البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الإمام علي الرضا (ع) والرحلة الأخيرة

الباحث : حيدر الجد

اسم المجلة : العقيدة

العدد : 10

السنة : السنة الثالثة - ذي القعدة 1437هـ / 2016م

تاريخ إضافة البحث : August / 29 / 2016

عدد زيارات البحث : 814

حجم ملف البحث : 256.588 KB

 تحميل

توالت الدراسات التاريخية التي اتخذت من حياة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) مادة لبحوثها حتى أشبعت حياته الطاهرة وسيرته العطرة بحثاً وتنقيباً بين من كتب عنه (ع) ضمن موسوعات الأئمة الإثني عشر (ع)، وبين من اتخذ من سيرته بحثا مستقلاً فاستطاع تسليط الضوء على مفاصل مهمة من حياته المباركة بحيث تمكن من إيجاد عدة تفسيرات للكثير من المواقف الغامضة والأمور المبهمة التي ألقت بظلالها على الكثير من الحقائق فلم تعد واضحة للعيان مما جعل هذه الدراسات فتحاً جديداً وانتصاراً باهراً لنظرية إعادة قراءة التاريخ على تفسير واستنتاج وتحريك النص التاريخي نحو إظهار الحقائق الكامنة داخل النص والتي تم تجميدها ردحاً من الزمن حينما كان النقل الحرفي والتقليدي هو السبيل الوحيد عند الكتاب والمؤرخين.

بناءً على ما تقدم فقد جاءت دراستنا مكملة لما بدأه الآخرون في البحث والتنقيب، فقد ركزنا في هذه الدراسة عن حركة الإمام الرضا باتجاه بغداد بصحبة الخليفة العباسي المأمون التي كانت آخر رحلة له (ع)، ولم يستطع إكمالها حيث انطلق من قصر الخلافة العباسية في مدينة مرو (عاصمة الخلافة)، ثم وصل سرخس وبعدها استشهد في طوس قبل أن يصل بغداد بمسافة طويلة جداً تتخللها عدة مدن.

أولاً: مرو منطلق الرحلة:

لكي نبدأ من محطة واضحة المعالم، لابد من أن ننطلق من أول نقطة انطلقت منها الرحلة حيث كان سيد الرحلة الخليفة العباسي يصحبه ولي عهده الإمام الرضا (ع)، والفضل بن سهل ذو الرياستين وزير وزراء المأمون وعم زوجته بوران بنت الحسن ابن سهل، وهنا لابدّ من التنويه عن أمر غاية في الأهمية وهو التفريق بين المكان الذي استشهد فيه الإمام الرضا والمكان الذي كان مقراً لعاصمة الحكم العباسي، فالإمام (ع) لم يستشهد في مرو عاصمة الدولة العباسية أيام المأمون، وإنما استشهد في طوس ولعل السبب الذي يجعل الناس يعتقدون بأن المرقد الطاهر الذي يتوسط مدينة مشهد الإيرانية اليوم هو ترادف كلمة خراسان لكلمة مشهد، فبعض المصادر التاريخية لم تركز كثيراً على أنّ مرو كانت عاصمة الخلافة العباسية بل تذكر عموماً أنّ خراسان كانت مركزاً للخلافة العباسية، ولتوضيح ذلك يجب أن نبين أن خراسان ليست مدينة او مقاطعة منذ العهود القديمة بل كانت إقليماً واسعاً يضم عدة حواضر ومدن مهمة خرجت الكثير من العلماء والمحدثين، وكانت المدن المهمة طوس، مرو الكبرى، مرو الصغرى، هرات، بلخ، سرخس، سمرقند، بخارى، وغير ذلك، فتبيّن أنّ خراسان الكبرى أصبحت اليوم مقسمةً بين إيران وأفغانستان وتركمانستان وأوزباكستان، وبما أن مرو تقع في أراضي جمهورية تركمانستان المستقلة عن الإتحاد السوفيتي اليوم، ضمن إقليم ماري (Mary)، فهذا يعني إن إقامة الإمام الرضا (ع) لم تكن في مشهد - موضع قبر الإمام الرضا (ع) الآن- بل في عاصمة الدولة العباسية – مرو-، على أن مشهد هي جزء من خراسان الكبرى، وكما سيأتي خلال البحث.

