البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الإمامة كما وضحها الإمام الرضا (ع)

الباحث : أ.م.د. عباس علي الفحام

اسم المجلة : العقيدة

العدد : 10

السنة : السنة الثالثة - ذي القعدة 1437هـ / 2016م

تاريخ إضافة البحث : August / 29 / 2016

عدد زيارات البحث : 438

حجم ملف البحث : 353.896 KB

 تحميل

المقدمة

بدءاً نحمد الله تعالى على ما أنعم علينا وأفاض مما لا نستحق ونصلي على نبيه الأمين وعلى آله الميامين، وبعدُ، فقد كان أهل بيت النبوة : وما زالوا أمانا لأهل الأرض ينتهل العارفون منهم روحانية ونقاء مثلما يستزيد منهم الباحثون عطاء وعلما.

ومن هذه السلسلة الذهبية الإمام أبو الحسن علي بن موسى الرضا (ت198هـ) الذي أغنى المكتبة العربية والإنسانية بالزاد المعرفي في عمق استدلالاته وتفسيراته وجمال أحاديثه، ومن هذا المنبع الثر اخترنا موضوع (الإمامة) بحثاً ودراسةً لما زخر بها مأثوره الكبير 7، ويبدو أنها مثلت جانبا مهما من الحياة الثقافية للإمام (ع)  وللمجتمع نظرا لمنصبها الخطير في قيادة الأمة وقوة شرعيتها. واستقام عنوان البحث (الإمامة كما وضحها الإمام الرضا)، وتضمنت خطة الدراسة مبحثين حاولت أن أستقصي فيهما ما أثر عن الرضا (ع)  في ذلك، لذلك استوى المبحث الأول بعنوان (سمات الإمامة) وحددت على وفق تحليلنا لمأثور الإمام (ع)  جملة من السمات تمثلت بـ(الاختيار الإلهي، وأصالة التاريخ، واتصال الذرية، والتعريف الواسع والوظائف الخاصة، وكمالات الإمامة). أمّا المبحث الثاني فقد تناول موضوع (إثبات الإمامة) وتحدد بدراستين هما: المناظرات، والوقفات التوضيحية، على وفق استقصائنا لما جاء في تراجم الإمام.

وقد اتسم البحث بمجمله بسمة التحليل المنطقي والاستنتاج المؤدي إلى نتائج محددة تضمنتها الدراسة في نهاية المطاف. وقد كان سندنا في ذلك كله جملة عريضة من مصادر المكتبة العربية من تراجم وتاريخ وتفسير وأدب. نسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إلى سبيل المعرفة وخدمة تراث أهل بيته المعصومين : وتوفيقنا في توظيف أقلامنا في التعريف بالأجيال اللاحقة بهذا الكنز الإنساني العظيم، إنه ولي التوفيق.

مدخل

اتسم عصر الإمام علي بن موسى الرضا بنوع من الانفتاح على الأمم ولاسيما حين اتخذ المأمون بن هارون الرشيد من أخواله في الجانب الشرقي الفارسي سندا له، لذلك استعان بهم كثيرا في توطيد حكمه واستقراره أولاً في بلاد فارس ثم الانتقال إلى بغداد عاصمة الخلافة والحكم. ومن هنا عمل المأمون أولا على استقدام الإمام علي بن موسى الرضا إلى خراسان لأهداف ستراتيجية قائمة في جوهرها على خدمة سلطانه وتحييد حركة الرضا بانتزاعه من مجتمعه وزرعه في مجتمع جديد في حسابات خاطئة أثبتها التاريخ فيما بعد بدليل ما نشهده اليوم من ذكر عظيم متألق للرضا (ع)  والتفاف عجيب للإيرانيين وغير الإيرانيين في شرق الأرض وغربها حول مشهد غريب طوس (ع) . على أي حال فإن غرابة تولية الرضا (ع)  ولاية العهد مرغما تدل على خطة خفية من المأمون تندرج ضمن هذا الإطار غير المباشر مع ظاهرة أهل البيت وفشل المواجهة المباشرة معهم، غير أن الإمام كان على دراية بما يرمي إليه لذلك حين أرغم على ولاية العهد اشترط أن تكون بالاسم فقط ولا إمرة له فيها. ويبدو أن الشغل الشاغل للسياسات السابقة للمأمون وحتى عصر المأمون هو الشعور الحيوي باغتصاب الحكم من القادة الشرعيين لأئمة أهل البيت : فهم الذين جمع الله تعالى لهم القيادة وشرف الإمامة. ولذلك كرّس الرضا (ع)  طاقاته في توضيح مفهوم الإمامة ومبينا مهامها الإلهية ووظائفها لخواص أصحابه  ولعامة الناس، لأن أكثر ما روي عنه أن هذا المأثور من الحديث الطويل حول موضوع الإمامة جرى في يوم جامع للناس هو الجمعة وفي مكان عام هو المسجد. وسنقسم الدراسة تبسيطا للقاريء على مبحثين هما تحديد سمات الإمامة وأما الثاني فهو طرائق إثبات الإمامة. 

