الباحث : د. حميد عطائي نظري
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 35
السنة : صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : July / 26 / 2025
عدد زيارات البحث : 664
الملخّص
إنّ دراسة تعامل التراث الفلسفي لابن سينا مع علم الكلام، وحجم تأثير المفاهيم الفلسفية لابن سينا في المتكلمين الشيعة والسنّة من الأبحاث المهمّة في دراسات فلسفة ابن سينا والأبحاث الكلاميّة. إنّ من بين تداعيات انتشار الفكر الفلسفي لابن سينا في المرحلة الوسيطة، تبلور مذهب الكلام الفلسفي عند أهل السُنّة بجهود الفخر الرازي (م 606 هـ) وعند الإماميّة على يد نصير الدين الطوسي (م 672 هـ). لقد أدّى تسلل المفاهيم الفلسفية لابن سينا إلى الجدل الكلامي إلى حدوث تحوّلاتٍ عميقةٍ في الأسلوب الكلامي للمتكلّمين الإمامية.
تهدف هذه المقالة إلى بيان التأثيرات المتنوّعة للتراث الفلسفي لابن سينا في البحوث المعرفية والإبستمولوجية للكلام الإمامي في مرحلته الوسيطة، وذلك من خلال المقارنة بين أبحاث المدرسة الإمامية في بغداد ــ التي تُمثّل مرحلة ما قبل الفلسفة ــ وبين نظيراتها في مدرسة الكلام الفلسفي للإمامية. يُعدّ ظهور تحوّلاتٍ مفهوميةٍ في عددٍ من مصطلحات الحقل المعرفي والإبستمولوجي، إلى جانب تقديم تبويباتٍ جديدةٍ للعلم، وبلورة قواعد نظريةٍ في المعرفة والإبستمولوجيا، وطرح مسائل جوهريةٍ ككيفيّة وصول الإنسان إلى العلم، فضلًا عن إدخال موضوعاتٍ جديدةٍ في هذا الحقل، من أبرز الأبعاد الدالّة على التحوّل الأساسي المشار إليه.
الكلمات المفتاحية
كلام الإمامية، ابن سينا، الإبستمولوجيا، مدرسة بغداد، مدرسة الكلام الفلسفي، العلّامة الحِلّي.
المقدّمة
إنّ فلسفة ابن سينا، بوصفها إحدى المدارس الفكرية البارزة والمؤثّرة في الحضارة الإسلامية، لم تخلّف تراثًا فلسفيًّا خالدًا فحسب، بل امتدّ تأثيرها أيضًا إلى الفكر الكلامي في العالم الإسلامي، وأسهمت في إعادة رسم مساراته وتحديد مآلاته على نحوٍ مغاير. وإنّ من بين الأبعاد التي يجب بحثها في معرفة فلسفة ابن سينا وتحليلها، التحوّل والتأثير في سائر العلوم والمعارف المرتبطة بالفلسفة في العالم الإسلامي. وفي هذا الشأن تُعدّ دراسة تأثيرات فلسفة ابن سينا في الكلام الإسلامي من الموضوعات القابلة للبحث في مسار تطوّر وتحوّل الفكر الكلامي في الحضارة الإسلامية.
لقد تركت فلسفة ابن سينا تأثيرها بنحوٍ ملحوظٍ في كلام الشيعة، وفي كلام أهل السنّة أيضًا، وأضحت سببًا في ظهور تحوّلاتٍ مهمة في هذا المجال. لقد كان شعاع تأثير الفكر الفلسفي لابن سينا من السعة بحيث ترك تأثيره في أغلب التيارات الفكرية الموجودة في الحضارة الإسلامية بنحوٍ مباشر وغير مباشر. وإنّ علم الكلام بسبب قربه وتشابهه في بعض المسائل مع الفلسفة الإسلامية، كان هو الأكثر تأثرًا من سائر العلوم الأخرى. إنّ بعض المسائل المرتبطة بمعرفة العالم التي يتمّ بحثها ودراستها تحت عنوان الطبيعيات، قد تمّ طرحها في الفلسفة وفي علم الكلام الإسلامي أيضًا، وعليه فقد كان من الطبيعي أنْ تترك الطبيعيات في فلسفة ابن سينا تأثيرها في الأبحاث الموجودة في طبيعيات علم الكلام ونعني بها الأبحاث اللطيفة والدقيقة في علم الكلام.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ موضوع إثبات مبدأ الوجود وصفاته وخصائص الذي يتمّ بحثه وتناوله تحت عنوان (الإلهيات بالمعنى الأخص) في الفلسفة ـــ يُعدّ في علم الكلام من أهمّ الأبحاث أيضًا، وبطبيعة الحال يمكن لتحوّلات الفلسفة أنْ تستوجب ظهور تحوّلاتٍ في كيفيّة دراسة هذا البحث في علم الكلام أيضًا.
ولتبيّن أبعاد تأثير فلسفة ابن سينا في الفكر الكلامي الإسلامي بدقّة، تقتضي الحاجة دراسة كلّ مدرسة كلامية على حدة، وفقًا لطبيعة تعاملها مع هذا التراث الفلسفي. فالكلام الأشعري والماتريدي والمعتزلي والشيعي تُعدّ من أبرز المدارس الكلامية في الحضارة الإسلامية، وتمثّل نماذج مهمّةً في كيفية تلقّيها لفلسفة ابن سينا وموقفها منها.
في الأبحاث الحديثة التي أجراها المتخصّصون في آثار ابن سينا، وكذلك الباحثون الغربيون في علم الكلام، حظي موضوع تأثير فلسفة ابن سينا في الكلام الإسلامي ــ ولا سيّما في المدرسة الأشعرية ــ باهتمامٍ خاصّ، وأسفر ذلك عن دراساتٍ موسّعةٍ تناولت هذا الجانب من التأثير والتحوّل. ومن بين الأبحاث والدراسات البارزة في هذا الحقل يمكن لنا أنْ نشير إلى كتاب روبرت وسنوفسكي تحت عنوان (ميتافيزيق ابن سينا)[1] حيث بحث في فصلٍ منه عن التحوّل الحاصل في علم الكلام عند أهل السنّة (الأشاعرة والماتريدية) بفعل تسلل الأفكار الفلسفية لابن سينا[2]. كما بحث هذا الكتاب دور التراث الفلسفي لابن سينا في جنوح الكلام الأشعري نحو التفكير الفلسفي وظهور مدرسة الكلام الفلسفي عند الأشاعرة على يد الفخر الرازي (م: 606 هـ) في آثار بعض المحقّقين[3]. كما بحث ريتشارد فرانك في عددٍ من كتاباته تأثير ابن سينا في الغزالي (م: 505 هـ)، وبيّن مدى تأثر الغزالي بالأفكار الفلسفية لابن سينا[4]. وبعده قام فرانك غريفل في كتابه (الإلهيّات الفلسفية للغزالي) بالاهتمام بهذه المسألة بنحوٍ أكبر، وعمد إلى إظهار تأثر الغزالي بالفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة والفلسفة الأرسطية، وكذلك التراث الفلسفي لابن سينا أيضًا. وقد ذهب إلى الاعتقاد بأنّ آراء الغزالي في الحقل الأنطولوجي، والنفس الإنسانية، والنبوّة بشكلٍ خاص، قد تبلورت بتأثيرٍ من المفاهيم الفلسفية لابن سينا[5]. وكذلك قامت السيدة هايدرون آيشنر مؤخّرًا ببحث تأثير التراث الفلسفي لابن سينا في الآراء البارزة للمتكلّمين الأشاعرة، ومن بينهم الغزالي والفخر الرازي وكذلك بسط الإلهيات الفلسفية بين أهل السنّة بشكلٍ دقيقٍ وعلى نحوٍ تفصيلي[6]. وعلاوةً على الأبحاث أعلاه، قد اهتمّ بعض الباحثين بالتعامل الفكري لابن سينا مع المعتزلة أيضًا[7].
ومع ذلك فقد اختصّ أكثر الأبحاث والتحقيقات في هذا الشأن بدراسة تأثيرات فلسفة ابن سينا في كلام أهل السنّة، وبقي التحقيق حول مساحة تأثير المفاهيم الفلسفية لابن سينا في كلام الشيعة ــ ولا سيّما كلام الإمامية ــ موضوعًا بكرًا، دون أنْ يتمّ تناوله بأيّ بحثٍ تفصيلي في هذا الخصوص إلى الآن[8]. ومن هنا فإنّ دراسة هذا الموضوع ولا سيّما بالنظر إلى تأسيس مدرسة الكلام الفلسفي عند الإمامية من قبل نصير الدين الطوسي ــ وهو من الشارحين لآثار ابن سينا وقد خطى خطوةً كبيرةً في التراث الفلسفي لابن سينا ــ تحظى بأهميةٍ كبيرةٍ.
لقد أدّى تأسيس المدرسة الجديدة في الكلام الإسلامي عند الإمامية على يد نصير الدين الطوسي (م: 672 هـ) إلى حدوث تحوّلٍ كبيرٍ في كلام الإمامية في المرحلة الوسيطة، وأحدث ذلك تغييرًا كبيرًا في هذه المدرسة من حيث البنية والمحتوى وأسلوب بحث الموضوعات والمسائل الكلامية. ليس هناك من شكٍ في أنّ الاتجاه والتفكير الفلسفي للخواجة نصير الدين الطوسي الذي تمكّن من إيجاد هذا التحوّل العظيم في كلام الإمامية، إنّما كان مقتبسًا من المفاهيم الفلسفية لابن سينا. وفي الحقيقة والواقع فإنّ الخواجة نصير الدين الطوسي في هذا المسار لم يكن سوى حلقة وصلٍ لنقل أفكار ابن سينا إلى دائرة كلام الإمامية؛ ولذلك يجب عدّ التحوّل الحاصل في كلام الإمامية وجنوحه نحو الفلسفة تحوّلًا منسوبًا إلى ابن سينا ومتأثرًا بتفكيره الفلسفي، وليس تحوّلًا مستقلًا ناشئًا عن الأفكار الفلسفية لنصير الدين الطوسي.
ومن الجدير ذكره أنّه على الرغم من أنّ الكثير من الآراء الفلسفية لابن سينا يمكن مشاهدتها في الآثار الفلسفية للفارابي أيضًا، ولربما شكّلت مؤلفات الفارابي في كثيرٍ من الموارد منشأً لأفكار ابن سينا، بيد أنّه ليس هناك من شكٍّ في أنّ طريق تعرّف المتكلّمين الإمامية على تلك المطالب إنّما كان مؤلّفات ابن سينا وأتباعه من أمثال نصير الدين الطوسي. وفي الواقع فإنّه على الرغم من أنّ كثيرًا من الأفكار الفلسفية لابن سينا مأخوذةٌ من الفارابي، إلّا أنّ المتكلّمين الإمامية لم يأخذوا تلك المطالب من الفارابي مباشرة، وإنّما أخذوها وتعرّفوا عليها بوساطة آثار ومؤلّفات ابن سينا والشارحين لها.
إنّ سبب عدم رؤيتنا لاسم الفارابي وآثاره في الكتب الكلامية للإمامية في المرحلة الوسيطة إلّا نادرًا ، يعود إلى عدم تعرّف المتكلّمين الإمامية على الفارابي وآثاره بشكلٍ جيد، أو في الحدّ الأدنى لم تكن مؤلفاته متوفرةً لديهم بشكلٍ كبير، ونتيجة لذلك أنّهم لم يتأثروا بالفارابي ومؤلّفاته مباشرة. وفي المقابل فقد ورد اسم ابن سينا وكتبه في آثار المدرسة الكلامية الفلسفية مرارًا وتكرارًا، وقد تركت أفكاره تأثيرًا في الفكر الكلامي للمتكلّمين من الإمامية في المرحلة الوسيطة[9].
وفيما يلي يجب علينا لبيان حجم تأثير فلسفة ابن سينا في كلام الإمامية بشكلٍ دقيق، بحث بنية كلّ واحدٍ من الأبحاث المطروحة في كلام الإمامية ومضمونه ـ من قبيل: علم المعرفة، والكون، والطبيعيات والإلهيات ـ مع آثار وأفكار ابن سينا في تلك الحقول بشكلٍ مستقل.
سوف نعمل في هذه الدراسة على بحث تأثير الأفكار المعرفية لابن سينا في الأبحاث المعرفية والإبستمولوجية في كلام الإمامية، وشرح التحوّل البنيوي والمضموني في هذا القسم من الكلام في المرحلة الوسيطة لدى الإمامية. ولهذه الغاية سوف نعمل ــ من خلال المقارنة بين الأبحاث المطروحة في القسم المعرفي والإبستمولوجي من الكلام ما قبل الفلسفي للإمامية (المعروف بكلام المدرسة الإمامية في بغداد) وبين الأبحاث المعرفية الموجودة في مدرسة الكلام الفلسفي لدى الإمامية ـــ على شرح الاختلافات بين هاتين المدرستين ودور المفاهيم الفلسفية لابن سينا.
إنّ المراد هنا من مدرسة بغداد أو الكلام ما قبل الفلسفي للإمامية، هي المدرسة التي أسّسها الشيخ المفيد (م: 413 هـ)، والسيد المرتضى (م: 436 هـ)، واتّسعت رقعتها وانتشرت أفكاره بجهود أتباعهما، ومن بينهم: الشيخ الطوسي (م: 460 هـ)، وأبو الصلاح الحلبي (م: 447 هـ)، وابن زهرة الحلبي (م: 585 هـ). كما أنّ المراد بمدرسة الكلام الفلسفي هي المدرسة التي أسّسها نصير الدين الطوسي (م: 672 هـ)، ثم قام بعده العلّامة الحلي (م: 726 هـ)، وأمثال الفاضل المقداد (م: 826 هـ)، ولاحقًا في العصر الصفوي الفياض اللاهيجي (م: 1072 هـ) والمولى شمسا الجيلاني وأضرابهما، بتوسيع رقعتها. وفي الواقع يمكن أخذ مساحة الكلام الفلسفي للإمامية في المرحلة الوسيطة منذ ظهور مدرسة الحلّة إلى تبلور مدرسة إصفهان في العصر الصفوي، مع بيان هذه النقطة وهي أنّ هناك اختلافاتٍ أساسية بين المتكلّمين في مدرسة الحلة وأتباع الخواجة نصير الدين الطوسي من حيث حجم الاتجاه والميل إلى الفلسفة. من ذلك ــ على سبيل المثال ــ أن المتكلّمين في مدرسة الحلّة ولا سيّما منهم العلّامة الحلّي، على الرغم من تأثره في بعض الموارد ــ من قبيل: أسلوب بيان المسائل ودائرة علم المعرفة أو الاستفادة من الوجوب والإمكان في بيان مختلف المسائل الكلامية ــ بفلسفة ابن سينا، إلّا أنّه في كثيرٍ من المسائل الاعتقادية، من قبيل: حدوث العالم وحقيقة الإرادة في الله، وكذلك خالف آراء الفلاسفة، واقترب من آراء المتكلّمين الإمامية في المدرسة البغدادية. وعلى هذا الأساس فقد شهد تيار الكلام الفلسفي عند الإمامية، الكثير من المنعطفات التي تجعل من بيانها وتحليلها أمرًا ضروريًا.