ينقل الرواة والمؤرخون على عاصمة الخلافة الإسلامية (مرو) تارة واخرى مرو الشاهجان، علماً أنّ هناك مرو أخرى تدعى بمرو الروذ وهي الصغرى أما مرو الشاهجان فهي مرو الكبرى التي كانت مركز العاصمة، فقد زار دعبل بن علي الخزاعي الشاعر المعروف الإمام الرضا (ع) في مرو الكبرى وألقى على مسامعه الكريمة قصيدته التائية الشهيرة، وقد أصبحت مرو العاصمة المركزية للدولة الإسلامية بعد ان انتصر المأمون على أخيه الأمين الذي كان يلي أمر غرب البلاد ومركز حكمه في بغداد والمأمون يلي أمر شرق الدولة ومركز حكمه مرو كما رسم ذلك هارون الرشيد قبيل موته.

تعرف مرو الكبرى بمرو الشاهجان، والشاهجان لفظة فارسية معناها (روح الملك) سميت بذلك لجلالتها عندهم(1)، وقيل موضع رواح الملك في مستقر الملوك(2)، بناها الاسكندر ذي القرنين وقد فتحها المسلمون سنة 22 هـ(3)، وأصبح الأحنف بن قيس والياً عليها (4) ثم توالى الولاة على حكمها في العهدين الأموي والعباسي لغاية دخول المأمون إليها لتصبح أول عاصمة للدولة الإسلامية المترامية الأطرف خارج المحيط العربي، حيث كانت العواصم قبلها (المدينة، الكوفة، دمشق، بغداد) وبانتقال المأمون عادت بغداد عاصمة للدولة ثم ما لبثت حتى ظهرت سامراء مقراً جديداً للحكم العباسي.

حاولت جاهداً من خلال تتبعي للمصادر الحديثة التي تناولت جمهورية تركمانستان وآثارها فلم أجد فيما يخص آثارها ذكراً للقصور العباسية أو قصر المأمون فقد رغبت بتعيين قصر المأمون ليمكننا معرفة مقر إقامة الإمام الرضا (ع) حيث أقام (ع)  بجانب قصر المأمون، ولكن دون جدوى، لحين ما وجدت في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية النص الآتي (... وفي ظاهر باب درستكان من أبواب مرو قصر المأمون وفيه عاش أيام مقامه بمرو) (5).

وقد ذكرها ابن الأثير في مقام تعريفه بشخص يلقب بالسنجاني، فقال: نسبة إلى باب سنجان وهي قرية على باب مرو يقال لها درستكان، وبها كان عسكر الإسلام أول ورودهم مرو(6)، وقد ذكراها الطبري والحموي فأطلقا عليها (درسنكان) (7) بتبديل التاء نوناً، والظاهر من كلام ابن الأثير أن عسكر الإسلام كان بها يؤيد ما تبنته دائرة المعارف الإسلامية من تعيين مقر الخلافة في مرو وبالذات في درسنكان أو درسنكان، وقد علق أحد المؤرخين واصفاً مدينة مرو على مرور الأزمنة بقوله: ( وهكذا تحولت مرو من عاصمة إقليم خراسان وعاصمة القسم الشرقي من الدولة الإسلامية الكبرى إلى عاصمة الدولة كلها إلى ما شاء الله من أحداث إلى بلدة مغمورة) (8).

بقي شيء يجب أن ننوه عنه خلال متابعتنا بأن الإمام الرضا (ع)  لم يغادر مرو منذ وروده إليها من المدينة المنورة وحتى خروجه منها مع المأمون عندما سار قاصداً بغداد. بدأت الرحلة في سنة 202هـ كما يذكر المؤرخون ولم يعينوا اليوم ولا الشهر الذي خرج به المأمون من مرو، إلا أنه يمكن تخمين ذلك من خلال معرفة قيام العباسيين بخلع المأمون وتكليف إبراهيم بن المهدي  بالخلافة في بغداد في محرم 202 هـ كما ذكرت الروايات(9)، ولما وصلت الأنباء للمأمون وبعد أخذ ورد ومشاورة اقترح عليه الإمام الرضا الذهاب إلى عاصمة ملك آبائه فاستحسن الفكرة وخرج المأمون أي في الفترة بين (النصف من محرم لغاية أواخر جمادى الآخرة) كان منطلق الرحلة.

