البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : تقصّيات في العقل الإلحادي إسماعيل أدهم أنموذجا

الباحث : د.محمد حسن بدر الدين

اسم المجلة : العقيدة

العدد : 15

السنة : شهر جمادى الثانية 1439هـ / 2018م

تاريخ إضافة البحث : April / 12 / 2018

عدد زيارات البحث : 93

حجم ملف البحث : 672.299 KB

 تحميل

ملخّص البحث

ظلّت البحوث والدّراسات التي تناولت موضوع الإلحاد بالتّحليل والنّقد، قليلة في المكتبة العربيّة، قديما وحديثا. فليس غريبًا ألاّ نجد تعريفًا دقيقًا له، في المصادر القديمة والمراجع الحديثة. وقد شجّعنا ذلك على مقاربة الموضوع من وجهة فلسفيّة ودينيّة، إذ من العسير الحديث عن الإلحاد بصورة عامّة ومطلقة، فهو حالة فرديّة ملتحمة بالتّفكير والمزاج. فالملحد شخص مثقّف، غاضب ومنفعل مع محيطه، ولكنّه غير متلائم معه.

 ونحتاج لا محالة إلى قراءة هذا العقل الإلحادي في جوانبه الأدبيّة والنّفسية أيضا، قراءة متعمّقة لفهم الخلفيّات والدّوافع التي أسهمت في نشأته وتكوينه. خاصة في ظلّ موجات الثّورات والحروب والقلاقل والمشاكل الاجتماعيّة التي ولّدت الحيرة والفراغ، في السّنين الأخيرة. وقد سلكنا منهجًا تطبيقيّا في المسألة، اعتمادا على تجربة إلحاديّة في العصر الحديث، هي تجربة الكاتب المصري إسماعيل أدهم (1911 -1940م) عرضنا فيها آراءه وروافده الفكريّة، ووضعناها في سياقها التّاريخي والحضاري، ضمن خمسة مطالب أو مشاغل هي:

- مفهوم الإلحاد وتعريفاته.

- تقديم لمحة عن حياته ومساره الفكري.

- وضع تجربته تحت معياريّة النّقد تقليدًا وتجديدًا.

 - مفهوم الإلحاد من وجهة إسلاميّة.

- تعريف بالحركات الإلحاديّة في بداياتها وتمثّلاتها ومدى استفادة إسماعيل أدهم منها.

       

مفهوم الإلحاد وتعريفاته:

كتب إسماعيل أدهم مقالة، نشرها في مجلّة الرّسالة سنة 1937، تحت عنوان: لماذا أنا ملحد؟ قال فيها بجرأة وحزم: «أنا ملحد ونفسي ساكنة لهذا الإلحاد ومرتاحة إليه، فأنا لا أفترق من هذه النّاحية عن المؤمن المتصوّف في إيمانه. نعم، لقد كان إلحادي بدء ذي بدء، مجرّد فكرة تساورني، ومع الزّمن خضعت لها مشاعري فاستولت عليها، وانتهت من كونها فكرة، إلى كونها عقيدة. ولي أن أتساءل: ما معنى الإلحاد؟» ([1]).

حقّا، نتساءل معه: ما معنى الإلحاد؟ ونبدأ منهجيّا بالتّعريف اللّغوي ثمّ الاصطلاحي.

من المعاني اللغويّة لفعلي لَحَد وأَلْحَدَ: «مَارَى وجَادلَ ومَالَ وجَارَ وعَدَلَ عن، وعلى هذا الأساس قيل: لَحَدَ فِي الدِّين يَلْحَد، وأَلْحَدَ: مَالَ وعَدَلَ. وَقيل لَحَدَ: مَالَ وجَارَ، وَقَالَ ابنُ السِّكّيت: المُلْحِدُ، العادِلُ عَن الحَقِّ، المُدْخِلُ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، يُقَال: قد أَلْحَدَ فِي الدِّين ولَحَدَ، أَي حَادَ عَنهُ» ([2]).

وفي لسان العرب: «في الحديث احتكارُ الطّعام في الحَرم إِلحادٌ فيه، أَي ظُلْم وعُدْوان. وأَصل الإِلحادِ المَيْلُ والعُدول عن الشّيء» ([3]).

وفي المعجم الوسيط المعاصر، الملحد هو: «الطّاعن في الدّين المائل عنه جمع ملحدون وملاحدة». أمّا اصطلاحا، فإنّه لا يوجد تعريف واضح للإلحاد في مصادرنا ومراجعنا القديمة والحديثة. وقد استعمل المصطلح في تراثنا، في غير معناه الشّائع اليوم. ومن أقدم التّعريفات نجد المحاولات والآراء الآتية:

·  تعريف الرّاغب الأصفهاني (ت: 502هـ):

الإلحاد عنده ضربان: «إلحاد إلى الشّرك بالله، وإلحاد إلى الشّرك بالأسباب. فالأوّل يُنافي الإيمان ويبطله، والثّاني يوهن عراه ولا يبطله» ([4]).

·  تعريف ابن عابدين (ت: 1252هـ):

خصّص ابن عابدين مبحثا لبيان الفرق بين الزّنديق والمنافق والدهريّ والملحد. قال فيه: «الْمُلْحِدُ: َهُوَ مَنْ مَالَ عَنْ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ إلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْكُفْرِ، مَنْ أَلْحَدَ فِي الدِّينِ: حَادَ وَعَدَلَ. لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاعْتِرَافُ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا بِوُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى. وَبِهَذَا فَارَقَ الدَّهْرِيَّ أَيْضًا، وَلَا إضْمَارَ الْكُفْرِ، وَبِهِ فَارَقَ الْمُنَافِقَ، وَلَا سَبَقَ الْإِسْلَامَ، وَبِهِ فَارَقَ الْمُرْتَدَّ، فَالْمُلْحِدُ أَوْسَعُ فِرَقِ الْكُفْرِ حَدًّا: أَيْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْكُلِّ. قُلْتُ: لَكِنَّ الزِّنْدِيقَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُسْلِمًا، وَقَدْ يَكُونُ كَافِرًا مِنْ الأصل لايُشْتَرَطُ فِيهِ الِاعْتِرَافُ بِالنُّبُوَّةِ»([5]).

نرى في هذا التّعريف محاولة فقهيّه في التّدقيق الدلاليّ لبعض المصطلحات الشّائعة في التّراث الفقهي والأصولي. فكلّ تلك المصطلحات: الزّنديق والمنافق والدّهري والملحد، استعمل بعضها مكان الآخر، ولذلك فإنّ تعريف ابن عابدين لا يفي بالغرض، فالملحد عنده ليس له مدلول عقائديّ واضح، وهو متناقض، من حيث إنّه يعترف بوجود الملحد، وفي الوقت نفسه ينكر وجوده.

 لقد انطلق من أنّ الإلحاد خاصّ بالدّين الإسلاميّ، وجعل منه وعاء يحوي كلّ أنواع الكفر، بما لهذا المصطلح من دلالات عدّة في المفهوم الإسلاميّ. ولكن، إذا كان الملحد لا يشترط فيه الاعتراف بنبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فكلّ البشر الّذين يعتنقون دينا غير الإسلام هم ملحدون، وهذا لا وجه له شرعا ولا واقعا. وإذا كان الملحد لا يشترط فيه الاعتراف بوجود الله تعالى، فهو لا يكون ملحدا إذا اعترف بوجود إله آخر، وإنّما هو مشرك.

 وإذا كان الملحد لا يشترط فيه الاعتراف بنبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم ولا بوجود الله تعالى، في الوقت نفسه، فهذا يخرجه من دائرة الإسلام، فهو كافر وليس ملحدا بالضّرورة، من ناحية، وهو من ناحية أخرى، يعتبر جميع البشر غير المسلمين ملحدين!

·  تعريف البُجَيْرمي المصري (ت:1197هـ/ 1783م).

قدّم البُجَيْرَمِيّ تعريفا تجاوز من سبقه، خاصّة في الرّبط بين النّزعة الإلحاديّة والدّهرية، فقال: «الدُّهْرِيِّ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا ضَبَطَهُ ابْنُ قاسم وَبِفَتْحِهَا كَمَا ضَبَطَهُ ابْنُ شُهْبَةَ، وَهُوَ الْمُعَطّلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الدُّهْرِيُّ بِالضَّمِّ الْمُسِنُّ وَبِالْفَتْحِ، الْمُلْحِدُ. وَهُوَ مَنْ يَنْسِبُ الْأَفْعَالَ لِلدَّهْرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ  الجاثية﴾ أَيْ إلَّا مُرُورُ الزَّمَانِ. وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مُدَّةُ بَقَاءِ الْعَالَمِ» ([6]).