لقد بلغ الكلام الفلسفي لدى الإمامية ذروة ازدهاره على يد صدر المتألّهين (1050 هـ)، وتأسيس الحكمة المتعالية في العصر الصفوي، ودخل مرحلةً جديدة. يجب بحث كيفية وحجم تأثير الحكمة المتعالية في كلام الإمامية بشكلٍ مستقل، والعمل في كلّ قسمٍ ــ بما في ذلك القسم المعرفي، والنظام الفلسفي لصدر المتألّهين ــ على بيان نوع التحوّل الذي أوجده في فهم المتكلّمين للمسائل وطريقة مواجهتهم لهذه المسائل.
1 ـ موقع الإبستمولوجيا في كلام المدرسة الإمامية في بغداد ومدرسة الكلام الفلسفي
إنّ من بين الفوارق والاختلافات البنيوية بين الآثار الكلامية لمدرسة الكلام الفلسفي والآثار الكلامية في مدرسة بغداد، أنّ الآثار الكلامية في مدرسة بغداد تبدأ بالأبحاث المعرفية والإبستمولوجية، في حين أنّ نوع الآثار في مدرسة الكلام الفلسفي ــ ومن بينها تجريد الاعتقاد وقواعد العقائد ــ يبدأ كما هو حال الآثار الفلسفية لابن سينا من المعرفة الوجودية والأنطولوجية وبحث الأمور العامة.
في كتب الكلام الفلسفي، يتمّ بيان الأبحاث المرتبطة بالمعرفة، ومن بينها: تعريف العلم، والاعتقاد والنظر، وأقسام العلم، وكيفية حصول العلم، وأنواع الدليل، ووجوب النظر، ووجوب معرفة الله، في بحث أقسام العرَض وفي ذيل موضوع العلم. من ذلك ــ على سبيل المثال ــ أنّ المحقّق الطوسي قد ذكر الأبحاث المرتبطة بالعلم والنظر في المقصد الثاني من كتاب تجريد الاعتقاد، ضمن تعريف الأعراض[10]. إنّ هذا الأمر يشير إلى أنّ الإبستمولوجيا والمعرفة تعدّ من وجهة نظر المتكلّمين الإمامية في مدرسة بغداد مقدمةً لمعرفة الله، في حين يذهب المتكلّمون من ذوي المشارب الفلسفية إلى الاعتقاد بأنّ الوجود والأنطولوجيا هو المقدمة لمعرفة الله.
وبعبارةٍ أدق: من وجهة نظر المتكلّمين في مدرسة بغداد يكون إثبات ضرورة معرفة الله متقدّمًا على البحث عن إثبات وجود الله، ولكن من وجهة نظر المتكلّمين في مدرسة الكلام الفلسفي، تكون لأبحاث معرفة الوجود والأنطولوجيا أهميةٌ أكبر من أبحاث وجوب معرفة الله سبحانه وتعالى؛ ومن هنا يجب قبل أيّ بحثٍ آخر طرح وبيان المسائل الوجودية والأنطولوجية التي يتوقف عليها إثبات وجود الله تعالى. وفي الحقيقة فإن من بين التأثيرات الجوهرية والأساسية لفلسفة ابن سينا في كلام الإمامية في المرحلة الوسيطة، وضع الأنطولوجيا والمعرفة الوجودية في محور الأبحاث الكلامية، ولا سيّما منها إثبات وجود الله وصفاته. يذهب الفاضل المقداد السيوري إلى الاعتقاد بأنّ سبب ابتداء الأبحاث الكلامية بمعرفة الوجود من قبل الفلاسفة / المتكلّمين، من أمثال نصير الدين الطوسي، يعود إلى أنّ إثبات وجود ووحدة الله رهنٌ ببيان أحكام الوجود؛ إذ يتمّ في تلك الأبحاث إثبات أنّ أحد أقسام الوجود هو وجود الواجب، بمعنى خالق العالم: «إنّما صدّر البحث بالوجود لأنّ غرضه ذکر أحکام الوجود، من أنّ منه واجبًا ومنه ممکنًا، وأنّ الواجب واحد»[11].
2 ـ التحوّل المعرفي في كلام المرحلة الوسيطة للإمامية
مع انتقال أفكار ابن سينا إلى كلام الإمامية، عمد أكثر المتكلّمين الإمامية في المرحلة الوسيطة إلى اتخاذ الاتجاه الفلسفي في بحث المسائل الكلامية، الأمر الذي أدّى إلى حدوث تغييرٍ في كثيرٍ من أركان علم الكلام، بما في ذلك الإبستمولوجيا وعلم المعرفة. إنّ أكثر الأبحاث الموسّعة التي ذكرها بعض المتكلّمين الإمامية بعد ابن سينا بشأن العلم والمعرفة، لم يكن له سابقةٌ في علم الكلام؛ من قبيل المطالب الموجودة في فصلٍ تفصيلي مبسوطٍ في نهاية المرام (في حوالي 230 صفحة)، خصّه العلّامة الحِلّي بالبحث عن العلم والمعرفة[12]. لقد ظهر هذا الاتجاه بفعل تبلور ماهيةٍ فلسفيةٍ في هذه الأبحاث، وتحت تأثير الأفكار الفلسفية لابن سينا.
وفي الحقيقة فإنّ اتجاه أكثر المتكلّمين من الإمامية نحو آراء ابن سينا ــ وإنْ كان في بعض المسائل مصحوبًا بانتقادات شديدة ــ أدّى إلى ظهور تحوّلٍ أساسي في المسائل المعرفية والإبستمولوجية في علم الكلام، وسوف نشير فيما يلي إلى الموارد المهمّة منها.
أ ـ التغيّر المفهومي للألفاظ والمصطلحات
إنّ من بين تأثيرات انتقال الفكر الفلسفي لابن سينا إلى الأبحاث الكلامية، ظهور التحوّل المفهومي في بعض المصطلحات الكلامية. لقد اكتسب عددٌ من المفردات الشائعة في البحث المعرفي والأبستمولوجي من علم الكلام تحت تأثير مفهوم ذات تلك الألفاظ في الفلسفة، تغييرًا مفهوميًا؛ بمعنى أنّه إمّا أنْ تكون قد اكتسبت معنى وتعريفًا جديدًا بالكامل، وإمّا أنّ حقلها المفهومي قد تعرّض للانقباض أو الانبساط. وعلى سبيل المثال سوف نشير فيما يلي إلى التحوّلات المفهومية في بعض المفردات على النحو أدناه:
1 ـ العلم
لقد ذهب المتكلّمون الإمامية في مدرسة بغداد، بمن فيهم: الشريف المرتضى والشيخ الطوسي ــ تبعًا للقاضي عبد الجبار المعتزلي ــ إلى عدّ مفردة (المعرفة) مرادفةً للعلم والدراية، وأنّها تعني شيئًا يستوجب سكون النفس وهدوء الفؤاد وطمأنينة القلب[13]. قال القاضي عبد الجبار المعتزلي في تعريف العلم: «العلم هو المعنی الذي يقتضي سکون نفس العالم إلی ما تناوله». ثم استطرد بعد ذلك ليقول إنّ سكون النفس في التعريف المذكور إنّما يكون فيما إذا كان اعتقاد الفرد متطابقًا مع الواقع: «وإنْ كان ذلك المعنى لا يختصّ بهذا الحكم إلّا إذا كان اعتقاد المعتقد مطابقًا لما هو عليه الواقع على وجه مخصوص»[14]. وقد قال بأنّ هذا التعريف للعلم والمعرفة هو التعريف الذي اختاره أستاذه أبو عبد الله البصري. وقد قدّم السيد المرتضى تعريفًا مشابهًا على النحو الآتي: «العلم ما اقتضی سکون النفس إلی ما تناوله غير أنّه لا يکون کذلك إلّا وهو اعتقاد يُعتقد علی ما هو واقع به»[15].
وقد ذهب كلٌّ من نصير الدين الطوسي والعلّامة الحِلّي إلى عدّ (العلم) مفهومًا واضحًا بحيث لا يحتاج إلى تعريف، بل إنّه في الأساس غير قابلٍ للتعريف[16]. وقد عمد العلّامة الحِلّي ضمن تعداده لبعض التعاريف المذكور بشأن العلم، تعرّض إلى بعض الإشكالات الواردة على كلّ واحدٍ منها. ومن بين هذه التعريفات تعريف المتكلّمين الإمامية في بغداد للعلم؛ حيث عمدوا إلى تعريفه بأنّه «الاعتقاد الذي يستوجب سكون النفس». بيد أنّ العلّامة الحِلّي يذهب إلى القول بأنّ هذا التعريف ليس مانعًا من دخول الأخيار؛ ولذلك لا يمكن أنْ يكون مقبولًا[17]؛ لأنّ التقليد والجهل المركّب مثل العلم عبارة عن معتقداتٍ تكون مصحوبةً بسكون النفس، مع فارق أنّ العلم يقتضي سكون النفس بشكلٍ ذاتي وعلى نحوٍ ضروري، وأمّا التقليد والجهل المركّب فإنّهما يدخلان في التعريف المذكور للعلم، في حين أنّهما لا يُعدّان من مقولة العلم قطعًا[18].
وفي مقابل تعريف العلم في كلام مدرسة بغداد، يذهب الفلاسفة وأتباع الكلام الفلسفي إلى أنّ العلم في معناه العام (الشامل للتصديق الجازم الثابت المتطابق مع الواقع، والظن، والتقليد والجهل المركّب) عبارة عن حصول صورة المعلوم لدى القوّة العاقلة للعالِم: «حصول صورة الشيء في العقل»[19]. وعلى أساس هذا التفسير يُطلق العلم على الصورة الذهنية المنتزعة من المعلوم الذي يتساوى معها ويطابقها. وبطبيعة الحال توجد هنا تفسيراتٌ أخرى أيضًا، ومن بينها ــ على سبيل المثال ــ عدّ العلم هو تلك الإضافة بين العالم والمعلوم. يرى العلّامة الحِلّي أنّ العلم صفةٌ حقيقيةٌ تلازم الإضافة إلى المعلوم: «والحقّ أنّه صفةٌ حقيقيةٌ يلزمها الإضافه إلی المعلوم»[20].
إنّ علم النفس ليس إضافة؛ لأنّ الإضافة أمرٌ اعتباري، في حين أنّ العلم من الصفات الحقيقية الموجودة في الخارج والقائمة بالنفس، ولكن يتمّ تعقّلها دائمًا على نحوٍ مضافٍ إلى شيءٍ آخر؛ وذلك لأنّ العلم هو على الدوام علم بشيء. وقد عمد الفاضل المقداد من خلال نقل وبيان التعريف المذكور آنفًا لم يرَ كلام العلّامة الحِلّي القائل بعدم إمكان تعريف العلم بعد القول ببداهته واستغنائه عن التعريف، وقام بنقده[21].
يبدو أنّ اختلاف توجّهات المتكلّمين في هاتين المدرستين المذكورتين، قد أدّى إلى الاختلاف في التعاريف التي ذكروها للعلم أيضًا. لقد كان للمتكلّمين الإمامية في مدرسة بغداد توجّهٌ سايكولوجيٌّ إلى العلم، وبالنظر إلى التداعيات السايكولوجية للعلم، عمدوا إلى تعريفه بأنّه «اعتقاد يستوجب سكون النفس واطمئنان الإنسان». وفي المقابل كان للفلاسفة والمتكلّمين في مدرسة الكلام الفلسفي فهمٌ أنطولوجيّ للعلم، وكانوا يأخذونه من الناحية الوجودية بنظر الاعتبار، وبالتالي فقد عمدوا إلى تعريفه بأنّه «الصورة الحاصلة عن الشيء في العقل». وإنّ هذا الاتجاه الأنطولوجي نحو مقولة العلم قد أدّى إلى طرح الوجود الذهني بين المتكلّمين من ذوي المشارب الفلسفية كما هو مطروحٌ بين الفلاسفة.
إنّ مقولة العلم بالإضافة إلى بعدها السايكولوجي لها بعدٌ أنطولوجي أيضًا، ونتيجة لذلك يجب من أجل معرفة العلم (المعرفة) بشكلٍ أعمق، أخذه من هذه الناحية بنظر الاعتبار أيضًا، قد تمّت الغفلة عنه في الكلام ما قبل الفلسفي لدى الإمامية، وقد تمّ الاهتمام به بتأثير من تفصيل الأفكار الفلسفية لابن سينا في ضوء جهود أتباعه في المرحلة الوسيطة لمدرسة الكلام الفلسفي. وفي الأساس فإنّ بحث البُعد الوجودي للعلم وبيان أنّ العلم له وجودٌ خارجيٌّ في ساحة النفس الإنسانية، وأنّه يُسمّى بالوجود الذهني، كان من المسائل الدقيقة في فلسفة ابن سينا، حيث أحدث تحوّلًا كبيرًا في المعرفة والإبستمولوجيا الفلسفية، وإثر ذلك أحدث تحوّلًا آخر في علم المعرفة أيضًا.
