]‏.

الدليل الرابع عشر: نفي التنافي
استفيد هذا الدلیل من عدم التنافي بین استحقاقّ الثواب والعقاب؛ ولذلك صحّ الجمع بینهما، وبطل به الإحباط لكن تقریر الدلیل یختلف مع الأدلة الأخری؛ لأنّه لا تنافيَ بین استحقاقّ الثواب واستحقاق العقاب؛ لأنّ الاستحقاقّ في کليهما بمعنی واحدٍ فلا یمکن التنافي بین الشيء ونفسه. وكذلك لا تنافيَ بین لوازم استحقاقّ الثواب واستحقاقّ العقاب؛ لأنّه لا یمکن أنْ یکون لشيءٍ واحدٍ وهو الاستحقاق، لازمان مختلفان، بل الماهیة الواحدة لها لازمٌ واحد. وکذلك لا تنافيَ بین عارض استحقاقّ العقاب واستحقاق الثواب؛ لأنّ العارض یجوز زواله عن المعروض، فيمکن زوال العارض من أحدهما؛ فيرفع به التنافي بینهما، فيجتمعان في موردٍ واحد. فالنتیجه عدم التنافي بین استحقاقّ الثواب والعقاب من حیث ذاته ولازمه وعارضه.
«إنَّ استحقاقّ الثواب واستحقاقّ العقاب إمَّا أنْ يتنافيا أولا، والأوَّل باطل؛ لأنَّ تنافيهما إمَّا لذاتيهما وهو باطل؛ لأنَّ ماهيَّة الاستحقاق ماهيَّةٌ واحدة، أو باللوازم، وهو أيضًا باطل؛ لأنَّ الماهيَّة الواحدة لا يختلف لوازمها، أو بالعوارض لكن العارض لـمَّا جاز زواله جاز زوال ما به تنافي الاستحقاقين، فجاز اجتماعهما، فوجب أنْ يصلا إلىٰ المكلَّف العاصي»[43].

الدليل الخامس عشر: عدم الأولويّة
والدليل الآخر وهو استدلّ به المحقّق الطوسي بقوله: «ولعدم الأولوية إذا كان الآخر ضعفًا، وحصول المتناقضين مع التساوي».
وقال العلّامة في شرحه : «هذا دليلٌ على إبطال قول أبي هاشم بالموازنة، وتقريره: أنّا إذا فرضنا أنّه استحقّ المكلَّف خمسة أجزاءٍ من الثواب، وعشرة أجزاءٍ من العقاب، فليس إسقاط إحدى الخمستين من العقاب بالخمسة من الثواب أولى من الأخرى، فإمّا أنْ يسقطا معًا وهو خلاف مذهبه، أو لا يسقط شيءٌ منهما وهو المطلوب، ولو فرضنا أنّه فعل خمسة أجزاءٍ من الثواب، وخمسة أجزاءٍ من العقاب، فإنْ تقدّم إسقاط أحدهما للآخر لم يسقط الباقي بالمعدوم؛ لاستحالة صيرورة المغلوب والمعدوم غالبًا ومؤثرًا، وإنْ تقارنا لزم وجودهما معًا؛ لأنّ وجود كلٍّ منهما نفي وجود الآخر، فيلزم وجودهما حال عدمهما، وذلك جمع بين المتناقضين»[44].

وقال في موضعٍ آخر: «إنَّ المعصية الطارئة ليست أولى في اقتضاء عدم الثواب السابق من العكس، فإمَّا ألّا ينتفيا وهو المطلوب، أو ينتفيا معًا وهو باطل لما يأتي»[45].

الدليل السادس عشر: موافقة الشارع للعقلاء في الثواب والعقاب
وقد استدلّ علی عدم الإحباط بأنّ طریقة الشارع في الثواب والعقاب مثل ما یجري بین العقلاء، ولا یختلف عنهم، والعقلاء یثیبون علی الحسنات، ویعاقبون علی السیئات من دون أنْ یکون الثواب یکفّر العقاب، أو العقاب یحبط الثواب، وبمثل ما یوجد بین العقلاء ونظامهم یمکن القول بأنّ الأمر هکذا عند الشارع.
«أنّه تعالى جرى في مسألة تأثير الأعمال على ما جرى عليه العقلاء في الاجتماع الإنساني من طريق المجازاة، وهو الجزاء على الحسنة على حدة، وعلى السيئة على حدة إلّا في بعض السيئات من المعاصي التي تقطع رابطة المولوية والعبودية من أصلها فهو مورد الإحباط، والآيات في هذه الطريقة كثيرة غنية عن الإيراد»[46].

