الباحث : الشيخ محمود علي سرائب
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 35
السنة : صيف 2025م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : July / 26 / 2025
عدد زيارات البحث : 1433
الملخّص
تسعى هذه المقالة إلى تقديم مدخلٍ تأسيسيّ لعلم الكلام الجديد، المعروف أيضًا بعلم الكلام المعاصر، مع الإشارة إلى مصطلح (علم الكلام التجديدي) كمقترحٍ في هذا السياق. يأتي هذا العلم استجابةً للتحوّلات الفكرية المعاصرة، ويهدف إلى تطوير وظيفة علم الكلام التقليدي في الدفاع عن العقائد الإسلامية.
تستعرض الدراسة تعريف علم الكلام من خلال أشهر تعريفات العلماء المسلمين، وتبرز غاياته الأساسية، مثل استنباط العقائد ودفع الشبهات عنها. كما تتناول الأسباب الفكرية والتاريخية التي دعت إلى ظهور علم الكلام الجديد، خاصّة التحوّلات في العلوم الإنسانية والفلسفية والاجتماعية. تقدّم المقالة نظريات تفسير العلاقة بين علم الكلام القديم والجديد، مثل النظرية النسخية، والنظرية التكاملية، ونظرية التجدد في المسائل. كذلك، تناقش مفهوم التجديد الكلامي وأبعاده المتعددة، بما يشمل تجديد المباني، والمنهج، واللغة، والموضوع.
تُختتم المقالة بمقارنةٍ تفصيليةٍ بين علم الكلام الجديد وبعض العلوم المماثلة له، كفلسفة الدين، وعلم النفس الديني، وعلم الاجتماع الديني، موضّحةً نقاط الالتقاء والافتراق بينها .تهدف هذه الدراسة إلى تزويد القارئ ببنيةٍ معرفيةٍ تأصيليةٍ تتيح له التمييز بين هذا العلم وغيره، وفهم وظيفته الدفاعية داخل النسق الإسلامي.
الكلمات المفتاحية
علم الكلام الجديد، الهندسة المعرفية، التحوّل البنيوي، الدفاع البراغماتي، الوظائف العقدية، القطيعة المعرفية، التمييز المنهجي بين العلوم (المجاورة لعلم الكلام الجديد).
المقدّمة
شهد الفكر الإسلامي في العصر الحديث تحوّلاتٍ كبيرةً استجابةً للتغيرات الفكرية والعلمية المتسارعة. برزت الحاجة إلى إعادة صياغة علم الكلام، الذي يُعنى بالدفاع عن العقائد الإسلامية وتوضيحها، ليتلاءم مع متطلبات الواقع المعاصر. هذا التطور أفرز ما يُعرف بـ(علم الكلام الجديد)، أو (علم الكلام المعاصر)، مع اقتراح بعض الباحثين لمصطلح (علم الكلام التجديدي) للتعبير عن هذا الاتجاه.
تسعى هذه المقالة إلى تقديم دراسةٍ تأسيسيةٍ لعلم الكلام الجديد، متطرقةً إلى تعريفه، وأهدافه، والعلاقة بينه وبين علم الكلام التقليدي من جهة، وفلسفة الدين والعلوم الدينية المجاورة من جهةٍ أخرى. كما تستعرض المقالة النظريات المختلفة التي تفسّر هذه العلاقة، مثل النظرية النسخية، والنظرية التكاملية، ونظرية التجدّد في المسائل. بالإضافة إلى ذلك، تُسلّط الضوء على مفهوم الدفاع البراغماتي والواقعي عن العقيدة الإسلامية في ظلّ التحدّيات الفكرية المعاصرة.
كما تسعى إلى بيان ملامح التحوّل البنيوي الذي يطال هذا العلم في موضوعه ووظيفته ومبانيه، مركّزةً على محاور أساسية مثل: الدفاع البراغماتي، والهندسة المعرفية، والتمييز بين الثابت والمتغير، وتحليل الأبعاد النقدية المرتبطة بالمقاربات الراديكالية.
تهدف هذه الدراسة إلى تزويد القارئ بإطارٍ معرفيّ يمكّنه من التمييز بين هذه العلوم وفهم الدور الحيوي لعلم الكلام الجديد في تعزيز الخطاب العَقَدي الإسلامي في العصر الحديث.
وستنضم إلى هذه الدراسة – في سلسلة مقالات لاحقة – أبحاثٌ معمّقةٌ تسعى إلى مقاربة الأسئلة الكبرى التي باتت تتصدر المشهد العقدي والفكري المعاصر، تلك الأسئلة التي لم تعد تنطلق من شكوكٍ فلسفيةٍ مجرّدة، بل من تحوّلاتٍ في الوعي الديني ذاته، ومن تصدّع المفاهيم التقليدية أمام مناهج العلوم الإنسانية الحديثة.
فما الدين في جوهره؟ أهو منظومةٌ عقديةٌ، أم بنيةٌ وجوديةٌ لها وظيفةٌ روحيةٌ وتمدّنية؟
وكيف نتعامل مع لغة النصوص الدينية: هل هي رمزية؟ أم حرفية؟ أم أسطورية؟ وكيف نفهم دلالاتها؟
وما معنى أنْ يعيش الإنسان تجربةً دينية؟ وهل لها مشروعيةٌ معرفية؟
وهل يمكن للعقل الحديث أنْ يكون حليفًا للدين أم أنّه ندٌّ له؟
ثم ما الموقف العَقَدي من تعدّد الأديان، وتعدّد الحقائق، ومفهوم النجاة؟
إنّها أسئلةٌ ملحّةٌ صادمةٌ لم تكن مطروحةً بهذا الشكل والحدّة في الكلام التقليدي، لكنّها اليوم باتت مداخل ضروريةً لكلّ خطابٍ عَقَدي يريد أنْ يبقى حاضرًا ومؤثّرًا في زمن ما بعد الحداثة.
مدخل إلى علم الكلام الجديد: تحوّلات المصطلح ووظائفه المعرفية
يُعدّ علم الكلام الجديد New Theology أو Modern Theology من الاتجاهات المعرفية المعاصرة التي اندرجت ضمن حقل دراسات الأديان (Study of Religion)، وقد اتّخذ في الوسط الإسلامي تسمية (علم الكلام الجديد) أو (علم الكلام المعاصر). وتُعدّ هذه التسمية واحدةً من المصطلحات المستحدثة نسبيًا، وهي تعكس تحوّلًا منهجيًا ومعرفيًا في التعامل مع القضايا العَقَدية في ضوء التحديات الفكرية الحديثة.
إنّ هذا العلم، من حيث الوظيفة، يُعدّ استمرارًا لمهمة علم الكلام التقليدي، المتمثّلة في الدفاع عن الدين وتحصين العقيدة، غير أنّ هذا الدفاع يجري اليوم بأدواتٍ معرفيةٍ ومنهجيةٍ مختلفة، وبلغةٍ تستجيب لضرورات العصر ومستجداته الفلسفية والعلمية.
تعريف علم الكلام
لقد حظي علم الكلام بتعريفاتٍ متعددة، تتقاطع جميعها في جوهرٍ واحدٍ رغم اختلاف التعبيرات واختلاف المدارس الفكرية التي انطلق منها كلّ تعريف. ومن أبرز هذه التعريفات:
تعريف الفارابي: «صناعةٌ يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرّح بها واضع الملّة، وتزييف كلّ ما خالفها بالأقاويل»[1].
تعريف عضد الدين الإيجي: «علم يُقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج، ودفع الشُّبه، والمراد بالعقائد ما يُقصد به نفس الاعتقاد دون العمل، وبالدينية المنسوبة إلى دين محمّدٍ J، فإنّ الخصم وإنْ خطّأناه لا نخرجه من علماء الكلام» [2] .
تعريف ابن ميثم البحراني: «العلم المتكفّل ببيان أصول الدين»[3] .
تعريف الشريف الجرجاني: «علم يُبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام» [4].
وقد لخّص عبد الهادي الفضلي حقيقة هذه التعريفات في قوله: «هو العلم الذي يُبحث فيه عن إثبات أصول الدين الإسلامي بالأدلة المفيدة لليقين بها»[5] .
وتتفق التعريفات المتعدّدة لعلم الكلام، على الرغم من اختلاف صياغاتها وتوجهاتها الفكرية، في جوهرٍ أساسٍ يتمثّل في:
- إثبات العقائد الدينية والدفاع عنها: يهدف علم الكلام إلى إقامة الأدلة العقلية والنقلية لإثبات صحة العقائد الإسلامية، والردّ على الشبهات المثارة حولها.
- استخدام الأدلة العقلية والنقلية: يعتمد هذا العلم على توظيف البراهين العقلية المستمدة من التفكير المنطقي، بالإضافة إلى الأدلة النقلية المستمدة من النصوص الدينية، لتحقيق غايته في إثبات العقائد ودحض الشبهات.
بالتالي، يمكن القول إنّ النقطة المحوريّة المشتركة بين هذه التعريفات هي أنّ علم الكلام يُعنى بتأسيس العقائد الإسلامية على أسسٍ عقليةٍ ونقلية، مع التركيز على الدفاع عنها وتوضيحها في مواجهة الاعتراضات المختلفة.
فوائد علم الكلام وغاياته
يهدف علم الكلام إلى جملةٍ من الغايات العَقَدية والمعرفية، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
معرفة أصول الدّين معرفةً علميةً قائمةً على أساسٍ من الدليل والبرهان.
القدرة على إثبات قواعد العقائد بالدليل والحجّة.
القدرة على إبطال الشبهات التي تثار حول قواعد العقائد.
حفظ قواعد الدّين، أيّ عقائده من أنْ تزلزلها شُبه المبطلين.[6]
ويمكن تصنيف وظائف علم الكلام ضمن مسارين رئيسين: استنباط العقائد، والدفاع عنها، ويتفرّع عن هذين المسارين مجموعةٌ من المهام العلمية التي ينهض بها المتكلّم:
استنباط العقائد: وهو المسار الأول الذي يعنى باستخراج المعارف العَقَدية من مصادرها الشرعية، كالقرآن الكريم والعترة النبوية. وهي عمليةٌ شبيهةٌ بوظيفة الفقيه في استنباط الأحكام، ويمكن عدّها ضمن ما يسمى بمقام (عالم الثبوت).
الدفاع عن العقائد المستنبطة: وفي هذا المسار تتفرع خمس مهامٍ أساسية:
أ- التوضيح والتبيين:شرح المفاهيم العَقَدية ببيانٍ واضحٍ دقيق، يُحاصر الأخطاء والاشتباهات، ويمنع الالتباس.
ب- التنظيم: ترتيب المفاهيم ضمن نسقٍ منطقيّ متسلسل، يُيسّر فهمها وتحصينها.
ج- الإثبات:إقامة الأدلة المتنوّعة، العقلية، والنصية، والتاريخية، وحتى التجريبية، بحسب طبيعة المخاطب وظروفه.
د - ردّ الشبهات : تفنيد الإشكالات والاعتراضات الموجَّهة إلى العقيدة.