2 ـ العقل
إنّ من بين المصطلحات الأساسية في علم المعرفة التي تعرّضت للتغيير المفهومي بفعل التحوّل الحاصل في كلام الإمامية، مفردة (العقل). إنّ العقل في كلام المدرسة الإمامية في بغداد يعني «مجموعة خاصّة من العلوم الضرورية (البديهية). لقد عمد الشيخ الطوسي في رسالةٍ له تحت عنوان المقدّمة في الكلام ــ والتي قام فيها بتبيين المصطلحات الكلامية على طبق مذهبه الكلامي ــ إلى تعريف مفردة العقل أيضًا. فهو يرى أنّ العقل مجموعةٌ من العلوم، من قبيل: العلم بوجوب الكثير من الواجبات، مثل أداء الأمانة، وشكر المنعم والإنصاف، وكذلك العلم بقبح أمورٍ من قبيل: الكذب والظلم، وحُسن الأمور الممدوحة من قبيل: الصدق والإحسان. وعلى حدّ تعبير الشيخ [الطوسي] إنّ سبب تسمية هذه المجموعة من العلوم بـ (العقل) مشابهتها للعقال الذي تعقل به قائمة الجمل. إنّ هذا الشبه يمكن بيانه من جهتين، الجهة الأولى: أنّ الشخص الواجد لها يجتنب ارتكاب الأمور العقلية القبيحة والإخلال بالواجبات، كما يقوم عقال الجمل بمنعه من الحركة. والجهة الأخرى: أنّ حصول وتثبيت العلوم الاستدلالية أو الاكتسابية رهنٌ بوجود هذه الطائفة من العلوم؛ بمعنى أنّ مجموع العلوم المذكورة متقدمةٌ على العلوم الاكتسابية، وأنّ تثبيت العلوم الاكتسابية تابعٌ لهذا القسم من العلوم، كما أنّ تثبيت الجمل تابع لعقاله[22].
وقد صرّح أبو الصلاح الحلبي (م: 447 هـ) ــ وهو من أتباع المدرسة الإمامية في بغداد ــ في تعريف العقل بأنّه يُطلق على مجموعةٍ من العلوم التي هي من فعل الله [في الإنسان]؛ بمعنى أنّها تحصل للإنسان على نحوٍ ضروري: «العقل مجموع علومٍ من فعله تعالی ... وقلنا: إنّها من فعله تعالی لحصولها علی وجه الاضطرار في الحيّ»[23]. لقد تمّ التصريح في هذا التعريف بأنّ المراد من العقل مجموعةٌ من العلوم الضرورية التي يوجدها الله في الإنسان.
وقد ذهب قطب الدين النيسابوري إلى القول بأنّ العقل عبارةٌ عن علومٍ خاصّةٍ تتألّف من عشرة أقسام. إنّ الأقسام العشرة التي يرى أنّها بمجموعها هي العقل تشمل طائفةً واسعةً من العلوم الضرورية التي تحتوي على علم الإنسان بذاته وأوصافه وأحواله، والعلم بأنّ الجسم لا يمكن أنْ يكون في مكانين في وقتٍ واحد، والعلم ببعض التجارب، من قبيل أنّ النار تحرق القطن، وأنّ الزجاج يتكسّر إذا قذف بالحجارة، وأنّ الفعل تابعٌ للفاعل؛ من قبيل: تعلّق الكتابة بالكاتب، والبناء بالبنّاء[24]، وأخيرًا العلم بقبح القبائح العقلية، ووجوب الكثير من الواجبات، إذ يُعدّ هذا العلم كمالًا للعقل[25].
إنّ التعريف المذكور للعقل في آراء المتكلمين الإمامية في بغداد، هو التعريف المعروف للعقل في مدرسة المعتزلة في البصرة. قال ابن متّويه في تعريف العقل: «فأما العقل فهو عبارةٌ عن جملةٍ من العلوم متی حصلت تُسمّی عقلًا، ومتی انفرد البعض عن البعض لم يُسمّ بذلك»[26]. وبعد بحثه الأنواع المختلفة للعلوم التي يُسمّى مجموعها عقلًا، عمد إلى توضيحها بالتفصيل[27]. وقد ذهب إلى الاعتقاد بأنّ الشخص إنّما يكون قابلًا للتكليف فيما لو حصل على العقل بالمعنى المذكور (أي مجموع هذه العلوم المذكورة)؛ إذ من دون هذه المجموعة من العلوم، يكون الإنسان عاجزًا عن معرفة الله[28].
والنتيجة هي أنّ العقل في اعتقاد المتكلّمين الإمامية في مدرسة بغداد، يُطلق على مجموعةٍ خاصّةٍ من العلوم الضرورية والأولية للإنسان، والتي تساوي تقريبًا مرتبة العقل بالملَكة، والذي تمّ لاحقًا أخذه في الفلسفة وفي مدرسة الكلام الفلسفي بوصفه واحدًا من مراتب العقل النظري.
وبالقياس إلى هذا التعريف المذكور آنفًا، قام المتكلّمون من أتباع مدرسة الكلام الفلسفي إلى تقديم تعريفٍ آخر للعقل. في هذه المدرسة تمّ استخدام مصطلح العقل في عدّة معانٍ على نحو الاشتراك اللفظي:
أولًا: الغريزة التي تلازم ــ بشرط سلامة الحواس والقنوات الإدراكية ــ العلم بالضروريات والبديهيات[29]. وقد اختار كلٌّ من الفخر الرازي ونصير الدين الطوسي هذا المعنى للعقل[30]، وبعدهما قال العلّامة الحِلّي بأنّ هذا التعريف للعقل هو الحق والصواب: «واعلم أنّ الحقّ في هذا الباب عندي ما اختاره الأفضلان من أنّ العقل غريزة تلزمها العلوم الضرورية عند سلامة الآلات»[31]. إنّ هذا المعنى من العقل يتساوى تقريبًا مع مفهوم العقل في الكلام في مدرسة بغداد، مع فارق أنّ العقل في كلام المدرسة البغدادية كان يُطلق على مجموعةٍ من العلوم الضرورية والبديهية، ولكنّه أطلق في الكلام الفلسفي على غريزةٍ تتلازم مع هذه المجموعة من العلوم الضرورية والبديهية.
ثانيًا: الموجود الذي هو في ذاته وفعله مجرّد وغني عن المادّة. إنّ هذا المعنى من العقل عند الحكماء الأوائل مصطلحٌ شائع[32]، ولكن لا سابقة له في الكلام ما قبل الفلسفي.
ثالثًا: قوى النفس الإنسانيّة، والتي هي على قسمين:
أ ـ العقل العلمي (النظري)، وله أربع مراتب[33]:
1 ـ العقل الهيولاني: عبارة عن نفس (أو عقل) الإنسان في المرتبة التي لا تحتوي على أيّ نوعٍ من العلم الضروري أو الاكتسابي، وإنّما هي ــ مثل الهيولا ــ لا تحتوي على غير استعدادٍ محض، حيث لا يحصل فيها أيّ نوعٍ من أنواع الصوَر، ولكنّها تمتلك الاستعداد لقبولها. إنّ هذه المرتبة من العقل موجودةٌ لدى الناس منذ بداية الخلق.
2 ـ العقل بالملَكة: إنّما يطلق هذا العنوان على نفس (أو عقل) الإنسان، عندما يصبح مستعدًا ــ بفعل تعقّل البديهيات (المعقولات الأولى) واكتساب العلوم الضرورية ــ لإدراك العلوم النظرية (المعقولات الثانية). في هذه المرحلة تكون النفس بوساطة العلوم الضرورية قد اكتسبت ملَكة الاستنتاج والقدرة على اكتساب النظريات والانتقال إلى العلوم النظرية. إنّ العقل الذي يقع مناطًا للتكليف الشرعي هو هذه المرتبة من العقل الذي يكون له ــ بحسب الشدّة والضعف ــ استعدادٌ لتقبّل مختلف الدرجات. وإنّ أعلى درجة في هذه المرتبة عبارة عن القوّة القدسية، وأسفل مراتبها هي مرتبة البَلادة.
3 ـ العقل بالفعل: عندما تصل النفس إلى مرتبةٍ بحيث تتمكن من إحضار العلوم النظرية المنبثقة عن العلوم الضرورية متى ما أرادت، فإنّها تسمّى في هذه الحالة بالعقل بالفعل. وعلى هذا الأساس فإنّ الفعلية هنا لا تعني الوجود بالفعل للعلوم النظرية للإنسان، بل تعني القدرة على إحضار العلوم النظرية (المعقولات الثانية).
4 ـ العقل المستفاد: بمعنى حصول العلوم النظرية للإنسان بالفعل. إنّ هذه المرتبة هي آخر مراتب درجة كمال النفس في قوّة العقل العملي. يرى العلّامة الحِلّي أنّ سبب تسمية هذه المرتبة من النفس بمرتبة العقل المستفاد هو أنّ صيرورة العلوم النظرية بالفعل بالنسبة إلى الإنسان مستفادةٌ من الله سبحانه وتعالى، بيد أنّ هذه المرتبة من النفس ــ من وجهة نظر الحكماء ــ تستفاد من العقل الفعّال.
إنّ المراتب الثلاث الأولى (القوّة الهيولانية، والقوّة بالملَكة، والقوّة بالفعل) هي في الحقيقة من القوى الإدراكية للنفس، والمرتبة الرابعة هي مرتبة كمال النفس[34].
ب ـ العقل العملي الذي يطلق ــ على نحو الاشتراك اللفظي ــ على ثلاثة أمور:
1 ـ القوّة التي بسببها يصبح الإنسان قادرًا على تمييز الأمور الحسنة من الأمور القبيحة.
2 ـ المقدّمات التي يمكن بوساطتها التعرّف على الأمور الحسنة والقبيحة.
3 ـ الأفعال التي تتصف بالحسن والقبح أو القيام بالأمور الحسنة والقبيحة[35].
إنّ استخدام العقل في هذه المعاني مستنبطٌ بوضوحٍ من فلسفة ابن سينا. وفي الواقع فإنّ استخدام مصطلح العقل في معنى الموجود الذي هو في الذات والفعل مجرّد عن المادّة، وإطلاقه على القوى النفسانية، وكذلك نرى تقسيم العقل إلى العقل العملي والعقل النظري مرارًا وتكرارًا في آثار ابن سينا وأتباعه. من ذلك ــ على سبيل المثال ــ أنّ ابن سينا في كتاب الحدود قد أشار إلى ثمانية معانٍ مختلفة للعقل عند الحكماء؛ ومن بينها (التصوّرات والتصديقات الفطرية للنفس)، والتي ذكرها أرسطو ــ على حدّ تعبير ابن سينا ــ في كتاب البرهان، ووضعها في قبال مفردة العلم (بمعنى التصوّرات والتصديقات الاكتسابية)[36]. ويبدو أنّ هذا المعنى من العقل يتساوى مع المعنى الذي يتمّ تقديمه في كلام مدرسة بغداد والكلام الفلسفي عن العقل، وتعريفه بأنّه عبارة عن «مجموعة من العلوم الضرورية والبديهية». كما أشار ابن سينا إلى المعاني الأخرى لمفردة العقل، من قبيل: العقل النظري، والعقل العملي، وأقسام العقل النظري من قبيل العقل الهيولاني، والعقل بالملَكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، والعقل بمعنى الجوهر المجرّد من المادة، أيضًا[37].
3 ـ الدليل
إنّ كلمة (الدليل) من الناحية اللغوية تعني المرشد والهادي. وإنّ هذه الكلمة في النصوص الكلامية في المدرسة الإمامية في بغداد في الأصل ترادف كلمة (الدالّ) وتستعمل بمعنى فاعل الدلالة (الحجّة والبرهان). كما أنّ هذا المصطلح بعد العمل على توسعته في الاستعمال الثانوي المجازي، يتم استعماله أحيانًا بما يُرادف لفظ (الدلالة)، ويُستعمل بمعنى الشيء الذي يستلزم العلم به العلم بشيء آخر، على شرط أنْ يكون الفاعل قاصدًا الاستدلال به[38]. وقال القاضي صاعد البريدي في تعريف كلمة (الدليل)، بعد بيان هذين الاستعمالين: «الدليل: الدلالة، وهي ما إذا نظر فيها وصله إلی العلم بالغير إذا کان فاعله قصد به وجه الاستدلال؛ وقد يُراد بالدليل فاعل الدلالة»[39].
وعلى هذا الأساس فإنّ كلمة (الدليل) في مدرسة بغداد، تعني فاعل الدلالة والدال، وبعبارةٍ أخرى: المبيّن للدليل (الذاكر للدليل)[40]، أو بمعنى مطلق ما يصح الاستدلال به بشرط أنْ يكون فاعله قاصدًا الاستدلال به. بيد أنّ هذه المفردة في مدرسة الكلام الفلسفي، بالإضافة إلى المعنى السابق، بمعنى (الشيء الذي يكون العلم به مستلزمًا للعلم بشيء آخر)، قد استعملت في معنى أخص في (نوع من البرهان الإنّي الذي يكون فيه المعلول موصلًا إلى العلّة) أيضًا[41].
وقال العلّامة الحِلّي في بيان هذين المعنيين بأنّ مصطلح (الدليل) يُطلق على معنيين على نحو الاشتراك: «والحقّ أن يُقال: الدليل هو الذي يلزم من النظر فيه العلم بشيءٍ آخر، الثاني: الاستدلال بالمعلول على العلّه»[42].
توضيح ذلك أنّ التقسيم الذي كان يتمّ تقديمه في علم المنطق وفي الفلسفة لأنواع الاستدلال والبرهان قد تسلل إلى الآثار الكلامية في مدرسة الكلام الفلسفي أيضًا، حيث يتمّ تقسيم الاستدلال في بعض الموارد إلى نوعين من البرهان الكلّي، وهما:
1 ـ البرهان اللمّي: بمعنى الاستدلال بالعلّة على المعلول، من قبيل الاستدلال بالالتهاب على وجود الحمّى.
2 ـ البرهان الإنّي: وهو على قسمين:
أ ـ الاستدلال بالمعلول على العلّة، من قبيل الاستدلال بالحمّى على وجود الالتهاب، حيث يُسمّى هذا القسم في المصطلح بـ (الدليل).
ب ـ الاستدلال بالمعلول على معلولٍ آخر[43].
وعلى هذا فإنّه بعد فلسفة كلام الإمامية، اكتسبت مفردة الدليل معنىً أخصّ، وتم استعمالها أحيانًا في مفهوم الاستدلال بالمعلول على العلّة.
ب ـ انتقال التقسيمات الجديدة للعلم إلى المعرفة الكلامية
إنّ من بين المتغيّرات البارزة التي ظهرت بفعل اتجاه كلام الإمامية إلى الفلسفة في قسم المعرفة، تقديم تقسيماتٍ جديدةٍ للعلم، وفيما يلي نشير إلى الموارد المهمّة في هذا الشأن.