المبحث الأول

سمات الإمامة

الإمامة لطف من الله تعالى بعباده ورحمة، كونها ضمانة لتسديد العباد واستمرار بقائهم في فضاء التوحيد الإلهي، فهي الامتداد الحقيقي للنبوة، وتختلف عنها باختلاف توزيع الوظائف والمهام، وقد فصّل الإمام الرضا (ع)  الكلام في شأن الإمامة لأهميتها الكبرى في قيادة الأمة ،ولكثرة ما شغلت العلماء والمفكرين في حقيقتها الناصعة التي حاولت السلطات المتعاقبة طمس أثرها وتشويه فكرتها، من أجل إحلال سلطة مزيفة مكانها، فطوال التاريخ السياسي الإسلامي نجد الحاكم ينصب نفسه إماما على المسلمين ليجمع بين أثرين عظيمين هما سلطة السياسة وسلطة الدين، وما لقب الخليفة الذي يطلق على كل حاكم إلا مثال عملي لما نقول. بينما الحال أن الإمامة منصب إلهي لا دخل للعباد فيه. ومن هنا تصدى الإمام لتبيان الأمر لخواص أصحابه - واسمه عبد العزيز بن مسلم- لإذاعته بين الناس في بدء مقدمه لمرو ([1]) في حديث طويل يمكن تقسيمه على نحو الآتي:

أولا: الاختيار الإلهي:

قال الرضا (ع)  لمّا أخُبر بكثرة اختلاف الناس بشأن الإمامة «يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم، إن الله عز وجل لم يقبض نبيه 9 حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ، بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا، فقال عز وجل: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾([2])  وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره 9: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾([3])  وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض 9 حتى بين لامته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق، وأقام لهم عليا (ع)  علما وإمام وما ترك شيئا يحتاج إليه الأمة إلا بينه، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله، ومن رد كتاب الله فهو كافر به. هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم، إن الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم»([4]).

ثانيا: أصالة التاريخ:

وسرد الإمام الرضا (ع)  تاريخ الإمامة في سلسلة الأنبياء فقال مواصلا كلامه لما سبق« إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل (ع)  بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره، فقال: ﴿إني جاعلك للناس إماما ﴾([5])  فقال الخليل (ع)  سرورا بها: ﴿ومن ذريتي﴾([6])  قال الله تبارك وتعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ ([7]). فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾([8])([9]). وفي الربط بين العدالة والإمامة إشارة واضحة إلى أحقية الأئمة في قيادة الأمة وتحمل في طياتها تعريض بالحكام الظالمين.

ثالثاً: اتصال الذرية:

وعرض الإمام في حديثه التواصل الطبيعي الوراثي بين الأنبياء وذراريهم المختارين ولاسيما في كلامه عن النبي إبراهيم (ع)  ،فقال «فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها الله تعالى النبي 9، فقال جل وتعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾([10])  فكانت له خاصة فقلدها 9 عليا (ع)  بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان، بقوله تعالى: ﴿قال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث﴾([11]) فهي في ولد علي (ع)  خاصة إلى يوم القيامة، إذ لا نبي بعد محمد 9، فمن أين يختار هؤلاء الجُهّال!» ([12]) وتبدو المفارقة مقصودة في آخر عبارة بين اختيار الله تعالى واختيار العباد، ولاسيما أنها وقعت بعد تفصيل الكلام المتقدم عن اتصال ذرية الأنبياء في الإمامة وتسديد الله تعالى لهم

رابعاً: التعريف الواسع والوظائف الخاصة :

التحديد والوظيفة:

خصّ الرضا (ع)  الإمامة بتفصيل تعريفي مسهب لتبيان أهميتها ووظائفها في قوله: « إن الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول 9 ومقام أمير المؤمنين (ع)  وميراث الحسن والحسين : إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف. الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار. الإمام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار، ولجج البحار، الإمام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى، والمنجي من الردى، الإمام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك، من فارقه فهالك، الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة. الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأم البرّة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد ،الإمام أمين الله في خلقه، وحجته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله. الإمام المطهر من الذنوب والمبرأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين»([13]). وقد تكرّر لفظ (الإمامة والإمام) في ثلاثة عشر موضعا في النص تكرارا يوحي بأهمية الموضوع وخطورته، ووجوب تبيانه مفصلا بصور مختلفة ومن زوايا مضيئة متعددة من معانيه،.فهذا الإسهاب في تعدد صور الإمامة جاء لتوضيح خصائصها وتبيين وظائفها الإنسانية والاجتماعية والروحانية.

علم الإمام:

وجعل الرضا (ع)  التوصيف الأخير للفظ  (الإمام) في عمق العلم وكمال معرفته به فقال « الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب. فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره، هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنى ؟ وهو بحيث النجم من يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ؟!»([14])، وغرضه من ذلك نفي اختيار البشر لقصورهم في إدراك المعرفة بهذا المنصب الرباني، وتأكيد اليقين بأن الإمامة من فيوضات الله لبعض عباده لطفا بالبشر.