هـ - مواجهة العقائد المضادّة: نقد وتفنيد المذاهب والتيارات الفكرية المعارضة للدين، وإنْ لم تكن موجّهةً مباشرة للعقيدة الإسلاميّة، كالماركسية، والرأسمالية، ونظرية التطوّر الداروينيّة، وغيرها.[7]
حقيقة علم الكلام الجديد
إذا كانت الوظيفة الجوهرية لعلم الكلام تتجلّى في استنباط العقائد الدينية والدفاع عنها، فإنّ من أولى أولويات هذا العلم عبر تاريخه هي مواجهة الشبهات وتفنيد الاعتراضات التي تهدد البناء العقدي. ويُعدّ المتكلّم هو المتعهّد الأساس بحماية الإيمان الإسلامي، سواء في بُعده العام المرتبط بالإسلام كدين، أو في بُعده الخاص المتعلق بالمذاهب العَقَدية المختلفة.
ومع التحوّلات الكبرى التي شهدتها العلوم الإنسانية، خصوصًا في العالم الغربي ثم الإسلامي، بعد عصر الأنوار [8] في القرنين السابع عشر والثامن عشر، برزت رؤى فلسفيةٌ وأخلاقيةٌ وسياسيةٌ جديدة، وظهرت مدارسُ فكريةٌ متمايزةٌ في الاجتماع والتربية والمعرفة، ما أدّى إلى ولادة نوعٍ جديدٍ من الأسئلة العَقَدية، لم يكن مطروحًا في المجال الكلامي التقليدي. ومن هنا، نشأت الحاجة إلى نمطٍ جديدٍ من المعالجة العَقَدية، يستند إلى أدواتٍ معرفيةٍ ومنهجياتٍ حديثة، تُواكب هذه الأسئلة وتُجيب عنها بفعالية. هذا ما أفضى إلى ظهور ما يُعرف بـ(علم الكلام الجديد).
وظائف علم الكلام الجديد: إعادة الترتيب لا مجرد التكرار
إذا كانت الوظائف التقليدية لعلم الكلام تتمثّل في استنباط العقائد من مصادرها الأصلية، وبيانها، والدفاع عنها بالحجج العقلية والنقلية، وردّ الشبهات عنها، فإنّ علم الكلام الجديد لا يُنكر هذه الوظائف، بل يعيد ترتيبها ضمن نسقٍ معرفيٍّ جديدٍ يراعي طبيعة التحوّلات الفكرية، وضرورات المعاصرة في الفهم والحاجة والبيان.
ولعلّ من أبرز ملامح هذا التحوّل في الوظيفة، أنّ الدفاع عن العقيدة، الذي شكّل الغاية المحورية في علم الكلام التقليدي، لم يعد يُمثّل الوظيفة الأولى أو الأهمّ في علم الكلام الجديد. بل غدا مجرد وظيفةٍ من بين وظائف متعدّدة، بعضها أسبق من حيث الترتيب المعرفي، وبعضها أعمق من حيث التأثير في بنية الخطاب العقدي.
و يمكن تلخيص المهام الجديدة لعلم الكلام الجديد بما يلي:
1. تنظيم القضايا الدينية والمذهبية ضمن نسقٍ معرفيٍّ منسجم : تُعدّ هذه الوظيفة التمهيدية من أبرز ما يُميّز الخطاب العَقَدي الحديث، إذ لم تَعُد مهمّة المتكلِّم تقتصر على تجميع الأدلة على العقائد، بل بات مطالبًا بإعادة بناء المنظومة الدينية، من خلال تنظيم المفاهيم والمقولات العَقَدية في نظامٍ متماسكٍ داخليًّا، من حيث المعاني، والعلاقات، والمرجعيّات.
2. تحليل المفاهيم الدينية وبيان مقاصدها ومعانيها الدقيقة: أي الانتقال من مجرد (عرض العقيدة) إلى (تفكيكها وتوضيحها)، وشرح ما تقصده النصوص المقدّسة بدقة، وهذا يتطلّب أدواتٍ جديدةً في فهم اللغة الدينية، وتوظيف مناهج التحليل المفهومي، واللساني، والأنثروبولوجي أحيانًا.
3. إقامة البراهين والاستدلال لصالح المعتقدات: وهي الوظيفة التقليدية في علم الكلام، لكنّها في السياق الجديد تتنوّع أساليبها بين العقلية، والنصية، والتجريبية، والاجتماعية، بحسب طبيعة المخاطب، والسياق المعرفي المطروح.
الدفاع عن العقيدة ورد الشبهات عنها :
وهذه المهمة، رغم أهميتها، لم تعد تُحتل المرتبة الأولى، بل تأتي كوظيفةٍ لاحقةٍ للعرض والتحليل والتنظيم، وتُمارَس اليوم بأدواتٍ تختلف عن أساليب الردّ التقليدي، وتراعي مستويات الخطاب الحديث، ومصادر الشبهة (الداخلية أو الخارجية، الفلسفية أو النفسية أو المعرفية...)[9].
إنّ علم الكلام الجديد لا يتعارض مع علم الكلام القديم في جوهر الوظيفة العَقَدية، لكنّه يعيد ترتيب سلّم الأولويات، ويوسّع من نطاق الوظائف لتشمل مهام لم تكن مألوفةً أو محوريةً في النموذج التقليدي.
فالاشتراك بين العلمين حاصلٌ في العمق العَقَدي، أما الافتراق، فيكمن في المنهج والترتيب والاتساع في الغايات، حيث ينتقل المتكلّم من كونه مدافعًا، إلى كونه منظّرًا، وشارحًا، وبانيًا للنسق العَقَدي في ضوء المتغيرات المعاصرة.
الدفاع الواقعي والدفاع البرغماتي:
علم الكلام القديم ينظر إلى صدقيّة القضية الدينيّة أو المذهبية بأنّها حقّ، متى كانت مطابقةً للواقع، أو بعبارة أخرى هي صادقة، فإنّ (علم الكلام الجديد) يُنظر إليها من زاويةٍ براغماتيةٍ نفعيّة، فهو لا يبحث في صدق القضايا، أو كذبها أو أحقّيتها أو بطلانها، لكنّه يخوض في أنّ الآثار المترتّبة على الاعتقاد بهذه القضية أفضل من الآثار المترتّبة على عدم الاعتقاد بها، أو الاعتقاد بعدمها.
الدّفاع الواقعي يقرّر أنّ هذا القول صادقٌ أو كاذب، وثبت مثلا أنّه حقيقيٌّ ومطابقٌ للواقع، وأنّ الذهاب إلى كذبه لا يتطابق مع الواقع.
أمّا الدّفاع البراغماتي فيقول: سواء كانت هذه القضية صادقةً أم كاذبة، فإنّ السؤال هو: هل الحالة النفسيّة للمعتقدين بها أفضل من الحالة النفسيّة لغير المعتقدين بها، أم لا؟ هذا ما يناقشه الدفاع البراغماتي، وهو نمطٌ من الدفاع مستعملٌ بكثرة في الكلام الجديد.
فمثلًا حينما يقول القرآن الكريم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾[10]، قد يدور النقاش تارةً حول صحّة هذه القضيّة، ومطابقتها للواقع، أو عدم مطابقتها، وتارةً يدور البحث حول آثار الاعتقاد بهذه القضيّة، فهل حياة المعتقدين بها أفضل من حياة غير المعتقدين، أم العكس صحيح؟
من هنا كانت مباحث الكلام الجديد ومسائله، أوسع بكثيرٍ من الكلام التقليدي؛ لأنّه يتضمّن الدفاع البراغماتي، إلى جانب الدفاع الواقعي[11]. ومن هنا، اتّسعت دائرة مباحث علم الكلام الجديد ومسائله، مقارنة بالكلام التقليدي، وذلك نتيجة تحوّل في طبيعة المقاربات الدفاعية التي يتبناها. فقد أصبح هذا العلم يجمع بين الدفاع الواقعي والدفاع البراغماتي، وهو ما يُعدّ تطوّرًا نوعيًا في وظيفة المتكلّم، بحيث لم تعد تنحصر في إثبات العقيدة بوصفها حقيقةً موضوعيةً فقط، بل شملت كذلك بيان آثارها الوجودية والاجتماعية والنفسية.
وعليه فإنّ الدفاع الواقعي (Realistic Defense) ، وهو النمط المعروف في علم الكلام التقليدي، يقوم على إثبات الحقائق العَقَدية كما هي في الواقع، من خلال الاستدلال العقلي أو النقلي، مثل إثبات وجود الله، والنبوة، والمعاد، والعصمة، وغيرها من أصول الدين، بغضّ النظر عن الآثار النفسية أو الاجتماعية المترتبة عليها. وغايته تقديم الحقيقة لذاتها وبوصفها ملزمةً للعقل، لا بوصفها نافعةً فحسب.
وأما الدفاع البراغماتي (Pragmatic Defense)، فقد ظهر في سياق تطوّر فلسفة الدين الحديثة، وتزايد الوعي بوظائف الإيمان في حياة الإنسان. وهو دفاعٌ لا يُبنى على برهان الحقيقة في المقام الأول، بل على النتائج العملية للإيمان الديني في حياة الأفراد والمجتمعات، كتحقيق السكينة الوجودية، وترسيخ المعنى، وتأمين الضمير الأخلاقي، وتعزيز التماسك الاجتماعي. فالإيمان بالله هنا، لا يُقدَّم فقط كقضيةٍ وجوديةٍ مبرهَنة، بل بوصفه وسيلةً فعّالةً لمجابهة العبث والانهيار القيمي.
وبهذا، فإنّ علم الكلام الجديد لا يدافع عن العقيدة فقط من جهة كونها حقًّا، بل أيضًا من جهة كونها نفعًا وجوديًا وأخلاقيًا، أي إنّه يجمع بين الحقيّة والوظيفية في بناء حجّته العَقَدية. وهو ما جعله يتناول قضايا أوسع من الإطار الكلاسيكي، مثل: معنى الإنسان، الحاجة إلى الدين، العلاقة بين الدين والعلم، الأخلاق الدينية، والتجربة الإيمانية. وهي موضوعاتٌ لم تكن في صلب اهتمام الكلام التقليدي، لكنّها باتت اليوم جزءًا من المنظومة التوسعيّة للكلام المعاصر.
نقد الاتجاه البراغماتي في الدفاع العَقَدي
على الرغم من حضور الدفاع البراغماتي بوصفه أحد أبرز أدوات الخطاب الكلامي الجديد، إلى جانب الدفاع الواقعي، إلّا أنّ هذا التوجّه لا يخلو من إشكالاتٍ معرفيةٍ ومنهجيةٍ عميقة، تستدعي الوقوف عندها بفحصٍ علميٍ دقيق.