يبدو أنّها أوّل محاولة من فقيه مسلم، لربط مفهوم الإلحاد بمصطلح (Atheism) وبدلالاته المضطربة، والتي سادت أوروبّا في القرن الثّامن عشر. لم يكن الإلحاد في تراثنا على وفق هذا التّعريف وما قبله، يدلّ على إنكار وجود الله، بل يتداخل مع الشّرك. وربّما لم يظهر الإلحاد بالمفهوم الحديث، إلاّ بداية من القرن الثّاني عشر الهجريّ، الثّامن عشر المسيحيّ. ومن الغريب حقّا أنّ الفقهاء الّذين عاشوا في القرون الأخيرة، لم يطّلعوا على مفهوم الإلحاد الشّائع في الفكر الأوروبي. أو لعلّهم لم يروا أنّ ذلك المفهوم يمكن أن يشيع بين المسلمين.

ولعلّ هذا ما جعل التّعريف الاصطلاحي للإلحاد لا يكاد يتغيّر في المراجع الإسلاميّة الحديثة. ففي الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة أنّ الْمُلْحِد: «إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الأصْل عَلَى الشِّرْكِ فَحُكْمُهُ يُنْظَرُ تَحْتَ عِنْوَانِ "إِشْرَاك" أَوْ يَكُونَ ذِمِّيًّا فَيُلْحِدُ، أَيْ يَطْعَنُ فِي الدِّينِ جِهَارًا، فَيَنْتَقِضُ بِذَلِكَ عَهْدُهُ، وَيُنْظَرُ حُكْمُهُ تَحْتَ عِنْوَانِ "أَهْل الذِّمَّةِ". أَوْ يَكُونُ مُسْلِمًا فَيُلْحِدُ فَيُنْظَرُ حُكْمُهُ تَحْتَ عِنْوَانِ "ارْتِدَاد، زَنْدَقَة". وهوَ مَنْ يَطْعَنُ فِي الدِّينِ مَعَ ادِّعَاءِ الإْسْلاَم، ِ أَوِ التَّأْوِيل فِي ضَرُورَاتِ الدِّينِ لإِجْرَاءِ الأهْوَاءِ. وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِأَنَّهُ: مَنْ مَال عَنِ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ، إِلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْكُفْرِ»([7]).

أمّا الموسوعة العربيّة العالميّة، فقد عرّفت الإلحاد كما يأتي: «الإلحاد: أقسام، فقد يكون ذلك عن طريق الشّرك وإعطاء خصائص الألوهيّة لغير الله عزّ وجلّ، أو بإشراك آلهة أخرى مزعومة معه سبحانه وتعالى. وقد يكون الإلحاد بإنكار وجود الله تعالى. وقد كان النّوع الأوّل شائعًا بين النّاس خلال التّاريخ البشري. أمّا النّوع الآخر من الإلحاد، والذي يعني إنكار وجود الله أصلاً، فقد انتشر خلال القرون الثلاثة الأخيرة الثّامن عشر والتّاسع عشر والعشرين، وجاء نتيجة للصّراع بين العلم والكنيسة في أوروبّا، ذلك الصّراع الذي انتهى بانتصار العلم، وانهزام دعاة الكنيسة. وقد اتّخذ مفكّرو تلك الفترة هذا الموقف، ذريعة لرفض الدّين جملةً، وإنكار حقائقه، وعلى رأسها الإيمان بالله. ويمكن اعتبار ظاهرة العَلمانيّة جزءًا من التيّار الإلحادي بمفهومه العام» ([8]).

نرى في هذا التّعريف ظاهرة التّوفيق بين التّعريف التقليديّ للإلحاد على أنّه الشّرك، أو نوعا منه، وبين التّعريف الحديث على أنّه «إنكار وجود الله تعالى» والّذي يقابله، في هذا المعنى، المصطلح الإنجليزي (Atheism).

 نلاحظ في هذا التّعريف نزعة تنزيه المسلمين عن إنكار وجود الله تعالى، عندما حدّد زمن ظهور هذا الإلحاد ومكانه وأسبابه. وهذه مغالطة كان على الموسوعة العربيّة العالميّة أن تترفّع عنها. فقد انتشر الإلحاد بذلك المعنى بين المسلمين منذ القدم. ولكنّه لم يكن يصطدمُ بالمُجتمع والسُّلطة، بسبب مناخ الحُريَّة الفكريّة وسعة الأفق، وإنّ أسماء أمثال: ابن الرّاوندي وابن المقفّع وأبي بكر الرّازي مثلا، تدلّ أنّ ظاهرة الإلحاد ليست بالشّيء الجديد على الحضارة الإسلاميّة. قال ابن الجوزي: «زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الرّاوندي وأبو حيّان التّوحيدي وأبو العلاء المعرّي، وأشدّهم على الإسلام هو أبو حيّان، لأنّهما صرّحا وهو مَجْمَج، ولم يصرّح»([9]).

وعلى ضوء التّعريفات السّابقة لغويّا واصطلاحيّا، بنَى أحد المعاصرين وهو سليمان الخراشي استنتاجا يتماشى مع التّنزيه الذي اتّجهت إليه الموسوعة العربيّة، فقال: «إنّ تاريخ المسلمين لم يعرف الإلحاد، بمفهومه المعاصر، وهو إنكار وجود الله، لأنّ الإلحاد في اللّغة هو الميل والانحراف. وكان السّلف يطلقونه على كلّ من انحرف ببدعته عن السنّة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. أمّا في المفهوم المعاصر، فأصبح الإلحاد يطلق على إنكار وجود الله» ([10]).

هناك ربط متعسّف بين موقف السّلف الذين لم يحدّدهم، وبين الاستشهاد بالآية التي نزلت في سياق مختلف، فقد ذكر المفسّرون في سبب نزول الآية: أنّ أحد المشركين سمع بعض الصّحابة يقرأ. فكان يذكر الله مرّة، والرّحمن أخرى، فقال: «يزعم محمّد أنّ الإله واحد، وها هو يعبد آلهة كثيرة، فنزلت الآية، مُبيِّنة أنّ تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمّى واحد» ([11]).

وفي عصرنا الحديث جاهر بعض المفكّرين والأدباء العرب بإلحادهم، نذكر منهم الشّاعرين العراقيين جميل صدقي الزّهاوي، ومعروف الرّصافي، والسّعودي عبد الله القصيمي، وغيرهم. ولكنّ إسماعيل أدهم يُعدّ من أوائل من نشر رسالة خاصة تحتوي فكرا إلحاديّا، تبنّاه ودافع عنه بمبرّرات رآها هو علميّة ومنطقيّة. ولكنّ مسيرة حياته انطفأت بسرعة، إذ أقدم على الانتحار غرقا، ولم يعش أكثر من تسع وعشرين سنة، وقد قيل أنّه عُثر في معطفه على رسالة وجّهها إلى رئيس النّيابة، يخبره فيها أنّه انتحر، لزهده في الحياة وكراهيّته لها ([12]).



لمحة عن حياة إسماعيل أدهم ومساره العلمي والفكري:

قبل أن نعرض بعض أفكاره وتجربته الوجوديّة الغريبة، يحسن أن نقدّم لمحة عن حياته ومساره العلمي، لنفهم الّظروف والمحيط الذي كوّن شخصيّته، وأسهم في بلورة آرائه الإلحاديّة.

ولد إسماعيل أدهم في السّابع عشر من شهر شبّاط، فبراير عام 1911م، بمدينة الإسكندريّة، من أب تركي وأمّ ألمانيّة، وتلقّى تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدينة الإسكندريّة، أمّا تكوينه الثّانوي فكان مشتركا بين مصر وتركيا. تخرّج من كليّة العلوم التركيّة عام 1931، حيث نال إجازة العلوم وهو في العشرين من عمره. وهذا أمر مستغرب، ثمّ التحق بجامعة موسكو وأحرز الدّكتوراه، وعيّن أستاذا للرياضيّات في جامعة سان بطرسبورغ، ثمّ انتقل إلى تركيا حيث عمل أستاذا للرياضيات في جامعة أنقرة. وفي عام 1936، عاد إلى مصر نهائيّا، ولم يستطع مغادرتها لأسباب صحيّة، إلى أن أقدم على الانتحار، مساء الثّالث والعشرين من يونيو، تمّوز 1940. وفي هذه الفترة المصريّة، التي لم تتجاوز أربع سنوات، تفرّغ للبحث والكتابة والنّشر، ووثّق صلته بالأدباء والكتّاب والمجلاّت ([13]).  