الدليل السابع عشر: استحالة الترجیح من غیر مرجّح
قد اُستدلّ علی نفي الإحباط باستحالة الترجیح من غیر مرجِّح ببیان أنّ العقاب الطارئ علی الثواب إذ كان أنقص من الثواب، كأن يكون العقاب عشرة أجزاء، والثواب عشرین جزءًا فلو طرأت العشرة علی العشرة الأولی لزم الترجیح بلا مرجِّح، وکذا لو طرأت علی العشرة الثانیة.

«وممّا يدلّ أيضًا على فساد الإحباط: أنّه إذا كان مستحقًّا لعشرين جزءًا من الثواب، ثم أتى بمعصيةٍ استحقّ بها عشرة أجزاءٍ من العقاب. فلو قلنا: بأنّ هذا الطارئ يحبط السابق، لكان إمّا أنْ تحبط هذه العشرة الطارئة تلك العشرين المتقدمة - وهذا قول باطل بالاجماع؛ لأنّه يكون ظلمًا- وإمّا أنْ تكون العشرة الطارئة تحبط من العشرين‏ المتقدّم عشرة فقط - وهذا هو مذهب القائلين بالإحباط-، ونقول: هذا محال؛ لأنّ نسبة هذه العشرة الطارئة إلى كلّ واحدٍ من العشرتين السابقتين على السوية. فإذا اقتضت هذه العشرة الطارئة إزالة إحدى العشرتين السابقتين، دون العشرة الأخرى؛ لكان هذا ترجيحًا لأحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجِّح. وهو محال. ولمّا بطل هذا القسم، لم يبقَ إلّا أنْ يقال: هذه العشرة الطارئة تؤثّر فى إزالة كلّ واحدةٍ من العشرتين المتقدمتين - وذلك هو القسم الأول، وقد أبطلناه- أو لا تؤثر فى إزالة شي‏ءٍ ممّا وجد قبل ذلك، وهذا يمنع من القول بالإحباط. وهو المطلوب؛ فثبت بمجموع ما ذكرنا: أنّ الفسق الطارئ لا يزيل الثواب المتقدم»[47].

الدليل الثامن عشر: الدور
استدلّ علی نفي الإحباط بأنّ الإحباط یستلزم الدور، والدور محالٌ ببیان أنّ عروض العقاب مکان الثواب مشروطٌ بزوال الثواب من المحلّ؛ لأنّه مع بقاء الضدّ لا یمکن حلول الضدّ الآخر، فحلول العقاب مشروطٌ بزوال الثواب، وزوال الثواب مشروطٌ بحلول العقاب؛ لأنّه مادام لم یحلّ في المحلّ العقاب لا سبب لزوال الثواب عن المحلّ والدور محالّ. «أنَّه يلزم منه الدور، لأنَّ طريان الطارئ مشروطٌ بزوال السابق، لاستحالة اجتماع الضدَّين، فلو كان زوال السابق معلَّلًا بطريان الطارئ لزم الدور. ويمكن أنْ يكون مراده بلزوم الدور أنَّ بطلان كلِّ واحدٍ منهما بصاحبه يقتضي وجود كلِّ واحدٍ منهما حال عدم صاحبه المتوقِّف علىٰ وجود صاحبه، وذلك محال. أو يقال: إذا استحال توقُّف وجود كلِّ واحدٍ من الشيئين علىٰ صاحبه للزم الدور، فكذا في جانب العدم»[48].