خلال سنة 202هـ، تزوج المأمون بوران بن الحسن ابن سهل، وزوّج أبنته أم حبيب للإمام الرضا، ثم زوّج أبنته أم الفضل محمد بن علي الإمام الجواد (ع) ، وهي التي قامت بسم الإمام الجواد (ع) ببغداد، ولكن السؤال كيف تم تزويج الإمام الجواد (ع)  من بنت المأمون؟ هل بعث بها المأمون إلى المدينة المنورة وتزوجها الإمام الجواد أو استقدم المأمون الإمام الجواد إلى مرو فزوجه ابنته، أو زوجها للإمام الجواد بعد مقتل أبيه عندما استقر ببغداد وبعث على الجواد فزوجه هناك ؟ الظاهر والله العالم إن زواج الإمام الجواد بأم الفضل تم في بغداد بعد استشهاد الإمام الرضا وانتقال المأمون إلى بغداد.

ثانياً: سرخس:

مدينة قديمة من نواحي خراسان كبيرة واسعة وهي بين نيسابور ومرو، في وسط الطريق بينهما وبين كل واحدة منها ست مراحل(10). واليوم تقع ضمن أراضي جمهورية إيران الإسلامية، وتقابلها سرخس أيضاً في الأراضي التركمانستانية.

 ذكرت المصادر التاريخية إن بين مرو الشاهجان وسرخس ثلاثون فرسخاً(11)، أي 144.81كم، ولكن المصادر أغفلت متى دخل المأمون سرخس، وفيها وقعت حادثة مقتل الفضل بن سهل وزير المأمون أثر دخوله الحمام وهجوم ثلاثة رجال عليه بسيوفهم فقتلوه والظاهر أنّها كانت مكيدة من قبل المأمون للتخلص من سهل الذي كان يخفي عليه الأخبار ويتستر على ما يجري في بغداد من أمور خطيرة تؤثر على كيان الدولة الإسلامية ككل، وعندما علم المأمون بذلك أراد أن يتخلص في سرخس بالذات من الفضل ابن سهل ومن الإمام علي ابن موسى الرضا (ع)  بحيلة دخول الحمام للتخلص من شؤمة ذلك اليوم ولكن الإمام أبى دخول الحمام فدخله الفضل وفيه قتل وقد أرخ الطبري الحادثة في الثاني من شعبان سنة 202هـ (12).

بقي المأمون في سرخس بعد حادثة قتل سهل لغاية يوم الفطر سنة 202هـ، حيث رحل نحو العراق في ذلك اليوم كما ذكر الطبري ذلك، أي بقي المأمون في سرخس مدة شهرين بعد مقتل الفضل بن سهل ثم ارتحل، والظاهر أنّ الطرق الوعرة والجبلية كانت تفرض على المسافرين أن يسلكوا طرقاً ملتوية ولو كانت المسافة بعيدة لتجنب الجبال العالية مما يجعل وقت التنقل بين الحواضر والمدن طويلاً.وهذا لا يمنع ملاحظة إن تاريخ خروج الركب من سرخس كان في الأول من شوال 202 هـ ولغاية استشهاد الإمام في طوس في أواخر صفر سنة 203 تبلغ حوالي سنة ونصف وهذا ينصرف إلى أمرين

الأول: أن يكون التاريخ خطأً أي أن استشهاد الإمام الرضا قي طوس كان في أواخر صفر سنة 202 هـ وليس سنة 203هـ وهذا يمكن القبول به حيث تكون الفاصلة الزمنية حوالي أربعة أشهر، وهي مدة معقولة لكي يسير موكب المأمون من سرخس قاصداً طوس.