1 ـ العلم التصوري والعلم التصديقي
ينقسم العلم في تقسيمٍ منطقيّ أوليّ إلى التصوّر والتصديق. إنّ الصورة التي ترتسم في ذهن العالِم أو مجرّد انطباع صورة الشيء في الذهن، يُسمّى (تصوّرًا). وأما الحكم الجازم والمتطابق مع الواقع الثابت، بمعنى الحكم اليقيني بثبوت شيءٍ إلى شيء آخر، هو الذي يطلق عليه مصطلح (التصديق). إذا لم يكن الحكم جزميًا ويقينيًا، لن يكون علمًا في الحقيقة، بل هو ظنّ، وإنما يُطلق عليه عنوان العلم من باب المجاز، وكذلك إذا لم يكن الحكم متطابقًا مع الواقع، يكون من الجهل المركّب، وإنْ لم يكن ثابتًا، فهو تقليد[44]. وتارةً يُستعمل التصديق في معانٍ عامّةٍ ترادف مطلق الحكم، الأعم من الجازم أو غير الجازم، والمتطابق أو غير المتطابق مع الواقع، والثابت أو غير الثابت. وفي هذه الحالة يُسمّى التصديق الجازم المتطابق مع الواقع الثابت (علمًا)، ويُسمّى التصديق المتطابق مع الواقع غير الثابت (تقليدًا) للحق، ويُسمّى التصديق الجازم غير المتطابق مع الواقع بـ (الجهل المركّب)، ويُسمّى التصديق غير الجازم بـ (الظن)[45].
لم يرد ذكر هذا التقسيم للعلم في الآثار الكلامية لمدرسة الإمامية في بغداد، ولا يوجد هنا استعمالٌ لمصطلحي التصوّر والتصديق في المعاني المذكورة آنفًا، وإنّ التعريف المذكور في هذه المدرسة للعلم ـــ وهو القول بأنّه اعتقادٌ يقتضي سكون النفس ـــ إنّما ينظر إلى العلم التصديقي فقط، ولا يشمل العلم التصوري.
2 ـ العلم الضروري والعلم الاكتسابي
يتمّ في مدرسة الكلام الفلسفي ــ تبعًا لعلم المنطق والفلسفة ــ تقسيم العلم التصوري والتصديقي إلى ضروري واكتسابي. إنّ التصوّر أو التصديق الذي يحتاج إلى استدلالٍ ونظرٍ يُسمّى بـ (الاكتسابي) أو (النظري)، وإنّ التصور أو التصديق الذي يكون واضحًا من تلقائه ومن دون حاجةٍ إلى تفكيرٍ وإجالة نظرٍ، يُسمّى بـ (البديهي) أو (الضروري)[46]. إنّ طريق كسب تصوّر الاكتسابي، هو قول الشارح (الأعم من الحدّ والرسم). وطريق كسب التصديق الاكتسابي، هو الحجة (الشامل للقياس والاستقراء والتمثيل)[47].
وعلى الرغم من أنّ تقسيم العلم إلى ضروري واكتسابي كان موجودًا في المدرسة الكلامية ما قبل الفلسفية لدى الإمامية أيضًا، إلّا أنّ التعريفات المذكورة لهذين النوعين من العلم في مدرسة بغداد الكلامية، تختلف عمّا ورد ذكره لاحقًا في علم الكلام الفلسفي من حيث العبارة في الحدّ الأدنى. إنّ الملاك الرئيس في كلام المعتزلة وكذلك في المدرسة الإمامية في بغداد، لتقسيم العلم إلى ضروري واكتسابي هو فاعل العلم؛ بمعنى لو كان العلم فعل ذات الإنسان ويوجد باختياره، يسمّى ذلك العلم بـ (العلم الاكتسابي)، وإنْ كان من دون اختيار الإنسان ويتجلّى في الإنسان من ناحية الله سبحانه وتعالى، سمّي ذلك العلم بـ (العلم الضروري)[48]. وفي المقابل فإنّ معيار تقسيم العلم إلى ضروري واكتسابي في الكلام الفلسفي، هو حاجته إلى التأمّل والاستدلال أو عدم حاجته إلى ذلك.
ويبدو بطبيعة الحال أنّه يمكن الربط بين هذين التعريفين بشكلٍ وآخر، وعدّ مرجع كلا التعريفين إلى معنى واحد؛ بأنْ نقول: حيث إنّ العلم الاكتسابي يحتاج إلى تأمّلٍ وتفكير، وإنّ التأمّل والتفكير من فعل الإنسان، فإنّ فاعل العلم الاكتسابي يكون هو ذات الإنسان، ويعدّ هذا النوع من العلم فعل الإنسان نفسه، إلّا أنّ الفعل الضروري في الإنسان الذي لا يحتاج إلى تأمّلٍ وتفكيرٍ إنساني، فهو يعدّ من فعل الله في الإنسان. وعلى هذا الأساس فإنّ العلم الضروري والاكتسابي المذكورين في الكلام الفلسفي هما العلم الضروري والعلم الاكتسابي المذكورين في المدرسة الكلامية للإمامية في بغداد.
إنّ الاختلاف المهم في هذا البحث هو وجود الاختلاف في الآراء بين المدرستين المذكورتين حول تقسيمات وتفريعات العلم الضروري؛ بمعنى أنّه يتمّ تقسيم العلم الضروري في الكلام الفلسفي إلى ستة أقسام، في حين لا يوجد ذكر لهذه الأقسام في الكلام ما قبل الفلسفي. توضيح ذلك أنّه من وجهة نظر الفلاسفة المتكلّمين من أمثال نصير الدين الطوسي والعلّامة الحِلّي ينقسم العلم الضروري إلى ستة أقسام[49]، لم يرد سوى بعضها في الكلام ما قبل الفلسفي، حيث تمّ عدّه من أنواع العلم الضروري.
1 ـ البديهيات الأولية (الأوليات): القضايا التي يكفي تصوّر الموضوع والمحمول فيها في إصدار الحكم. إنّ هذه القضايا صادقةٌ في ذاتها، وليس هناك حاجةٌ إلى وجود سببٍ خارجي للتصديق بها، من قبيل: قضية (أنّ الكل أكبر من الجزء). إنّ هذا النوع من الضروريات يندرج في كلام المدرسة البغدادية تحت عنوان (العلم الذي يوجد في الإنسان منذ البداية من دون سبب)، ويُعدّ في زمرة العلوم الضرورية. وقد ورد هذا القسم من العلوم الضرورية في مدرسة المعتزلة تحت عنوان (بداية العقول) أو (علوم البداية)[50].
2 ـ الحسيّات (المحسوسات): القضايا التي يحكم العقل بها إمّا من خلال الاستعانة بالحواس الخمسة الظاهرية، من قبيل القضية القائلة: (النار حارّة)، التي تسمّى بـ (المشاهدات)، أو من خلال الاستعانة بالحواس الباطنية والعلم الوجداني أو الحضوري (من قبيل: علمنا بذواتنا وأحوالنا النفسانية)، وفي هذه الحالة تُسمّى بـ (الوجدانيات).
لقد ذهب المتكلّمون في مدرسة بغداد إلى عدّ هذا النوع من العلم ضروريًا أيضًا، مع فارق أنّ العلم الحاصل من طريق الحسّ الظاهري يذكر في ذيل العلم الضروري الحاصل من طريق السبب، وذكروا العلم الوجداني في ذيل العلم الضروري البَدوي ومن دون سبب.
3 ـ المتواترات: القضايا التي يخبر بها عددٌ كبيرٌ من الأشخاص بحيث يمتنع معه احتمال تواطوئهم على الكذب، وبذلك فإنّ العقل يحكم بضرورة صدقها. وقد عُدّت المتواترات في مدرسة بغداد، من أقسام العلم الضروري أيضًا، والتي تمّ إيجادها في الإنسان بوساطة سبب ناشئ بحكم العادة.
4 ـ المُجرَّبات: القضايا التي يحكم العقل بها من طريق الحواس وبسبب تكرار المشاهدة، من قبيل: إنّ ضرب الشخص بالعصا يوجعه، وإنّ المعدن يوصل الحرارة والكهرباء. في هذه القضايا يتم ضمّ قياسٍ حفيّ ـــ وهو أنّ وقوع الشيء إذا كان صدفة، فإنّه يجب ألّا يتكرر على الدوام ـــ إلى تلك المشاهدات، ويُستنتج منه حكمٌ كلّي.
لا يُرى هذا القسم من العلم الضروري في كلام المتكلّمين في بغداد. وإنّ الذي يُشبه هذا القسم من العلوم الضرورية في هذه المدرسة الكلامية إلى حدٍّ ما، هو تلك المجموعة من العلوم الضرورية التي تحصل للإنسان من طريق الحسّ وبالتكرار؛ من قبيل: العلم بالصنائع والحرَف المتنوّعة التي تحصل للإنسان بوساطة الممارسة والتمرين، أو المحفوظات التي تستقرّ في ذهن الإنسان بوساطة التكرار. ومع ذلك لا يمكن عدّ هذا النوع من العلم من نوع المجرّبات المصطلحة في الكلام الفلسفي؛ وذلك لأنّ المراد من هذا العلم التجريبي في مدرسة بغداد هو الوصول إلى مهارة أو ملَكة عملية للإنسان يتمّ اكتسابها بفعل التمرين وتكرار المشاهدة، بيد أنّ التجربيات في الكلام الفلسفي هي قضايا كلية، حيث تثبت كلّيتها بفعل المشاهدة المتكرّرة، وضمّ القياس الخفيّ لها.
5 ـ الحدسيات: القضايا التي يحدس بها العقل بسبب تكرار المشاهدة، وكذلك ضمّ قياسٍ خفيّ إليها، ويتمّ الحكم بها، من قبيل قضية: إنّ نور القمر مقتبسٌ من ضوء الشمس. إنّ هذا القسم من الضروريات لم يرد ذكره في الكلام ما قبل الفلسفي ضمن أقسام العلم الضروري.
6 ـ الفطريات: هي القضايا التي يكون حدّها الوسط حاضرًا في الذهن دائمًا، ومن هنا فإنّ العقل من أجل الحكم عليها لا يحتاج إلى تأمّلٍ وتفكير، من قبيل قضية: إنّ الاثنين نصف الأربعة. ويتمّ التعبير عن هذا القسم من العلوم الضرورية بـ (القضايا التي قياساتها معها) أيضًا. إنّ هذا القسم من الضروريات ــ مثل القسم السابق ــ لم يرد ذكره بهذا العنوان في الكلام ما قبل الفلسفي أيضًا.
3 ـ العلم الفعلي والعلم الانفعالي
إنّ التقسيم الجديد الذي دخل من الفلسفة إلى علم الكلام الفلسفي، هو تقسيم العلم إلى فعلي وانفعالي. إنّ بيان العلم الفعلي يؤّدي دورًا في غاية الأهمية في توضيح ارتباط العلم الإلهي بخلق الكائنات وتفسير كيفية علمه وإدراكه لمخلوقاته. إذا كان العلم علةً وموجدًا للأشياء الخارجية؛ بمعنى أنْ يكون خالقًا للمعلوم، فسوف يُسمّى ذلك العلم بـ (العلم الفعلي)، من قبيل: علم الله بمخلوقاته، وأمّا لو كان مقتبسًا من الأشياء الخارجية، فسوف يُسمّى بـ (العلم الانفعالي)، من قبيل علمنا بالموجودات الخارجية. إنّ هذا العلم يحصل بتأثيرٍ من انفعال العالِم وارتسام صورة المعلوم في ذهنه. وهناك نوعٌ ثالث من العلم أيضًا لا هو موجد للكائنات الخارجية ولا هو مأخوذ منها، من قبيل: علم الله بذاته، وعلم الذوات العاقلة بنفسها[51]؛ حيث لا هو علم فعلي ولا هو علم انفعالي[52].
إنّ هذا النوع من التقسيم للعلم كان يرتبط في الأصل بعلم الفلسفة، وكان يتمّ توظيفه واستخدامه في آثار الفلاسفة. إنّ العلّامة الحِلّي في بعض مؤلّفاته عند بيان هذا التقسيم، قد أشار إلى فلسفية هذا التقسيم[53]، من ذلك ــ على سبيل المثال ــ أنّ تقسيم العلم إلى فعلي وانفعالي، وبيان خصائص كلّ واحدٍ منهما، قد ورد بالتفصيل في المؤلّفات الفلسفية لابن سينا[54]. تتمّ الاستعانة في فلسفة ابن سينا وفي الكلام الفلسفي لبيان كيفيّة علم الله بالموجودات بمصطلح (العلم الفعلي)، ويتمّ التعريف بعلم الله بالموجودات بوصفه نوعًا من العلم الفعلي الذي هو العلم المعطى من قبله، وعلة إيجاد الأشياء في عالم الخارج، هذا في حين لا نرى أثرًا في الكلام ما قبل الفلسفي لدى الإمامية لتقسيم العلم إلى فعلي وانفعالي، واستعماله في بيان المسائل الكلامية إثبات القضايا العَقَدية، ومن بينها علم الله بالموجودات.
4 ـ العلم الواجب وعلم الممكن
إنّ من بين التقسيمات الجديدة الأخرى في بحث معرفة الكلام الفلسفي للإمامية، تقسيم العلم إلى واجب الوجود بالذات، وممكن الوجود بالذات. إنّ علم الله بذاته علمٌ واجب؛ لأنّه عين ذات الله، وإنّ جميع العلوم الأخرى هي من قبيل العلم الممكن[55]. هذا في حين لا يُرى تقسيم الموجود إلى الواجب والممكن في مدرسة بغداد الكلامية، ويتمّ بدلًا من ذلك تقسيم الأشياء إلى قديمة وحادثة.
5 ـ العلم الحصول والعلم الحضوري
إثر التفسير الخاص الذي يتمّ تقديمه في فلسفة ابن سينا عن كيفية حصول العلم للإنسان، يرد ذكر مصطلحي العلم الحصولي والعلم الحضوري في الكلام الفلسفي أيضًا. إنّ الإنسان في علمه بغير ذاته يحتاج إلى انتزاع الصوَر الذهنية من الأشياء الخارجية؛ ومن هنا يكون علم الإنسان بغيره (علمًا حصوليًّا)؛ حيث يحصل للإنسان بوساطة اكتساب الصورة العلمية للشيء. والنوع الآخر هو علم الإنسان بذاته الذي يكون بسبب حضور ذاته عنده، ولا يحتاج إلى صورةٍ علمية، ومن هنا يطلق على هذا النوع من العلم عنوان (العلم الحضوري)[56].