لم نرد التّدقيق في مراحل تكوينه وحياته، لأنّنا وجدنا الغموض والخيال، يلفّها من كلّ مكان. وإذا صدّقنا رواية النّاقد المصري رجاء النقّاش (1934 -2008) فإنّ إسماعيل أدهم كان من أسرة فقيرة في مدينة الاسكندريّة، تعلّم تعليما محدودا. ولكنّه كذب على المجتمع وتظاهر أمام النّاس فأطلق لحيته، وقال إنّه مستشرق نال الدكتوراه من روسيا. وفي حقيقة الأمر هو لا يعرف روسيا ولا علاقة له بها. وقد صدّقت الصّحف قصّته وكانت تنشر له أبحاثه ودراساته على أساس أنّه دكتور متخصّص في العلوم.[14]

 ولكن ما يهمّنا أساسا أنّ تلك الرّسالة القصيرة التي كتبها عام 1936، تحت عنوان جريء: لماذا أنا ملحد؟ كانت من أبرز عناوين الضجّة في وقتها، وحقّقت حركة إعلاميّة وفكريّة غزيرة، شبيهة بمعارك فكريّة سابقة، التي فجّرها أمثال منصور فهمي (1886 -1959) عام 1913 بسبب كتابه: أحوال المرأة المسلمة، ثمّ علي عبد الرّازق (1888 -1966) عام 1925 بسبب كتابه: الإسلام وأصول الحكم، ثمّ طه حسين (1889 -1973) عام 1926 بسبب كتابه: في الشّعر الجاهلي.

لقد كان لهذه المعارك الفكريّة الدينيّة تأثيرات مهمّة في تحريك الأذهان والعواطف، والتّحريض على البحث والدّفاع والهجوم، ومن ثمّ الإسهام في ازدهار الحركة الفكريّة والدينيّة. وحصل النّشاط الفكري نفسه مع رسالة إسماعيل أدهم، فقد تحرّكت لها الأقلام والأذهان والأفهام. فكان يوسف الدّجوي (1870 -1946) أحد علماء الأزهر، من أوائل الذين تصدّوا للردّ عليها في مجلّة الأزهر ضمن ثلاث مقالات كاملة.([15])

وشارك الكاتب الإسلامي محمّد فريد وجدي (1875-1954) ودخل المعركة الفكريّة، بكتابة مقال مطوّل في مجلّة الأزهر أيضا، تحت عنوان: لماذا هو ملحد([16])؟

 وردّ أحمد زكي أبو شادي (1892-1955) برسالة: لماذا أنا مؤمن؟ نشرها في مجلّة الإمام، ثمّ ضمّها إلى كتابه: عظمة الإسلام ([17]).

وكتب شيخ الإسلام في تركيا مصطفى صبري(1286-1373ه/1869-1954م) ردّا علميّا على الرّسالة، ظهرت فيما بعد في كتابه: موقف العقل والعلم والعالم من ربّ العالمين ([18]).

هل الإلحاد عقيدة؟

نعود إلى التّعريفات السّابقة ونلاحظ أنّها لم تعط للإلحاد استقلاله الفكريّ والعقائديّ، كما أبرزه الملحدون أنفسهم. فإسماعيل أدهم أسعفنا بتعريفين لمصطلح الإلحاد حيث قال: «ولي أن أتساءل: ما معنى الإلحاد؟ يجيبك لودفيج بوخنر زعيم ملاحدة القرن التّاسع عشر: الإلحاد هو الجحود بالله، وعدم الإيمان بالخلود والإرادة الحرّة. والواقع أنّ هذا التّعريف سلبيّ محض، ومن هنا لا أجد بدّا من رفضه. والتّعريف الذي أستصوبه وأراه يعبّر عن عقيدتي كملحد هو: الإلحاد هو الإيمان بأنّ سبب الكون يتضمّنه الكون في ذاته، وأنّ ثمّة لا شيء وراء هذا العالم. ومن مزايا هذا التّعريف أنّ شقّه الأوّل إيجابيّ محض، في حين لو أخذت وجهته السّلبية لقام دليلا على عدم وجود الله، وشقّه الثّاني سلبيّ يتضمّن كلّ ما في تعريف بوخنر من معان» ([19]).

يبدو أنّ رفض «التّلميذ» إسماعيل أدهم تعريف «أستاذه» لودفيج بوخنر، مرتبط بالمصطلح الأجنبيّ المقابل لمصطلح إلحاد الإنجليزي (Atheism) الذي يعني في دلالته الإغريقيّة الأولى ظاهرتين: الأولى عبارة عن موقف شخصيّ: الملحد قد لا ينكر وجود ربّ، أو إله، ولكنّه يرفض أن يعترف له بخلق أو فضل، وأن يحترمه وأن يعبده. الثّانية عبارة عن مذهب أو عقيدة (doctrine).

وقد صرّح أدهم بأنّ إلحاده عقيدة. وقد رفض تعريف لودفيج بخنر رغم أنّه زعيم ملاحدة القرن التّاسع عشر، حسب زعمه، لأنّ تعريفه للإلحاد يُعدّ من الظّاهرة الأولى، إذ يكتفي برفض ما جاء في الكتاب المقدّس، حول الربّ والإيمان والخلود، ولا ينكر صراحة وجود إله. وهذا ما سنراه عند سبينوزا.

        فهل في تعريف إسماعيل أدهم للإلحاد جديد أو ابتكار؟

إنّ شقّه الأوّل: «الإلحاد هو الإيمان بأنّ سبب الكون يتضمّنه الكون في ذاته» لا جديد فيه، بل هو موغل في القدم، قاله قديما هرقليطس (Héraclite) بين القرنين السّادس والخامس قبل الميلاد. أما شقّه الثّاني: «وأنّ ثمّة لا شيء وراء هذا العالم»! فهي مقولة الدهريّين والماديّين ضاربة أيضا في أعماق التّاريخ.

يصعب القبول بأنّ الإلحاد يوفّر الارتياح والسّكينة، كما صرّح إسماعيل أدهم فقد أنهى حياته بالانتحار تعبيرا عن اليأس والضّجر، وهو في أوج نجاحه الفكري والمادي، ولم يبلغ الثلاثين. كما يصعب تحديد التّاريخ الّذي ظهر فيه الإلحاد مذهبا أو عقيدة (doctrine) ولعلّ أولى الحركات المذهبيّة المسجّلة تاريخيّا للإلحاد ظهرت سنة ألف وخمسمائة قبل الميلاد في الهند، حيث كانت أوّل علامات التّشكيك في النّصوص الإنشاديّة المقدّسة: الريجفدا "Rig-Veda"، ثمّ ظهرت البوذيّة (500 ق.م) التي لا تختصّ بالآلهة، إذ هي لا تعترف بوجود إله. وعند الإغريق، ظهر أوّل تصوّر إلحاديّ مادي للعالم، افترض أنّ سبب الكون تضمّنه الكون في ذاته، على أيدي «ديمقريطس» (460–370 ق.م).

لكنّ هذه النظريّة الفلسفيّة لا تفترض وجود روح أو عقل أو كائن إلهيّ غيبيّ سببًا أوّلا لوجود الكون، أي أن لا شيء ثمّة وراء هذا العالم. وديمقريطس هو أوّل من نظّر للإلحاد عند الإغريق بنظريّته الذريّة (Atomism).

 ثمّ ظهر أبيقور (Epicurus) والذي عدّ أوّل منظّر لفلسفة اللذّة، والبحث عن السّعادة، بقوله: إِنّ كلّ شيء في العالم يمكن تفسيره من دون حاجة إِلى الآلهة أو القوى السّحرية، وهو ما استند عليه إسماعيل أدهم في تعريفه للإلحاد، فالآلهة بالنسبة لأبيقور لها سمات تختلف أشدّ الاختلاف عن تلك التي تعزى إليها عادة، فهي تعيش حياة سعيدة في عـوالـم الكواكب، لكنّها لا تهتمّ بعالم الإنسان، إذ إنّ هذا العالم يعكّر سعادتها.