الثاني: أن يكون التاريخ صحيحاً وأنّ المأمون مكث فترة طويلة في سرخس يخطط كيف يتخلص من الإمام الرضا خصوصاً بعد فشل مؤامرة الحمام التي أراد بها أن يضرب عصفورين بحجر فيتخلص من الفضل والإمام الرضا في آن واحد، وكذلك أراد أن يصفي أمور الدولة ويؤمن طريق رحلته من سرخس  إلى طوس، خصوصاً وإن الناس اتهمته في قتل الفضل ابن سهل على الرغم من قتله لقاتلي الفضل ومحاولة التملص من فعلته والتبرؤ أمام أهالي سرخس الذي ينتمي الفضل إلى إحدى أسرها المعروفة.

يعضد الرأي الثاني تغير المأمون على الإمام الرضا فقد ذكرت بعض الروايات أنّ المأمون سجن الإمام فعن أبي عبد السلام بن صالح الهروي قال: (جئت إلى باب الدار التي حُبس فيها الرضا بسرخس وقد قُيّد فاستأذنت عليه السجّان، فقال لا سبيل لك إليه) (13)، وهذا يدل على تغيّر المأمون على الإمام فبعد أن جعله ولياً لعهده بدأ الآن بمحاولاته للتخلص من الإمام وإبعاده عن مسرح الحياة السياسية وإلا بماذا نفسر وضع الإمام الرضا تحت الإقامة الجبرية وتقييده ومنع أقرب المقربين إليه؟ وهو أبي الصلت صاحبه وولي سره وأمره؟.

ثالثاً: طوس:

 آخر محطة جمعت الإمام الرضا (ع)  بالمأمون، وهي مدينة كبيرة بخراسان بينها وبين نيشابور 10 فراسخ تشتمل على بلدتين يقال لأحداهما الطابران وللأخرى نوقان ولهما اكثر من ألف قرية فتحت أيام عثمان بن عفان(14)، وسناباد قرية من قرى طوس بينها وبين مدينة طوس نحو ميل(15)، وقيل هي عن نوقان على دعوة، أي قدر سماع صوت الشخص(16).

استغل المأمون مرض الامام الرضا أثناء الطريق إذا أرهقه السفر وعناء الطريق، حيث تقول الرواية:( وفي طريق المأمون إلى العراق وقبل وصوله مدينة طوس بسبعة منازل على ما روى الصدوق في العيون عن ياسر الخادم اعتلّ أبو الحسن الرضا (ع)  وقال ياسر: إننا دخلنا طوس وقد اشتدت بالإمام العلة فبقينا في طوس أياماً، فكان المأمون يأتيه كل يوم مرتين(17)، واشتدت علته، وقد ذهب عدد من المؤرخين إلى أن أعراض السم كانت بادية ظاهرة على الإمام (ع) ).

 سنحت الفرصة حينها للمأمون لقتل الإمام الرضا (ع)  والتخلص منه إذ وجد في مرض الإمام غاية ما كان يخطط له منذ فشل محاولة قتله في حمام سرخس مع الفضل بن سهل، حيث تمكن من القضاء على الإمام الرضا عن طريق السم الذي كان طريقاً سهلاً بحيث يجعل كثيراً من رجال الدولة وعامة الشعب مقتنعين بأن الإمام مات بفعل مرضه لا بفعل السم الذي سرى بجسده، فأخذ منه أي مأخذ وبذا فقد صفا الوضع للمأمون ووطد علاقته مع آل بيته من العباسيين الذي نقموا عليه وخلعوه ببغداد بعد أن علموا بإقدام المأمون على تعيين الإمام الرضا ولياً لعهده، وعليه سيدخل بغداد بكل ترحيب من العباسيين أنفسهم ومن أتباعهم والمستفيدين من خلافتهم للمسلمين.

لقد شهدت طوس وبالذات قرية سناباد نزول الإمام الرضا فيها مرتين، مرة أثناء طريقه إلى مرو قادماً من المدينة المنورة بعد إشخاصه إليها من قبل المأمون ومرة ثانية كانت الأخيرة حيث أصبحت مثواه الذي طالما ذكره وذكر غربته فيه وأجر من زاره بسناباد، كما ذكر (ع)  دفنه و هارون الرشيد في موضع واحد.