فبينما يقوم الدفاع الواقعي على إثبات العقيدة بوصفها حقيقةً موضوعيةً مستقلةً عن آثارها النفسية أو الوظيفية، فإنّ الدفاع البراغماتي ينظر إلى الإيمان من حيث ما يترتب عليه من نتائج عمليةٍ نافعةٍ للفرد أو المجتمع، كالمعنى، والسكينة، والاستقرار الأخلاقي. ويستند هذا الدفاع إلى مقولاتٍ فلسفيةٍ حديثة، كما في أطروحة وليام جيمس في إرادة الاعتقاد، حين أجاز الإيمان بمسألةٍ غير مبرهَنةٍ برهانيًا، إذا كان رفضها يؤدّي إلى ضياعٍ وجوديٍّ لا يمكن تعويضه.
لكن هذا التوجّه، وإنْ بدا في ظاهره مكمّلًا لوظيفة المتكلّم، إلّا أنّه يثير عدّة إشكالاتٍ جوهرية:
أولًا: إنّ بناء الإيمان على أساس النفع أو الأثر فقط، دون التحقّق من واقعيته أو حقيقته، يفتح المجال لتبنّي عقائد باطلةٍ لمجرد أنّها تحقّق شعورًا نفسيًا أو نفعًا اجتماعيًا، وهو ما يُفضي إلى انهيار معيار الحقيقة ، ويؤدّي إلى خلط الحقّ بالباطل.
ثانيًا: إنّ هذا المنحى يُفضي إلى تحويل الدين من كونه منظومةً تعبديةً عَقَديةً ملزمة، إلى كونه أداةً وظيفيةً نفعية، وهو ما يُضعف سلطته الإلزامية، ويحول العقيدة إلى خيارٍ معنوي فردي، لا التزامًا شرعيًا وعقليًا.
ثالثًا: إنّ الدفاع البراغماتي في جوهره يُفضي إلى نسبيةٍ إيمانية، تؤسّس لمبدأ أنّ كلّ ما ينفع فهو حقّ، مما يؤدّي إلى التسوية بين الأديان، وقبول التناقضات العَقَدية، بل إفراغ مفاهيم النبوة الخاصّة، والوحي الإلهي، والحصر العَقَدي من دلالاتها الإلزامية.
من هنا، فإنّ علم الكلام الإسلامي، لا سيّما في سياقه الإمامي، لا يجيز تأسيس الإيمان إلّا على أساس من البيّنة والبرهان، استنادًا إلى قوله تعالى :﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [12]. ﴿ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾[13].
وعليه، فإنّ البراغماتية لا تُشكّل بديلًا معرفيًا مستقلًا في بناء العقيدة، وإنّما يمكن توظيفها، بحدودٍ معينة، كأداة دعمٍ خطابيّ أو تربويّ في بعض السياقات الوجوديّة أو النفسيّة، لا أكثر.
فإذا ما أُطلق لها المجال لتكون المرتكز الأساس في الدفاع العقدي، ترتب على ذلك تفكيك البنية البرهانية للعقيدة، واستبدال منطق الإلزام العقلي بمنطق الإقناع الشعوري، وهو ما يتعارض مع الطبيعة المؤسّسة لعلم الكلام كعلمٍ يُعنى بتقديم الحقيقة والإلزام بها، لا بمجرد تسويغ فائدتها.
نظريّات في حقيقة علم الكلام الجديد
وقد تعدّدت المقاربات التفسيرية لطبيعة هذا العلم وحدود ارتباطه بالكلام التقليدي، ومن أبرز هذه النظريات:
نظرية النسخ والإلغاء (القطيعة المعرفية)
ترى هذه النظرية أن لا علاقة حقيقية بين علم الكلام الجديد وعلم الكلام القديم سوى الاشتراك اللفظي في الاسم. إذ بحسب هذا الاتجاه، وقع انقطاعٌ معرفيٌّ بين العلمين، حيث تم نسخ الكلام التقليدي بعد ظهور الكلام الجديد، بسبب الانهيارات المعرفية التي مسّت المنظومات الفلسفية والعَقَدية القديمة.
وقد عبّر عن هذا الاتجاه محمد مجتهد شبستري، في سياق دعوته إلى تجديد الأسس المعرفيّة للفهم الديني، إذ يرى أنّ تغيّر الشروط المعرفية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان المعاصر يقتضي بالضرورة تحوّلًا في أدوات إنتاج المعنى الديني. يقول شبستري: «لقد تغيّرت البيئة الثقافية والفكرية للإنسان المعاصر بشكلٍ جذري، وتبدّلت مفاهيمه الأساسية حول الله والنبوة والوحي والمعاد... ولذلك فإنّ علم الكلام بوصفه علمًا لإثبات العقائد الحقّة، لم يعد ممكنًا على النحو القديم، ولا يمكن الدفاع عن العقائد بالدروب السابقة نفسها[14].ويؤكّد في مواضع أخرى من كتابه أنّ الدفاع الكلامي ينبغي أنْ يتحوّل من إقامة البرهان العقلي إلى تفكيك البُنى المعرفية المسبقة التي أنتجت تلك المفاهيم في الماضي، واستبدالها بأنماط فهم أكثر اتصالًا بتجربة الإنسان الحديث.
ويستند هذا الاتجاه إلى تحوّلين أساسيين:
تحوّل في موضوعات المعرفة: حيث باتت القضايا الوجودية تُطرح ضمن أطرٍ فلسفيةٍ وأنثروبولوجيةٍ جديدة.
تحوّل في بنية الوعي الديني: إذ أصبح الفرد المعاصر يتلقّى المفاهيم الدينية من داخل مناهج نقدية، كالهيرمنيوطيقا والتفكيك، مما يُحتّم إعادة بناء الخطاب الكلامي على أسسٍ معرفيةٍ جديدة.
نظرية التكامل والاستمرار
تفترض هذه النظرية أنّ علم الكلام الجديد هو امتدادٌ طبيعيّ للكلام القديم، لا انقطاع بينهما من حيث الوظيفة، وإنْ اختلفت الأدوات والمناهج. فالتجديد في علم الكلام، بحسب هذا الرأي، يرتبط بتجدد الشبهات والأسئلة المعرفيّة، وليس بتغيير جوهر العلم نفسه.
ويُعبّر عن هذا الاتجاه عبد الكريم سروش، بقوله: «إنّ الردّ على الشبهات هو من أهمّ وظائف علم الكلام، وطالما أنّ الشبهات تتجدد، فإنّ علم الكلام يتجدّد كذلك. ولا ينبغي الظنّ بإمكانية مواجهة الشبهات الجديدة بالأساليب والأسلحة القديمة على الدوام، فنحن بحاجة أحيانًا إلى أسلحة معرفية جديدة»[15] . فهو يرى أنّ التجديد الكلامي يكون في الجهات الثلاث الآتية:
الشبهات الجديدة.
أسلحة جديدة لعلم الكلام (الأدوات المعرفية).
وظائف علم الكلام.
ولتوضيح ذلك نقول: لا يوجد فرقٌ جوهريّ بين علم الكلام الجديد والقديم إلّا في هذه الجهات الثلاث فكما هو معروف فإنّ من أهم وظائف علم الكلام ردّ الشبهات، وحينما تكون الشبهات جديدةً ومعاصرةً فسيكون علم الكلام جديدًا ومعاصرًا هذه هي الجهة الأولى، وبما أنّه لا يصحّ بل لا نتمكّن من الإجابة عن التساؤلات أو الشبهات الجديدة بالأسلحة القديمة نفسها التي كان يتسلّح بها علماء الكلام فنحن بحاجةٍ إلى أسلحةٍ جديدةٍ وأدواتٍ معرفيةٍ تتناسب مع طبيعة الشبهات الجديدة، ومن هنا فالمتكلّم يحتاج معرفة جملةٍ من العلوم والمعارف الحديثة والجديدة حتى يجيب على تلك الشبهات وهذه هي الجهة الثانية، أمّا الجهة الثالثة فهي وظيفة علم الكلام الجديد، وهي معرفة الدّين وتعني معرفة الدّين النظرة إلى الدّين من خارج الدّين؛ ولذا يطلق على علم الكلام الجديد في بعض الأحيان اسم (فلسفة الدّين)[16].
وتفترض هذه الرؤية إمكان الجمع بين الأصالة والمعاصرة في المجال الكلامي؛ وذلك عبر الحفاظ على روح الكلام القديم ومقاصده الأساسية في الدفاع عن أصول العقيدة، مع الانفتاح المنهجي على أدوات العلوم الحديثة ومناهجها النقدية والتحليلية. ويُفهم من ذلك أنّ التجديد لا يعني القطيعة، بل هو تفعيل لأدوات الخطاب العقدي ضمن فضاءاتٍ معرفيةٍ جديدة، دون التخلّي عن البنية اللاهوتية الأصلية التي تحكم علم الكلام الإسلامي في مرجعيته النصية والعقلية.
نظرية التجدّد في المسائل الكلامية
إنّ التحوّل المعرفي الذي طرأ على ساحة علم الكلام، أثار سؤالًا محوريًا في أذهان الباحثين، يتعلّق بطبيعة هذا التحوّل وحدوده: هل التجديد الذي نلحظه اليوم مسَّ جوهر العلم نفسه؟ أم أنّه اقتصر على مستوى موضوعاته وقضاياه؟ وبعبارة أخرى: أيّ التعبيرين أدقّ وأوفق من الناحية العلمية والمنهجية: (علم الكلام الجديد)، أم (المسائل الكلامية الجديدة)؟
تميل طائفةٌ من العلماء إلى تأييد فكرة التحوّل الماهوي في العلم، وترى أنّنا أمام بنيةٍ معرفيةٍ مغايرةٍ تستوجب توصيفًا جديدًا للعلم بكليّته، بما يشمل موضوعه ومنهجه ووظيفته. بينما يذهب فريقٌ آخر إلى أنّ ما تغيّر ليس إلّا محتوى المسائل التي يعالجها المتكلّمون، في حين ظلّ الإطار العام للعلم، من حيث غاياته وأصوله، ثابتًا.
وبناءً على الرؤية الثانية، يصبح التعبير بـ(علم الكلام الجديد) محلّ تأمّلٍ نقدي، إذ لا يتوفّر ـ في نظرهم ـ على مبرراتٍ منهجيةٍ كافيةٍ تتيح استخدامه بشكلٍ دقيق، ما لم يُقصد من صفة (الجديد) الإشارة إلى تجدّد المسائل فقط دون تبدّل جوهر العلم أو وظيفته[17].
ترى هذه النظرية أنّ وصف الجِدّة في علم الكلام الجديد لا يعود إلى تغيير جوهر العلم أو وظيفته، بل إلى تجدّد مواضيعه ومسائله. فبينما كانت القضايا التقليدية تتركّز على الإلهيات والمعاد والنبوة، فإنّ القضايا المعاصرة باتت تلامس موضوعاتٍ جديدةً مثل: معرفة الإنسان، وماهية الدين، وعلاقة الدين بالعلم، وقضية التغير والثبات في المعرفة الدينية.