 وهكذا نجد أنّ نظرة أبيقور التي أصبح فيها الآلهة في حالة تقاعد تقترب من الإلحاد من الناحيّة العمليّة، رغم نفيه القاطع لهذا الاتّهام. فالعالم الذي تغيب عنه الآلهة على هذا النّحو، تحكمه الصّدفة لا محالة ([20]). 

ويبدو أن القدّيس أغسطين (354-430م) مرّ بتجربة إلحاديّة بعد تركه للمانويّة، خرج منها بيقين مسيحي، إذ قال في اعترافاته: «سألتُ الأرض فقالت لي: لستُ إلهك، وكذلك أجابني كلّ حيّ على سطحها، سألت البحر وأغواره والكائنات الحيَّة التي تسرح فيه وتمرح، فأجابتني: لسنا نحن إلهك، فاسأل عنه ما فوقنا، وسألتُ الرّياح العاتية، سألتُ السّماء والشّمس والقمر والنّجوم فأجابت كلّها: لسنا نحن أيضًا الإله الذي تبحث عنه. إذ ذاك قلتُ للكائنات كلّها التي تحيط بأبواب حواسي: حدّثيني عن إلهي طالما لستِ إلهي. قولي لي شيئًا عنه، فهتفت جميعها بصوت عالٍ: هو الذي خلقنا» ([21]).

جرأة على الغيب:

لم يكن إسماعيل أدهم بدعا في الإلحاد، ولا جاء بجديد، وإنّما حاول أن يكون من أوائل المنظّرين للإلحاد العلميّ في العالم الإسلاميّ في بداية القرن العشرين. ولكنّه أراد أن يجعل من الإلحاد عقيدة أو قدرا لا يناقش. ويبدو أنّه تأثّر بالحركة الكماليّة تأثّرا كماليا، ومن خلال مقالاته التي جمعها له أحمد إبراهيم الهواري نكتشف أنّه كان شديد العداء للعرب والمسلمين، وشديد الانبهار بتيّار الإلحاد، الذي انتشر فعلا في أوروبّا في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر.

 ونجد مؤيّدات في أعماله، أنّه تأثّر بالشيوعيّة لمّا درس في موسكو، كما أنّه اطّلع على أعمال برتراند راسل (1872-1970) المعروف أيضا بكتاباته الإلحاديّة ورفض المسيحيّة. وقد ذكر في رسالته أنّه قرأ داروين وتأثّر به، وآمن بالتطور، وقرأ سبينوزا ولوك وهيوم، وكان هذا الأخير قريبا من نفسه، ومعلوم أنّ هيوم كان ملحدا ([22]).

هناك نزعة واضحة لدى الملحدين نحو الاهتمام بالدّين، وحرص متواصل على جمع المعلومات والحجج التي تشكّك فيه، وتؤيّد مذهبهم في رفضه. ويظلّ هذا المسعى هاجسا مسيطرا على فكرهم، رغم التّظاهر بالانشغال عنه. كما تظلّ اهتماماتهم وكتاباتهم متعلّقة بالموقف من الدّين والمسألة الدينيّة والإيمان بالله. تتراكم تلك الحجج ضدّ الدّين، ثمّ تتحّول مع مرور الزّمن إلى هياكل باليّة. ويكون العلم وحده ناقضا لها قبل مجافاة العقل، مثل القول بالماديّة والسرمديّة.

من العسير الحديث عن الإلحاد بصورة عامّة ومطلقة. فهو حالة فرديّة ملتحمة بالتّفكير والمزاج. فالملحد مثقّف غاضب، منفعل مع محيطه، ولكنّه غير متلائم معه. لديه غرور قاطع يصل حدّ التوتّر مع كلّ شيء. ونحتاج لا محالة إلى قراءة هذا العقل الإلحادي في جوانبه الأدبيّة والفلسفيّة والنّفسية، قراءة متواصلة للتعمّق في فهم الخلفيّات والدّوافع التي أسهمت في نشأته وتكوينه. وخاصة في السّنين الأخيرة بعد موجات الثّورات والحروب والقلاقل والمشاكل الاجتماعيّة التي ولّدت الحيرة والفراغ، وهو ما عبّر عنه الأديب البيروني ماريو فارغاس يوسا(1936-) بقوله:« إنّ عدم الإيمان يشكّل فراغا. وقلّة هم الذّين يستطيعون ملء هذا الفراغ من خلال الثّقافة، أضف إلى ذلك انّه لا يمكن للأدب ولا الفنّ ملء الفراغ الذّي يسببه غياب المطلق. الدّين هو حاجة اجتماعية وتاريخيّة. إنّه شرط أساسي لكي تتمكّن المجتمعات من العيش بدون مشاكل وقلاقل، شريطة ألاّ تتوحّد الدّولة العلمانية مع كنيسة معينة» ([23]).

إنّ الحقائق التي تبدو دامغة، تصبح نصف حقائق أو لا تعود كذلك، إذا قلبّتها كثيراً، وإذا ما نظرت إليها عن قرب، ولذلك فإنّ السّعادة التي ادّعى برتراند راسل أنّه وجدها في الرياضيّات، هي أيضا ما يجده العابد في محرابه والرسّام في مرسمه. ولا علاقة لذلك بالإلحاد. وقد قال إسماعيل أدهم هذا الكلام بصورة أخرى. فبعد أن تحدّث عن مساره العلمي أكّد أنّه تخلّى عن الأديان والمعتقدات: «كانت نتيجة هذه الحياة (العلميّة) أنّي خرجت عن الأديان، وتخلّيت عن كلّ المعتقدات، وآمنت بالعلم وحده، وبالمنطق العلميّ، ولشدّ ما كانت دهشتي وعجبي أنّي وجدت نفسي أسعد حالا، وأكثر اطمئنانا، من حالتي حينما كنت أغالب نفسي للاحتفاظ بمعتقدٍ دينيّ» ([24]).

نميل إلى تصديق هذه المشاعر والاقتناعات لديه، وإن كنّا لا نجد في سيرة حياته التي أمكن الاطّلاع عليها، علامات على هذه السّعادة والطمأنينة، ففي رسالته خيّمت مظاهر التوتّر وعبارات التمزّق والحسرة على جميع صفحاتها. ففي حديثه عن طفولته مثلا نلتمس وعيا حادّا تكوّن لديه منذ صغره، فقد كان والده مسلما، وأمّه مسيحيّة، وقد عاش نوعا من التّناقض والحيرة منذ بداية حياته، وقد توفّيت أمّه وهو ابن سنتين فقط، ومن المرجّح أنّ ذلك ولّد لديه صدمة وعدوانيّة، ونزعة انعزاليّة.

 وقد صرّح بذلك في المقطع الآتي من الرّسالة: « كانت شقيقتاي، وقد نالتا قسطا كبيرا من التّعليم في كلّية الأمريكان بالآستانة، لا تثقلان عليّ بالتّعليم الدّيني المسيحي، وكانتا قد درجتا على اعتبار أنّ كلّ ما تحتويه التّوراة والإنجيل ليس صحيحا، وكانتا تسخران من المعجزات ويوم القيامة والحساب، وكان لهذا كلّه أثر في نفسّيتي. كان محرّم عليّ الخروج والاختلاط مع الأطفال الذين هم من سنّي، ولقد عانيت أثر هذا التّحريم في فرديّة تبعدني عن الجماعة فيما بعد» ([25]).



نظرة الإسلام إلى الإلحاد:

يؤدّي الدّين إلى حريّة الرّوح، أمّا الإلحاد فهو سجن لها، لأنّه عندما يقطع الصّلة بالغيب ويمنع الإيمان، يحرم روح الإنسان من كلّ صفات السموّ، ويجرّد الطبيعة البشريّة من صفات الشّوق والحبّ. وإذا كان الشّرك هو انحراف في العقيدة، فإنّ الإلحاد غرور مفرط لأنّ الإنسان مهما كان علمه لا يستطيع أن ينكر أنّ الله واجب الوجود وأنّ الكون مخلوق. فالوجود صفة للمخلوق، وليس للخالق، فالله فوق اللّغة وفوق الوصف. ومن ثمّ فمن السّفسطة الحديث عن الوجود وعدم الوجود، فهذا لا يقبله العقل ولا اللّغة.

