البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : دور الإمام الرضا (ع) في معالجة مسائل العقيدة ، التوحيد إنموذجاً

الباحث : أ.م.د. كريم شاتي السراجي

اسم المجلة : العقيدة

العدد : 10

السنة : السنة الثالثة - ذي القعدة 1437هـ / 2016م

تاريخ إضافة البحث : August / 29 / 2016

عدد زيارات البحث : 427

حجم ملف البحث : 294.746 KB

 تحميل

المقدمة

تعتقد مدرسة أهل البيت: انّ للإمامة الحقة ارتباطاً وثيقاً بجميع مفاصل العقيدة الإسلامية، وبالخصوص مسائل التوحيد، فالتوحيد الحق لا يعرف إلا عن أئمة أهل البيت: الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فهم: وجه الله الذي منه يؤتى، وصراطه المستقيم، وباب مدينة علم الرسول 9، وباب حطة، وسفينة النجاة وعدل القرآن، والراسخون في العلم، الذين من عرفهم عرف الله، ومن جهلهم جهل الله، وقد عُرف أبوهم وأولهم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (ع)   بين المسلمين بسيد الموحدين، وقد ورد عنه (ع)  من الخطب والكلمات في هذا المجال ما يعجز عنه البشر حتى قيل: كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين، ولم يعرف التوحيد الحق بعد رسول الله 9 إلا منه (ع)  وبهذا الصدد يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: «وأما الحكمة والبحث في الأمور الإلهية فلم يكن من فن أحد من العرب ولا نقل من جهابذ أكابرهم وأصاغرهم شيء من ذلك أصلاً وهذا فن كانت اليونان وأوائل الحكماء وأساطين الحكمة يتفردون به وأول من خاض فيه من العرب علي (ع)  ولهذا تجد المباحث الدقيقة في التوحيد والعدل مبثوثة في فرش كلامه وخطبه ولا تجد في كلام أحد من الصحابة والتابعين كلمة واحدة من ذلك ولهذا انتسب المتكلمون الذين لجَجُوا في بحار المعقولات إليه خاصة دون غيره وسموه أستاذهم ورئيسهم، واجتذبته كل فرقة من الفرق إلى نفسها...»(1).

وقد قال الفيلسوف المشائي الكبير ابن سينا في حقه (ع) : «انه كان بين أصحاب محمد 9 كالمعقول بين المحسوس»(2).

وقد تناول البحث دور الإمام الرضا (ع)  من أئمة أهل البيت : في معالجة الشبهات ورد التساؤلات المطروحة حول مسائل كثيرة أثيرت حول معرفة الله وتوحيده وصفاته وتنزيهه تعالى عن الجسم والصورة والصعود والنزول ورؤيته تعالى بالبصر والحيز والمكان، وتفسير آيات الغضب والسخرية والمكر والنسيان والخديعة، وغيرها بما يتناسب مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة البشر في الانفعال والنسيان... .

وأيضاً تناول البحث معالجات الإمام الرضا (ع)  لمسائل الجبر والتفويض وقدم القرآن وحدوثه.

وقد انتظم البحث في ستة محاور: الأول مسائل معرفة الله وتوحيده، والثاني الصفات الإلهية، والثالث إبطال رؤية الله تعالى بالعين الباصرة، الرابع تفسير آيات النسيان والاستهزاء وما شاكلها، والخامس الجبر والتفويض، والسادس قدم القرآن وحدوثه.

وقد توصل البحث إلى نتائج مهمة منها انّ معالجات الإمام الرضا (ع)  تتضمن استدلالات عقلية ومنطقية تتناغم وتتجاوب مع الفطرة والوجدان مما تجعل الآخر يسلم ويذعن للحق، والأمر الآخر انحصارية معرفة الله الحقّة فيهم، وان التوحيد الحق لا يعرف إلا منهم :.

ونسلط الضوء في هذا البحث على معالجات الإمام الرضا (ع)  لمسائل متعددة من مسائل التوحيد، ودور الإمام (ع)  في بيان هذه المسائل بطريقة تنسجم مع تنزيه الله تعالى عما لا يليق بساحته من صفات المخلوقين وسوف نتناول هذه المسائل واحدةً تلو الأخرى ونبدأ من إثبات ذات الله تعالى، وننتهي بمسألة قدم القرآن وحدوثه.

أولاً: معرفة الله تعالى وتوحيده:

مما لا شك فيه ان العبادة فرع المعرفة، ولا عبادة إلا بمعرفة وهذا أمرٌ بديهي لا يختلف عليه العقلاء، وقد أشار الإمام الرضا (ع)  في خطبةٍ له إلى هذا المعنى حيث قال (ع) : «أول عبادة الله معرفته وأصل معرفة الله توحيده»(3).