احتجاج منطقي :

أردف الرضا (ع)  جمله المتكررة بشأن الإمامة بعد ذلك التكرير والتوضيح بجمل استفهامية إنكارية غايتها التنبيه وايقاظ السامعين من غفلتهم فقال: « أتظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد 9 كذبّتهم والله أنفسُهم، ومنّتْهم الأباطيل فارتقوا مرتقى صعبا دحضا، تزلُّ عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بعدا (قاتلهم الله انى يؤفكون) ([15])،  ولقد راموا صعبا، وقالوا إفكا، وضلوا ضلالا بعيدا، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين. رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله 9 وأهل بيته إلى اختيارهم والقرآن يناديهم: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾([16])  وقال عز وجل: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾([17]) وقال: ﴿ما لكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم بذلك زعيم * أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين﴾([18]) ، وقال عز وجل: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ ([19]) أم ﴿طبع الله على قلوبهم فهم لايفقهون﴾ ([20]) أم ﴿قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾([21])  أم ﴿ قالوا سمعنا وعصينا﴾ ([22]) ﴿بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ ([23])»([24]).

خامسا: كمالات الإمامة :

وعرض الرضا (ع)  تكامل الشخصية المختارة للإمامة من جهات عدة فقال: « بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فكيف لهم باختيار الإمام ؟ ! والإمام عالم لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة، والنسك والزهادة، والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول 9 ونسل المطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش والذروة من هاشم، والعترة من الرسول 9 والرضا من الله عز وجل، شرف الأشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عز وجل، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله. » ([25])، فمن تلك الجهات كمال العلم، وتمام العبادة والزهادة ،وكمال القيادة وشرف النسب النبوي .

سادسا: الامتداد الطبيعي:

وفي هذا المقطع من كلامه ربط الرضا (ع)  ربطا محكما بين النبوة والإمامة في إشارة إلى الحق المضيع في أفضلية أهل البيت في قيادة الأمة كونهم الأئمة الشرعيين لهذه الأمة، فقال: «إن الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان في قوله تعالى: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون﴾([26]) وقوله تبارك وتعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيراً﴾([27])  وقوله في طالوت: ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم﴾ ([28]) وقال لنبيه 9: ﴿أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾([29]) وقال في الأئمة من أهل بيت نبيه وعترته وذريته صلوات الله عليهم: ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما * فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا﴾([30])»([31])، ولا أحسب المجلس الحافل بأهل العلم قد غفل عن مراد الإمام الرضا ومعرفة مضمونه، فضلا عن المأمون وهو اللبيب العارف بخبايا الكلام.

سابعا: ختام بتأكيد البدء :

ومثلما بدأ الإمام بذكر الاختيار الإلهي بهذا المنصب في صدر كلامه، آثر7 تأكيد ختامه بذلك لأهميته فقال: «وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده، شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار، يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده، وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه، تعدوا - وبيت الله - الحق ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوه واتبعوا أهواءهم، فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم فقال جل وتعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾([32])  وقال: ﴿فتعسا لهم وأضل أعمالهم ﴾([33])  وقال: ﴿كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾([34])  وصلى الله على النبي محمد وآله وسلم تسليما كثيراً»([35])، وفي الجمل الأخيرة توبيخ مباشر لمن آثر تفضيل اختياره القاصر على اختيار الكامل سبحانه.

المبحث الثاني

 إثبات الإمامة

اتخذ الإمام الرضا طرائق عدة في إثبات الإمامة وتوضيح مفهومها للخواص ولعامة الناس، كالمناظرات العامة، وبعض الوقفات التوضيحية في الكشف عن خبايا سيرة جده أمير المؤمنين 8 وبعض الأحاديث النبوية الواردة في فضله، ولا ريب في أن كل تلك  السبل المنطقية لإثبات الإمامة تعني بالضرورة تبعا لذلك إثبات إمامته هو (ع) ، وسنقف على ذلك فيما روي عنه في تراجمه:

أولا: المناظرات :

جرت للرضا (ع)  مناظرة طويلة مع مجموعة من أهل العلم من العراق وخراسان في مجلس المأمون العباسي في مرو حول فضل العترة الطاهرة، مجليا في ذلك عن شبهات نسردها على نحو يسهّل على القارئ توضيحها بما يأتي:

التفريق بين العترة والأمة :

ابتدأ المأمون المناظرة الطويلة مُستخبِرا عن معنى قوله تعالى:  « ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا » ([36]). « فقالت العلماء: أراد الله عزّ وجلّ بذلك الأمة كلها. فقال المأمون: ما تقول، يا أبا الحسن ؟ فقال الرضا (ع) : لا أقول كما قالوا، ولكني أقول: أراد الله العترة الطاهرة. فقال المأمون: وكيف عنى العترة من دون الأمة ؟ فقال له الرضا (ع) : إنه لو أراد الأمة لكانت بأجمعها في الجنة، لقول الله تبارك وتعالى: (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير) ([37]) ثم جمعهم كلهم في الجنة فقال: (جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب) ([38])فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم. فقال المأمون: من العترة الطاهرة ؟ فقال الرضا (ع) : الذين وصفهم الله في كتابه، فقال عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ([39])، وهم الذين قال رسول الله 9: إني مخلف فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، أيها الناس لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم» ([40])، ويكثر في احتجاج الرضا (ع)  كما يبدو الاستشهاد بالآيات القرآنية الشريفة، تعزيزا للحجة وتقوية للاستدلال، مستعينا بالمأثور النبوي الشريف في تبيان الفروق بين المراد.