 وحتّى العلماء الذين يخوضون في هذا الغيب المطلق، إنّما يناقضون العلم والمنطق معا ويتاجرون بعرض بضاعة ميتة. فنحن نصغي بانتباه لآرائهم العلميّة في الطبيعة والمادة، ولا نحترمهم عندما يضيعون وقتنا في لغو لا طائل من ورائه في مسائل غيبيّة يستوي فيها الجاهل والعالم.

كان أرسطو يزعم أن الحجر يسقط على الأرض ولا يصعد، لأنّه يحبّ الأرض. وكان العلماء يؤمنون بالأثير ثم تبيّن أنّه خرافة. فالنظريّات العلميّة نفسها غير ثابتة، فكيف بالحديث عن الغيب المطلق؟ ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. «أي: إنّهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته، وفي وحدانيّته، وفي شأن البعث، وينكرون البيّنات، والحال أن الله تعالى شديد المماحلة والمكايدة والمعاقبة لأعدائه. قال الأزهري: المحال: أي القوّة والشدّة» ([26]).

ليس في التّفكير في الغيب من ميزة سوى تنمية خيال خصب، يسرح المرء ويمرح من خلاله، كما التّيه بين الشواطئ والصّحارى والخلجان، حيث لا يعكّر الصّفوَ إنس ولا جانّ. وكلّما ازداد الإنسان علمًا وخبرة، زاد إيمانه واعترافه بعظمة الله وجلال قدرته وإبداعه، وازداد تواضعا إلى درجة السّجود له عرفانا وتعظيما. وذلك هو مضمون الشّهادة في الإسلام، سواء أدرك المؤمن أبعادها أم لم يدرك. فكلّ ما في الكون يشهد لله بالعظمة والحكمة، إلاّ الملحد. أمّا الصّلاة والسّجود فالجميع يسجد لله بمن فيهم الملحد: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾.

 سجود النّاس هنا هو السّجود الاختياري، فقليل من هؤلاء لا يسجدون وهم الملحدون. أمّا المخلوقات جميعها فهي خاضعة لقوانين الله وسننه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. ذلك كلام القرآن عن تسيير الكون بذرّاته ومجرّاته لا يخرج عن حكمه شيء. أمّا من يشرك بربّه: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.



الإلحاد في بداياته الأولى:

يعدّ أبراهام بن عزرا (1092 -1167م) من أوائل من زرع بذور الشكّ في الكتاب المقدّس، والتّي تطوّرت إلى نشوء الإلحاد في أوروبا مع بدايات القرن السّابع عشر. فقد كان أوّل من شكّك في نسبة بعض الأجزاء من التّوراة لموسى النبيّ، سنة 1167م، قبل وفاته بقليل، عندما علّق على قول موسى النبيّ، في سفر التّكوين: «واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة ممرّا، وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض» ([27]).

فصرّح بأنّ قول موسى: «وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض» يعني أنّهم لم يعد لهم وجود أثناء كتابة هذا الحدث، فالكاتب يتحدّث عن طرد الكنعانيين كحدث ماضٍ، وبما أنّ الكنعانيين كانوا متواجدين أثناء حياة موسى، فموسى لم يكتب بعض الأجزاء من سفر التّكوين، ولا بعض الأجزاء من بقيّة الأسفار الخمسة، ورأى ابن عزرا أنّ اللّغة التي كُتبت بها التّوراة، لم تكن سائدة في عصر موسى، ولكنّه لم يجرؤ على إعلان آرائه هذه صراحة، بل اكتفى بالتلميح وقال: «ولو فهمت ستدرك الحقيقة. والفاهم يلتزم الصّمت» ([28]).

وفعلا فقد فُهمت الرّسالة وفكّكت وطوّرت على مرّ أزمنة النّهضة الأوروبيّة. وبعده بقرون وبالتّحديد في سنة 1651م أنكر توماس هوبز نسبة التّوراة لموسى النبيّ، وأدَّعى أنّ الأسفار من التّكوين وحتّى الملوك، إنّما هي من وضع عزرا الكاتب، في القرن الخامس قبل الميلاد.

يتعلّق هذا الإلحاد بتجربة خصوصيّة، هي الإلحاد الأوروبيّ أو بالأحرى الإلحاد اليهوديّ المسيحيّ الجديد، الّذي تبلور عقيدة وفلسفة ومذهبا، منذ القرن السّابع عشر بعد باروخ سبينوزا (Spinoza (1677 -1632. الذي كان هولنديّا تلقّى تعليما يهوديّا تقليديّا ثمّ درس العلوم الفيزيائيّة وتأثّر خصوصا بكلّ من هوبز (Hobbes) وديكارت (Descartes) فثار على العهد القديم، وانتقده متأثّرا في هذا بآثار ابن حزم في نقده للتّوراة في كتاب: الفصل في الملل والأهواء والنّحل، عن طريق أبراهام بن عزرا. ثمّ انسلخ عن اليهوديّة الكهنوتيّة التقليديّة، ولكنّه لم يرتدّ عن معتقده، واكتفى بإعادة التّنظير لأحد الأسس القديمة لليهوديّة وهي الحلوليّة والتّي تعرّف بأنّها: «اِعْتِقَاد بِأَنَّ الإله حَالٌّ فِي كُلّ شَيْء» أي أنّ الطبيعة هي الإله وأنّ الربّ هو الطبيعة أو الكون. وهذه الحلوليّة في نظر سبينوزا «تعني أنّ الخالق حلَّ في مخلوقاته تماماً، وتوحَّد بها، وأصبح كامناً فيها حتى أصبح هو هي، وأصبح الخالق والمخلوق والخلق واحداً من جوهر واحد» ([29]).

تمثّلت أهميّة أبراهام بن عزرا في أنّه ظلّ مرجعا لرجال الدّين اليهود وغير اليهود في مناهج نقد النصّ التّوراتي، وأثّر هذا في سبينوزا، بحيث يمكن اعتباره تلميذا غير مباشر لابن حزم، فقد عاش في قرطبة بلد ابن حزم (994-1046م)([30]).

وقد تعرّض سبينوزا لفكر ابن عزرا في كتبه عديد المرّات، وهو في أصل فكره لا ينفي وجود الإله الخالق، ولكنّه يدمجه في المادّة ويحرّر المادّة (الطّبيعة) من سيطرة «الإله» عليها وتحكّمه وتصرّفه فيها. بذلك أذاب الإله الخالق في مخلوقاته، وجعله عنصرا منها لا حول له ولا قوّة ولا إرادة ولا تدبير. فهو ينكر الإرادة الحرّة للبشريّة وللإله، ويرى أنّ حريّة العقل يمكن أن تحقّق بالفهم العقلاني لمكاننا في الطّبيعة وخضوعنا لقوانينها خصوصا «قانون الانفعالات». ففي النّهاية، هو يعطي استقلاليّة للطبيعة ليمكّن الإنسان من التحكّم فيها تحكّما كاملا مطلقا. والغريب أنّه لم يطلق على «حلوليته الكمونيّة» مصطلحا خاصّا، إذ «أكّد هذه الحقيقة الأساسيّة بالنّسبة لمنظومته الفلسفيّة في عبارته اللاّتينيّة الشّهيرة «ديوس سيفي ناتورا Deus sive natura» وهي عبارة تعني "الإله أي الطّبيعة". والطّبيعة هي النّظام الكلّي للأشياء، ومن ثمّ فإنّ الإله هو النّظام الكلّيّ للأشياء» ([31]).

تراءى سبينوزا صوفيّا يهوديّا متحرّرا من النّصّ الدينيّ اليهوديّ-المسيحيّ، إذ هيّأ في نظامه الفلسفيّ «للغبطة (Béatitude)» ولكنّها «غبطة» الدّنيا، ومن هنا اعتبر داعيا إلى الإلحاد، حيث جعل الحلوليّة بدون إله (وحدة وجود مادّية) أي ملحدة، أو علمانيّة. وانطلاقا من هذه الهرطقة الصوفيّة اليهوديّة المحضة، بزغت ملامح العلمانيّة من هولندة المسيحيّة الرّافضة (protestante) عن طريق أهمّ كتب سبينوزا، التي نشرت كلّها بعد وفاته، لتشرق على أوروبّا أضواء العقلانيّة والحداثة، في خلط عجيب بين علوم الطّبيعة والاجتماع والنظريّات الاقتصاديّة والعلوم الإنسانيّة والأنتروبولوجيا والألسنيّة وحقوق الإنسان والاستعمار وعلم النّفس، ونقد العقل وفصل الدّولة الأوروبيّة عن الكنيسة.