وقد لخّص هذا الاتجاه جعفر السبحاني، قائلًا: «أمّا التفسير السائد والمتداول عن صفة الجِدّة في الكلام الجديد فهو عدّها نعتًا للمسائل والقضايا الكلاميّة؛ بما يعني أنّ الكلام القديم تناول في الأعمّ الأغلب القضايا المتعلّقة بالإلهيات والمعاد، بيد أنّه اليوم يلج مداراتٍ بحثيةً أكثر اتّساعًا، فيتناول أبحاثًا مرتبطةً بعلم الإنسان، وعلم الأديان، وغير ذلك»[18].
ويمثّل هذا الاتجاه نقطة وسطى بين أطروحة القطيعة الجذرية مع التراث الكلامي، ونظرية الامتداد العضوي له، فهو من جهة يؤكّد الحفاظ على الهيكل الوظيفي لعلم الكلام بوصفه علمًا يُعنى باستنباط العقائد والدفاع عنها، ومن جهةٍ أخرى يوسّع نطاق اشتغاله المعرفي ليشمل موضوعاتٍ لم تكن مطروحةً في المتن الكلامي الكلاسيكي، مثل قضايا الإنسان، والدين، والتجربة الدينية، والعلاقة بين الدين والعلم. وبهذا المعنى، فإنّ التجديد في هذا السياق لا يُقصد به استبدال موضوعٍ بآخر، أو نقض البنية المعرفية السابقة، وإنّما يعني إغناءها وتطويرها لتواكب طبيعة التحوّلات الفكرية والوجودية في العالم المعاصر.
ويرى الشهيد مطهري أنّ تفاوت علم الكلام الجديد وعلم الكلام القديم يتجلّى في أمرين:
الأول: الشبهات، فإنّ جملةً من الشبهات الجديدة لم تكن مطروحةً في السابق، وفي الوقت نفسه الشبهات التي كانت مطروحةً في السابق لم يعد لها الرونق والحضور الذي احتلته في الأبحاث الكلامية السابقة.
الثاني: الأدلة، فالأدلة التي كانت مورد قبولٍ فيما سبق، لم تعد تمتلك الموقع العلمي نفسه الذي كانت تحظى به في علم الكلام القديم.
يقول الشهيد مطهري ما ملخصه: إذا تنبهنا إلى أنّ علم الكلام يقوم بوظيفتين:
الأولى:الدفاع وردّ الشبهات الواردة على أصول وفروع الإسلام.
الثاني:الاستدلال العلمي على هذه الأصول والفروع (حقّانية الدّين الإسلامي).
وإذا تنبّهنا أيّضًا إلى أنّ الشبهات التي نتعرّض لها في عصرنا الحاضر لم تكن موجودةً في السّابق أصلًا، بالإضافة إلى أنّ الأدلة التي تطرح في عصرنا هي من مختصّات عصر التقدم العلمي الجديد، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ كثيرًا من الشبهات القديمة لم يعد لها أيّ حضورٍ في الساحة الفكرية المعاصرة، وجملة من الاستدلالات الكلامية السابقة افتقدت قيمتها العلمية في الوقت الحاضر، كلّ ذلك يستدعي منّا تأسيس علم كلام جديد[19].
وبناءً على هذه النظرية فإنّ وجه الاشتراك بين علم الكلام الجديد وعلم الكلام القديم هو في الأهداف والغايات، ووجه الاختلاف والافتراق بينهما في الأدلة والشبهات. ولم تتحدّث هذه النظرية عن ثبات أو تطوّر المنهج وأسلوب البحث في علم الكلام الجديد.
النظرية الجامعة (الاستمرار التحولي)
يميل هذا الاتجاه، الذي يُمثله عددٌ من المفكّرين المعاصرين كعبد الحسين خسروپناه، إلى القول بأنّ علم الكلام الجديد هو استمرار للكلام التقليدي من حيث الوظيفة، ولكن مع تحوّلاتٍ منهجيةٍ وموضوعيةٍ عميقةٍ فرضتها الظروف الفكرية الجديدة. وبالتالي فهو ليس ناسخًا للكلام القديم، كما أنّه لا ينعزل عنه، بل يمثّل امتداده التطوّري الطبيعي.
ويصرّح خسروپناه قائلًا: «إنّ الوظائف الرئيسة التي يمارسها هذا العلم تتمثّل في استنباط العقائد والدفاع عنها، فلا محيص من عدّ الكلام الجديد استمرارًا للكلام التقليدي، وعلينا أن نستعرضهما معًا في إطارٍ واحدٍ، ونظامٍ موحّدٍ ومتناسقٍ تحت مظلّة علم الكلام الإسلامي المعاصر»[20].
ويُبرز هذا الاتجاه الحاجة إلى مقاربةٍ تكامليةٍ تستوعب الفروقات البنيوية والمنهجية بين الكلام التقليدي والجديد، لكنّها لا تعدّ هذه الفروقات قطيعةً معرفيةً بقدر ما تعُدّها تطوّرًا طبيعيًا في المسار التاريخي لعلم الكلام. فبدلًا من الإلغاء أو التجاوز، يسعى هذا الاتجاه إلى إعادة ترتيب هذه الفروقات ضمن منظومةٍ كلاميةٍ موحّدة، تنطلق من الأصل النصي والعقلي للموروث الكلامي، وتنفتح في الوقت نفسه على قضايا الإنسان الحديث، دون تفريط بالثوابت العَقَدية أو الذوبان في فلسفاتٍ غير إسلامية.
مدخلٌ منهجيٌّ في فهم التجديد الكلامي: ملاحظاتٌ تأسيسيّة
بصرف النظر عن التباين النظري في تحديد طبيعة العلاقة بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد، فإنّ أيّ مقاربةٍ علميةٍ لمفهوم التجديد في المجال العقدي، لا بدّ أن تنطلق من جملةٍ من الملاحظات المنهجية الحاكمة، تُمثّل أُسسًا تأسيسيةً تمنع الخلط، وتُجنّب التعميمات أو الأحكام المتسرعة. ويمكن تلخيص هذه الأسس في ثلاث نقاطٍ مركزية:
1. التفريق بين الثابت والمتغيّر في البنية الدينية: إنّ أولى الخطوات المنهجية في مقاربة التجديد الكلامي، تكمن في ضرورة التمييز بدقة بين ما هو من ثوابت الدين الإلهي المنزَّل، وبين ما هو من مخرجات الفكر البشري المتغيّر.
فالدين، من حيث هو وحي إلهي ومصدر معرفي معصوم، يتمتع بصفة الثبات والدوام، بينما آليات فهمه وتفسيره وتنزيله على الواقع، تخضع لظروفٍ تاريخيةٍ ومعرفيةٍ تتسم بالتطوّر والتغيّر. ومن هنا، فإنّ الحديث عن (تجديد علم الكلام )لا يجوز أن يُفهم بوصفه مراجعةً لذات الدين أو نقضًا لثوابته، بل ينبغي أن يُفهم بوصفه تجديدًا في طرائق الفهم والكشف والبيان والدفاع عن تلك الثوابت، في ضوء مقتضيات السياقات المعاصرة.
2. خضوع النتاج الكلامي للنقد والفحص العقلي: لا ريب في أنّ ما أنتجه المتكلّمون في مختلف العصور هو ثمرة اجتهادٍ إنساني، بُني على أدواتٍ ومناهج وفضاءاتٍ معرفيةٍ مخصوصة. وبالتالي، فإنّ هذا التراث – على جلالته وقيمته – يظلّ قابلًا للفحص والنقد وإعادة النظر. فالعقل، بوصفه أداة الإدراك والنقد، يمتلك الشرعية في مراجعة التصوّرات الكلامية السابقة، ما دامت لا تندرج ضمن أصول الدين القطعية، وإنّما تمثّل قراءاتٍ وتأويلاتٍ بشريةً محكومةً بظروفها التاريخية والمعرفية.
وهذا ما يبرّر سعي الكلام الجديد إلى تجاوز بعض المقولات أو مناهج النظر التي لم تعد قادرة على مواكبة تحولات الفكر والإنسان والعالم.
3. محدودية المناهج التقليدية في استيعاب المباحث العقدية المتجددة: رغم الاتّساع الموضوعي الذي بلغه علم الكلام التقليدي، إلّا أنّ التجربة التاريخية أظهرت أنّ المناهج القديمة، مهما بلغت من الدقة، لم تُغطِّ كل الأسئلة العقدية الممكنة، خصوصًا تلك التي نشأت بفعل التحوّلات الكبرى في العلوم والفلسفة والوعي الديني الحديث. بل إنّ بعض المناهج الكلامية الكلاسيكية باتت قاصرةً عن إنتاج معرفةٍ عقديةٍ قادرةٍ على مخاطبة الإنسان المعاصر، واستيعاب إشكالياته الوجودية والمعرفية المستجدة.
ومن هنا، فإنّ التجديد في علم الكلام لا ينبع من فراغ، بل من حاجةٍ منهجيةٍ حقيقيةٍ لإعادة بناء الخطاب العقدي على أسسٍ تستوعب التحوّل في بنية التساؤلات، ومجالات المعرفة، وأشكال الخطاب.
مفهوم التجديد في علم الكلام: بين التراكم الكمي والتحوّل البنيوي
يُعدّ مفهوم التجديد في علم الكلام من الإشكالات المفصليّة التي ما زالت محلّ نقاشٍ بين الباحثين في حقل الدراسات العَقَدية المعاصرة. فقد تباينت المقاربات في تحديد ما إذا كان التجديد يطال البنية التحتية للعلم، أم يقتصر على تعديل بعض موضوعاته أو أدواته التعبيرية.
فمن جهة، يرى بعض العلماء المعاصرين، كالعلاّمة جعفر السبحاني، أنّ التجديد في علم الكلام لا يعني سوى دمج المسائل والشبهات المعاصرة ضمن الأُطر التقليدية للعلم، دون المساس بجوهره أو منهجه المؤسّس. ووفق هذا المنظور، فإنّ التغيير أقرب إلى تراكمٍ كميّ في الموضوعات، وليس تحوّلًا نوعيًّا في بنية العلم. «فالكلام الجديد ليس علمًا جديدًا، بل هو إضافة لمسائل جديدة فرضها الواقع المعرفي الحديث، ومعالجتها ضمن قواعد الكلام التقليدي»[21].
في مقابل هذا الرأي، تبلورت اتجاهاتٌ أخرى رأت أن التجديد لا يمكن أن يُختزل في مجرد ضمّ موضوعاتٍ جديدة، بل يجب أنْ يمتد إلى كامل الأضلاع المعرفية لعلم الكلام، وقد اقترح أحمد قراملكي التعبير عن هذا التأسيس بـ(الهندسة المعرفية لعلم الكلام الجديد)، في محاولةٍ لتجاوز الفهم الاختزالي للتجديد الكلامي بوصفه مجرّد استبدالٍ لموضوعاتٍ تقليديةٍ بأخرى حديثة. إذ يُقصد من هذا المصطلح ترسيم مكونات العلم الجديد على نحوٍ يُميّزه عن علم الكلام التقليدي، لا في مسائل فرعية فقط، بل في بنيته الكلية بوصفه نظامًا معرفيًا متكاملًا[22].