العترة هم الآل:

ورد الرضا (ع)  شبهة لزوم الآل بالأمة ففي تكملة الحديث: « قالت العلماء: أخبرنا - يا أبا الحسن - عن العترة، أهم الآل، أو غير الآل ؟ فقال الرضا (ع) : هم الآل. فقال العلماء: فهذا رسول الله 9 يؤثر عنه أنه قال: أمتي آلي. وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفاض الذي لا يمكن دفعه: آل محمد أمته. فقال أبو الحسن (ع) : أخبروني هل تحرم الصدقة على الآل ؟ قالوا: نعم. قال: فتحرم على الأمة ؟ قالوا: لا. قال: هذا فرق ما بين الآل والأمة » ثم شرع الإمام يذكر الأدلة القرآنية في قوله بعد إقرارهم « ويحكم أين يذهب بكم، أضربتم عن الذكر صفحا، أم أنتم قوم مسرفون ! أما علمتم أنه وقعت الوراثة والطهارة على المصطفين المهتدين دون سائرهم ؟ قالوا: ومن أين يا أبا الحسن ؟ قال: من قول الله عز وجل: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) ([41]) فصارت وراثة النبوة والكتاب للمهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أن نوحا (ع) حين سأل ربه: (فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) ([42]) وذلك أن الله عز وجل وعده أن ينجيه وأهله، فقال له ربه: (يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) ([43]).» ([44])ولا ريب في أن هذا النوع من الاستدلال يتطلب قوة نظر وعمق تدبر في النص القرآني ليست متاحة إلا للأئمة المعصومين كما هو الحال فيما نحن فيه .

بيان فضل العترة :

واتصل الحديث بسؤال المأمون بقوله « هل فضّل الله العترة على سائر الناس ؟ فقال أبو الحسن (ع) : إن الله عز وجل أبان فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه. فقال له المأمون: أين ذلك من كتاب الله ؟ فقال له الرضا (ع) : في قوله عز وجل: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض) ([45])، وقال عز وجل: في موضع آخر: (أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) ([46])، ثم رد المخاطبة في إثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ([47]) يعني الذين قرنهم بالكتاب والحكمة وحسدوا عليهما، فقوله: (أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) ([48]) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين، فالملك ها هنا هو الطاعة لهم» ([49]).

تفسير الاصطفاء :

وتستمر المناظرة الحوارية إذ « قالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر الله عز وجل الاصطفاء في الكتاب ؟ فقال الرضا (ع) : فسّر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعا وموطنا: فأوّل ذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾([50])  هكذا في قراءة أبي بن كعب، وهي ثابتة في مصحف عبد الله بن مسعود، وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآل، فذكره لرسول الله 9، فهذه واحدة.

والآية الثانية في الاصطفاء، قوله عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ([51]) وهذا الفضل الذي لا يجهله أحد معاند أصلا، لأنه فضل بعد طهارة تنتظر، فهذه الثانية .

وأما الثالثة: فحين ميّز الله الطاهرين من خلقه، فأمر نبيه 9 بالمباهلة في آية الابتهال، فقال عز وجل: قل يا محمد ﴿تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين﴾([52]) فأبرز النبي 9 عليا والحسن والحسين وفاطمة (صلوات الله وسلامه عليهم) وقرن أنفسهم بنفسه، فهل تدرون ما معنى قوله عز وجل: ﴿وأنفسنا وأنفسكم﴾؟ قالت العلماء: عنى به نفسهم. فقال أبو الحسن (ع) : غلطتم، إنما عنى بها علي بن أبي طالب (ع) ، ومما يدل على ذلك، قول النبي 9 حين قال: لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي، يعني علي بن أبي طالب (ع)  ([53])، فهذه خصوصية لا يتقدمه فيها أحد، وفضل لا يلحقه فيه بشر، وشرف لا يسبقه إليه خلق أن جعل نفس علي كنفسه، فهذه الثالثة.

وأما الرابعة: فإخراجه 9 الناس من مسجده ما خلا العترة، حتى تكلم الناس في ذلك وتكلم العباس، فقال: يا رسول الله، تركت عليا وأخرجتنا ! فقال رسول الله 9: ما أنا تركته وأخرجتكم، ولكن الله تركه وأخرجكم([54]). وفي هذا تبيان قوله لعلي (ع) : أنت مني بمنزلة هارون من موسى. قالت العلماء: فأين هذا من القرآن ؟ قال أبو الحسن (ع)  أوجدكم في ذلك قرآنا أقرؤه عليكم ؟ قالوا: هات. قال قول الله عز وجل: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة﴾([55]) ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى، وفيها أيضا منزلة علي (ع)  من رسول الله 9، ومع هذا دليل ظاهر في قول رسول الله 9، حين قال: ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب إلا لمحمد وآله.