تشير أغلب الروايات إلى أن الإمام الرضا نزل في بستان حميد بن قحطبة المتوفي في سنة 159هـ، خلال مروره في سناباد ذهاباً وإياباً، وهي التي أصبحت فيما بعد مرقده المبارك، وسوف نستعرض الروايات التي تذكر ذلك وكما يلي:

عن ياسر الخادم، لما نزل أبو الحسن علي بن موسى الرضا (ع)  قصر حميد بن قحطبة نزع ثيابه وناولها حميدا فاحتملها وناولها جارية له لتغسلها، فما لبثت أن جاءت ومعها رقعة فناولتها حميداً وقالت: وجدتها في جيب أبي الحسن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام، فقلت: جعلت فداك إن الجارية، وجدت رقعة في جيب قميصك، فما هي؟ قال يا حميد هذه عوذة لا نفارقها، فقلت لو شرفتني بها فقال: هي عوذة من امسكها في جيبه كان مدفوعاً وكانت له حرزاً من الشيطان الرجيم ومن السلطان، ثم أملى على حميد العوذة وهي...) (18).

عن أبي الصلت الهروي قال:( لما خرج علي بن موسى الرضا (ع)  إلى المأمون ... فلما دخل سناباد ... دخل دار حميد بن قحطبة الطائي ودخل القبة التي فيها قبر هارون الرشيد ثم خط بيده على جانبه، ثم قال هذه تربتي وفيها ادفن وسيجعل الله هذا المكان مختلف شيعتي وأهل محبتي والله ما يزورني منهم زائر ولا يسلم علي منهم مسلم إلا وجب له غفران الله ورحمته بشفاعتنا أهل البيت، ثم استقبل القبلة فصلى ركعات ودعا بدعوات فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها فأحصيت له فيها خمسمائة تسبيحة ثم انصرف) (19).

عن أبي الصلت الهروي، (قال بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) ، إذ قال لي: يا أبا الصلت ادخل هذه القبة التي فيها قبر هارون وائتني بتراب من أربعة جوانبها، قال: فمضيت فأتيت به، فلما مثلت بين يديه قال لي: ناولني هذا التراب وهو من عند الباب، فناولته فأخذه فشمه ثم رمى به، ثم قال سيحفر لي هيهنا، فتظهر صخرة لو جمع عليها كل معول بخراسان لم يتهيأ قلعها، ثم قال الذي عند الرجل والذي عند الرأس مثل ذلك، ثم قال: ناولني هذا التراب فهو من تربتي وهي من جهة القبلة) (20).

من النصوص السابقة يمكن ان نستنتج ما يلي:

فيما يخص النص الأول وقد علمنا بموت حميد بن قحطبة الطائي سنة 158هـ وقيل سنة 159هـ (21) أي قبل قدوم الإمام الرضا بحوالي 40 سنة إلى مرو، وهذا الأمر ينسف حادثة لقاء الإمام الرضا بحميد بن قحطبة الطائي، وكيف يمكن للإمام الرضا أن يتصرف مع حميد الطائي وكأنه أحد شيعته ومواليه وهو ربيب العباسيين والجندي الأول في نصرتهم ونصرة دولتهم؟، وهو الذي تلطخت يداه بجرائم إبادة جماعية، فقد قتل في ليلة واحدة ستين علوياً(22) بأمر هارون الرشيد بعد أن أفرغ منهم ثلاثة غرف، يخرج العلوي أثر العلوي فيذبحه ويرمي بجسده ورأسه في البئر حتى أتى على تمام الستين وكان تمامهم شيخاً كبيراً، ومن قبل باء حميد بغضب الله تعالى عندما أجهز على محمد ذي النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط فاحتز رأسه  بعد أن طعنه برمحه وأثخنه بالجراحات في واقعة أحجار الزيت(23)، وغير هذا من الجرائم التي لم يسجلها التاريخ والتي أراد بها حميد هذا التقرب من خلفاء الجور العباسيين الذين سخروا وجندوا العديد من الرجال لتثبيت دعائم حكمهم. فهل بعد ما تقدم من سبب مقنع يجعل الإمام الرضا يملي على مسامع حميد بن قحطبة دعاءً لا يمليه إلا لخواص شيعته ممن عرفوا الحق وتبصروا الطريق؟!.