لقد أدّى تعريف العلم الحضوري وبيان خصائصه دورًا مهمًّا في بيان علم الله بمخلوقاته بعد خلقها، ولا سيّما عند عالمٍ مثل الخواجة نصير الدين الطوسي الذي قال بأنّ علمَ اللهِ بالموجودات بعد خلقها علمٌ حضوري، وقد استدلّ على ذلك.
وحيث يكون بيان حصول العلم لدى الإنسان في مدرسة بغداد الكلامية بشكلٍ آخر، لا نجد هناك تقسيمًا للعلم إلى حصولي وحضوري أيضًا؛ وبالتالي فإنّ بيان كيفية علم الله بالموجودات بعد خلقها لم يتمّ عبر إثبات العلم الحضوري لله سبحانه وتعالى.
6 ـ العلم بالقوّة المحضة والعلم بالفعل التفصيلي والعلم الإجمالي
قال العلّامة الحِلّي إنّ ابن سينا قد رأى ثلاث مراتب للعلم، وهي:
1 ـ العلم بالقوّة المحضة: هو نمط من أنماط العلم يتعلّق بأمرٍ لا يزال يحتفظ بإمكان عدم التعقّل؛ إذ تكون النفس العاقلة في هذه المرحلة خالية من التعقّل الفعلي، لكنها تتصف بامتلاك القابلية والاستعداد لاكتساب العلم.
2 ـ العلم بالفعل التفصيلي: في هذا النوع من العلم، يتحقّق الإدراك لدى العاقل تحقّقًا فعليًّا تامًا ومفصّلًا؛ بحيث يُدرك المعلوم من جميع جهاته إدراكًا شاملًا، ويكون حاضرًا لديه حضورًا فعليًا لا لبس فيه.
3 ـ العلم الإجمالي: هو علمٌ بسيطٌ إجماليّ بالفعل، وإنْ لم يكن علمًا تفصيليًا، كما أنّه ليس من قبيل العلم بالقوّة المحضة. ومن أمثلته: ما يكون لدى الشخص الذي سبق له أنْ أدرك جوابًا تفصيليًا لسؤالٍ ما، لكنه غفل عنه في الوقت الحاضر؛ فإذا طُرح عليه ذلك السؤال مجددًا، أمكنه استحضار الجواب دفعةً واحدةً على نحوٍ إجمالي، ثم يسترجعه شيئًا فشيئًا بتفصيله الكامل أثناء شروعه بالإجابة[57].
إنّ هذا النوع من التقسيم لمراتب العلم انتقل من مؤلّفات ابن سينا إلى النصوص الكلامية ما بعد الفلسفية[58]، وإنّ المتكلّمين الإمامية من أمثال الشيخ الرئيس قد استفادوا من تلك المصطلحات لبيان كيفية علم الله البسيط بالموجودات. هذا في حين أنّ المتكلّمين الإمامية في مدرسة بغداد لم يكونوا يقدّمون بيانًا خاصًّا لكيفية العلم الإلهي السابق بالموجودات.
ج ـ تأسيس القواعد المعرفية الجديدة
إنّ من بين التحوّلات الأخرى التي تم التأسيس لها ــ بعد انتقال الأفكار الفلسفية لابن سينا إلى الحقل المعرفي لكلام الإمامية ــ أو بنحوٍ أدق تمّ طرحها بعد ذلك، القواعد المعرفية الجديدة في هذا الحقل؛ إنّ هذه القواعد المعرفية قد تمّ شرحها بالتفصيل في فلسفة ابن سينا، ثم انتقلت بعد ذلك ــ بسبب استعمالاتها المهمّة في الإجابة عن بعض المسائل الكلامية بجهود من الفلاسفة المتكلّمين من أمثال نصير الدين الطوسي ــ إلى علم الكلام. وفيما يلي سوف نشير ــ على سبيل المثال ــ إلى عددٍ من تلك القواعد المهمّة:
1 ـ استلزام العلم بالعلّة للعلم بالمعلول
لقد عمد ابن سينا إلى بيان القاعدة الفلسفية القائلة: (العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول) بالتفصيل، ثم قام الخواجة نصير الدين الطوسي بعد ذلك بإدخالها في الأبحاث الكلامية. وعلى الرغم من وجود الاختلاف بين الفلاسفة والمتكلمين في بيان كيفية تفسير هذه القاعدة، إلّا أنّ أكثر هؤلاء العلماء يؤكدون على التوظيف المهم لهذه القاعدة في أبحاث العلم الإلهي، وبيان كيفية العلم الذاتي السابق لله بالموجودات. وفي الحقيقة فإنّ الإجابة من وجهة نظر هؤلاء المفكّرين عن معضلة العلم السابق الذاتي لله بالموجودات لا يكون ممكنًا إلّا من خلال الاستناد إلى هذه القاعدة المعرفية.
لقد ذكر العلّامة الحِلّي في (نهاية المرام) في تفسير قاعدة (العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول)، اختلافه في الرأي مع أستاذه الخواجة نصير الدين الطوسي، وكذلك الفخر الرازي[59]، وفي كتاب (مناهج اليقين) نسب هذه القاعدة إلى الفلاسفة (أو الأوائل)، وأشار إلى اختلاف آرائه معهم في تفسير هذه القاعدة[60]. إنّه يرى أنّ تفسير (العلم بالعلة) يمكن افتراضه على ثلاثة أنحاء:
أ ـ إنّ العلم بماهية العلة إنّما يكون من حيث الذات والحقيقة التي تمتلكها فقط؛ ومن هذه الناحية لا يكون العلم بالعلة مستلزمًا للعلم بالمعلول دائمًا.
ب ـ العلم بالعلة من حيث إنّه يستلزم ذاتًا أخرى (أي المعلول). وحيث إنّ هذا العلم هو علمٌ ناقصٌ بالعلة، فإنّ العلم الناقص بالعلة إنّما يستوجب حصول علمٍ ناقصٍ بالمعلول؛ بمعنى أنّه لا يؤدّي إلى علم بماهية المعلول، وإنّما يُظهر مجرّد معلوليته بالنسبة إلى العلة.
ج ـ العلم التام بالعلة يستلزم العلم التام بالمعلول؛ بمعنى أنّ العلم بالذات والماهية واللوازم والملزومات والعوارض والمعروضات والصفات الذاتية والصفات النسبية للعلة، يستوجب العلم بحقيقة وماهية المعلول. ويرى العلّامة الحِلّي أنّ هذا التفسير للقاعدة المذكورة هو التفسير الصحيح[61]. وقد ذكر الخواجة نصير الدين الطوسي في تفسير هذا الأصل أنّ ماهية المعلول من بين لوازم العلة التامّة؛ وعلى هذا الأساس فإنّ العلم التام بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، بيد أنّ العلم الناقص بالعلة ــ بمعنى صرف العلم بماهية وحقيقة العلة من دون العلم بلوازمها وعوارضها ــ لا يستوجب أيّ نوعٍ من العلم بالمعلول[62].
إنّ هذه القاعدة ليس لها أيّ سابقةٍ في الكلام ما قبل الفلسفي، وإنّما تمّ الاهتمام بها في مدرسة الكلام الفلسفي فقط، وتمّت الاستفادة منها في حلّ بعض المسائل الكلامية.
2 ـ حصر حصول العلم اليقيني بالشيء المشتمل على السبب من طريق سببه
إنّ من بين القواعد المعرفية في علم الكلام ما بعد الفلسفي، قاعدةٌ ورد ذكرها في العناوين الآتية: (الشيء إذا کان ذا سببٍ فإنّه أنّما يُعلم بسببه)، و«العلم بذوات المبادئ (الأسباب) إنّما يحصل من العلم بمبادئها (بأسبابها)»[63]، و«العلم بالمسبَّب إنّما يحصل من العلم بسببه»[64]. إنّ الشيء الذي يكون له سبب ــ بناء على مضمون هذه القاعدة ــ إنّما يُعرف على نحو اليقين من طريق سببه؛ بمعنى أنّ الشيء الذي يحتاج في وجوده إلى سبب، فإنّ العلم بذلك الشيء بدوره يحصل من طريق سببه، وإنّ هذا العلم الحاصل من السبب علمٌ كلّيّ بالمسبَّب.
إنّ سبب هذا الأمر هو أنّ تحقّق شيءٍ إذا كان تابعًا لسبب، فإنّ ذلك الشيء من دون ذلك السبب يكون ممكن الوجود، وإنما يصبح واجبًا بوساطة سببه فقط. والآن بمجرّد لحاظ ماهية ذلك الشيء، لا يمكن للعقل أنْ يحكم بوجود ذلك الشيء أو عدمه، وإنّما يحكم بأحد هذين الطرفين حيث يكون له علمٌ بوجود سببه أو بعدمه. وعلى هذا الأساس في مورد الشيء ذي السبب إنّما يمكن الحكم القطعي بوجوده أو عدمه بالنظر إلى سببه فقط: «فذو السبب إنّما يحکم بوجوده أو عدمه بالنظر إلی سببه»[65].
وعلى هذا الأساس كما أنّ الشيء الممكن الوجود لا يوجد إلّا عند وجود سببه، فإنّ العلم بوجوده كذلك لا يحصل إلّا من طريق العلم بسببه. وهكذا كما أنّ وجود الشيء إنّما يكون في الخارج واجبًا بلحاظ سببه، ويكون الزوال والتغيّر محالًا عليه، فإنّ العلم اليقيني الثابت بوجود ذلك الشيء (المُسبَّب) بدوره إنّما يحصل مع أخذ العلم بسببه بنظر الاعتبار أيضًا: «فإنّ الشيء کما أنّه لا يوجد إلّا عند وجود سببه کذا العلم لا يحصل إلّا من العلم بسببه، وکما أنّه بالنظر إلى سببه يصير واجب الوجود في الخارج ممتنع التغير، کذا العلم به، فبالنظر إلی العلم بسببه يصير واجب الوجود ممتنع التغيّر، وهذا هو اليقين التام. فثبت أنّ العلم بوجود ذوات المبادئ إنّما يحصل من مبادئها»[66].
لذا فإنّ العلم اليقيني الثابت بوجود شيءٍ ما إنّما يكون ممكنًا من طريق العلم بعلّة ذلك الشيء وسببه، وإنّ العلم بوجود الشيء الذي يحصل من طرقٍ أخرى غير السبب، مهما كانت قوته يبقى عرضةً لاحتمال الزوال والتغيير؛ إذ إنّ هذا العلم ليس من ناحية العلم بعلة الشيء[67]. كما سبق أن ذكرنا فإنّ هذا العلم علمٌ كلّيٌّ بالمسبّب ولا يقتضي الجزئية؛ بمعنى أنّه يقال إنّ أسباب تحقّق هذا الشيء هي هذه الأمور، وحيثما توفرت هذه الأمور، فسوف يتحقّق ذلك الشيء على نحو القطع واليقين، من ذلك ــ على سبيل المثال ــ أنّ النار علة لتحقّق الحرارة، حيث الحرارة هنا أمرٌ كلّي. وعلى هذا الأساس فإنّ هذا النوع من العلم يكون علمًا كليًا وليس جزئيًا[68].
لقد نقد العلّامة الحِلي هذا الكلام قائلًا: إنّ العلم بالعلة إنّما يقتضي العلم الكلّي بالمعلول فيما لو تمّ أخذ العلّة على نحوٍ كلّي، وأمّا إذا كان المنظور علةً محدّدةً جزئيةً (على سبيل المثال: هذه الألف)، فسوف يكون العلم بهذه العلّة مقتضيًا للعلم الجزئي بالمعلول الجزئي المحدّد (على سبيل المثال: هذه الباء). ومن هنا يمكن الوقوف على فائدة هذه القاعدة المذكورة في بحث العلم الإلهي بالموجودات، والاستنتاج من ذلك أنّ علم الله بذاته يقتضي علمه بالموجودات الجزئية والزمانية، وأنّ لديه علمًا جزئيًا بمعلولاته. وبذلك يبطل قول الفلاسفة الذين أنكروا علم الله بالجزئيات: «فيلزم من علم واجب الوجود بذاته، علمه بالأشخاص الزمانية من حيث هي أشخاص زمانية، لا من حيث هي کلّية، وبهذا يظهر بطلان قول الفلاسفه في نفي علمه تعالى بالجزئيات»[69].
3 ـ تلازم التعقل مع التجرّد
إنّ قاعدة الملازمة بين التجرّد والتعقّل التي يتمّ بيانها أحيانًا بعبارة: (كلّ مجرّدٍ عاقل، وكلّ عاقلٍ مجرّد)، من القواعد المقتبسة عن فلسفة ابن سينا، التي يستفيد منها المتكلّمون في مدرسة الكلام الفلسفي للإجابة عن بعض المسائل الكلامية ولا سيّما منها العلم الإلهي. إنّ مضمون هذه القاعدة ــ التي يمكن تقسيمها إلى قاعدتين جزئيتين هما: (كلّ مجرّدٍ عالم)، و(كلّ عالمٍ مجرّد) ــ هو التلازم بين التجرّد والتعقّل. وقد عمد ابن سينا إلى شرح هذه القاعدة بالتفصيل[70]، وبعده قام الخواجة نصير الدين الطوسي بالاستدلال عليها[71].
وقد عمد العلّامة الحِلّي في بعض الموارد إلى نقد هذه القاعدة، ولا سيّما الاستدلال على إثبات قاعدة (كلّ مجرّدٍ عالم)، وعدّها غير تامّةٍ، وتنطوي على مغالطة[72]. كما أنّه في هذا البحث قد أيّد ودعم حتى انتقادات الفخر الرازي على مدّعيات وأدّلة ابن سينا، ولم يجد إجابات أستاذه الخواجة نصير الدين الطوسي[73] عن إشكالات الفخر الرازي كافيةً ولا مقنعة[74]. وعلى هذا الأساس فإنّ العلّامة الحِلّي بعد رفضه لأدلة ابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي على إثبات علم الله القائم على القاعدة المذكورة، قال بأنّ الطريق الصحيح في إثبات العلم الإلهي هو الذي قال به المتكلّمون في مدرسة بغداد[75]. من الواضح أنّ العلّامة الحِلّي رغم انتمائه إلى المدرسة الفلسفية لابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي، فإنّه قد انتقدهما في بعض الموارد؛ وعليه لا يمكن عدّه تابعًا محضًا للأفكار والآراء الفلسفية لابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي.