فقالت العلماء: يا أبا الحسن، هذا الشرح وهذا البيان، لا يوجد إلا عندكم معشر أهل بيت رسول الله 9. فقال: ومن ينكر لنا ذلك ؟ ورسول الله9 يقول: أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها، ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا ينكره معاند، ولله عز وجل الحمد على ذلك، فهذه الرابعة .

 والآية الخامسة قول الله عز وجل: ﴿وآت ذا القربى حقه﴾([56])خصوصية خصهم الله العزيز الجبار بها، واصطفاهم على الأمة، فلما نزلت هذه الآية على رسول الله 9 قال: ادعوا لي فاطمة. فدعيت له، فقال: يا فاطمة. قالت: لبيك يا رسول الله. فقال 9: هذه فدك، هي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وهي لي خاصة دون المسلمين، وقد جعلتها لك لما أمرني الله به، فخذيها لك ولولدك([57])، فهذه الخامسة .

والآية السادسة: قول الله جلّ جلاله: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾([58])وهذه خصوصية للنبي 9 إلى يوم القيامة، وخصوصية للآل دون غيرهم، وذلك أن الله حكى في ذكر نوح (ع)  في كتابه: ﴿يا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون﴾([59]). وحكى عزّ وجلّ عن هود (ع)  أنه قال: ﴿لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون﴾([60])، وقال عزّ وجلّ لنبيه 9: (قل) يا محمد ﴿لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ ولم يفرض الله مودتهم إلا وقد علم أنهم لا يرتدون عن الدين أبدا، ولا يرجعون إلى ضلال أبدا. وأخرى أن يكون الرجل وادا للرجل، فيكون بعض أهل بيته عدوا له، فلا يسلم قلب الرجل له، فأحب الله عز وجل أن لا يكون في قلب رسول الله 9 على المؤمنين شيء، ففرض عليهم مودة ذوي القربى، فمن أخذ بها وأحبّ رسول الله 9 وأحبّ أهل بيته، لم يستطع رسول الله 9 أن يبغضه، ومن تركها ولم يأخذ بها وأبغض أهل بيته، فعلى رسول الله 9 أن يبغضه لأنه قد ترك فريضة من فرائض الله، فأي فضيلة وأي شرف يتقدم هذا أو يدانيه ؟ فأنزل الله هذه الآية على نبيه 9: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾....». ([61])

الآل قرآنياً:

بعد تعداد ست آيات لبيان اصطفاء عترة النبوة طلب المأمون ـ بعد إقراره بالاصطفاء ـ من الرضا (ع)  توضيح اختصاص (الآل) بالعترة الطاهرة من آيات الكتاب العزيز فقال « .. فهل عندك في الآل شيء أوضح من هذا في القرآن ؟ قال أبو الحسن (ع) : نعم، أخبروني عن قول الله عز وجل: ﴿يس والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * على صراط المستقيم﴾ ([62])، فمن عنى بقوله: (يس) ؟ قالت العلماء: (يس) محمد9، لم يشك فيه أحد. قال أبوالحسن (ع) : فإن الله أعطى محمدا9 وآل محمد من ذلك فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله، وذلك أن الله لم يسلم على أحد إلا على الأنبياء (صلوات الله عليهم)، فقال تبارك وتعالى: ﴿سلام على نوح في العلمين﴾([63])، وقال: ﴿سلام على إبراهيم﴾([64]) وقال: ﴿سلام على موسى وهارون﴾([65])، ولم يقل: سلام على آل نوح، ولم يقل: سلام على آل موسى ولا على آل إبراهيم، وقال: ﴿سلام على آل ياسين﴾([66])، يعني آل محمد 9 - فقال المأمون: قد علمت أن في معدن النبوة شرح هذا وبيانه - فهذه السابعة .

 وأما الثامنة: فقول الله عز وجل: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾ فقرن سهم ذي القربى مع سهمه وسهم رسوله، فهذا فصل أيضا بين الآل والأمة، لان الله جعلهم في حيز، وجعل الناس في حيز دون ذلك، ورضي لهم ما رضي لنفسه، واصطفاهم فيه، فبدأ بنفسه، ثم برسوله، ثم بذي القربى بكل ما كان من الفيء والغنيمة وغير ذلك مما رضيه عز وجل لنفسه ورضيه لهم، فقال وقوله الحق: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾([67]) فهذا تأكيد مؤكد وأثر قائم لهم إلى يوم القيامة في كتاب الله الناطق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأما قوله: ﴿واليتامى والمساكين﴾ ([68]) فإن اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من الغنائم، ولم يكن له فيها نصيب، وكذلك المسكين إذا انقطعت مسكنته لم يكن له نصيب من المغنم، ولا يحل له أخذه، وسهم ذي القربى إلى يوم القيامة قائم لهم، للغني والفقير منهم، لأنه لا أحد أغنى من الله عز وجل ولا من رسوله 9، فجعل لنفسه معهما سهما ولرسوله سهما، فما رضيه لنفسه ولرسوله رضيه لهم. وكذلك الفيء ما رضيه منه لنفسه ولنبيه رضيه لذي القربى، كما أجراهم في الغنيمة، فبدأ بنفسه جل جلاله، ثم برسوله، ثم بهم، وقرن سهمهم بسهم الله وسهم رسوله. وكذلك في الطاعة، قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾([69])، فبدأ بنفسه، ثم برسوله، ثم بأهل بيته. وكذلك آية الولاية: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾([70]) فجعل ولايتهم مع طاعة الرسول مقرونة بطاعته، كما جعل سهمهم مع سهم الرسول مقرونا بسهمه في الغنيمة والفيء، فتبارك الله وتعالى ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت ! فلما جاءت قصة الصدقة نزّه نفسه، ونزّه رسوله، ونزّه أهل بيته، فقال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله﴾([71]) فهل تجد في شيء من ذلك أنه جعل عز وجل سهما لنفسه أو لرسوله أو لذي القربى؟ لأنه لما نزّه نفسه عن الصدقة ونزّه رسوله نزّه أهل بيته، لا بل حرّم عليهم، لأنّ الصدقة محرّمة على محمد وآله، وهي أوساخ أيدي الناس لا تحلّ لهم، لأنهم طهروا من كل دنس ووسخ، فلما طهّرهم الله واصطفاهم رضي لهم ما رضي لنفسه، وكره لهم ما كره لنفسه عز وجل، فهذه الثامنة.