الهندسة المعرفية لعلم الكلام الجديد:
وفي وقد صاغ قراملكي هذه المقاربة تحت عنوان (تحليل مفهوم التجديد)، فرأى أنّ التحوّل في علم الكلام ينبغي أنْ يشمل ستة أبعادٍ متكاملةٍ هي:
1. التجديد في المسائل: إذ إنّ عددًا كبيرًا من المسائل التي كانت تحتلّ مركز الثقل في الكلام القديم لم تعد حاضرةً اليوم، وحلّت محلّها إشكالياتٌ مستحدثةٌ تتصل بالإنسان، والمعنى، والدين، والتجربة الوجودية. وهذا يستلزم أنماطًا معرفيةً جديدةً تتناسب مع طبيعة الأسئلة المطروحة، بدل الاكتفاء بالأدوات القديمة.
2. التجديد في الهدف: لم يعد الهدف مقتصرًا على الاستنباط العَقَدي والدفاع الجدلي، بل بات يشمل تحليل بنية الإيمان والتجربة الدينية، وتفكيك المفاهيم المرتبطة بالحقيقة، والقداسة، والوجود.
3. التجديد في الموضوع: موضوع علم الكلام لم يعد محصورًا في مباحث الذات الإلهية والنبوة والمعاد، بل انفتح على مجمل قضايا النص المقدّس، بما يشمل البعد الأخلاقي، والقيمي، والتاريخي، والرمزي في الدين.
4. التجديد في اللغة: لا يكفي الانتقال من اللغة الفلسفية القديمة إلى لغةٍ مفهومةٍ معاصرة، بل المطلوب هو إنتاج خطابٍ كلاميٍّ حديثٍ يستوعب مفردات العلوم الإنسانية، ويفكّك البُنى الرمزية والمعرفية للنصوص والمفاهيم.
5. التجديد في المنهج : يتطلب التعامل مع الشبهات الحديثة اعتماد مناهج معرفيةٍ جديدة، كالهيرمنيوطيقا، والسوسيولوجيا، والتأويل الظاهراتي، بدلًا من الاقتصار على القياس المنطقي والحجاج الجدلي التقليدي.
6. التجديد في المباني: بما أنّ الكلام القديم كان يقوم على مبانٍ فلسفيةٍ مستمدّةٍ من المنطق الأرسطي والفكر اليوناني، وهي مبانٍ أُعيد النظر فيها فلسفيًّا منذ ديكارت وكانط؛ فإنّ التجديد الحقيقي يقتضي هدم هذه الأسس أو مراجعتها جذريًّا[23].
هذه المقاربة البنيوية لمفهوم التجديد تنسجم مع ما بات يُعرف بـ (الهندسة المعرفية لعلم الكلام الجديد)، أي ضرورة ترسيم ملامح العلم الجديد في ضوء أركانه الستة: (الموضوع، والغاية، والمسائل، واللغة، والمنهج، والمباني). وبهذا، لا يعود الكلام الجديد مجرد تحديثٍ أو تطويرٍ عرضي، بل بنية معرفية جديدة تتأسس في ظل تحوّلٍ عميقٍ في الوعي الديني، والمرجعيات المعرفية، واللغة التداولية للمفاهيم العقدية.
ومع أهمية هذا الطرح، إلّا أنّه لا يخلو من إشكالات، أبرزها غياب الحدود الفاصلة بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، كما يُلاحظ في بعض النماذج المعاصرة التي تخلط بين المنهجين، أو تُقحم مفاهيم اللاهوت المسيحي الحديث في البناء الكلامي الإسلامي، مثل عدّ الوحي تجربةً ذاتيةً فاقدةً للعصمة، أو تعميم حقّانية الأديان دون ضوابط معرفيةٍ أو نصّية.
إنّ هذه المقولات، وإنْ كانت تمثّل تحولاتٍ داخل فلسفة الدين الغربية، إلّا أنّها لا تصلح معيارًا لتوصيف التجديد في علم الكلام الإسلامي، الذي يقوم على مرجعية النصّ والعقل المؤسِّس، وليس على التجربة الفردية أو النسبية المعرفية؛ ولذلك، فإنّ التمييز بين (الهندسة المعرفية لعلم الكلام)، و(بنية فلسفة الدين الحديثة) أمرٌ ضروريٌّ لفهم مسار التجديد ضمن الإطار الإسلامي دون الوقوع في الانزلاق المفاهيمي.
وانطلاقًا من هذا الإطار، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يمتلك علم الكلام الجديد تميّزًا بنيويًا حقيقيًا عن علم الكلام التقليدي على مستوى هذه الأضلاع المعرفية جميعًا؟ أم أنّ وصف (الجديد) لا يتعدّى بعض التحوّلات الجزئية في لغة الخطاب أو نوعية المسائل دون أنْ يبلغ مرتبة الانفصال البنيوي؟ إنّ هذه الإشكالية تظلّ مفتوحةً على قراءاتٍ متعددة، وهي تمثّل اليوم محورًا جوهريًا في أي محاولةٍ لتقعيد علم الكلام الجديد ضمن نسقٍ معرفيّ مستقل.
نظرية التحوّل البنيوي
تقوم هذه النظرية على افتراضٍ أساسٍ مفاده أنّ التحوّل الذي يشهده علم الكلام لا يقتصر على تحديث جزئي في الموضوعات أو الأدوات؛ بل يمسّ البنية المعرفية العميقة للعلم، بما يشمل تصوّره للإنسان والدين والوحي واللغة والمقدّس؛ ولذلك، فإنّ هذا الاتجاه يذهب إلى أنّ ما يُطلق عليه اليوم (علم الكلام الجديد) لا يُعدّ استمرارًا للكلام التقليدي، بل هو علمٌ آخر مغايرٌ في المرجعيات والمنهج والوظيفة.
قد يُعدّ محمد مجتهد شبستري من أبرز من عبّروا عن رؤية تُقارب مفهوم التحوّل البنيوي في علم الكلام، وإنْ لم يُطلق هذا الاصطلاح صراحةً في تمييزه بين الكلام القديم والجديد. إذ تشير مواقفه، لا سيمّا في كتابه (هرمنيوطيقا الكتاب والسنّة)، إلى تصوّرٍ معرفيّ يفترض أنّ تحوّل الشروط التاريخية والثقافية للوعي الإنساني المعاصر، يستلزم إعادة بناءٍ جذريةٍ للفهم الديني ومفاهيمه الأساسية، وهو ما يُحيل – على نحو غير مباشر – إلى قناعةٍ بتحوّلٍ في البنية المعرفية التي يقوم عليها علم الكلام؛ وبذلك، فإنّ شبستري وإنْ عبّر عن مواقف تقع في قلب نظرية القطيعة المعرفية، إلّا أنّ عمق تحليله للأطر المعرفية التي أنتجت المفاهيم العقدية التقليدية، ودعوته إلى إعادة إنتاجها انطلاقًا من الوعي التاريخي والتجربة الإنسانية الحديثة، يضعه ضمن المقاربات المؤسِّسة لرؤية التحوّل البنيوي، ولو لم يتبنّها كمصطلحٍ منهجيّ صريح .يقول شبستري في كتابه (هرمنيوطيقا، القرآن والسنة):في الظروف المعاصرة، لا يمكن للدفاع عن العقائد الدينية أن يتمّ عبر الطرق القديمة؛ لأنّ البنية المعرفية التي كانت تدعم تلك الطرق لم تعد مقبولة، وعليه فإنّ إعادة إنتاج الفهم الديني يجب أنْ تنطلق من التجربة التاريخية والفكرية الجديدة للإنسان المعاصر[24] .
أما عبد الكريم سروش، في مرحلةٍ متأخرةٍ من مشروعه، فقد تبنّى أطروحاتٍ أكثر جذريةً من خلال نظريته حول (التجربة النبوية)، حيث رأى أنّ الوحي ليس تنزيلًا ثابتًا من السماء، بل هو انعكاسٌ لتجربةٍ نبويةٍ بشرية، تتأثر بظروفها الثقافية والتاريخية.فالقرآن هو تجربة النبي محمد في لقاء الحقيقة، وليس كلام الله بمعناه الحرفي، بل تجربة دينية مؤطرة بالسياق التاريخي والثقافي»[25].
وفي السياق نفسه، دعا أحمد واعظي في كتابه (مدخل إلى فلسفة الدين) إلى التمييز الصارم بين فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، بأنّ الأول يقوم على التحليل الفلسفي الحرّ، بينما الثاني ما زال مشدودًا إلى البنية اللاهوتية التقليدية، ما يربك موقعه بين العلوم. كما طرح سيد حسين نصر منظورًا آخر للمعرفة العقدية، قائمًا على الروحانية الإسلامية، وعدّها مصدرًا مستقلًا للمعرفة، يتجاوز المقاربات الكلامية والمنطقية الموروثة.
تتميّز هذه النظرية بعدة سمات منها:
عدُّ علم الكلام الجديد علمًا جديدًا كليًا، من حيث الموضوع، والمنهج، والوظيفة.
استبدال المفاهيم العقدية التقليدية بمفاهيم مستمدةٍ من التجربة الدينية والوعي التاريخي.
انفتاح على مناهج الهرمنيوطيقا، والتأويل، والأنثروبولوجيا الدينية.
إلّا أنّ هذه المقاربة لا تخلو من إشكالاتٍ معرفيةٍ ومنهجيةٍ، أبرزها:
أنّها تُقحم مفاهيم فلسفة الدين الغربي في البناء العقدي الإسلامي، دون مراعاةٍ للفوارق في المرجعية والنصّ والوظيفة.
أنّها تذيب الخصوصية اللاهوتية الإسلامية داخل أطرٍ عامةٍ للعلوم الدينية، وتُخضع المفاهيم العقدية إلى معايير خارجيةٍ لا تستند إلى النصّ أو العقل الإسلامي.
كما أنّ الانطلاق من التجربة الدينية الفردية في تفسير الوحي والنبوة يؤدّي إلى إسقاط البُعد الإلزامي والتشريعي من العقيدة، وهو ما يتعارض مع روح علم الكلام بوصفه علمًا دفاعيًّا تأسيسيًّا.
بعبارة أوضح إنّ الانطلاق من التجربة الدينية الفردية بوصفها المصدر الحاكم في تفسير مفاهيم أساسية كالوحي والنبوة، يُفضي إلى تفريغ هذه المفاهيم من بعدها الإلزامي والتشريعي. فحين يُنظر إلى الوحي مثلًا على أنّه تجربةٌ باطنيةٌ ذاتيةٌ للنبيّ، وليس رسالةً إلهيةً موضوعيةً موجّهةً للناس، يصبح الوحي عندئذٍ أقرب إلى ما يُعرف في فلسفة الدين بـ(الظاهرة الروحية الفردية)، لا (التكليف الإلهي العام). وهذا الفهم يُغيّب جوهر العقيدة الدينية من حيث كونها نظامًا معرفيًا ملزمًا ينبني عليه تشريع وتكليف وتحديد للموقف من الحق والباطل، ويفضي إلى تحويل العقيدة من مضمونها الكلي الجمعي إلى حالةٍ وجدانيةٍ شخصيةٍ لا تتجاوز إطار الخبرة الذاتية. وهو ما يتعارض مع البنية التأسيسيّة لعلم الكلام، الذي نشأ وتطوّر بوصفه علمًا دفاعيًّا يُعنى بإثبات العقائد على نحوٍ يقيني، ويضطلع بمهمات البيان العقائدي، والردّ على الشبهات، وتحصين الإيمان أمام الطعون الخارجية والداخلية.