وعلى رأي عبد الوهاب المسيري فإنّ ظهور سبينوزا «ولَّد الإلحاد والعلمانيّة من داخل النّسق الدّيني اليهودي ذاته. ويمكن تقسيم علاقته باليهود واليهوديّة إلى قسمين: علاقة التضادّ على المستوى المباشر، وعلاقة التماثل على المستوى النماذجي» ([32]).

وهكذا، يبدو سبينوزا، في حقيقته، متذبذبا عقليّا وعقائديّا ووجوديّا ككلّ اليهود، وإن تظاهروا بالعقلانيّة والوجوديّة والماديّة، لأنّ اليهوديّة نفسها معتقد عرقيّ وضعيّ ضيّق. قد لا نتّفق مع ما طرحه الدكتور المسيري في إقراره بأنّ سبينوزا ولَّد الإلحاد والعلمانيّة، إذ ظهرت العلمانيّة قبله. ولكن ما يهمّنا هو انتشار الإلحاد بعده، باعتباره عقيدة، فيما سمّي السبينوزيّة (Spinozism).

فقد تأوّل جون تولاند(1722-1670)  فلسفته، وكان من أوائل المفكّرين الّذين اتّخذوا موقفاً عقلانيّاً من الدّين ومن المدافعين عن فلسفة الربوبيّة، أي عن الإيمان بالربّ، من دون حاجة إلى دين أو وحي إلهيّ، وهي أولى حلقات علمنة العقل الغربي. وفلسفته في جوهرها فلسفة حلوليّة. وهو الذي نحت كلمة «بانتيزم pantheism» الإنجليزية عام 1705م المشتقّة من الأصل اليوناني "بان" بمعنى "كلّ" و"ثيوس" بمعنى "إله" ثم انتشر منه إلى اللّغات الأوربية الأخرى ([33]).

نرى أنّ الإلحاد بمفهوم إنكار وجود الإله لم يظهر بعد، باعتباره عقيدة، مع هوبز وسبينوزا وتولاند. ومصطلح الحلول «panthéisme» لا يزيد عن كونه لفظة مستحدثة للدلالة على «وحدة الوجود» الّتي بنى عليها سبينوزا نظامه الفلسفيّ. فإذا كان تولاند من المدافعين عن فلسفة الربوبيّة أي عن الإيمان بالربّ، سواء اعتبر الطبيعة أو العقل أو قانون الانفعالات هو ذلك الربّ، فإنّه ليس ملحدا بمفهوم إنكار وجود الربّ. فأين إلحاد تولاند أو بالأحرى علمانيّته؟ هي «في الإيمان بالربّ دون حاجة إلى دين أو وحي إلهي، وهي أولى حلقات علمنة العقل الغربي»!!

 فهذه العلمنة تقتصر على مبدأ واحد، هو إنكار الوحي الإلهيّ، أي التخلّص من النصّ الدينيّ المتمثّل في أسفار الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، ومن الفقه اليهوديّ في التّلمود، ومن فقه الفاتيكان والكنائس المسيحيّة. وظهر ذلك في كتابه المنشور عام 1720 بعنوان: "تيترا ديموس" الّذي تضمّن مقالاً قدّم تفسيرات علميّة طبيعيّة للمعجزات الّتي وردت في العهد القديم ([34]).

ولكن الحياد ليس مفيدا دائما. فجون تولاند هو من رواد الفكر اليهودي، مثل سبينوزا، وهما امتداد وتواصل للمعتقد اليهوديّ وأسسه ومراجعه الدينيّة والفلسفيّة وتاريخه. فالعهد القديم دعوة مفتوحة إلى التّجسيد والحلول والكمون والإلحاد. وأفكار سبينوزا الحلوليّة، أو بالأحرى الإدماجيّة، ليست كلّها جديدة. فقد تأثّر هو وبعده موسى مندلسن (1729-1786) بفلاسفة العصور الوسطى من اليهود، مثل موسى بن ميمون وابن جبرول، وهذان كانا متأثّرين بالفلاسفة الإسلاميين الّذين جمعوا في تصوّراتهم لله والخلق والكون بين الإسلام والمشّائيّة والأفلاطونيّة المحدثة. وإذا كان الإلحاد كامنا وجليّا في العهد القديم، وفي الفلسفة اليهوديّة منذ ظهورها في الأندلس، فكيف يكون المسلم ملحدا ويدعو إلى الإلحاد؟

إنّ هذا المسلم وإن أقرّ بإلحاده وأعلنه ودعا إليه مثل إسماعيل أدهم فإنّه لا يلغي الإيمان ولا ينفيه خلافا لسبينوزا. فهو يقول: «أنا ملحد ونفسي ساكنة لهذا الإلحاد ومرتاحة إليه، فأنا لا أفترق من هذه الناحية عن المؤمن المتصوّف في إيمانه». لقد ذكر الاطمئنان مرّتين: «نفسي ساكنة» «ومرتاحة»، وكرّر الإيمان مرّتين: «المؤمن، إيمانه»، وقارن نفسه «بالمتصوّف». أليس هذا جوهر العقيدة؟

ولكن، لمَ اختار إسماعيل أدهم «المؤمن المتصوّف في إيمانه» قارن به «إلحاده» دون غيره من الملحدين مثل ابن الراونديّ أو بعض القرامطة أو بعض الإسماعيليّة الباطنيّة مثلا؟ فللإلحاد «الإسلاميّ» تاريخ حافل طويل يبدأ من القرن الأوّل الهجريّ، ولا نظنّ إسماعيل أدهم يجهله. لعلّه رأى في إلحاد السّابقين إلحادا عبثيّا جاهلا، لا يليق بعقل كعقله وعلم كعلمه. أمّا الصوفيّة ووحدة الوجود والحلول والاتّحاد، وهي العقائد أو المذاهب التي تبنّاها أيضا الحلاّج وابن عربي وجلال الدين الرّومي، وغيرهم ممّن سلك مسلكهم ونهج منهجهم، فكثير منها مقتبس من "فيدانتا" الهند.

ومن قرأ آراء الفيلسوف الهندي شري شنكرا أجاريا(788-820م) في فلسفة "فيدانتا" عرف جيّدا أنّها لا تبعد عمّا قاله الحلوليّون والاتّحاديون وأصحاب وحدة الوجود، وأنّ ما بيّنه شنكرا وفصّل القول فيه في شرح فلسفة وحدة الوجود أو الفيدانتا ، موجودة في كتب الوجوديّين.

وفي رأي إحسان إلهي ظهير (1941م ـ1987م) فإنّ من يقرأ تعاليم شنكر أجاريا ومؤلّفاته فكأنّه يقرأ ما كتبه ابن عربي وشارحه ابن الفارض ومفسّره في العجم جلال الدين الرّومي، ومن الصّعب التّفريق بين مقولاتهم ومكتوباتهم، فضلا عن الأسلوب والمنهج والتّعبير ([35]).

لا نؤيّد هذه المبالغة في المقارنة، ولكنّ فلسفة وحدة الوجود هي من الأفكار المركزيّة عند الصوفيّين المسلمين، وخاصّة عند محي الدّين بن عربي الأندلسي (560-638هـ/1165-1240م). فهو، كما قال الذّهبي: «قدوة القائلين بوحدة الوجود».

 وفي الأندلس نشأ أيضا الفيلسوف اليهوديّ «أبو عمران موسى بن ميمون (1135-1204م) المسمّى عند الأوروبيين (Maimonide) والفيلسوف اليهوديّ ابن جبريل (أو جبرول) وكلاهما قال بوحدة الوجود ([36]).

لسنا بصدد نقد عقيدة التصوّف عند المسلمين وغيرهم، لا محالة، ولا نقد موقفهم من المعرفة، خصوصا عند شيوخها وأقطابها منذ البسطامي والحلاّج وابن عربيّ والرّومي. ولكن نشير إلى أنّ أعمالهم قوبلت من قبل بعض المسلمين على أنّها ضرب من الإلحاد، ولكن نميل إلى قول ابن حجر: «صنّف ابن عربي التّصانيف في تصوّف الفلاسفة وأهل الوحدة، فقال أشياء منكرة، عدّها طائفة من العلماء مروقا وزندقة، وعدّها طائفة من العلماء من إشارات العارفين ورموز السّالكين، وعدّها طائفة من متشابه القول» ([37]).