والنقطة الجديرة بالالتفات هي أنّ هذه القاعدة المذكورة لم يرد أيّ ذكرٍ لها في كلام الإمامية في مدرسة بغداد، فهي في الواقع من القواعد المعرفية والإبستمولوجية الجديدة التي عمد الفلاسفة / المتكلّمون المشّاؤون ــ من أمثال الخواجة نصير الدين الطوسي ــ إلى إدخالها في كلام الإمامية؛ لكي يستفيدوا منها في إثبات علم الله.
ج ـ بيان كيفية حصول العلم للإنسان
إنّ من بين التحوّلات والتطوّرات الأخرى في القسم المعرفي والإبستمولوجي من علم الكلام الذي ظهر تبعًا للتوجهات الفلسفية في هذا العلم، إمكان بيان بعض المسائل المعرفية والإبستمولوجية التي لم يسبق أنْ ورد أيّ بيانٍ خاصٍّ عنها في الكلام الإمامي في مدرسة بغداد؛ ومن ذلك كيفية حصول العلم للإنسان. لم يرد هذا السؤال القائل: (كيف يحصل الإنسان على العلم بالأشياء؟)، في كلام مدرسة بغداد أبدًا. في حين ورد طرح هذا البحث، ونقد الآراء المختلفة في هذا الشأن في مدرسة الكلام الفلسفي تبعًا لآراء ابن سينا في الإبستمولوجيا وعلم المعرفة حول حصول العلم للإنسان بشكلٍ جاد.
فقد صرّح الخواجة نصير الدين الطوسي في كتابه (تجريد الاعتقاد) بأنّ حصول العلم للعالِم رهنٌ بانطباع صورة المعلوم في ذهن العالِم. وهو يرى أنّ الصورة العلمية للمعلوم تحلّ في النفس المجرّدة للعالِم القابل لصورة المعلوم، ونتيجةً لذلك يحصل للعالِم علمٌ بها بوساطة تعقّل صورة المعلوم[76]. لا شك في أنّ الذي يحلّ في نفس العالم ويكون سببًا في علم النفس بالمعلوم الخارجي، إنّما هو صورة المعلوم ومثاله، وليس ذات المعلوم؛ ومن هنا يكون حلول صوَر الأضداد في نفس العالِم أمرًا ممكنًا، في حين لا يمكن حصول ذلك في موضعٍ واحدٍ في عالم الخارج. وعلى هذا الأساس فإنّ حلول صورة الشيء ومثاله يختلف عن حلول ذات الشيء، وإنّ الذي يحدث في مسار العلم، هو حلول صورة الشيء ومثاله في نفس العالِم[77].
يذهب كلٌّ من الخواجة نصير الدين الطوسي والعلّامة الحِلّي إلى الاعتقاد بأنّ التعقّل إنّما يتحقّق من خلال حلول الصورة العلمية للمعلوم في نفس العالِم، وليس بسبب اتّحاد صورة المعقول مع العاقل. وفي الواقع فإنّه من المحال أن تتحد صورة المعلوم مع العالِم؛ وذلك لأنّ هذا الأمر يستلزم اتّحاد ذوات المعقول مع بعضها. وكذلك فإنّ مسار تحقّق العلم للإنسان ــ خلافًا لرأي بعض الفلاسفة ــ لا يكون من طريق اتّحاد نفس العالِم مع العقل الفعّال؛ وذلك لأنّ هذا النوع من الاتّحاد بالإضافة إلى الإشكال المذكور، يستلزم أنْ يؤدّي تعقّل الشيء إلى تعقّل جميع الأشياء الأخرى أيضًا، في حين أنّ هذا الأمر من المحال[78].
هـ ـ بيان الموضوعات الجديدة في الأحقل المعرفي الإبستمولوجي
إنّ من بين تداعيات توجه كلام الإمامية نحو فلسفة ابن سينا في الحقل المعرفي والإبستمولوجي، طرح بعض الموضوعات الجديدة التي لم يسبق أنْ تمّ طرحها في كلام الإمامية، ومن بينها: شرح مختلف أقسام الدليل، وبيان شروط صحّة كلّ واحدٍ من الأبحاث المتعلقة به، والتي ورد بيانها في الآثار الكلامية لمدرسة الكلام الفلسفي.
وفي الحقيقة فإنّنا من خلال تبلور مسار التحوّل الفلسفي لعلم الكلام نشاهد انتقالًا لمختلف الأبحاث المنطقية إلى نصوص كلام الإمامية على نحوٍ ملحوظٍ أيضًا. وإنّ حقيقة أنّ أبرز المتكلّمين في مدرسة الكلام الفلسفي هم من مشاهير علماء المنطق من الإمامية، يمكن أنْ يكون مبيّنًا لهذا التحوّل إلى حدّ ما. وعلى الرغم من أنّ علم المنطق علمٌ منفصلٌ عن الإبستمولوجيا والمعرفة، فإنّه بسبب ارتباطه الوثيق بعلم الكلام، ربما أمكن القول ــ مع شيءٍ من التسامح ــ بإمكان عدّ الأبحاث المذكورة في دائرة علم المنطق جزءًا من دائرة الإبستمولوجيا والمعرفة في المعنى العام، ونتيجة لذلك يمكن عدّ التحوّلات الحاصلة في هذا الحقل نوعًا من التحوّل في علم المعرفة والإبستمولوجيا أيضًا.
وعلى الرغم من أنّ ازدهار وتطوير علم المنطق في الحضارة الإسلامية، إنّما تحقّق في الغالب في ظلّ جهود الفارابي وابن سينا، فقد كان لجهود الأتباع الحقيقيين لمدرسة ابن سينا ــ ومن بينهم نصير الدين الطوسي ــ أهميّةٌ بالغةٌ في شرح الأفكار المنطقية لهؤلاء الأعلام أيضًا. فقد أدّى الخواجة نصير الدين الطوسي من خلال تأليفه لأساس الاقتباس ومنطق التجريد دورًا فريدًا في هذا الشأن. كما كان للعلّامة الحِلّي إسهامٌ ملحوظٌ في هذا الشأن أيضًا من خلال تأليف الكتب الخالدة، مثل: القواعد الجلية[79] في شرح الرسالة الشمسية لنجم الدين الکاتبي القزويني (م 675 هـ)، والجوهر النضيد[80] في شرح قسم المنطق من کتاب التجريد، وكذلك آثار من قبيل: نهج العرفان في علم الميزان،[81] والدرّ المکنون في شرح القانون[82]، والنور المُشرِق في علم المنطق[83]، التي لم يبقً منها ــ للأسف الشديد ــ سوى الأسماء والعنوانات.
وفي الحقيقة يمكن القول بأنّ الخواجة نصير الدين الطوسي وأتباع مدرسته الكلامية الفلسفية قد عدّوا علم المنطق والأبحاث المعرفية والإبستمولوجية المطروحة فيه مقدّمةً لازمةً وضروريّةً لعلوم أخرى من قبيل الفلسفة والكلام، ومن هنا فقد عمدوا إلى بحثها بالتفصيل، في حين لم يكن هناك اهتمامٌ ملحوظٌ من قبل المدرسة الإمامية في بغداد بعلم المنطق وقواعده المعرفية والإبستمولوجية، كما لا نرى في آثارهم مؤشراتٍ على معرفتهم بهذا العلم. ومن بين المتكلمين في بغداد كان السيد المرتضى وحده هو الذي انتقد آراء بعض المناطقة المعروفين في ذلك العصر، ومن بينهم: يحيى بن عديّ النصراني (م: 363 هـ)، وهو تلميذ الفارابي (م: 339 هـ)؛ وقد اقتصر نقده على المسائل الطبيعية والفلسفية، دون المسائل المنطقية[84].
لا شك في أنّ انتقال الأبحاث التفصيلية لعلم المنطق إلى حقل علم الكلام كان بتأثيرٍ من انتشار الأفكار المنطقية للفارابي وابن سينا في ذلك العصر، واتضاح أهمية وضرورة الاهتمام بالأبحاث المنطقية؛ حتى تمّ وضع علم المنطق بوصفه مقدمةً لازمةً لدراسة المسائل الفلسفية والكلامية، الأمر الذي اضطر معه بعض العلماء من أمثال الخواجة نصير الدين الطوسي والعلّامة الحِلّي إلى ذكر مقدماتٍ في علم المنطق قبل الدخول في الأبحاث الكلامية.
إنّ الأبحاث المهمة التي دخلت في حقل معرفة الكلام الفلسفي، هي: تقسيم العلم إلى التصوّر والتصديق وبيان أحكام كلّ واحدٍ منهما، وتقسيم القضية إلى شخصيةٍ وطبيعيةٍ ومهملةٍ أو محصورة، وأقسام القضية الحملية والشرطية، وتقسيم الدليل إلى ثلاثة أقسام، وهي القياس والاستقراء والتمثيل، ثم تقسيم القياس إلى القياس الاقتراني والقياس الاستثنائي، وبيان الأقسام الأربعة للقياس الاقتراني وبيان شرائط صحّة كلّ واحدٍ من أشكال القياس، وبيان أنواع القضايا الموجَّهة، وتقسيم القياس الاقتراني إلى الحملي والشرطي، وبيان الصناعات الخمس، أو أقسام القياس بحسب المادّة؛ بمعنى البرهان والجدل والخطابة والسفسطة والشعر، وتعريف المقدمات الأربعة للقياس الشامل للمسلّمات والمظنونات والمشبهات والمخيلات، وبيان أنواع القياس الاستثنائي المتصل والمنفصل، وأقسام كلّ واحدٍ منهما.
لقد جاء تفصيل كلّ واحدٍ من هذه الأمور في علم المنطق، ولكن وردت العناوين والخطوط العريضة لهذه الأبحاث في أكثر الأعمال الكلامية في مدرسة الكلام الفلسفي على نحو الإشارة[85]. هذا في حين لا توجد أيّ سابقةٍ لبحث وبيان كثيرٍ من هذه الموضوعات في مدرسة بغداد الكلامية أبدًا. وهكذا فإنّ بيان أنواع التعريف (بالحدّ والرسم) وكذلك الضوابط والقواعد التي يجب لحاظها في تعريف شيءٍ ما، من الأبحاث الجديدة التي تسللت إلى بعض الآثار الكلامية بعد ابن سينا[86]، في حين لا يمكن العثور على سابقةٍ لها في الآثار الكلامية للمدرسة الإمامية ما قبل الفلسفية[87].
وبطبيعة الحال يمكن أنْ نرى استعمال المصطلحات والقواعد المنطقية في بعض آثار المتكلّمين المتأخّرين من الإمامية التابعين لمدرسة بغداد. من ذلك أنّ العلّامة البياضي ـ على سبيل المثال ـ في رسالة الباب المفتوح قد استفاد كثيرًا من المصطلحات المنطقية والضوابط الموجودة في علم المنطق.
إنّ دخول الأبحاث المنطقية قد أحدث تحوّلًا عميقًا في حقل المعرفة والإبستمولوجيا لعلم الكلام وكذلك في أسلوب هذا العلم. إنّ تخصص العلماء من أمثال الخواجة نصير الدين الطوسي والعلّامة الحِلّي في علم المنطق، قد ترك تأثيرًا في مقدار استعمال الأسلوب المنطقي في علم الكلام، وكذلك بيان أدلةٍ تحتوي على معايير منطقيةٍ لإثبات الموارد الكلامية؛ وذلك إذ لا شك في أنّ المتكلّمين العالمين بالمنطق والأكثر إدراكًا لضوابط وشرائط صحّة أنواع الأدلة غالبًا ما يكونون أكثر نجاحًا في بيان الأدلة الصحيحة لإثبات المدعيات الكلامية. ولهذا السبب يذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأنّ الأسلوب الكلامي للخواجة نصير الدين الطوسي وأتباعه كان هو الأفضل كثيرًا من أسلوب المتكلّمين الإمامية في مدرسة بغداد فيما يتعلّق بتحقيق أهداف علم الكلام وغاياته وأغراضه.
النتيجة
لقد ترك ازدهار التراث الفلسفي لابن سينا بين المتكلّمين الإمامية في المرحلة الوسيطة تأثيرًا كبيرًا في كيفية اهتمامهم بالمسائل الموجودة في علم الكلام. من ذلك أنّ البحث المعرفي والإبستمولوجي في كلام الإمامية قد شهد تحوّلًا جوهريًا بعد تعرّف المتكلّمين الإمامية على المفاهيم والآراء الفلسفية لابن سينا والقول بها. إنّ بعض الأبعاد المهمّة للتحوّل الجوهري المذكور تتمثّل في: ظهور التحوّلات المفهومية في بعض المفردات والمصطلحات في حقل الإبستمولوجيا، من قبيل العلم، والعقل، والدليل. وبيان تقسيماتٍ جديدةٍ للعلم، من قبيل تقسيمه إلى التصوّر والتصديق، والفعلي والانفعالي، والضروري والاكتسابي، والحصولي والحضوري، وبيان بعض القواعد المعرفية الجديدة، من قبيل: التلازم بين التعقّل والتجرّد الذي سبق أنْ تمّ تأسيسه في الفلسفة، وبيان بعض المسائل، ومن بينها كيفية حصول العلم للإنسان، وبيان الأبحاث بأسلوبٍ منطقي في الحقل المعرفي.
وفي مقام المقارنة بين الاتجاه المعرفي والإبستمولوجي لكلام الإمامية في مدرسة بغداد وبين المعرفة في مدرسة الكلام الفلسفي، يجب القول بأنّ الأبحاث المطروحة في المعرفة لدى المتكلّمين من الإمامية في بغداد، قد تأثرت إلى حدٍّ كبيرٍ بالمعرفة لدى المعتزلة، وإنّ المسائل والآراء المذكورة في كلام الإمامية في بغداد في هذا الحقل تقريبًا ما هي إلّا تكرار لتلك المسائل الموجودة في كلام المعتزلة البهشمية. وفي المقابل فإنّ الإبستمولوجيا في مدرسة الكلام الفلسفي على الرغم من قواعدها الاعتزالية، قد تأثرت كثيرًا بالمفاهيم والآراء الفلسفية لابن سينا. ونتيجةً لذلك لو أردنا وصف التحوّل الحاصل في معرفة كلام الإمامية في المرحلة الوسيطة باختصار، علينا القول: إنّ الإبستمولوجيا والمعرفة لدى الإمامية قد خرجت عن الاتجاه الاعتزالي وتأثّرت بفلسفة ابن سينا. وبعبارةٍ أخرى: إنّ المعرفة والإبستمولوجيا ما قبل الاعتزالية في كلام الإمامية قد تحوّلت في المرحلة الوسيطة لتكتسب شكل الإبستمولوجيا والمعرفة عند ابن سينا.