بكلمة أخرى، فإنّ استبدال الخطاب الحجاجي العقلاني بخبرةٍ وجدانيةٍ فردية، يُضعف قابلية المفاهيم العقدية لأنْ تؤدّي دورها في التوجيه الجمعي والتأسيس الحقوقي والتكليفي، ويحول علم الكلام من علمٍ دفاعيّ بامتيازٍ إلى تأملٍ ذاتيٍّ أو خطابٍ روحيٍّ غير ملزم.
وعليه، فإنّ نظرية التحوّل البنيوي تمثّل رؤيةً راديكاليةً ضمن أطياف القول في علم الكلام الجديد، وتقترب أكثر من مقولات فلسفة الدين المقارنة، مما يستدعي نقدًا علميًّا دقيقًا لضبط الحدود بين التنظير الكلامي العقدي والتأويل الفلسفي الديني.
فهذه النظرية لا تكتفي بتطوير بعض المسائل أو تحديث اللغة كما تفعل النظريات الأخرى، بل تسعى إلى إعادة بناءٍ شاملةٍ لعلم الكلام، تشمل:
تغيير موضوعه (من إثبات العقائد إلى تحليل التجربة الدينية).
وتغيير وظيفته (من الدفاع العقدي إلى التأويل الذاتي).
وتغيير مبادئه المعرفية (من العقل والنص إلى التجربة التاريخية والوجدانية).
وتغيير مرجعيته (من العقيدة الإسلامية إلى فلسفة الدين المعاصرة).
وهذا ما يجعل هذه النظرية جذريةً أو راديكاليةً؛ لأنّها تُعيد تعريف علم الكلام من الأساس، وليس فقط تحسين أدواته أو توسيع موضوعاته.
في التأسيس المنهجي للتسمية: جديد، أم معاصر، أم تسمية ثالثة؟
على الرغم من الجهود الحثيثة المبذولة لتأسيس بنيةٍ معرفيةٍ مستقلةٍ لعلم الكلام الجديد، إلّا أنّ هذا المشروع لا يزال يواجه جملةً من العوائق البنيوية والمنهجية، لعلّ أبرزها يرتبط بإشكالية التسمية ذاتها. فقد استأثرت صفة (الجديد) المعطوفة على (الكلام) بموقعٍ مركزيّ في سجالات المعاصرين، خصوصًا من حيث مشروعيتها، وموضوعيتها، ومدى اتساقها مع المعايير العلمية في تصنيف العلوم والمعارف.
ويمكن القول إنّ الغموض الذي يحيط بدلالة صفة (الجديد)، وانعدام التصوّر الحدّي لها، لا يزال يمثل عائقًا جوهريًا أمام القبول النظري بهذا المصطلح، سواء من جهة إعادة قراءة الموروث الكلامي، أم من جهة مشروعية طرح قضايا مستحدثةٍ فرضتها التحوّلات المعرفية والسياقات الثقافية الحديثة؛ ولذا تثير التسمية المعتمدة لعلم الكلام في مرحلته الراهنة إشكالًا معرفيًا بالغ الأهمية، يتجاوز البعد الاصطلاحي إلى الأساس المنهجي ذاته الذي يُبنى عليه توصيف هذا الحقل. فالسؤال عن التسمية – هل هو علم الكلام الجديد، أم المعاصر، أم غيرهما – ليس سؤالًا لغويًا فحسب، بل هو انعكاسٌ مباشرٌ لنمط التحوّل المعرفي المفترض في طبيعة هذا العلم. وبناءً عليه، لا يمكن حسم التسمية قبل تحديد وجهة المشروع الكلامي نفسه: هل هو مشروعٌ تأسيسيٌّ لعلم ٍجديد؟ أم تطويريٌّ لبنيةٍ قائمة؟ أم مجرّد استئنافٍ تأويليٍّ بأسلوبٍ محدَّث؟
فإذا كان المشروع يُراد له أن يُمثّل قطيعةً إبستيميةً مع الكلام التقليدي، من حيث الموضوع والمباني والمنهج، فإنّ وصف (الجديد) يبدو متماشيًا مع هذا التصور، لكنه يصطدم بمأزقين اثنين: أولًا، أنّه يوحي بإلغاء التراث العقدي بدل تطويره؛ وثانيًا، أنّ مفهوم (الجِدّة) لا يملك ديمومةً اصطلاحية، إذ سيتوجب تغييره مع كلّ تحوّلٍ لاحقٍ (ماذا بعد الجديد؟) .
أما إذا كان المشروع يقوم على توسعة دائرة علم الكلام وتطوير مناهجه، مع الحفاظ على وظيفته الأصلية في استنباط العقيدة والدفاع عنها، فإنّ التسمية بـ(المعاصر) تُعدّ أكثر اتساقًا زمنيًا، لكنّها تظلّ قاصرةً من حيث قدرتها على الإحاطة بالتحوّل البنيوي في العلم؛ إذ تبقى وصفًا زمنيًا لا معرفيًا، وتُبقي غموضًا في تحديد ما إذا كان التغيير قد مسّ الموضوع، أم اللغة، أم الغاية، أم جميعها.
من هنا، تبرز الحاجة إلى صياغةٍ اصطلاحيةٍ جديدةٍ تعكس بدقةٍ طبيعةٍ التحوّل دون الوقوع في مغالاة القطيعة أو اختزال الواقع في المرحلة الزمنية. ومن التوصيفات المقترحة في هذا السياق: علم الكلام الإسلامي التجديدي؛ للدلالة على التجدّد المنهجي والمضموني ضمن الإطار العقدي الإسلامي. أو علم الكلام الإسلامي المعاد بناؤه: وهو توصيف يُظهر بوضوح البعد البنيوي للتحوّل، مع الحفاظ على مرجعية العلم الأصلية.
إنّ حسم التسمية، وفق هذا الفهم، لا يتمّ بمعزلٍ عن تحليل (الهندسة المعرفية) لهذا العلم، كما اقترح بعض المفكّرين المعاصرين، الذين دعوا إلى إعادة رسم أضلاع علم الكلام (الموضوع، الغاية، اللغة، المنهج، المباني، المسائل) بصورةٍ تتيح التفريق بوضوحٍ بين ما هو تطوير وظيفي، وما هو إعادة تأسيس إبستيمية[26].
وبناءً على ذلك، فإنّ التوصيف الأدق، والذي يُوازن بين الهوية العَقَدية والاستجابة للتحديات المعرفية والفكرية المعاصرة، هو (علم الكلام التجديدي). فهذه التسمية لا تُطرح بوصفها اصطلاحًا تداوليًا أو بديلًا لفظيًا عابرًا، بل تنبع من وعيٍّ معرفيٍّ بمنطق التحوّل الذي يعيشه الحقل العَقَدي. فهي تعبّر عن إعادة بناء علم الكلام من داخله، لا من خارجه، بحيث تُصان مرجعيته الإسلامية المؤسّسة على النصّ والعقل، وتُطوّر بنيته ومفاهيمه ومناهجه استجابةً لقضايا الإنسان الحديث وأسئلته.
كما أنّ مصطلح (التجديدي) يتفادى مغالاة مصطلح (الجديد)، وما يوحي به من قطيعة، ويتميّز عن وصف (المعاصر) الذي يُحيل فقط إلى سياقٍ زمني. بل يقدّم (التجديد) هنا بوصفه مسارًا معرفيًا واعيًا، يهدف إلى صوغ بنيةٍ منهجيةٍ متكاملة، تشتمل على تجديد في الموضوعات، وتوسيع في الأهداف، وتطوير في اللغة، وإعادة نظرٍ في المباني، بما يضمن تماسك الحقل واستجابته لتحدّيات الزمان دون أن يفقد هويته العَقَدية أو يتماهى مع الحقول المجاورة كفلسفة الدين أو الدراسات الدينية المقارنة.
رؤية الشيخ جوادي آملي في إشكالية التسمية: نحو تجاوز (الجديد) إلى (التجديدي)
يُعدّ الشيخ عبد الله جوادي آملي من أبرز المفكّرين المعاصرين الذين قدّموا قراءةً نقديةً دقيقةً لمصطلح (علم الكلام الجديد)، مشكّكًا في دقته المنهجية ودلالته المفهومية. إذ يرى أنّ هذا الاصطلاح، رغم تعبيره الظاهري عن تحوّلاتٍ واقعةٍ في ساحة الفكر الكلامي، إلّا أنّه لا يفي بمقتضيات التوصيف العلمي الرصين، لأسبابٍ تتعلّق بطبيعة العلوم الإسلامية من جهة، وببنية التغيير المعرفي من جهةٍ أخرى؛ ولذا يرى الشيخ جوادي آملي: أنّه لا داعي لهذه التسمية (علم الكلام الجديد)، وإنْ كان لا يمانع من فكرة التجديد، ويطرح سؤال مفاده: ماذا نُسمّي علم الكلام بعد مدةٍ من الزمن[27].
ولذا يرى أنّه من الأجدى بدل تقسيم علم الكلام إلى جديدٍ وقديمٍ، تقسيم علماء الكلام أنفسهم إلى متكلّمين جُددٍ ومتكلّمين قدامى، كما هو الحال في علم الفقه فإنّ هذا العلم رغم ما حصل فيه من تحوّلٍ وتطوّرٍ في المباني والمسائل والمناهج، ولكن كلّ ذلك لم يؤدِّ إلى تقسيم علم الفقه إلى فقهٍ قديمٍ وفقهٍ جديد، نعم، إنّ هذا التطور أدّى إلى تقسيم الفقهاء إلى متقدمين، ومتأخرين، ومتأخري المتأخرين، وهكذا.
وبناءً على ذلك، فإنّ معيار التجدّد في قبال التقدّم، يصبح مثل الزمان، فمن الممكن في المستقبل القريب أو البعيد نجد كلّامًا (علم كلّام) أجدّ مما سبق.
فإذا كان ملاك التجديد سيظهر في المحاور الثلاثة الآتية: في المحتوى (المسائل)، والمباني، والمناهج والأساليب. فمن يضمن في المستقبل القريب أو البعيد ألّا يحصل هذا التجديد نفسه في المحاور الثلاثة المتقدّمة[28].
وبناءً على هذه النظرية فلو قبلنا أنّ التجديد والتطوّر سيطال المحاور الثلاثة المتقدّمة، سيكون هذا التّحوّل والتّطوّر سيّالًا وفي حركةٍ دائمةٍ ولا نستطيع من خلالها معرفة الضابطة التي على أساسها قسمنا علم الكلام إلى كلّام جديد وقديم، لأن ما نصفه بالجديد سيصير في المستقبل القريب أو البعيد قديمًا، وهكذا. وبعبارة أخرى وصف القديم والجديد على أساس هذا المعيار هو وصف نسبي وسيّال.