فيما يخص النص الثاني فقد بين علم الإمام الرضا بأن هذا الموضع سيكون فيه مرقده المبارك، وأعلم نجيه وصاحب سره أبا الصلت بذلك، كما جاءت هنا نسبة البستان لحميد بن قحطبة أيضا، وهنا يجب أن نبين بأن هذه النسبة  المطلقة لا صحة لها، نعم تملكها حميد بن قحطبة ولكن نقلت ملكيتها لحميد الطوسي وكما نعرض فيما يلي:

إن هذه الدار أصلاً كانت ضيعةً لأحد ولاة الأمويين على خراسان ويدعى الجنيد بن عبد الرحمن المري، تولى إمارة خراسان سنة 111هـ، وبقي بها لغاية وفاته سنة 116هـ(24).

 بعد زوال ملك الأمويين وتولي العباسيين زمام الحكم في الدولة الإسلامية وجهوا ولاتهم إلى الأمصار الإسلامية،

بما أن المصادر تشير إلى أن الإمام الرضا (ع)  قد دفن في دار حميد بن قحطبة فلا بأس بأن نلقي نظرة خاطفة على تاريخ هذه الأسرة ودورها في الأحداث.

في سنة 103 وفد جماعة من أهل خراسان إلى منطقة الحميمة(25)، محل نزول بني العباس من أجل نصرتهم والدعوة إليهم في خراسان فالتقوا بـ( محمد بن علي بن عبد الله بن العباس) وبايعوه فأراد محمد هذا أن يجعل بيعته كبيعة رسول الله9 يوم العقبة، فاختار منهم اثنى عشر رجلاً للدعوة  إليه في خراسان وكان بين هؤلاء الاثني عشر رجلاً يدعى زياد بن شبيب بن خالد بن معدان الطائي(26) فأصبح نقيباً وتوثقت علاقته بمحمد بن علي فصار من أصحابه ومن المقربين إليه فاختار له اسما حركياً (قحطبة) وتفسيرها (هبط الحق) قلبت الكلمة فقالوا: قحطبة ومعنى قحطبة (يقال ضربه وطعنه فقحطبه إذا صرعه وبالسيف علاه)(27). وهذه التسمية لم يسم أحد بها من قبل(28).

عاد قحطبة إلى خراسان مع أصحابه وهناك أخذت الدعوة لبني العباس تنتشر واختار النقباء الإثنا عشر سبعين رجلاً ممن يثقون بهم تم تسميتهم بالدعاة(29).

كان من جملة الدعاة الذين اختارهم قحطبة ولديه حميد، الحسن وعبد الحميد بن ربعي بن خالد، ابن عم قحطبة.

صحب قحطبة أبو مسلم الخراساني وناصره في إقامة الدولة العباسية بخراسان وقاد جيوش أبي مسلم وكان مظفراً في جميع وقائعه من خراسان إلى العراق وكان أبناؤه (حميد وحسن) وابن عمه (عبد الحميد بن ربعي الطائي) من جملة القادة الذين يعملون تحت إمرته.

في سنة 132 هـ أخذت جيوش بني العباس تتقدم نحو العراق بقيادة قحطبة الطائي إلى أن أصيب بجرح في إحدى المعارك مع جيش بني امية بقيادة ابن هبيرة، فسقط في نهر الفرات وغرق، فأصبح ابنه حميد قائداً للجيش واستطاع إلحاق الهزيمة بالجيش الأموي ومن مدينة قم توجه إلى الكوفة مع أخيه الحسن وابن عمه عبد الحميد الطائي واظهروا أبا العباس السفاح من مخبئه وبايعوه بالخلافة(30). وأصبحت خراسان والعراق تحت سيطرة العباسيين وبقيت الشام ومصر والحجاز فانتدب أبو العباس السفاح عمه عبد الله بن علي وواعده بأن يكون الخليفة من بعده وكان حميد بن قحطبة وابن عمه (عبد الحميد الطائي) من جملة القادة الذين كانوا معه.