قائمة المصادر
1 ـ ابن سينا، حسين بن عبد الله، الإشارات والتنبيهات، تحقيق: مجتبى زارعي، انتشارات بوستان كتاب، ط 2، قم، 1387 هـ ش.
2 ـ ___________، التعليقات، تصحيح: السيد حسين موسويان، مؤسسه پژوهشی حکمت و فلسفه، طهران، 1391 هـ ش.
3 ـ ___________، الشفاء، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، 1404 هـ.
4 ـ ___________، كتاب الحدود في المصطلح الفلسفي عند العرب، تحقيق: عبد الأمير الأعسم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 2، القاهرة، 1989 م.
5 ـ ___________، النجاة من الغرق في بحر الضلالات، تنقيح: محمد تقي دانش پژوه، انتشارات دانشگاه طهران، ط 2، طهران، 1379 هـ ش.
6 ـ ابن مَتَّوَيه، حسن بن أحمد، التذکرة في أحکام الجواهر والأعراض، تحقيق دانيال چيماريه (مجلدان)، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، القاهرة، 2009 م.
7 ـ ابن ميثم البحراني، کمال الدين بن علي، قواعد المرام في علم الکلام، تصحيح: أنمار معاد المظفّر، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1435 هـ.
8 ـ الأفندي، الميرزا عبد الله الإصفهاني، رياض العلماء وحياض الفضلاء، تحقيق السيد أحمد الحسيني، منشورات کتابخانه آيت الله العظمی المرعشي النجفي، قم، 1403 هـ.
9 ـ الرحيم، أحمد هيثَم، اقبال تشيّع دوازده امامی به ابنسينا در روزگار مغول، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عطائي نظري، مجلة کتاب ماه فلسفه، العدد: 72، 1392 هـ ش.
10 ـ البريدي الآبي، صاعد القاضي أشرف الدين، الحدود والحقائق في شرح الألفاظ المصطلحة بين المتکلّمين من الإمامية، تحقيق: حسين علي محفوظ، مطبعة المعارف، بغداد، 1970 م.
11 ـ البياضي العاملي، علي بن يونس، الکلمات النافعات في شرح الباقيات الصالحات، في أربع رسائل كلامية، انتشارات بوستان كتاب، قم، 1380 هـ ش.
12 ـ الحلبي، أبو الصلاح، تقريب المعارف، تحقيق: فارس الحسّون، قم، 1375 هـ ش.
13 ـ الشيخ الطوسي، محمد بن حسن، تمهيد الأصول في علم الکلام، تصحيح: عبد المحسن مشکوة الديني، انتشارات جامعة طهران، طهران، 1362 هـ ش.
14 ـ ___________، العدة في أصول الفقه، (مجلدان)، تحقيق: محمد رضا أنصاري قمي، قم، 1376 هـ ش.
15 ـ ___________، المقدمة في الکلام، في شرح المقدمة في الكلام، تحقيق: حسن أنصاري، زابينه شميتكه، ميراث مكتوب، طهران، 1392 هـ ش.
16. العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، أجوبة المسائل المهنائية، تحقيق: محيي الدين الممقاني، ص 157، انتشارات خيّام، قم، 1401 هـ.
17. ___________، الأسرار الخفية في العلوم العقلية، نشر بوستان كتاب، ط 2، قم، 1387 هـ ش.
18. ___________، أنوار الملکوت في شرح الياقوت، تحقيق: علي أکبر ضيائي، مؤسسة الهدى، طهران، 1428 هـ.
19. ___________، تسليك النفس إلی حظيرة القدس، تحقيق: فاطمة رمضاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، 1426 هـ.
20. ___________، الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد، تحقيق: محسن بيدارفر، انتشارات بيدار، ط 3، قم، 1384 هـ ش.
21. ___________، خلاصة الأقوال في علم الرجال، تحقيق: جواد قيومي، مؤسسة نشر الفقاهة، قم، 1417 هـ.
22. ___________، غاية الوصول وإيضاح السبل، (مجلدان)، تحقيق: مرداني پور، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، 1430 هـ.
23. ___________، القواعد الجليّة في شرح الرسالة الشمسية، تحقيق: فارس حسّون تبريزيان، مؤسسة النشر الإسلامي، ط 3، قم، 1432 هـ.
24. ___________، كشف المراد، تحقيق: آية الله حسن زاده الآملي، مؤسسة النشر الإسلامي، ط 9، قم، 1422 هـ.
25. ___________، معارج الفهم، تحقيق: عبد الحليم عوض الحلي، انتشارات دليل ما، قم، 1386 هـ ش.
26. ___________، مناهج اليقين في أصول الدين، انتشارات آستان قدس رضوي، ط 2، مشهد، 1388 هـ ش.
27. ___________، نهاية المرام في علم الكلام، تحقيق: فاضل عرفان، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم، 1419 هـ.
28 ـ الفاضل المقداد، جمال الدين السيوري، إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدین، تحقيق: السيد مهدي رجائي، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، 1405 هـ.
29 ـ __________، الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية، تحقيق: علي حاجي آبادي، عباس جلالي نيا، انتشارات آستان قدس رضوي، مشهد، 1378 هـ ش.
30 ـ __________، اللوامع الإلهية في المباحث الکلامية، تحقيق: قاضي طباطبائي، انتشارات: بوستان كتاب، ط 2، قم، 1380 هـ ش.
31 ـ الفخر الرازي، محمد بن عمر، المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات (مجلدان)، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، انتشارات ذوي القربى، قم، 1428 هـ.
32 ـ __________، المحصل، تحقيق: حسين أتاي، منشورات الشريف الرضي، قم، 1378 هـ ش.
33 ـ القاضي عبد الجبار، الهمداني، المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق إبراهيم مدكور، ج 12 ، نشر المؤسسة المصرية، القاهرة.
34 ـ نصير الدين الطوسي، أجوبة المسائل النصيريّه، إعداد: عبد الله نوراني، پژوهشگاه علوم انساني و مطالعات فرهنگی، طهران، 1383 هـ ش.
35 ـ __________، تجريد الاعتقاد، إعداد: محمد جواد الحسيني الجلالي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، 1407 هـ.
36 ـ __________، تلخيص المحصل (نقد المحصل)، تحقيق: عبد الله نوراني، دار الأضواء، ط 2، بيروت، 1405 هـ.
37 ـ مانکديم، أحمد بن حسين، شرح الأصول الخمسة، تحقيق: عبد الكريم عثمان، ص 46، مكتبة وهبة، القاهرة، 1327 هـ.
38 ـ المقري النيشابوري، أبو جعفر، الحدود، تحقيق: فاضل اليزدي، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، 1414 هـ.
39 ـ السيد المرتضى، علي بن الحسين الموسوي، الذخيرة في علم الكلام، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1431 هـ.
40 ـ __________، الذريعة إلی أصول الشريعة، مؤسسة الإمام الصادقA، 1429 هـ.
41 ـ النجاشي، أحمد بن علي، تحقيق: السيد موسى الشبيري الزنجاني، الرجال، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1427 هـ.
42 ـ ويسنوفکسي، روبرت، متافيزيك ابن سينا، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مهدي نجفي افرا، نشر علم، طهران، 1389 هـ ش.
43 ـ __________، سيمايي از گرايش به ابن سينا در کلام اهل سنت، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عطائي نظري، مجلة كتاب ماه دين، العدد: 179، 1391 هـ ش.
44 – al - Rahim, Ahmed H., “THE Twelver - Shi’i Reception of Avicenna in the Mongol period”, in Before and after Avicenna: Proceedings of the First Conference of the Avicenna Study Group, H. Daiber and D. Pingree (ed.), Brill. Leiden Boston, 2003.
45 - Dhanani, Alnoor, “Rocks in the Heavens, the Encounter Between 'abd Al - jabbàr and Ibn Sinaà”, in Reisman Before and after Avicenna: proceedings of the First Conference of the Avicenna Study Group, (ed.), with the assistance of Ahmed H. al - Rahim, BOSTON: BRILL, LEIDEN, 203.
46 - Eichner, Heidrun, The Post - Avicennian Philosophical Tradition and Islamic Orthodoxy, Philosophical and Theological summae in Context, Habilitationsschrift, Halle, 2009.
47 - Frank, Richard M., Al - Ghazali and the Ash' arite School, Durham: Duke University Press, 1994.
48 - Frank, Richard M., “Al - Ghazali's Use of Avicenna's Philosophy”, Revue des etudes islamiques, No. 55 - 57, 1987 - 89, Reprint in Frank, Philosophy, Theology, and Mysticism in Medieval Islam,Text xi.
49 - Griffel, Frank, Al - Ghazali's Philosophical Theology, New York: Oxford University Press, 2009.
50 - Shihadeh, Ayman, “From AL - Ghazali to al - razi: 6TH / 12TH Century Developments in Muslim Philosophical Theology”, in Arabic Sciences and Philosophy, vol. 15, 2005.
51 - Wisnovsky, Robert, “One aspect of the Avicennian Turn in Sunni Theology”, in Arabic Sciences and Philosophy, Vol. 14, Cambridge University Press, 2004.
52 - Wisnovsky, Robert, ‘‘Avicenna and the Avicennian tradition’’, in P. Adamson and R. Taylor (eds.), The Cambridge Companion to Arabic Philosophy, Cambridge, 2004.
53 - Wisnovsky, Robert, Avicenna’s Metaphysics in Context, London & Ithaca, N. Y, 2003.
-----------------------------------------------------
[1] Wisnovsky, Robert, “One aspect of the Avicennian Turn in Sunni Theology”.
[2] لقد عمد وسنوفسكي في الفصل الثالث عشر من هذا الكتاب إلى بحث تأثير نظرية اتصاف الله بأنّه واجب الوجود ـ التي تمّ التنظير لها في فلسفة ابن سينا بشكلٍ كاملٍ وتمّ التأكيد عليها ـ في الأبحاث المذكورة في الكلام الإسلامي، ولا سيّما في بحث بيان الصفات الإلهية ونسبتها مع ذات الله سبحانه وتعالى، وأثبت كيف استفاد المتكلمون من أهل السنّة بعد ابن سينا من مفهوم واجب الوجود لله سبحانه وتعالى، من أجل رفع الغموض والإبهام الموجود في كلام الأشاعرة والماتريدية في مسألة نسبة ذات الله إلى صفاته (للوقوف على دراسة تفصيلية لهذا البحث، انظر: Wisnovsky, Robert, Avicenna’s Metaphysics in Context, pp. 227 - 243). وقد تمّ نشر هذا الفصل من هذا الكتاب لاحقًا على شكل مقالةٍ مستقلةٍ تضمّنت بعض الإصلاحات والإضافات (انظر: Wisnovsky, Robert, “One aspect of the Avicennian Turn in Sunni Theology”, pp. 65 - 100). وللوقوف على الترجمة الفارسية لهذه المقالة، انظر: (ویسنوفکسی، روبرت، «سیمایی از گرایش به ابن سینا در کلام اهل سنت»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عطائي نظري، مجلة كتاب ماه دين، العدد: 179، ص 84 ـ 103، 1391 هـ ش). كما قام وسنوفسكي في مقالة أخرى له بتناول موضوع اقتباس المتكلمين من الشيعة وأهل السنة بعد ابن سينا من الفروق التي وضعها ابن سينا بين الوجود والماهية، وبين واجب الوجود لذاته وواجب الوجود لغيره (ممكن الوجود لذاته)، وعمد إلى بحثه بالتفصيل. (انظر: Wisnovsky, Robert, ‘‘Avicenna and the Avicennian tradition’’).
[3] يمكن الإشارة ـ على سبيل المثال ـ إلى مقالة أيمن شحادة، تحت عنوان: (من الغزالي إلى الرازي: تطوّر شكل الفلسفة الإسلامية في القرن السادس): (Shihadeh, Ayman, “From AL - Ghazali to al - razi: 6TH / 12TH Century Developments in Muslim Philosophical Theology”).
[4] انظر على سبيل المثال: (Frank, Richard M., Al - Ghazali and the Ash’ arite School). وكذلك مقالته تحت عنوان «توظيف الغزالي لفلسفة ابن سينا»، (“Al - Ghazali’s Use of Avicenna’s Philosophy”, 55 – 57 & 271 - 285).
[5] See: Griffel, Frank, Al - Ghazali’s Philosophical Theology, p. 7.
[6] See: Eichner, Heidrun, The Post - Avicennian Philosophical Tradition and Islamic Orthodoxy, Philosophical and Theological summae in Context (Habilitationsschrift, Halle, 2009).
[7] فيما يتعلّق بتأثير أفكار المعتزلة في ابن سينا، انظر: (Dhanani, Alnoor, “Rocks in the Heavens, the Encounter Between ‘abd Al - jabbàr and Ibn Sinaà”). لقد أشار كاتب هذه المقالة ـ من خلال تقديم بعض الشواهد ـ إلى تأثر ابن سينا في بعض آرائه بأفكار القاضي عبد الجبار المعتزلي (انظر: المصدر ذاته).
[8] إنّ من بين الأبحاث القليلة التي تناولت إلى حدّ ما مسألة تأثير ابن سينا في كلام الشيعة، واحتضان الإمامية لفلسفة ابن سينا في المرحلة الوسيطة، مقالة: أحمد هيثم الرحيم (انظر: l - Rahim, Ahmed H., “THE Twelver - Shi’i Reception of Avicenna in the Mongol period”, pp. 219 - 231). للوقوف على الترجمة الفارسية لهذه المقالة، انظر: (الرحيم، أحمد هيثم، اقبال تشیع دوازده امامی به ابن سینا در روزگار مغول، ص 33 ـ 40).
[9] من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ العلامة الحلي في كتابه نهاية المرام، لم يذكر الفارابي إلّا في موردين فقط (انظر: العلامة الحلي، حسن بن يوسف، نهاية المرام في علم الكلام، تحقيق: فاضل عرفان، ج 3، ص 5، وص 394، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم، 1419 هـ). في حين أنّه ذكر ابن سينا في هذا الكتاب أكثر من ثمانين مرّة (انظر: المصدر ذاته، ج 3، ص 546).
[10] انظر: نصير الدين الطوسي، تجريد الاعتقاد، ص169.
[11] الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، الأنوار الجلالیة في شرح الفصول النصیریة، ص 51.
[12] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، نهاية المرام في علم الكلام، ص 5 ـ 237.