وبالدقة يكمن جوهر إشكاله في أنّ مصطلح (الجديد) يفترض ضمنًا وجود انفصالٍ أو قطيعةٍ معرفيةٍ بين الكلام القديم والكلام المعاصر، بينما واقع التحوّل لا يُثبت مثل هذا الانفصال، بل يُظهر تطوّرًا داخليًا في مباني العلم ومناهجه ومسائله، دون أنْ يصل إلى حدّ التأسيس لعلمٍ مباينٍ في الهوية أو المرجعية؛ ولهذا، يقترح الشيخ جوادي آملي أنْ يكون الحديث عن متكلّمين جددٍ بدل (علم كلام جديد)، على غرار ما هو معتمد في علم الفقه، حيث لم يؤدِّ تحوّل المباني والمسائل إلى تقسيم الفقه إلى قديم، وجديد، بل إلى تصنيف الفقهاء إلى متقدّمين ومتأخّرين.
ويؤكد في هذا السياق أنّ التجديد الذي يشهده علم الكلام، وإنْ طال محاوره الأساسية -كاللغة، والمحتوى، والمنهج - إلّا أنّه تحوّلٌ سيّالٌ غير منضبطٍ بحدودٍ فاصلة، إذ ما يُعدّ جديدًا في عصرٍ ما، قد يُصبح قديمًا في العصر الذي يليه، ما يجعل من التسمية (علم الكلام الجديد)، وصفًا زمنيًا نسبيًا، فاقدًا لعنصر الديمومة المفهومية والعلمية.
من هنا، فإنّ رؤية الشيخ جوادي آملي، رغم انفتاحها على فكرة التجديد بوصفها ضرورةً فكريةً، تُبقي على وحدة علم الكلام وهوّيته الأصلية، وترفض تجزئته بمبرراتٍ زمنيةٍ أو أسلوبية. وهي رؤيةٌ تدفع نحو صياغةٍ بديلةٍ للتسمية، تتجاوز الاضطراب الدلالي لمصطلح (الجديد)، دون التفريط في مقتضيات التحوّل والتطوّر.
بناءً على ما تقدّم، يمكن عدّ مصطلح (علم الكلام التجديدي) هو التوصيف الأدقّ، والأكثر اتساقًا مع الطرح الذي يقدّمه الشيخ جوادي آملي؛ لأنّ هذه التسمية لا تفترض قطيعةً معرفيةً مع الكلام التقليدي، وتقرّ بالتحوّلات الواقعة على مستوى المنهج والموضوع، دون أن تسقط في مغالاة القطع الزمني أو التسميات المرحلية العارضة. إنّ (التجديدي) هنا ليس مجرد وصفٍ تداولي، بل هو توصيفٌ بنيويٌّ دقيقٌ يُبقي على المرجعية الأصلية لعلم الكلام، ويُعبّر عن سيرورته التاريخية المستمرة بوصفه علمًا حيويًا قابلًا للتطوّر من الداخل، لا علمًا مُستبدلًا من الخارج.
الفرق بين علم الكلام الإسلامي والعلوم الدينية المماثلة
تُعدّ علوم مثل فلسفة الدين، وأنثروبولوجيا الدين، وعلم نفس الأديان، وعلم اجتماع الدين، وعلم الأديان المقارن، من الحقول المعرفية التي تتقاطع مع موضوعات علم الكلام، لكنّها تختلف عنه في الأهداف والمناهج والمرجعيات. وفيما يلي عرضٌ منهجيٌّ لأبرز هذه العلوم، مع تحديد نقاط الافتراق بينها وبين علم الكلام الإسلامي[29]:
1.علم الأديان المقارن:
يُقصد بمصطلح Comparative Religion دراسة الأديان من حيث بنيتها العَقَدية، ومؤسّسيها، ونصوصها المقدّسة، وتاريخها، وطقوسها، مع السعي لتحليل وظائفها المجتمعية والثقافية، ورصد مواطن التشابه والاختلاف بينها.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنّ المفكّر الألماني فريدريك ماكس مولر هو أوّل من استعمل مصطلح Religionswissenschaft (الدراسة العلمية للأديان) في عام 1868م، وقد مهّد بذلك لتأسيس كرسيٍّ أكاديميٍّ لهذا العلم في أوروبا[30].كما ألّف الفرنسي إميل بورنوف عام 1870م كتابًا بعنوان La Science des religions، عرّف فيه هذا الحقل وبيّن أهدافه.
إلّا أنّ جذور هذا العلم في السياق الإسلامي تعود إلى مؤلفات علماء المسلمين، أمثال :النوبختي (ت 299 هـ) في كتابه الآراء والديانات[31]، والمسبحي (ت 420 هـ) في درك البغية[32]، والبغدادي (ت 429 هـ) في الملل والنحل، وابن حزم الأندلسي (ت 456 هـ) في الفصل في الملل والنحل، والشهرستاني (ت 548 هـ) في الملل والنحل، والبيروني (ت 440 هـ) في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة.
وفرقه عن علم الكلام: أنّ علم الأديان المقارن يهتم بدراسة الظواهر الدينية في ذاتها، دون الالتزام بحقيّتها، بينما علم الكلام يعنى بإثبات العقيدة والدفاع عنها من داخل النسق الديني.
2.فلسفة الدين:
فلسفة الدين هي التفكير العقلاني النقدي في المفاهيم والادّعاءات الدينية، دون التزامٍ مسبقٍ بصحّة أيّ دين. وقد عرّفها الباحث أحمد فرامرز قراملكي بأنّها: «تبيين المفاهيم الفلسفية المختلفة التي يمكن أن تتبناها الأديان والمعتقدات الدينية المختلفة، أو التفكير الفلسفي حول الدين على غرار ما هو قائمٌ في فلسفة العلم وفلسفة الفن»[33].
ويُبيّن جون هـ. هيك أنّ فلسفة الدين ليست فرعًا من اللاهوت، بل تهدف إلى تحرّي الحقيقة دون افتراض صحّة أيّ دينٍ معيّن :«ليست فلسفة الدين وسيلةً للتعليم، وليست فرعًا من فروع اللاهوت؛ لأنّ الغاية منها هي تحرّي الحقيقة من دون اعتقاد مسبق بدين معين»[34].
أمّا علم الكلام، فيتمثّل هدفه في إثبات العقائد الدينية والدفاع عنها من داخل الإيمان، وهو ما أشار إليه محمد مجتهد شبستري: «الغاية من علم الكلام هي إثبات صحة العقائد الدينية والدفاع عنها»[35].
3. أنثروبولوجيا الدين:
الأنثروبولوجيا الدينية هي الدراسة الثقافية والاجتماعية لمعتقدات الشعوب، وكيفية عملها داخل البنية الثقافية للمجتمع. وتهتم بفهم الدين بوصفه ظاهرةً إنسانية، لا بوصفه حقًّا إلهيًّا . فرقه عن علم الكلام: أنّ علم الكلام يُحلّل المعتقدات من منظور حقيّتها العقدية، أمّا الأنثروبولوجيا فتنظر إليها كبُنى رمزيةٍ تعبّر عن الوعي الجمعي والثقافة.
4. علم نفس الأديان:
يبحث هذا الحقل في الظاهرة الدينية من الزاوية النفسية، فيتتبّع سلوك المتديّن، وانفعالاته، وتجربته الإيمانية، ويُحلّل دوافع التدين وآثاره على الصحّة النفسية والسلوك . فرقه عن علم الكلام: أنّ علم النفس الديني لا يهتم بإثبات صدق المعتقد، بل بتحليل تأثيره النفسي.
5.علم اجتماع الدين:
يركّز هذا العلم على دراسة الدين بوصفه مؤسسةً اجتماعيةً تؤثّر وتتأثر بالبُنى الاجتماعية والسياسية والثقافية. ويُعدّ ابن خلدون من أوائل من تناولوا هذه المسألة في التراث الإسلامي، حيث أشار إلى الدور التأسيسي للدين في قيام الدولة والمجتمع. وفرقه عن علم الكلام: علم الاجتماع الديني لا يبحث عن صدق المعتقد، بل عن دوره الاجتماعي والسياسي.
خلاصة منهجية:
إنّ علم الكلام الإسلامي، بخلاف هذه الحقول، يُعنى بإثبات العقائد الدينية والدفاع عنها ضمن إطارٍ إيمانيٍّ خاصّ، بينما تدرس العلوم الأخرى الدين بوصفه ظاهرةً إنسانيةً أو اجتماعيةً أو فلسفية، دون التزامٍ بصحته أو الزود عنه. وعليه، فإنّ تمييز علم الكلام عن هذه الحقول ضرورةٌ منهجيةٌ لفهم طبيعته ووظيفته داخل النظام المعرفي الإسلامي.
الخاتمة (النتائج والتوصيات):
نتائج أساسية:
إنّ ما يُعرف بعلم الكلام الجديد لا يُمثّل قطيعةً معرفيةً مع التراث الكلامي، بل يُعدّ في جوهره امتدادًا تجديديًا له، يجمع بين الثبات العقدي والانفتاح المنهجي.
التسمية الأنسب لهذا الحقل ليست (الجديد)، ولا (المعاصر)، بل (علم الكلام التجديدي)؛ لكونها تعبّر عن تحوّلٍ بنيويٍّ منضبطٍ داخل نسق العقيدة الإسلامية.
التحوّل الأبرز في هذا العلم لا يقتصر على الموضوعات فحسب، بل يشمل الغاية والمنهج واللغة والمباني، ما يستوجب إعادة بناءٍ شاملةٍ للهندسة المعرفية لعلم الكلام.
الدفاع البراغماتي، رغم حضوره المتزايد، لا يصلح أنْ يكون بديلًا عن الدفاع الواقعي البرهاني، بل يظلّ وظيفةً مكمّلةً في بعض السياقات، لا أساسًا معرفيًا مستقلًا.
لا بد من التمييز الصارم بين علم الكلام وفلسفة الدين، تفاديًا للذوبان المفاهيمي، وضمانًا لاستمرار المرجعية النصية والعقلية للعلم.
توصيات علمية:
اعتماد (علم الكلام التجديدي) كتوصيفٍ منهجيٍّ دقيقٍ لهذا الحقل في الأدبيات المعرفية والجامعية.
ضرورة تقعيد العلاقة بين الكلام التجديدي (الجديد)، والعلوم المماثلة كفلسفة الدين وعلم الأديان المقارن، عبر دراساتٍ مقارنةٍ منهجية.
توسيع الاشتغال العَقَدي ليشمل القضايا الوجودية الحديثة، دون المساس بجوهر العقيدة.
إعداد مقرراتٍ أكاديميةٍ متخصصةٍ في (الكلام الجديد)، تُدرّس فيه هندسته المعرفية ووظائفه الجديدة ومفاهيمه المركزية.