الدليل التاسع عشر: التنافي مع الآیات
اُستدلّ علی نفي الإحباط بأنّ زوال الثواب بشکلٍ مطلقٍ وبقاء العقاب، ینافي مدلول الآیة الکریمة القائلة بإراءة ثواب الخیر، ولو کان مثقال ذرة، وزوال الثواب والعقاب معًا لا یجوز؛ لأنّ المقتضي لزوال الثواب، وجود العقاب الطارئ فينتفي الثواب بوجود العقاب، ومن جانبٍ آخر وجود الثواب مقتضٍ لزوال العقاب أیضًا، فأمّا أنْ یحصل لهما الوجود معًا، أو یحصل لهما العدم معًا وکلاهما باطل.
«إنَّ الطاري إمَّا أنْ يزيل الثواب السابق ويبقى، أو ينتفي أيضًا، والقسمان باطلان. أمَّا الأوَّل فلقوله تعالىٰ:‏ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)، وإذا زال الثواب لم يبقَ العموم ثابتًا. وأمَّا الثاني، فلأنَّه يلزم اجتماع الوجود والعدم في الاستحقاقين، وهو باطل. بيانه: أنَّ المقتضي لزوال السابق وجود الحادث، والمقتضي لزوال الحادث وجود السابق، والعلَّة موجودة مع المعلول، فكما حصل الانتفاء لهما وجب أنْ يحصل الوجود لهما، وهومحال»[49].


القسم الثانی: الأدلة النقلیة (الآیات الکریمة اختيارًا)
قد اُستدلّ علی نفي الإحباط بالآیات الکریمة الآتية:

1-(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها وهُمْ لا يُظْلَمُونَ)[50].
2-(إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ)[51].
3- (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)[52].
4- (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[53].
5- (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ ولا يَنالُونَ مِنْ عَدُونَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)[54].

قد وعد الله تعالی في هذه الآیات بأنّ من عمل الحسنات فقد أوتي أجرها، ولم یقیّده ولم یشترطه بعدم ارتكاب السیئات في ما بعده، بل کلّ من فعل الحسنات فقد أعطی أجره، کما إذا فعل السیئات فقد یعاقب أو یستحقّ علیه العقاب، وظهور الآیات متبعة، ولو کان إعطاء الثواب مشروطًا بعدم ارتكاب السیئة في ما بعده فاللازم التصریح به[55].

ثم یمکن أنْ یُطرح إشکالٌ بأنّ الوعید علی الکفر أیضًا مشروطٌ بعدم التوبة منه، وإلّا لو صار کافرًا، ثم تاب عن کفره، ورجع إلی الإسلام، فلا یستحقّ العقاب علی کفره، وکذا في ما نحن فيه، وبعبارةٍ أخری کان الشرط في مثل هذه الموارد ممّا لا شكّ فيه؛ فلا یحتاج إلی ذکره[56].

وقد أجاب الشیخ الطوسي عن هذا الإشکال: «بأنّ الاجماع قائمٌ علی اشتراط الوعید علی الکفر بعدم التوبة منه، وهذا تفضّلٌ من الله تعالی، وألّا یکون الکفر سببًا تامًا علی استحقاق العقاب، ولا یمکن نفي هذا الاستحقاق إلّا بالتفضل من الله تعالی، وهذا الإجماع لا یمکن أنْ نجده هنا، فالإطلاق في الآیة باقٍ علی عمومه، ولا یشترط فيه شيء»[57].

فالمهم وجه الاستدلال بهذه الآيات الشريفة:
الآیة الأولی: قوله تعالىٰ: (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[58]،
قال الشیخ في الاستدلال بالآیة: «فيها دلالةٌ علىٰ بطلان القول بالتحابط؛ لأنَّه تعالى وعد بتوفية الأُجور ولم يشرط الإحباط، فوجب حمل الكلام علىٰ ظاهره»[59].