وأما التاسعة: فنحن أهل الذكر الذين قال الله في مُحكم كتابه: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ ([72]) .فقالت العلماء: إنما عنى بذلك اليهود والنصارى. فقال أبو الحسن (ع)  سبحان الله! وهل يجوز ذلك؟ إذن يدعونا إلى دينهم. ويقولون: إنه أفضل من دين الإسلام. فقال المأمون: فهل عندك في ذلك شرح بخلاف ما قالوا، يا أبا الحسن؟ فقال (ع) : نعم، الذكر: رسول الله 9، ونحن أهله، وذلك بيّن في كتاب الله عز وجل حيث يقول في سورة الطلاق: ﴿فاتقوا الله يا أولى الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات﴾([73]) فالذكر رسول الله، ونحن أهله، فهذه التاسعة .

 وأما العاشرة: فقول الله عز وجل في آية التحريم: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم﴾([74])، فأخبروني هل تصلح ابنتي أو ابنة ابني وما تناسل من صلبي لرسول الله 9 أن يتزوجها لو كان حيا ؟ قالوا: لا. قال: فأخبروني هل كانت ابنة أحدكم تصلح له أن يتزوجها لو كان حيا ؟ قالوا: نعم. قال: ففي هذا بيان، لأني أنا من آله ولستم من آله، ولو كنتم من آله لحرم عليه بناتكم كما حرم عليه بناتي، لأني من آله وأنتم من أمته، فهذا فرق ما بين الآل والأمة، لان الآل منه، والأمة إذا لم تكن من الآل ليست منه، فهذه العاشرة .

 وأما الحادية عشرة: فقول الله عز وجل في سورة المؤمن حكاية عن قول رجل مؤمن من آل فرعون: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾([75])، فكان ابن خال فرعون، فنسبه إلى فرعون بنسبه، ولم يضفه إليه بدينه، وكذلك خصصنا نحن، إذ كنا من آل رسول الله 9 بولادتنا منه، وعممنا الناس بالدين، فهذا فرق ما بين الآل والأمة، فهذه الحادية عشرة.

 أما الثانية عشرة: فقول الله عز وجل: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾([76]) فخصنا الله بهذه الخصوصية، أن أمرنا مع الأمة بإقامة الصلاة، ثم خصنا من دون الأمة، فكان رسول الله 9 يجيئ إلى باب علي وفاطمة بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرات، فيقول: الصلاة رحمكم الله. وما أكرم الله أحدا من ذراري الأنبياء بمثل هذه الكرامة التي أكرمنا بها، وخصنا من دون جميع أهل بيته. فقال المأمون والعلماء: جزاكم الله أهل بيت نبيكم عن الأمة خيرا، فما نجد الشرح والبيان فيما اشتبه علينا إلا عندكم. وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم كثيرا»([77])، ومن العجب ـ ولا غرابة مع أهل البيت ـ قوة استحضار الدليل القرآني وعمق الاستدلال به استدلالاً لا يقوى عليه غيرهم، باستعمال أسلوب الحصر والتقسيم الذي زاد الكلام رفعة وجمالا، واستقصاء الدليل تلو الدليل .

 ثانيا: وقفات توضيحية :

وقف الإمام الرضا على بعض سيرة جده أمير المؤمنين في إشارة بليغة إلى الربط بين سيرة المصطفى والمرتضى صلوات الله عليهما حين سُئل من أحد أصحابه ـ الهيثم عبد الله الرماني ـ في قوله « يا بن رسول الله أخبرني عن علي بن أبي طالب (ع)  لمَ لمْ يجاهد أعداءه خمسا وعشرين سنة بعد رسول الله 9 ثم جاهد في أيام ولايته ؟ فقال: لأنه اقتدى برسول الله 9 في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة تسعة عشر شهرا، وذلك لقلة أعوانه عليهم وكذلك علي (ع)  ترك مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم، فلما لم تبطل نبوة رسول الله 9 مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة وتسعة عشر شهرا فكذلك لم تبطل إمامة علي مع تركه الجهاد خمسا وعشرين سنة إذا كانت العلة المانعة لهما واحدة» ([78]).