مواصلة مشروع بناء خطابٍ عَقَديٍّ معاصرٍ يُحاور الفلسفات الحديثة بوعيٍ نقديّ، دون التنازل عن مرجعيته الإسلامية الراسخة.
قائمة المصادر
الإيجي، عضد الدين، المواقف، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، ط1، دار الجيل، 1997م.
البحراني، ابن ميثم، قواعد المرام في علم الكلام، تحقيق: أحمد الحسيني، ط2، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم.
الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، ط4، ناصر خسرو، طهران، 1412هـ.
جعفري، محمد، العقل والدين في تصوّرات المستنيرين الدينيّن المعاصرين، ترجمة: حيدر نجف، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي.
جوادي آملي، عبد الله، قبسات، مقاله علم کلام، سال اول [السنة الأولى]، شماره دوم، [العدد الثاني] سال [سنة] 1375ش.
خسروپناه، عبد الحسين، الكلام الإسلامي المعاصر، ترجمة: محمد حسين الواسطي، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، 1438هـ.
رضا برنجكار، علم الكلام الإسلامي: دراسة في القواعد المنهجية، ترجمة: حسنين الجمال، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، ط1، بيروت، 2016م.
السبحانيّ، جعفر، مدخلٌ إلى المسائل الجديدة في علم الكلام، [بالفارسيّة: مدخل مسائل جديد در علم كلام]، قم مؤسسة الإمام الصادق، 1375 ه. ش.
سروش، عبد الكريم، بسط التجربة النبوية، ترجمة: أحمد القبانحي، دار الفكر الجديد، العراق، 2006م.
ـــــــــــــــــ، القبض والبسط في الشريعة، ترجمة دلال عباس، منشورات دار الجديد، بيروت، 2002م.
محمّد مجتهد: هرمنيوطيقا الكتاب والسنّة، ترجمة: أحمد القبانحي، ط1، مؤسسة الانتشار العربي، 2013م.
ـــــــــــــــــ، مدخلٌ إلى علم الكلام الجديد، ط1، دار الهادي، بيروت، 2000م.
الفارابي، أبو نصر، إحصاء العلوم، ط1، مكتبة الهلال، بيروت، 1996م.
الفضلي، عبد الهادي، خلاصة علم الكلام، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي طبقًا لمذهب أهل البيت، ط 3، قم، 2007م.
قراملكي، أحد، الهندسة المعرفية للكلام الجديد، ترجمة حيدر نجف، وحسن العمري، مراجعة عبد الجبار الرفاعي، ط1، دار الهادي للنشر والتوزيع، بيروت، 2002 م.
ـــــــــــــــــ، تحليل مفهوم التجديد في الكلام الجديد، ترجمة: حبيب فيّاض، المنطلق، عدد 119، خريف وشتاء 1997-1998.
مطهري، مرتضى، وظايف اصلی ووظايف فعلی حوزههای علميه، [الوظائف الأساسية والوظائف الفعلية للحوزة العلمية] انتشارات صدرا.
ملكيان، مصطفى، الاتّجاهات الجديدة في الكلام الجديد والكلام القديم.
ـــــــــــــــــ، الكلام الجديد والكلام القديم، حوار، ضمن الاجتهاد الكلامي، مناهج ورؤى متنوّعة في الكلام الجديد، سلسلة، قضايا إسلامية معاصرة، إعداد: عبد الجبار الرفاعي، دار الهادي، بيروت، لا.ت، لا.ط.
ميرچا إلياده، مجلة دين پژوهي، العدد الأول، طهران، 1373هـ.ش.
هيك، جون هـ.، فلسفة الدين، ترجمة طارق عسيلي، دار المعارف الحكمية، ط1، بيروت، 2010م.
يوسفيان، حسن، دراسات في علم الكلام الجديد، ترجمة، محمد حسن زراقط، ط1، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت،2016م.
---------------------------------------
[1] الفارابي، أبو نصر: إحصاء العلوم، ص 86.
[2] الإيجي، عضد الدين: المواقف، ص 31.
[3] البحراني، ابن ميثم: قواعد المرام في علم الكلام، ص 20.
[4] الجرجاني، علي بن محمد: التعريفات، ص 80.
[5] الفضلي، عبد الهادي: خلاصة علم الكلام،ص 33.
[6] ينظر: م.ن، ص 36. (بتصرف).
[7] ينظر: رضا برنجكار، علم الكلام الإسلامي: دراسة في القواعد المنهجية، ص 23–24 (بتصرف وإضافة).
[8] عصر التنوير كما يُعرف باسم عصر الأنوار (بالإيطالية: L’illuminismo) هي حركة سياسية واجتماعية وثقافية وفلسفية واسعة، وتطورت بشكل ملحوظ خلال القرن الثامن عشر في أوروبا، نشأت في إنجلترا ولكن التطور الحقيقي كان في فرنسا، وتحوّل مفهوم التنوير ليشمل بشكل عام أي شكل من أشكال الفكر الذي يزيد تنوير العقول من الظلام والجهل والخرافة، مستفيدًا من نقد العقل ومساهمة للعلوم.
[9] ينظر: ملكيان مصطفى: الكلام الجديد والكلام القديم، حوار، ضمن الاجتهاد الكلامي، مناهج ورؤى متنوّعة في الكلام الجديد، سلسلة، قضايا إسلامية معاصرة، ص 173-174. (بتصرّف).
[10] سورة الزلزلة، الآية 7.
[11] ملكيان مصطفى: الاتّجاهات الجديدة في الكلام الجديد والكلام القديم، ص 185-186.
[12] سورة البقرة، الآية 111.
[13] وردت كلمة يتفكّرون في القرآن عشر مرات، وكلمة (لعلّهم يتفكرون) ثلاث مرات، وكلمة (يعقلون) اثنتين وعشرين مرة.
[14]شبستري، محمّد مجتهد: هرمنيوطيقا الكتاب والسنّة، [بالفارسيّة: هرمنوتيك كتاب وسنّت]، ص 168-170.
[15] سروش، عبد الكريم: القبض والبسط في الشريعة، [بالفارسيّة بعنوان: قبض وبسط تئوريك شريعت]، ص 78-79.
[16] ينظر: سروش، عبد الکریم، قبض وبسط تئوريک شريعت، ص۱۲- ۱۳ .ولمعرفة المزيد حول نظرية القبض والبسط والانتقادات التي وجهت إليها، يُنظر: محمد جعفري: العقل والدين في تصوّرات المستنيرين الدينيّن المعاصرين، ص 181- 225.
[17] ينظر: يوسفيان، حسن: دراسات في علم الكلام الجديد، هامش ص 36. (بتصرّف).
[18] السبحانيّ، جعفر: مدخل إلى المسائل الجديدة في علم الكلام، [بالفارسيّة: مدخل مسائل جديد در علم كلام]، ص 10.
[19] مطهری، مرتضی، وظايف اصلی ووظايف فعلی حوزههای علميه،[الوظائف الأساسية والوظائف الفعلية للحوزة العلمية] انتشارات صدرا، ص49.(بتصرف وتلخيض).
[20] خسروپناه، عبد الحسين: الكلام الإسلامي المعاصر، ص 26-27. (بتصرف).
[21] السبحاني: مدخل إلى المسائل الجديدة في علم الكلام، ص 86.
[22] ينظر: قراملكي، أحد: الهندسة المعرفية للكلام الجديد، ص 13. (بتصرف).
[23] ينظر: قراملكي، أحد، تحليل مفهوم التجديد في الكلام الجديد، المنطلق، عدد 119،(خريف وشتاء 1997-1998)، ص 10-12و 18-23.
[24] شبشتري: هرمنيوطيقا، القرآن والسنّة، ص 170.
[25] سروش، عبد الكريم، بسط التجربة النبوية، ص 91–93.
[26] عند الحديث عن (تأسيس إبستيمي) لعلمٍ ما، يُقصد بذلك إحداث تحوّلٍ معرفيّ جذريّ في البنية المفهومية والمنهجية لذلك العلم، بما يشمل مفاهيمه المركزية، ومناهجه التحليلية، وأهدافه النظرية. فلا يتعلق الأمر بمجرد تجديد أو تطوير في موضوعات أو أساليب الطرح، بل بتغيير على مستوى الأطر المرجعية الكلية التي يُبنى عليها الحقل المعرفي نفسه. وعليه، فإنّ وصف علم الكلام الجديد بأنه (مشروع تأسيس إبستيمي) يعني أنّه يُعاد بناؤه وفق أسسٍ معرفيةٍ مغايرةٍ عن علم الكلام التقليدي، وليس مجرّد استمرارٍ له بصيغة محدثة.
[27] من ندوة علمية عقدت في حوزة قم المقدسة - وطبعت فيما بعد في كتاب مستقل- بعنوان: (كلام جديد درگذر انديشه ها)، ص ٢٢ – ٢٥.
[28] ينظر: جوادی آملی، عبدالله، قبسات، مقاله علم کلام، سال اول [السنة الأولى]، شماره دوم، [العدد الثاني] سال [سنة] 1375ش، ص63. (بتصرّف).
[29] ينظر: عبد الحسين خسروپناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج1، فصل: الفرق بين الكلام الإسلامي والعلوم المماثلة، ص 31 وما بعدها.
[30] ينظر: ميرچا إلياده، مجلة دين پژوهي، العدد الأول، طهران، 1373هـ.ش، ص 134.
[31] -الآراء والديانات للشيخ أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي ابن أخت أبي سهل إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل النوبختي وهو صاحب كتاب فرق الشيعة أو (مذاهب الفرق) المطبوع مكررًا قال النجاشي بعد الترجمة شيخنا المتكلّم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلثمائة وبعدها له على الأوائل كتب كثيرة منها الآراء والديانات كتاب كبير حسن يحتوي على علوم كثيرة قرأته على شيخنا أبي عبد الله (أي الشيخ المفيد). الذريعة، ج ١، آقا بزرگ الطهراني، ص .٣٤
[32] درك البغية في وصف الأديان والعبادات ، في ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة للأمير عز الملك محمد بن عبد الله بن أحمد المسبحي الحراني المتوفى (420) مؤلف (الأمثلة للدول المقبلة) المذكور في (ج 2 - 347)، و (تاريخ مصر) وغيرهما مما ذكره ابن خلكان وغيره. الذريعة، ج ٨، آقا بزرگ الطهراني، ص ١٤٣. الكتاب عمل موسوعي ضخم يتناول وصفًا مفصلًا للديانات والعبادات المختلفة، ويُقال إنّه يقع في حوالي ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة. للأسف، لم يصلنا هذا الكتاب، لكن يُستدل على قيمته من خلال إشارات المؤرخين إليه.
[33] قراملكي، الكلام الجديد وفلسفة الدين: رؤية في السمات المائزة، ص 95.
[34] هيك، جون هـ.، فلسفة الدين، ص 3.
[35] شبستري، مدخل إلى علم الكلام الجديد، دار الهادي، ط1، بيروت، 2000م، ص 36.