الآیة الثانیة: قوله تعالی: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ). قال العلّامة الحِلي في التمسّك بالآیة لنفي الإحباط: «وقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)[60]، فإذا كان عقاب الفسق أحبط ثواب الطاعات المتقدّمة، ولم يحبط بسبب ثواب تلك الطاعات شي‏ء من عقاب هذه المعصية، فقد ضاعت تلك الخيرات بالكلية. وذلك يناقض قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)، فثبت: أنّه لو صحّ القول بالإحباط، لكان إمّا مع الموازنة أو لا مع الموازنة. وثبت فساد القسمين، فوجب القول بفساد الإحباط أيضًا»[61].
الآیة الثالثة: قوله تعالی:‏ (وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيم)[62]‏، وقد أخبر الله تعالی عن الخلط بین العمل الصالح والسيء، وهذا معناه اجتماع العملین بدون أنْ یحبط أحدهما الآخر؛ لأنّه لو أحبط أحدهما الآخر لا معنی للخلط بین العمل الصالح والطالح، وإلیه أشار الشیخ الطوسي بقوله: «معناه: أنَّهم يفعلون أفعالًا جميلةً، ويفعلون أفعالًا سيئةً قبيحةً، فيجتمعان، وذلك يدلُّ علىٰ بطلان القول بالإحباط؛ لأنَّه لوكان صحيحًا لكان أحدهما إذا طرأ علىٰ الآخر أحبطه، فلا يجتمعان، فكيف يكون خلطًا؟»[63].

وقد استدلّ بوجهٍ آخر علی هذه الآیة، وهو ظهور الآیة في بقاء العمل حتی یلحقه التوبة، فلازمه بقاء العمل إلی أنْ یتوب إلی الله تعالی: «ويردهما أولًا قوله تعالى: (وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فإنّ الآية ظاهرةٌ في اختلاف الأعمال وبقائها على حالها إلى أنْ تلحقها توبةٌ من الله سبحانه، وهو ينافي التحابط بأيّ وجهٍ تصوروه»[64].

الآیة الرابعة: قوله تعالىٰ: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[65]، وهو یدلّ علی وجدان الأعمال کالصلاة والزکاة عند الله تعالی، ولو کان العمل محبطًا فلا نجده عند الله تعالی وهو مخالف لصریح الآية الكریمة. «وفي هذه الآية دلالةٌ على أنَّ ثواب الخيرات والطاعات لا يضيع ولا يبطل ولا يحبط؛ لأنَّه إذا أُحبط لا تجدونه»[66].
الآیة الخامسة: قال (عزَّ وجلَّ): (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ ولا يَنالُونَ مِنْ عَدُونَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)[67].

الآیة السادسة: قوله سبحانه: (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثى‏ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)[68].
قد أخبر الله تعالی في هذه الآية وما قبلها بأنّه لا یضیع أجر المحسنین، وأنّه یوفي أجورهم، والإحباط یستلزم تضییع الأعمال وعدم الموافاة في أجورهم، وقد صرّح في الآية بانتفائهما من الله تعالی. «فأخبر تعالى أنّه لا يضيع أجر المحسنين، وأنّه يوفي العاملين أجرهم بغير حساب، وأنّه لا يظلم مثقال ذرة، فأبطل بهذه الآيات دعوى المعتزلة على الله تعالى أنّه يحبط الأعمال الصالحات، أو بعضها، ولا يعطي عليها أجرًا»[69].

الآیة السابعة: قوله سبحانه (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ).
«فأخبر أنّه لا يغفر الشرك مع عدم التوبة منه، وأنّه يغفر ما سواه بغير التوبة، ولولا ذلك لم يكن لتفريقه بين الشرك وما دونه في حكم الغفران معنى معقول»[70].
الآیة الثامنة: قال تبارك وتعالى (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوإِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ).
«وهذا القول لا يجوز أنْ يكون متوجّهًا إلى المؤمنين الذين لا تبعة بينهم وبين الله تعالى، ولا متوجّهًا إلى الكافرين الذين قد قطع الله على خلودهم في النار فلم يبقَ إلّا أنّه توجّه إلى مستحقّ العقاب من أهل المعرفة والتوحيد»[71].
یأتي في الحلقة الثانية
(ما استدل به علی وجود الإحباط والمناقشة فيه)