ومع ذلك لا مجال للمقارنة بين ابن عربي وبين سبينوزا أو تولاند، من حيث الإيمان والمعتقد، وحتّى الأحوال الفكريّة والاجتماعيّة.

ارتقى الإلحاد إلى مرتبة الحلّ، أو الفكر المخلّص، في القرن الثّامن عشر، مع كثير من الأدباء والفلاسفة، ثم أصبح عقيدة في القرن التّاسع عشر مع العلماء الماديّين. فهذا القرن هو قرن الطبيعيّين والبيولوجيين، وقرن النظريّات في النّشوء والارتقاء والصّراع من أجل البقاء، وهذه العقيدة لا تعني بالضّرورة إنكار الخالق، وإنّما إنكار تصرّف الخالق في خلقه، أي إنكار الوحي الإلهيّ بأيّة صورة كان ذلك الوحي. فسبينوزا لا ينكر «الصّانع» بما أنّه يقرّ بوجوده ولو «مدمجا» في الطّبيعة. ولكن في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر، اندمج التّنوير المسيحيّ مع التنوير اليهوديّ (halakka) ليبرز هذا الفكر كحلّ أفضل ومنتظر للبشر، فكان من الضروريّ أن يكون الإلحاد بمفهوم «إنكار وجود الربّ» أساسا لكلّ النظريّات العلميّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأنثروبولوجية والأخلاقيّة.

لم تظهر أصالة سبينوزا في تطبيق الفلسفة على نصّ مقدّس، أي لم تتمثّل في مقاربة الموضوع من زاوية فلسفيّة، فهذا مسلك قديم ومتوفّر في تجارب عدّة من التّراث اليهودي والمسيحي والإسلامي، وليس أيضا في نقد النّصوص نقدا منهجيّا داخليّا وخارجيّا، ولا في المبادئ التي أسقطت على تلك النّصوص أو استُخرجت منها، وخاصّة في الفصل السّابع من رسالة اللاّهوت والسّياسة، وإنّما هي جوانب أخرى تعلّقت بالمزج بين المنهج النّقدي أوّلا، الذي يتيح حريّة معالجة أوسع، وبين التأويلات الرّسمية للكتاب المقدّس وبالخصوص التّوراة، والدّعوة المبكّرة إلى حقّ معالجة النّصوص باعتبارها شيئا طبيعيّا، تقليدا للمنهج العلمي في تعامله مع المادّة، وتأثّرا بمنهجيّة فرانسيس بيكون(1561-1626).

لم يخرج سبينوزا عن مقرّرات الفكر اليهودي في فهم التّوراة، وإنّما أعطى للتّأويلات الحرّة مساحة عظيمة اقتداء بالحلاّج وابن عربي، وليس الغرض من ذكر ذلك، كما لاحظ حسن حنفي الوقوع في منهج الأثر والتأثّر، وإنّما إثبات المشكلات المشتركة والحلول المشابهة ([38]).

عاش سبينوزا في وسط حضاري مزدهر بالثّقافات والأجناس حيث تداخلت روافد التّاريخ والسياسة واللاّهوت، فكان لا بدّ من الخوض في هذه الثلاثيّة، وبيان وجوه التّلاقي والافتراق بينها. وقادته تأمّلاته إلى أنّ جدل الوحي والتّاريخ أو النصّ والواقع، لا يؤدّي إلى التّجانس، فالوحي يقوم على قيم الرّحمة والحلم، أمّا التّاريخ فتحرّكه التّجربة والمصلحة، ولا يلتقي مع أهداف الدّين السّامية، وليس الرّبط بين التوسّع في العلم والفضيلة منزلة حتميّة، كما أنّ النّزعة التبريريّة الدفاعيّة ليست مقترنة بسعة العلم، كما اشتهر ذلك في أدبيّات العصر الوسيط.

وفي التّجربة اليهوديّة نجد روابط قويّة بين السّلطة السياسيّة والدّينيّة، وهذا التّحالف يقضي في الغالب على هواجس الحريّة والتقدّم لدى الفرد والمجتمع، وكثيرا ما أُخضع الدّين لمعاضدة السّياسة فكانت توجّهه لغاياتها، وإنّه لمكسبٌ للدّين أن يتحرّر من سلطة السّياسة، بشرط ألاّ تقصيه عن الحياة. وهذا التّنازع الفلسفي والجدلي هو لبّ فلسفة الإسلام وواقعيّته في صلته بالسّياسة ونظام الحكم. كما أنّه على النّقيض من ذلك، أحد أسباب الانغلاق الاجتماعي في الحياة اليهوديّة وعلاقتها بالآخرين. أمّا في التّجربة المسيحيّة، فقد كانت الدّولة مرتبطة بالكنيسة ارتباطا وثيقا.

ورغم أنّ سبينوزا تجاوز هذا الارتباط، نحو استقصاء أسس الثّقافة الكنسيّة، من أجل نقضها، والمنظومة الفكريّة والمعرفيّة التي ترتكز عليها، من أجل هدمها، وإلغاء الحقّ السّياسي لللاّهوت، فإنّه اهتمّ في كتابه: رسالة في اللاّهوت والسّياسة، برفع اتّصال الدّين بالسّياسة، باعتباره ضرورة معتبرة عقليّا ودينيّا.

 صدر هذا الكتاب عام 1670 باللّغة اللاّتينية إلاّ الشّواهد من التّوراة، فكانت باللّغة العبريّة، قبل أن تترجم إلى اللّغات العالميّة الأخرى، وصدر الكتاب بدون ذكر اسم سبينوزا، لأنّه كان يهوديّا مرانيا، من يهود اسبانيا الذين تعرّضوا للاضطهاد مثل الموريسكيين العرب والمسلمين. كان عمره لم يتجاوز الأربعين عندما أصدر هذا الكتاب، وأراد أن يقنع القوم بأنّ حريّة التفلسف لا تهّدد الإيمان ولا أمن الدّولة، وفي سبيل ذلك كان لا بدّ له من خوض معركة ضارية ضدّ عدد ضخم من الأحكام المسبقة والتّراكمات السلبيّة التي رانت على الأذهان والقلوب، فحوّلت الدّين إلى قوالب جوفاء من العبادات الفاقدة للمعاني والحرارة والحرقة، والتصدّي للأفهام الخاطئة والمنحرفة التي استقرّت في الأذهان ([39]).

لا ندري إن كان إسماعيل أدهم قد اطّلع على هذه التّجارب الفكريّة المتعدّدة التي ذكرنا بعض أمشاجها وتحوّلاتها في الفكر اليهودي والمسيحي والإسلامي، ولكنّ تجربته السّريعة والموجعة، كانت محكومة بسياق اجتماعي وحضاري معقّد، لم يستطع التأقلم معه، فاختار الإلحاد ثمّ الانتحار، تعبيرًا عن رفض قاطع، لم تشرق في أرجائه ولو بارقة أمل.





*  هوامش البحث  *



[1] - إسماعيل أدهم، لماذا أنا ملحد، ص،8. نشر أوّلا في مجلّة الرّسالة، عدد: أغسطس 1937م، ص36. انظر أيضا: أحمد الهواري، الأعمال الكاملة لإسماعيل أدهم، دار المعارف، مصر، 1986م، ج3، ص80. ويُذكر أنّ الرّسالة كانت ردّا على محاضرة الشّاعر أحمد زكي أبو شادي، وكان صديقا له، والتي نشرها تحت عنوان: عقيدة الألوهة.

[2] - الزَّبيدي (ت: 1205هـ) تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية،1994م، القاهرة، ج9، ص135.

[3] - ابن منظور (ت: 711هـ) لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطّبعة الثّالثة، 1414هـ، ج3، ص389.

[4] - الراّغب الأصفهاني (ت: 502هـ) المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدّار الشّامية، دمشق، بيروت، الطّبعة الأولى، 1412هـ. ج1، ص 737.

[5]  - ابن عابدين(1198-1252هـ/1784-1836م) ردّ المحتار على الدر المختار، دار الفكر، بيروت، الطّبعة الثانية، 1412هـ، 1992م، ج4 ، ص241. هو محمّد أمين بن عمر الشّهير بابن عابدين إمام الحنفيّة في عصره. وتعريفه هذا انتحله سعدي أبو حبيب في «القاموس الفقهي» ولم يشر إلى مصدره.