ومثل ذلك استفهام المأمون من الإمام الرضا في قوله « يا أبا الحسن أخبرني عن جدك أمير المؤمنين بأي وجه هو قسيم الجنة والنار وبأي معنى فقد كثر فكري في ذلك ؟ فقال له الرضا (ع) : يا أمير المؤمنين ألم ترو عن أبيك عن آبائه عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت رسول الله 9 يقول: حب علي إيمان وبغضه كفر؟ فقال: بلى. فقال الرضا (ع) : فقسمة الجنة والنار إذا كانت على حبه وبغضه فهو قسيم الجنة والنار، فقال المأمون: لا أبقاني بعدك يا أبا الحسن أشهد أنك وارث علم رسول الله 9 » ([79]) .

 وبطريق الاستدراج العلمي للسامع بإقرار المأمون بصحة ما روي عن النبي9 في فضل علي (ع)  أثبت الإمام الرضا صحة هذه القسمة بين المحبين والمبغضين له. والإمام الرضا بفراسته وبلاغته التي اقتضت مراعاة حال السامع فقد أجاب المأمون بقدر ما أحب أن يسمع من سؤاله وإلا فللحديث صلة بينها فيما بعد لتلميذه أبي الصلت الهروي الذي روى تكملة الخبر بقوله « فلما انصرف الرضا (ع)  إلى منزله أتيته فقلت له: يا بن الله 9 ما أحسن ما أجبت به أمير المؤمنين ؟ فقال الرضا (ع) : يا أبا الصلت إنما كلمته حيث هو ولقد سمعت أبي يحدث عن آبائه عن علي (ع)  إنه قال: قال: رسول الله 9: يا علي أنت قسيم الجنة يوم القيامة تقول للنار: هذا لي وهذا لك»([80])([81]). وفي ذلك غاية المراعاة لحال المخاطب، إذ يوهب السائل الجواب بقدر معرفة استقبال جوابه وانعدام عناده.

وسُئل الإمام الرضا (ع)  «لأي علة صارت الإمامة في ولد الحسين (ع)  دون ولد الحسن (ع)  ؟ فقال: الله عزّ وجلّ جعلها في ولد الحسين (ع)  ولم يجعلها في ولد الحسن  والله ﴿لا يُسأل عما يفعل﴾ ([82]) » ([83]). في إشارة إلى حدود العقل وقصوره في إدراك المفاهيم الغيبية.

الخاتمة

مما تقدم من البحث، يمكن الخروج بجملة من النتائج المحددة نضعها بنقاط منها:

أولاً: شكّل موضوع الإمامة حيزا كبيرا من حياة المجتمع يومذاك، تدل عليها مناظرات الإمام الرضا (ع)  وكثرة خطاباته في ذلك.

ثانياً: بيّن الرضا (ع)  الجوانب الروحانية والقيادية والاجتماعية لوظائف الإمامة .

ثالثاً: أكد الإمام فلسفة اختيار الإمامة بعدها اختيارا إلهيا لا يد للإنسان فيها.

رابعاً: قوة استحضار النص القرآني وعمق الاستدلال والتفسير في الربط بين النصوص في أحاديث الرضا (ع)  ومناظراته.

خامساً: وضح الإمام الرضا (ع)  عواقب العدول عن الاختيار الإلهي بشجاعة وموضوعية .

------------------------------------

*  هوامش البحث  *

( ([1]ظ. أمالي الشيخ الصدوق: 773، عيون أخبار الرضا (ع) ،الشيخ الصدوق: 2/195، الاحتجاج، الطبرسي: 2/226، الكافي، الكليني: 1/ 199

( ([2]الأنعام: 38

( ([3]المائدة: 3

( ([4]أمالي الشيخ الصدوق: 773

( ([5]البقرة: الآية 124

( ([6]البقرة: الآية 124

( ([7]البقرة: الآية 124

( ([8]سورة الأنبياء: الآية 72 و73.

( ([9]أمالي الشيخ الصدوق: 773

( ([10]سورة آل عمران: الآية 68

( ([11]سورة الروم: الآية 56 .

( ([12]أمالي الشيخ الصدوق: 773

( ([13]أمالي الشيخ الصدوق: 773

( ([14]أمالي الشيخ الصدوق: 773

( ([15]اقتباس من قوله تعالى في سورة التوبة: 31.

( ([16]النساء: الآية 166.

( ([17]العنكبوت: الآية 38

( ([18]القصص: الآية 68

( ([19]الأحزاب: الآية 36

( ([20]القلم: الآية 36

( ([21]الأنفال: الآية 31 إلى 23

( ([22]البقرة: الآية 93

( ([23]الحديد: الآية 21

( ([24]أمالي الشيخ الصدوق: 773

( ([25]أمالي الشيخ الصدوق: 773

( ([26]يونس: 35

( ([27]البقرة: 269

( ([28]البقرة: 227

( ([29]النساء: 113

( ([30]النساء: 54، 55، ظ.التبيان، الطوسي: 3/228، مجمع البيان، الطبرسي: 3/109

( ([31]أمالي الشيخ الصدوق: 773

( ([32]القصص: الآية 50

( ([33]محمد (ص ):  الآية 8

( ([34].المؤمن: الآية 35 .