المصادر والمراجع
ابن منظور، محمد بن‌ مكرم‌، لسان العرب، بيروت‌، دار‌ إحياء التراث، ۱۴۰۸ق.
ابن نوبخت، إسحاق بن إبراهيم الياقوت في علم الكلام، تحقيق: علي أكبر ضيائي، قم، مكتبة السيد المرعشي، ۲۰۰۷م.
أشعرى، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ويسبادن ، فرانس شتاينر آلمان- ‏1400 ق‏.
البحراني، ميثم بن علي بن ميثم، قواعد المرام في علم الكلام، قم، مكتبة السيد المرعشي، ١٤٠٦ هـ.
التلعکبري محمد بن محمد بن نعمان (الشیخ المفيد)، الإعلام بما اتفقت عليه الإمامية، سلسلة موسوعة الشيخ المفيد، قم، دار المفيد، ١٤٣١هـ.
ــــــــــــــ، المسائل السروية، قم، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، ‏1413 ق‏.
ــــــــــــــ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، سلسلة موسوعة الشيخ المفيد، قم، دار المفيد، ١٤٣١هـ.
ــــــــــــــ، المسائل العكبرية، سلسلة موسوعة الشيخ المفيد، قم، دار المفيد، ١٤٣١هـ.
ــــــــــــــ، أوائل المقالات، سلسلة موسوعة الشيخ المفيد، قم، دار المفيد ١٤٣١ هـ.
ــــــــــــــ، تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ محمد بن محمد بن النعمان، سلسلة موسوعة الشيخ المفيد، قم، دار المفيد، ١٤٣١هـ.
الحِلّيّ حسن بن يوسف بن المطهَّر (العلّامة الحِلّي)، أنوار الملكوت في شرح الياقوت، تحقيق: الشيخ حسن زاده الآملي، بيروت، دار المحجّة البيضاء، ١٤٣٢هـ.
ــــــــــــــ، الرسالة السعدية، تحقيق: عبد الحسين محمد علي بقّال، قم، مكتبة السيد المرعشي، ١٤١٠هـ،
ــــــــــــــ، النافع يوم الحشر، مؤسّسة المعارف الإسلامية.
ــــــــــــــ، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تصحيح: الشيخ حسن زاده الآملي، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤٣٣هـ.
الحِلّي، نجم الدين جعفر بن الحسن (المحقّق الحِلّي)، المسلك في أصول الدين، مشهد، العتبة الرضوية، ١٤١٤هـ.
الحمصي الرازي سديد الدين محمود، المنقذ من التقليد، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي ،١٤١٢هـ.
السبحاني، جعفر، الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل‏، قم، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، 1412هـ.
ــــــــــــــ، بحوث في الملل والنحل،‏ قم، ‏مؤسّسة النشر الإسلامي، مؤسّسة الإمام الصادق.‏
السيوري، مقداد بن عبد الله، إرشاد الطالبين، قم، مكتبة المرعشي، ۲۰۱۲م.
ــــــــــــــ، اللوامع الإلهية، قم، مؤسّسة بوستان کتاب، ١٤٢٩هـ.
الشریف المرتضی، علي بن الحسين، الانتصار، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي.
ــــــــــــــ، الذخيرة في علم الكلام، تحقيق: السيد أحمد الحسيني قم، مؤسّسة النشر الإسلامي.
ــــــــــــــ، الملخّص في أصول الدين، تحقيق: محمد رضا الأنصاري القمي، مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، ۱۳۸۱ ش.
ــــــــــــــ، شرح جمل العلم والعمل، تحقيق: الشيخ يعقوب الجعفري المراغي، قم، دار الأسوة، ١٤١٩هـ.
الطباطبایی، سید محمد حسین، الميزان في تفسير القرآن، علامه طباطبايى،‏ قم، مكتبة النشر الإسلامي،‏ ‏1417 ق‏.
الطوسي محمد بن الحسن، الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، بيروت، دار الأضواء، ١٤٠٦هـ.