[6] - البُجَيْرَمِيّ المصري الشّافعي، تحفة الحبيب على شرح الخطيب، دار الفكر، لبنان، 1415هـ، 1995م،ج 4، ص 35.

[7] - الموسوعة الفقهية الكويتيّة، إصدار وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة، دار السلاسل، الطبعة الثانية، الكويت.1427هـ، 2004م.ج21، ص31.

[8] - الموسوعة العربيّة العالميّة، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، الرياض، 1999. ج2، ص528.

[9]  - شمس الدّين الذّهبي (ت: 748هـ): تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، تحقيق: بشار عوّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطّبعة الأولى، 2003م. ج8، ص 837.

[10] - سليمان الخراشي، ثـقافة التّلبيس: انتحار إسماعيل أدهم، دار الإيمان، الرياض،1432هـ، ص5.

[11] - ابن عجيبة، البحر المديد، دار الكتب العلميّة، الطبعة الثانية، بيروت، 1423هـ، 2002م، ج2 ، ص579.

[12]- خير الدّين الزّركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر، أيار، مايو 2002م.ج1، ص310.

[13] - عمر رضا كحّالة، معجم المؤلّفين، مكتبة المثنّى، بيروت، ودار إحياء التراث العربي، بيروت،1957م ،ج2، ص58.

[14] - رجاء النقّاش، تأمّلات في الإنسان، دار المرّيخ، الرياض، 1989. ص57.

[15] - يوسف الدّجوي، مجلّة الأزهر، المجلّد الثاني، سنة 1356هـ، ص،487-615.

[16] - فريد وجدي، لماذا هو ملحد؟ مجلّة الأزهر، عدد: رجب 1356هـ، ص،457-475.

[17] - أحمد زكي أبو شادي، مجلّة الإمام، عدد: سبتمبر 1937م.

[18] - مصطفى صبري، موقف العقل والعلم والعالم من ربّ العالمين، دار إحياء التراث العربي بلبنان، الطبعة الثانية، بيروت 1401ه/1981م. ج2 ، ص402.

[19] - إسماعيل أدهم: لماذا أنا ملحد؟  ص8. سبق ذكره. ولودفيج بوخــنر(1824-1899) (Ludwig Büchner) هو فيلسوف ألماني مادي، ملحد.

[20] - جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، ترجمة: كامل يوسف حسين، سلسلة عالم المعرفة عدد: 76، أبريل 1984، ص 69.

[21] - اعترافات القدّيس أوغسطين، الجزء الأوّل، عـرَّبه: القمّص قزمان البراموسي، مكتبة النّور بمصر،1953، ص99.

[22] - إسماعيل أدهم، لماذا أنا ملحد، ص7. سبق ذكره.

[23] - مجلّة الثقافة العالميّة، مقابلة مع ماريو فارغاس يوسا، العدد:50، يناير 1997.

[24] - لماذا أنا ملحد، ص 8. سبق ذكره.

[25] - المرجع السّابق، ص 5.

[26] - محمد سيّد طنطاوي، التّفسير الوسيط للقرآن الكريم، دار نهضة مصر للطّباعة والنّشر، الفجالة، الطّبعة: الأولى، القاهرة، 1998.ج 7، ص 458.

[27] - سفر التّكوين، 12: 6.

[28] - ريتشارد أليوت فريدمان، من كتب التّوراة؟ ترجمة: عمرو زكريا، دار البيان للنّشر، القاهرة،2003م. ص 18.

[29] - عبدالوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهوديّة والصهيونيّة، دارالشّروق القاهرة، 2003م، ج3، ص72.

[30]  - أحمد شحلان: التّراث العبري اليهودي في الغرب الإسلامي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة، المملكة المغربية، الطبعة الأولى،1427هـ ،2006م، ص 248.

[31]  - عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهوديّة. ج3، ص70، سبق ذكره.

[32]  -  المرجع السّابق، ج3، ص101.

[33]  - عبد الوهاب المسيري، ج1، ص 392. سبق ذكره. وجون تولاند (John Toland) (1670- 1722) لم يفرط في الإيمان المسيحي، لكن اعتمد العقل والمنطق ليثبته، مثلما فعل ديكارت في الكوجيتو، فما لا يمكن إثباته بالعقل والمنطق يجب رفضه.

[34]  - المرجع السّابق، ج3، ص 120.

[35]  - إحسان إلهي ظهير (ت: 1407هـ): التَّصَوُّفُ: المنشَأ وَالمَصَادر، إدارة ترجمان السنّة، لاهور، باكستان، الطبعة: الأولى، 1406هـ/1986م. ص122.

[36] - يوسف سليم جشتي، تاريخ التصوّف، طبعة مجمع العلماء، أوقاف لاهور، 1976م. ص 30.

[37] - ابن حجر العسقلاني (ت: 852هـ) لسان الميزان، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدّة، دار البشائر الإسلاميّة، الطّبعة الأولى، بيروت، 2002م.ج7، ص 391. وانظر: الفتح الربّاني من فتاوى الإمام الشّوكاني، مكتبة الجيل الجديد، صنعاء – اليمن،2001، ج2، ص1031.

[38] - سبينوزا، رسالة في اللاّهوت والسّياسة، ترجمة: حسن حنفي، دار التّنوير، الطبعة الأولى، بيروت،2005م. ص.8

[39]  - المارانوس Marranos، مصطلح أطلق في الأصل على يهود الأندلس، الذين تحوّلوا إلى المسيحيّة طوعًا أو قسرًا، والذين ظلّ بعضهم يمارسون دينهم اليهودي سرًا. انظر: هدى درويش أسرار اليهود المتنصّرين، في الأندلس، عين للدّراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 2007. ص2.

*  المصادر والمراجع  *

1- إسماعيل أدهم، لماذا أنا ملحد، مجلّة الرّسالة، عدد: أغسطس 1937م.

2- الراّغب الأصفهاني (ت: 502هـ) المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدّار الشّامية، دمشق، بيروت، الطّبعة الأولى، 1412هـ.

3- اعترافات القدّيس أوغسطين، الجزء الأوّل، عـرَّبه: القمّص قزمان البراموسي، مكتبة النّور بمصر،1953م.

4- البُجَيْرَمِيّ المصري (ت:1221هـ) حاشية البجيرمي على الخطيب، دار الفكر، لبنان، 1415هـ، 1995م.

5- يوسف سليم جشتي، تاريخ التصوّف، طبعة مجمع العلماء، أوقاف لاهور، 1976م.

6- شمس الدّين الذّهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، تحقيق: بشار عوّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 2003م.

7- الزَّبيدي (ت: 1205هـ) تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية، القاهرة،1998م.

8- سبينوزا، رسالة في اللاّهوت والسّياسة، ترجمة: حسن حنفي، دار التّنوير، الطبعة الأولى، بيروت،2005م.

9- أحمد شحلان، التّراث العبري اليهودي في الغرب الإسلامي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة، المملكة المغربية، الطبعة الأولى،1427هـ ،2006م.

10- جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، ترجمة: كامل يوسف حسين، سلسلة عالم المعرفة عدد: 76، أبريل 1984م.

11- مصطفى صبري، موقف العقل والعلم والعالم من ربّ العالمين، دار إحياء التراث بيروت لبنان،1401ه/1981م.

12- إحسان إلهي ظهير، التَّصَوُّفُ: المنشَأ وَالمَصَادر، إدارة ترجمان السنّة، لاهور، باكستان، الطبعة الأولى،1986م.

13- ابن عابدين(ت:1252هـ) ردّ المحتار على الدرّ المختار، دار الفكر، بيروت، الطّبعة الثانية، 1412هـ/1992م.

14- ريتشارد أليوت فريدمان، من كتب التّوراة؟ ترجمة عمرو زكريا، دار البيان للنشر، القاهرة ،2003م.

15- أحمد الهواري، الأعمال الكاملة لإسماعيل أدهم، دار المعارف، مصر، 1986م.

16- عبدالوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهوديّة والصهيونيّة، دار الشّروق،القاهرة، 2003م.

17- رجاء النقّاش، تأمّلات في الإنسان، دار المرّيخ، الرياض، 1989.