 في سنة 136 هـ توفي أبو العباس السفاح وأعلن المنصور بأنه الخليفة بعد أخيه فدب الخلاف بينه وبين عمه (عبد الله بن علي) فبايع (حميد بن قحطبة وعبد الحميد الطائي) عبد الله بن علي على أنهم سمعوا أبا العباس يوصي بالخلافة لم يذهب لقتال الأمويين في الشام، فكان عبد الله بن علي قد تصدى لقتالهم(31). فأرسل المنصور أبا مسلم الخراساني لقتال عمه عبد الله وطلب منه الحسن بن قحطبة بعد أن استدعاه من أرمينية أن يساند أبا مسلم، في حينها دب الخلاف في جيش عبد الله فالتحق حميد بن قحطبة بجيش أبي مسلم وكان عبد الله بن علي قد فتك بمن كان معه من أهل خراسان فقتل منهم ألفاً وقال له عبد الحميد الطائي: إن أردت أن يصفو لك الأمر فاقتل أهل خراسان وأبدأ بي) (32) 

وفي خبر آخر أن عبد الحميد هذا قد أقره عبد الله بن علي على دمشق ومعه أربعة آلاف، فثار عليه أهل دمشق وقتلوا الأمير أبا غانم عبد الحميد الطائي(33)، وكلا الخبرين يدلان على أن عبد الحميد بن ربعي الطائي قد قتل في فتنة الشام بينما نجا حميد بن قحطبة والتحق بالمنصور وكان عبد الحميد الطائي قد خلف ولدين أحدهم يدعى (أحرم) أصبح فيما بعد قائداً عسكرياً ووالياً لهارون الرشيد على سجستان إلى توفي بها(34). والآخر يدعى (حميداً) والظاهر أن هذا الثاني كان في بطن أمه حين قتل أبيه فسمي حميداً ورباه (حميد بن قحطبة الطائي) للصلة التي كانت بينهم وللرفقة في القتال.

وعلى مر الأيام أخذت عائلة قحطبة بارتقاء المناصب الإدارية فضلاً عن القيادات العسكرية للجيوش وكانت لهم اليد الطولى في قمع الثورات وإرساء الاستقرار لحكومة بني العباس وفي ذلك سفكوا دماء كثيرة وكانت حصتهم أن أصبحوا ولاة الأمصار وقادة الجيوش فهذا (الحسن بن قحطبة) قد استخلفه المنصور سنة (136هـ) على أرمينية، ثم استقدمه سنة (137هـ) لمساعدة أبي مسلم الخراساني على قتال عبد الله بن علي، وسيره سنة (140هـ) مع عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام في سبعين ألفاً إلى (ملطية) فكان للحسن فيها أثر عظيم، وغزا الصائفة سنة (181هـ) في ثمانين ألفاً فأوغل في بلاد الروم وسمته الروم (التنين) وتوفي ببغداد سنة (181هـ) (35).

وأما عن حميد بن قحطبة فقد ولي مصر سنة (143هـ)، ثم أصبح أميراً على الجزيرة، ثم أرسله المنصور لقتال محمد ذو النفس الزكية في المدينة وباشر بنفسه قتل محمداً كما ذكرنا ثم، انتدبه المنصور لقتال إبراهيم أخي محمد ذي النفس الزكية، وقد سمي أحد الأحياء باسمه حين بنيت بغداد باسم (ربض حميد)(36) وأرسله المنصور في سنة (125هـ) لغزو كابل ومن ثم ولاه في نفس السنة إقليم خراسان، وبقي عليها إلى أن توفي المنصور ثم أقره المهدي العباسي في منصبه إلى أن توفي وهو وال على خراسان. وكان له من الأولاد:

 عبد الله: أصبح والياً على خراسان بعد وفاة أبيه لبضعة أشهر(37)، وكان من جملة القادة الذي قاتلوا مع الأمين ضد المأمون ثم انضموا إلى المأمون(38).

 شبيب، كان قائداً لحرس المأمون وحاجبه(39).

بعد هذه النظرة السريعة لتاريخ هذه العائلة نستطيع أن نقول أنها بذلت نفسها في تثبيت وإرساء حكم بني العباس ولم يعرف تاريخها سوى السيف وسفك الدماء وأنها من العوائل المقربة لخلفاء بني العباس(40).