ــــــــــــــ، التبيان في تفسير القرآن، نسخة برنامج مكتبة أهل البيت الالكترونية.
ــــــــــــــ، تمهيد الأصول في علم الكلام، مراجعة د. عبد المحسن مشكوة الديني، طهران، منشورات جامعة طهران ،١٣٦٢ ش.
ــــــــــــــ، رسائل الشيخ الطوسي، تقديم: محمد واعظ زاده الخراساني.
الطوسي نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن، تجريد الاعتقاد، تحقيق: السيد محمد جواد الجلالي، قم، مكتبة الإعلام الإسلامي ، ١٤٠٧هـ.
ــــــــــــــ، تلخيص المحصل، بيروت، دار الأضواء، ١٤٠٥هـ،.
العبيدلي، عميد الدين عبد المطلب، إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت، تحقيق: علي أكبر ضيائي، طهران، ميراث مكتوب، ۱۳۸۱ ش.
القمي، محمد بن علي بن بابويه (الشيخ الصدوق)، الاعتقادات، قم، مؤسّسة الإمام الهادي، ١٤٣٣هـ.
لاهيجى فياض، سرمايه ايمان در اصول اعتقادات، ‏ تهران ،‏ انتشارات الزهراء، ‏1372 ش‏.
المعتزلي، قاضى عبد الجبار- قوام الدين مانكديم، شرح الأصول الخمسة، بيروت ،‏ دار احياء التراث العربي،‏ ‏1422 ق‏.
النوبختي، حسن بن موسى، فرق الشيعة، تحقيق: السيد محمد صادق بحر العلوم، نجف، منشورات المكتبة المرتضوية .
النوري، حسین بن محمد تقي، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، بیروت، مؤسّسة آل البیت% لإحیاء التراث،1366ش.