( ([35]أمالي الشيخ الصدوق: 773، عيون أخبار الرضا (ع):  2 / 195 - 200

ظ. الكافي، الكليني: 1/ 13

( ([36]فاطر: 32

( ([37]فاطر : 32 ..

( ([38]فاطر : 33

( ([39]الأحزاب : 33، جامع البيان، الطبري: 22/9، التبيان: 8/340،

( ([40]الأمالي،  الشيخ الصدوق:  615 - 620

( ([41]الحديد : 26 .

( ([42]هود : 45.

( ([43]هود : 46

( ([44]الأمالي، الشيخ الصدوق:  615 - 620

( ([45]آل عمران : 33 و34

( ([46]النساء : 54.

( ([47]النساء : 59

( ([48]النساء: 54

( ([49]الأمالي، الشيخ الصدوق:  615 - 620

( ([50]الشعراء: 214

( ([51]الأحزاب: 33

( ([52]آل عمران 3: 61.

( ([53]ظ.السنن الكبرى، النسائي: 5/127، بحار الأنوار: 21/180، مسند الإمام الرضا، العطاردي: 2/116،

( ([54]ظ.تحف العقول، الحراني: 430، بشارة المصطفى، الطبري: 352

( ([55]يونس 10: 87

( ([56]الاسراء 17: 26

( ([57]ظ.تحف العقول: 341

( ([58]الشورى 42: 23

( ([59]هود : 29

( ([60]هود : 51

( ([61]الأمالي، الشيخ الصدوق:  615 - 620

( ([62]يس: 1 - 4

( ([63]الصافات : 79

( ([64]الصافات : 109

( ([65]الصافات : 120

( ([66]الصافات : 130

( ([67]الأنفال : 41

( ([68]الأنفال: 41

( ([69]النساء : 59.

( ([70]المائدة: 55 .

( ([71]التوبة : 60 .

( ([72]النحل: 43

( ([73]الطلاق : 10 و11.

( ([74]النساء : 23

( ([75]غافر : 28 .

( ([76]طه: 132

( ([77]الأمالي، الشيخ الصدوق:  622 – 625، عيون أخبار الرضا (ع) 1: 228 / 1، تحف العقول: 425، بحار الأنوار 25: 220 / 20 .

( ([78]عيون أخبار الرضا (ع): 1 / 87 – 88 .

( ([79]عيون أخبار الرضا(ع):  1 / 92 – 94، ظ. الكافي: 1/ 13 .

( ([80]ظ. المسترشد: 268،مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب: 2/277، شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد: 2/260.

( ([81]عيون أخبار الرضا (ع):  1 / 92 – 94، ظ. الكافي: 1/ 13، المسترشد: 268،

( ([82] الأنبياء: 23.

( ([83]عيون أخبار الرضا (ع):  1 /  88.

------------------------------------

*  مصادر البحث  *

القرآن الكريم

الأمالي، الشيخ الصدوق(ت  381 هـ)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية،  قم، ط1، 1417 هـ .

الاحتجاج، الطبرسي(ت548هـ)، مطبعة النعمان، النجف، تعليقات: محمد باقر الخرسان، 1966م.

بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، الشيخ محمد باقر المجلسي(ت1111هـ)، مؤسسة الوفاء، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، 1983.

بشارة المصطفى 9 لشيعة المرتضى، محمد بن أبي القاسم الطبري(ق6هـ)،تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني،مؤسسة النشر الإسلامي، ايران، ط1،1420هـ .

التبيان في تفسير القرآن،أبو جعفر الطوسي (ت460هـ).تحقيق:أحمد حبيب القصير، المطبعة العلمية - النجف الأشرف، 1957 م .

 تحف العقول عن آل الرسول، ابن شعبة الحراني، تحقيق: تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، الطبعة الثانية، قم - 1404هـ.

جامع البيان، محمد بن جرير الطبري(ت310هـ)، تقديم الشيخ خليل الميس، ضبط وتخريج وتوثيق: صدقي جميل العطار، دار الفكر للطباعة، 1995م، لبنان.

السنن الكبرى، النسائي(ت303هـ)،تحقيق: عبد الغفار البنداري وسيد كسروي،ط1، 1991م، لبنان.

 شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد المدائني (ت 656 هـ).تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي، القاهرة ،1959 م .

عيون أخبار الرضا (ع)، الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي  - 1984 م، مطابع مؤسسة الأعلمي - بيروت – لبنان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت – لبنان.

الكافي، الشيخ الكليني(329هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، الطبعة الثالثة، مطبعة الحيدري، 1367هـ. قم .

مجمع البيان في تفسير القرآن. الطبرسي. الفضل بن الحسين (ت 548هـ) .حقق وعلق عليه: لجنة من العلماء والمثقفين، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1415هـ - 1995م.

مسند الإمام الرضا، جمعه ورتبه الشيخ عزيز الله العطاردي، ايران، 1406هـ .

مناقب آل أبي طالب، محمد بن علي بن شهرآشوب (ت588هـ)، مصحح من لجنة من أساتذة النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية، 1956م .