[13] انظر: مانکدیم، أحمد بن حسین، شرح الأصول الخمسة؛ الشیخ الطوسي، تمهید الأصول في علم الکلام، ص 13 و190؛ البریدي الآبي، الحدود والحقائق، ص 22؛ المقري النیشابوري، أبو جعفر، الحدود، ص 122.
[14] القاضي عبد الجبار، الهمداني، المغني في أبواب التوحید والعدل، ج 12، ص 13.
[15] السید المرتضی، الذخیرة في علم الکلام، ص 42، وص 154؛ السید المرتضی، الذریعة إلی أصول الشریعة، ص 42.
[16] انظر: نصیر الدین الطوسي، تجرید الاعتقاد، ص 169؛ الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، إرشاد الطالبین إلى نهج المسترشدین، ص 101.
[17] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، كشف المراد، ص 328.
[18] انظر: نصیر الدین الطوسي، أجوبة المسائل النصیریة، ص 82؛ الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، إرشاد الطالبین إلى نهج المسترشدین، ص 101.
[19] انظر: الفاضل المقداد، السیوري، إرشاد الطالبین إلى نهج المسترشدین، ص 97.
[20] العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، تسلیك النفس إلی حظیرة القدس، ص 78؛ الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، إرشاد الطالبین إلى نهج المسترشدین، ص 102.
[21] انظر: الفاضل المقداد، السیوري، إرشاد الطالبین إلى نهج المسترشدین، ص 103.
[22] انظر: الشیخ الطوسي، محمد بن حسن، المقدمة في الکلام، في شرح المقدمة في الكلام، ص 22؛ الشیخ الطوسي، محمد بن حسن، العدة في أصول الفقه، ج1،ص23 .
[23] الحلبي، أبو الصلاح، تقریب المعارف، ص 129.
[24] انظر: الشیخ الطوسي، العدة في أصول الفقه، ج 1، ص 12.
[25] انظر: المقري النیشابوري، أبو جعفر، الحدود، ص 91 ـ 92.
[26] ابن مَتَّوَیه، التذکرة في أحکام الجواهر والأعراض، ج 2، ص 602.
[27] انظر: المصدر أعلاه، ج 2، ص 602 ـ 603.
[28] انظر: المصدر أعلاه، ج 2، ص 608.
[29] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، مناهج الیقین في أصول الدین، ص 157؛ العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، تسلیك النفس إلی حظیرة القدس، ص 81؛ الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، اللوامع الإلهیة في المباحث الکلامیة، ص 136.
[30] انظر: الفخر الرازي، محمد بن عمر، المحصل، ص 251؛ نصیر الدین الطوسي، تلخیص المحصل (نقد المحصل)، تحقیق: عبد الله نوراني، ص 163.
[31] العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 229؛ كما أن العلامة البیاضي قدّم بدوره تعریفًا قريبًا في مضمونه من هذا التعريف للعقل؛ إذ قال: «العقل غریزة في قلب الإنسان والعلم لازم له». (البیاضي العاملي، علي بن یونس، الکلمات النافعات في شرح الباقیات الصالحات، في أربع رسائل كلامية، ص 256.
[32] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 225.
[33] لقد صرّح العلّامة الحِلّي في كتاب الأسرار الخفية بأنّ العقل النظري يطلق بشكل مشترك على خمسة معانٍ. وقال بأنّ المعنى الأول لهذا المصطلح هو «الجوهر المستعد لقبول التعقلات»، ثم ذكر أربعة معانٍ أخرى للعقل، وهي: (العقل الهيولاني، والعقل بالملَكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد). (العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة، ص 393. وقال في مناهج اليقين بأنّ العقل العلمي يطلق بشكل مشترك على ثلاثة أمور، وهي: 1 ـ الجوهر المستعد لقبول التعقلات. 2 ـ المراتب الأربعة للتعقل. 3 ـ الموجود المجرّد الذي لا صلة له بالأجسام بالنظر إلى الذات والفعل. (العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، مناهج الیقین في أصول الدین، ص 157).
[34] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 60.
[35] انظر: المصدر أعلاه، ج 2، ص 57، وص 60، وص 224؛ العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، كشف المراد، ص 340؛ العلّامة الحِلّي، الأسرار الخفية في العلوم العقلية، ص 393.
[36] انظر: ابن سينا، حسین بن عبد الله، كتاب الحدود في المصطلح الفلسفي عند العرب، ص 240.
[37] انظر: المصدر أعلاه، ص 240، وص 241؛ ابن سینا، حسین بن عبد الله، الإشارات والتنبیهات، ص 241، ؛ ابن سينا، حسین بن عبد الله، النجاة من الغرق في بحر الضلالات، ص 333.
[38] انظر: الشیخ الطوسي، المقدمة في الکلام، ص 23؛ الشیخ الطوسي، العدة في أصول الفقه، ج 1، ص 18 ـ 20؛ المقري النیشابوري، أبو جعفر، الحدود، ص 99؛ ابن مَتَّوَیه، التذکرة في أحکام الجواهر والأعراض، ج 2، ص 690 ـ 695.
[39] البریدي الآبي، صاعد القاضي أشرف الدين، الحدود والحقائق (في شرح الألفاظ المصطلحة بین المتکلّمین من الإمامیة)، ص 19.
[40] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، غایة الوصول وإیضاح السبل، ج 1، ص 50.
[41] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، معارج الفهم، ص 94 ـ 95.
[42] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، أنوار الملکوت في شرح الیاقوت، ص 44.
[43] انظر: العلّامة الحِلّي، مناهج الیقین فی أصول الدین، ص 172.
[44] انظر: العلّامة الحِلّي، کشف المراد، ص 328.
[45] انظر: العلّامة الحِلّي، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 63.
[46] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، کشف المراد، ص 328؛ الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، إرشاد الطالبین إلى نهج المسترشدین، ص 99.
[47] انظر: ابن میثم البحراني، قواعد المرام في علم الکلام، ص 78.
[48] انظر: مانکدیم، أحمد بن حسین، شرح الأصول الخمسة، ص 48؛ الشیخ الطوسي، تمهید الأصول في علم الکلام، ص 190 ـ 191؛ السيد المرتضى، علي بن الحسين الموسوي، الذخيرة في علم الكلام، ص 155، وص 166.
[49] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، کشف المراد، ص 334؛ الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، اللوامع الإلهیة في المباحث الکلامیة، ص 134؛ الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، إرشاد الطالبین إلى نهج المسترشدین، ص 99.
[50] من ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما قاله ابن متّويه: «قد ثبت في الضروریّ ما لا طریق له بل یحصل ابتداءً، فیعبّر عنه بأنّها علوم البدائة». (ابن مَتَّوَیه، حسن بن أحمد، التذکرة في أحکام الجواهر والأعراض، ج 2، ص 602،كما ورد تعبير مشابه لهذا التعبير في شرح الأصول الخمسة أيضًا: «... لا تجب هذه القضیّة في سائر الضروریات وإنَّما تجب فی بدایة العقول». (مانکدیم، أحمد بن حسین، شرح الأصول الخمسة، ص 55).
[51] لقد ذهب العلّامة الحِلّي إلى القول بأنّ علم الله بذاته هو بالذات وعين ذاته، وأنّه بالاعتبار مغاير لذاته، وقال بأنّ هذا العلم من حيث مغايرته للذات صادرٌ عن الذات، ومتأخرٌ عنها، ومستفادٌ منها؛ بمعنى أنّ ذات الله أصل، وأنّ هذا العلم تابعٌ وحاكٍ عنها؛ وعليه فإنّ هذا العلم يكون بهذا الاعتبار علمًا انفعاليًا. (انظر: العلّامة الحِلّي، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 199).
[52] انظر: العلّامة الحِلّي، کشف المراد، ص 333؛ العلّامة الحِلّي، الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة، ص 557؛ نصیرالدین الطوسي، أجوبة المسائل النصیریة، ص 91؛ الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، اللوامع الإلهیة في المباحث الکلامیة، ص 134.
[53] «العلم عند الأوائل ینقسم إلی فعلي وانفعالي». العلّامة الحِلّي، مناهج الیقین في أصول الدین، ص 144.
[54] انظر: ابن سینا، حسين بن عبد الله، التعلیقات، ص 168.
[55] انظر: العلّامة الحِلّي، کشف المراد، ص 334؛ نصیر الدین الطوسي، أجوبة المسائل النصیریة، ص 91.
[56] انظر: العلّامة الحِلّي، کشف المراد، ص 332.
[57] انظر: المصدر أعلاه، ص 338؛ العلّامة الحِلّي، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 53.
[58] انظر: ابن سينا، حسين بن عبد الله، الشفاء، ج 2، ص 214.
[59] انظر: العلّامة الحِلّي، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 182 ـ 190.
[60] انظر: العلّامة الحِلّي، مناهج الیقین في أصول الدین، ص 149.
[61] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، كشف المراد، ص 338؛ العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، الأسرار الخفية في العلوم العقلية، ص 560.
[62] انظر: نصیر الدین الطوسي، أجوبة المسائل النصیریة، ص 102.
[63] الفخر الرازي، محمد بن عمر، المباحث المشرقیة في علم الإلهیات والطبیعیات (مجلدان)، ج 1، ص 482؛ العلامة الحلي، حسن بن يوسف، مناهج الیقین في أصول الدین، ص 150.
[64] العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 191.
[65] العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، كشف المراد، ص 338.
[66] العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 191؛ الفخر الرازي، محمد بن عمر، المباحث المشرقیة في علم الإلهیات والطبیعیات، ج 1، ص 482.
[67] العلّامة الحِلّي، المصدر نفسه، ج 2، ص 192؛ الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 1، ص 482.
[68] العلّامة الحِلّي، المصدر نفسه، ج 2، ص 193؛ الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 1، ص 483.
[69] العلّامة الحِلّي، نهاية المرام في علم الكلام، ج 2، ص 194.
[70] انظر: ابن سینا، الشفاء، ج 2، ص 187؛ ابن سینا، الإشارات والتنبیهات، ص 247.
[71] انظر: نصیر الدین الطوسي، تجرید الاعتقاد، ص 174.
[72] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، کشف المراد، ص 353؛ العلّامة الحِلّي، الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة، ص 526.
[73] لقد أثنى العلّامة الحِلّي في مؤلفاته على الفخر الرازي واصفًا إياه بـ (أفضل المتأخرين)، كما أثنى على نصير الدين الطوسي واصفًا إياه بـ (أفضل المحققين).
[74] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، نهاية المرام في علم الكلام، ج 2، ص 201.
[75] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن يوسف، کشف المراد، ص 353؛ العلامة الحلي، حسن بن يوسف، الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة، ص 526 ـ 527.
[76] انظر: نصیر الدین الطوسي، تجرید الاعتقاد، ص 170.
[77] انظر: العلّامة الحِلّي، کشف المراد، ص 330.
[78] انظر: نصير الدين الطوسي، تجريد الاعتقاد، ص 170؛ العلّامة الحِلّي، کشف المراد، ص 330؛ العلّامة الحِلّي، الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة، ص 553؛ العلّامة الحِلّي، مناهج الیقین في أصول الدین، ص 142.
[79] لقد طبع هذ الكتاب بالمواصفات الآتية: العلّامة الحِلّي، حسن بن یوسف، القواعد الجلیّة في شرح الرسالة الشمسیة، تحقیق: فارس حسّون تبریزیان، مؤسسة النشر الإسلامی، ط 3، قم، 1432 هـ.
[80] لقد طبع هذ الكتاب بالمواصفات الآتية: العلّامة الحِلّي، حسن بن یوسف، الجوهر النضید في شرح منطق التجرید، تحقیق: محسن بیدارفر، انتشارات بیدار، ط 3، قم، 1384 هـ ش.
[81] انظر: العلّامة الحِلّي، حسن بن یوسف، أجوبة المسائل المهنائیة، تحقیق: محيي الدین الممقاني، ص 157؛ العلّامة الحِلّي، حسن بن یوسف، خلاصة الأقوال في علم الرجال، ص 112.
[82] العلّامة الحِلّي، حسن بن یوسف، أجوبة المسائل المهنائیة، ص 157؛ العلّامة الحِلّي، حسن بن یوسف، خلاصة الأقوال في علم الرجال، ص 111.
[83] العلّامة الحِلّي، حسن بن یوسف، أجوبة المسائل المهنائیة، ص 157.
[84] ورد في فهرست البصروي (المطبوع في رياض العلماء وحياض الفضلاء) ضمن رسائل السيد المرتضى، الكتب الآتية في الردّ على يحيى بن عدي المنطقي: (مسألة في الردّ علی یحیی بن عدي النصراني فیما یتناهی ولا یتناهی)، و(مسألة ردّ بها أیضًا علی یحیی ابن عدي في اعتراضه على دلیل الموحدین في حدوث الأجسام)، و(مسألة علی یحیی أیضًا في طبیعة الممکن). الأفندي، عبد الله، ریاض العلماء وحیاض الفضلاء، ج 4، ص 36؛ وانظر:= =النجاشي، أحمد بن علي، الرجال، ص 270.
[85] انظر على سبيل المثال: العلامة الحلي، حسن بن يوسف، معارج الفهم، ص 98 ـ 119. لقد ذكر العلامة الحلي بعض هذه الأبحاث المذكورة آنفًا في سياق بحث «النظر» على نحو الإجمال. (انظر: العلامة الحلي، حسن بن يوسف، نهاية المرام في علم الكلام، ج 2، ص 77 ـ 87؛ العلامة الحلي، حسن بن يوسف، مناهج الیقین في أصول الدین، ص172 ـ 174؛ = =العلامة الحلي، حسن بن يوسف، تسلیك النفس إلی حظیرة القدس، ص 23 ـ 27؛ الفاضل المقداد، جمال الدین السیوري، اللوامع الإلهیة في المباحث الکلامیة، ص 83 ـ 86).
[86] انظر على سبيل المثال: العلامة الحلي، نهایة المرام في علم الکلام، ج 2، ص 74 ـ 77.
[87] وبطبيعة الحال فقد تمّ بيان بعض ضوابط وقواعد التعريف أو التحديد المنطقي لشيء في بعض الأحيان من خلال الآثار الكلامية للمعتزلة أيضًا. (انظر على سبيل المثال: القاضي عبد الجبار، الهمداني، المغني في أبواب التوحید والعدل، ج 12، ص 13 ـ 17).