-----------------------------------------
[1] الفراهيدي، كتاب العين، ج‏3، ص174.
[2] الجوهري، الصحاح، ج‏3، ص 1118.
[3] القاموس المحيط، ج‏2، ص540.
[4] الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج‏2، ص424.
[5] الشريف المرتضی، الذخيرة في علم الكلام، ص 313.
[6] الطوسي، الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، ص200.
[7] الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج‏2، ص208؛ ج4، ص188؛ ج‏2، ص424.
[8] الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ص270.
[9] القاضي عبدالجبار، شرح الأصول الخمسة، ص422.
[10] البحراني، قواعد المرام، ص164.
[11] السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج‏3، ص271.
[12] السبحاني، الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل، ج‏4، ص365.
[13] المفيد، أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، ص82.
وقال القاضي في المغني: «وقد خالفنا في ذلك (یعنی الإحباط والتکفیر) كثير من المرجّئة، وعباد بن سليمان الصيمري، فإنّ مذهبه أنّ العقوبة لا تزول إلّا بالتوبة، فأما كثرة الطاعات فمما لا تأثير لها في ذلك، غير أنّه يثبت مزية لمن خلط الطاعات بالمعاصي لا يثبتها لمن خلصت معاصيه». شرح الأصول الخمسة، ص422.
[14] وقد علّق بعض الباحثين علی إطلاق هذا الانتساب وقال: «اشتهر بين المتكلمين أنّ المعتزلة يقولون بالإحباط والتكفير، وأمّا الأشاعرة والإمامية فهم يذهبون إلى خلافهم. غير أنّ هنا مشكلة، وهي أنّ نفيهما على الإطلاق يخالف ما هو مسلّمٌ عند المسلمين، من أنّ الإيمان يكفّر الكفر، ويدخل المؤمن الجنّة خالدًا فيها، وأنّ الكفر يحبط الإيمان ويخلد الكافر في النار. وهذا النوع من الإحباط والتكفير ممّا أتفقت عليه الأمّة، ومع ذلك كيف يمكن نفيهما في مذهب الأشاعرة والإمامية؟ ولأجل ذلك، يجب الدقة في فهم مرادهما من نفيهما على الإطلاق، وسوف يتبين الحال في هذين المجالين، وأنّ ما ينفونه منهما لا ينافي ظواهر الآيات والأخبار». الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل، السبحاني، ج‏4، ص365.
[15] الحِلّي، تسلیك النفس الی حظیرة القدس، ص221.
[16] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج‏2، ص169.
[17] م.ن، ج‏2، ص171.
[18] البحراني، قواعد المرام، ص164.
[19] الحلي، کشف المراد، ص 559.
[20] مجمع البیان ج1، ص348.
[21] سورة محمد: 9.
[22] سورة آل عمران: 22.
[23] الميزان في تفسير القرآن، ج‏2، ص169.
[24] -الشريف المرتضی، رسائل الشريف المرتضى، ج‏1، ص149.
[25] الطوسي، الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، ص193، وقد ذُکر هذا الدلیل في کتب المتأخرين أيضًا. انظر: الحمصي، المنقذ من التقليد، ج‏2، ص42.
[26]-الطوسي، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، ص193.
[27] الشريف المرتضی، الذخيرة في علم الكلام، ص303.
«ولا تضادّ أيضًا بين الثواب والعقاب؛ لهذا الذي ذكرناه بعينه؛ لأنّ الجنس واحد، ونفس ما كان ثوابًا كان يجوز أنْ يقع عقابًا؛ لأنّ الثواب هو النفع الواقع على بعض الوجوه، ولا شي‏ء كان منفعةً إلّا ويمكن أنْ يكون مضرةً، بأنْ يدرك مع النفار. ولو كان بين الثواب والعقاب تضادٌّ وتنافٍ‏ لما صحّ أنْ يتضادّا وهما معدومان؛ لأنّ الضدّ الحقيقي لا ينفي ضدّه في حال عدمه. وعندهم أنّ التحابط يقع بين المستحقّين من الثواب والعقاب، والمستحقّ لا يكون إلّا معدومًا».
[28] الحلي، أنوار الملکوت فی شرح الیاقوت، ص172.
[29] الشريف المرتضی، الذخيرة في علم الكلام، ص303.
[30] الشريف المرتضی، الذخيرة في علم الكلام، ص303؛ الطوسي، الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، ص194.
[31] م.ن، ص310.
[32] الياقوت في علم الكلام ص64.
[33] م.ن، ص64.
[34] سورة الزلزلة: 7.
[35] إبراهيم بن نوبخت، الياقوت في علم الكلام، ص64.
[36] الحِلّي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص413.
[37] قواعد المرام، ص165.
[38] الحمّصي، المنقذ من التقليد، ج‏2، ص43.
[39] المنقذ من التقليد، ج‏2، ص43.
[40] الحمصي، المنقذ من التقليد، ج‏2، ص45.
[41] الحِلّي، أنوار الملکوت فی شرح الیاقوت، ص172.
[42] الحِلّي، معارج الفهم ص494؛ لاهيجي، سرمايه ايمان در اصول اعتقادات، ص167.
[43] الحِلّي،‌ قواعد المرام، ص165.
[44] الحِلّي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص414.
[45] الحِلّي، أنوار الملکوت في شرح الیاقوت، ص172؛ الحِلّي، تسلیك النفس، ص221.
[46] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج‏2، ص170.
[47] الرازي، الأربعين في أصول الدين، ج‏2، ص240.
[48] الحِلّي، أنوار الملکوت في شرح الیاقوت، ص173.
[49] م.ن، ص199.
[50] سورة الأنعام: 160.
[51] سورة هود: 114.
[52] سورة النساء: 40.
[53] سورة الزلزلة: 7-8.
[54] سورة التوبة: 120.
[55] الطوسي، التبیان في تفسیر القرآن،ج2، ص365. وقال قومٌ من المرجئة إنّ الوعد بهذه الخصال يدلّ على بطلان التحابط؛ لأنّه تعالى ضمن الثواب بفعل هذه الخصال، ولم يشرط ألّا يأتي بما يحبطها.
[56] م.ن ،ج2،ص365.
[57] م.ن، ج‏2، ص: 365
[58] سورة آل عمران: 57.
[59] الطوسي، التبیان في تفسیر القرآن ج2ص472.
[60] سورة الزلزلة: 7.
[61] الرازي، الأربعين في أصول الدين، ج‏2، ص 239.
[62] سورة التوبة: 102
[63] -الطوسي، التبيان في تفسير القرآن ج5، ص290.
[64] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج‏2، ص170.
[65] سورة البقرة: 110.
[66] الطبرسي، مجمع البيان ج 1،ص 348.
[67] سورة التوبة: 120.
[68] سورة آل‏ عمران: 195.
[69] المفيد، المسائل السروية، ص: 99.
[70] المفيد، المسائل السروية، ص: 99.
[71] م.ن، ص 99.