مما تقدم تبين ان هناك خلط بين شخصيتي حميد بن قحطبة الطائي وقريبه حميد بن أبي غانم الطائي  لتشابه الأسماء ووجود هذه القرابة، مما جعل المؤرخون ينسبون ما قام به الأول للثاني وبالعكس، خصوصاً إذا علمنا ان هذه الضيعة كانت لحميد بن قحطبة قبل وفاته سنة 159هـ، بعد انهيار الحكم الأموي ثم أصبحت لحميد بن أبي غانم الطائي الطوسي، وقد مات بها الرشيد العباسي ودفن بها ولكن شهرة حميد بن قحطبة طغت على اسم الضيعة أكثر من غيره بالأخص على حميد الطوسي.

وخلاصة القول إن الإمام علي بن موسى الرضا قد توفي في سناباد في ضيعة حميد بن أبي غانم –عبد الحميد- الطوسي.

فيما يخص النص الثالث، حدد الإمام الرضا أن قبره سيكون قبلة لقبر هارون الرشيد، بالرغم من محاولات المأمون الحثيثة ليكون والده متقدماً على قبر الإمام ولقد صدق دعبل بن علي حينما قال:

قبران في طوس خير الناس كلهم    وقبر شرهم  هــــذا مـــن العبر

ما ينفع الـرجس قرب الزكي وما     على الزكي بقرب الرجس من ضرر

دفن المأمون الإمام الرضا في سناباد وواصل رحلته إلى بغداد ولكن عند مروره بجرجان اغتنم الفرصة فقتل محمد الديباج بن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ليتخلص من آخر خصومه وبذا دخل بغداد ممهداً لعهد جديد من التوادد والتقارب مع أهل بيته العباسيين.

-----------------------------

*  هوامش البحث  *

(1) الحموي، ياقوت، معجم البلدان، 5/113.

(2) السمعاني، الأنساب، 5/265.

(3) العاملي، محسن، أعيان الشيعة، 6/233.

(4) ابن كثير، البداية والنهاية، 7/143.

(5) الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، 11/234

(6) ابن الأثير، عز الدين، اللباب في تهذيب الأنساب، 2/145.

(7) الحموي، ياقوت، معجم البلدان، 3/263، الطبري، محمد، تاريخ، 6/5.

(8) الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، 11/235.

(9) الأمين، محسن، اعيان الشيعة، 5/110.

(10) الحموي، ياقوت، معجم البلدان، 3/208.

(11) المصدر السابق، 5/112.

(12) الطبرسي، الفضل، إعلام الورى بأعلام الهدى، 2/79.

(13) الصدوق، محمد، عيون أخبار الرضا، 1/197.

(14) الحموي، ياقوت، معجم البلدان، 4/49.

(15) المصدر السابق، 3/259.

(16)الصدوق، محمد، عيون أخبار الرضا، 2/28.

(17) المصدر السابق، 1/269.

(18) المصدر السابق، 1/148.

(19) المصدر السابق، 1/147.

(20) المصدر السابق، 1/271.

(21) الزركلي، خير الدين، الأعلام، 2/283.

(22) النمازي، علي، مستدرك علم رجال الحديث، 3/288.

(23) الأصبهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، ص182.

(24) الطبري، محمد، تاريخ، 6/526، الزركلي، خير الدين، الأعلام، 2/140.

(25) تقع قرب عمان بالأردن، الحموي، ياقوت، معجم البلدان، 22/307

(26) ابن عساكر، تاريخ دمشق، 49/297، الزركلي، خير الدين، الأعلام، 5/191.

(27) الزبيدي، محمد، تاج العروس، 1/422، ابن منظور، محمد، لسان العرب، 1/662.

(28) السمعاني، الأنساب، 3/498.

(29) مؤلف مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص221.

(30) المصدر السابق، 223.

(31) الطبري، محمد، تاريخ، 6/123.

(32) الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، 2/169.

(33) ابن كثير، البداية والنهاية، 10/56.

(34) ابن خياط، خليفة، تاريخ، ص279.

(35) الزركلي، خير الدين، الأعلام، 2/211، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 7/415.

(36) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 1/103.

(37) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، 15/ 290.

(38) ابن كثير، البداية والنهاية، 10/256.

(39) اليعقوبي، تاريخ، 2/ 470.

(40) النجفي، سعد، اين دفن الإمام الرضا 7، مقالة في مجلة ينابيع، العدد (23) 1429هـ .