فأولاً يجب التوجه إلى الله تعالى ومعرفته بالدليل والبرهان، وقد ذكر الفلاسفة والمتكلمون أدلة كثيرة على ذلك كما في دليل النظام، ودليل الحدوث، ودليل الإمكان، ودليل الحركة وغيرها، وتتميز هذه الأدلة بأنها توصل إلى الله تعالى من خلال آثاره، أي من المعلول إلى العلة، وهناك أدلة تنطلق من ذاته تعالى في معرفته بدون توسط شيء من آثاره، بل معرفة ذاته بذاته، كما هو المعروف بدليل الصدّيقين الذين أشارت إليه كثير من الآيات القرآنية ومنها على سبيل المثال قول الله تعالى: )اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ( (النور:35).

وقوله تعالى: )أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ((فصلت: 53).

ويعد هذا الدليل ـ دليل الصدّيقين ـ من اشرف الأدلة على وجود الله تعالى لأنه يستدل على الله بالله ويستدل على آثاره به تعالى لا بآثاره عليه كما في باقي الأدلة، وهذا ما تشير إليه كلمات أهل البيت : في أدعيتهم ومناجاتهم، كما في دعاء الصباح للإمام علي بن أبي طالب (ع) : «يامن دلَّ على ذاته بذات وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته»(4).

وفي دعاء عرفة للإمام الحسين (ع) : «كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، ويكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك»(5).

وقوله (ع)  في دعاء عرفة أيضاً: «الهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار»(6).

وأيضاً عنه (ع) : «متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك­»(7).

وفي هذا الصدد ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع)  في تفسير قوله تعالى: )اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ( (النور:35).

قال (ع) : «هادٍ لأهل السماوات، وهادٍ لأهل الأرض»(8).

يعني المنوّر لأهل السموات والأرض، فالأشياء تهتدي وتنوَّر به وليس العكس، فهو تعالى المظهر للأشياء وليس الأشياء مظهرة له تعالى. إلا ان معرفة الله بآثاره المعبر عنه بطريق الآفاق والانفس كما في قوله تعالى: )سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَـهُمْ أَنَّهُ الْـحَقُّ( (فصلت: 53).

وهو طريق أكثر الناس وعامتهم لأنّه يتجاوب مع عقولهم واستئناسهم بالمحسوسات، وقد جاء عن الإمام الرضا (ع)  في هذا الشأن: «بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ لله الملهم عباده الحمد، وفاطرهم على معرفة ربوبيته، الدال على وجوده بخلقه، وبحدوث خلقه على أزله»(9)، فقد أشار الإمام (ع)  في هذا المقطع «الدال على وجوده بخلقه» إلى أن الخلق هم دليل الله عليه تعالى، فهم آثاره والآثار توصل ذوي العقول إلى معرفة المؤثّر، وأشار (ع)  بقوله: «وبحدوث خلقه على أزله» إلى ان الحادث وهو المسبوق بالعدم يحتاج في وجوده إلى القديم الأزلي غير المسبوق بالعدم، وفيه إشارة إلى دليل الحدوث المعروف بدليل المتكلمين الذي يبتني على قياس عقلي برهاني مفاده: ان العالم حادث، وكل حادث يحتاج إلى مُحدِث، إذن العالم يحتاج إلى مُحدِث وهو المطلوب.

وفي حديثٍ آخر عنه (ع)  قال: «الحمدُ لله الذي لامن شيء كان ولا من شيء كوّن ما قد كان مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته وبما وسمها به من العجز على قدرته»(10).

وفي رواية أخرى عنه (ع)  في حواره مع زنديق، حيث يقول الإمام (ع)  للزنديق في صدد إثبات الله تعالى له: «أيها الرجل أرأيت إن كان القول قولكم، وليس هو كما تقولون - من انكار الخالق - ألسنا وإياكم شرعاً سواء لا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا» - يتنزل الإمام (ع)  معه - ثم قال أبو الحسن (ع) : «وإن كان القول قولنا الستم قد هلكتم ونجونا»؟ فقال الرجل رحمك الله أوجدني كيف هو؟ وأين هو؟ فقال (ع) : «ويلك إن الذي ذهبت إليه غلط، هو أيّن الأين بلا أين وكيف الكيف بلا كيف فلا يعرف بالكيفوفية ولا بأينونية، ولا يُدرك بحاسة ولا يقاس بشيء...»، ثم قال الرجل فما الدليل عليه؟ فقال أبو الحسن (ع) : «إني لما نظرت إلى جسدي ولم يُمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجر المنفعة إليه علمتُ أن لهذا البنيان بانياً فاقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المبينات أن لهذا مقدَّراً ومنشئاً»(11).

وهذا الحديث والحوار كسابقه حيث أنه يعتمد الآثار والآيات في الوصول لمعرفة الله تعالى، وهو أجدى وأنفع في الزام الزنديق وهدايته إلى معرفة الله تعالى.

وفي باب التوحيد ونفي الشريك له تعالى يبين الإمام (ع)  أنه كل من قرأ سورة التوحيد وآمن بها فقد عرف التوحيد حيث قال (ع) : «كل من قرأ قل هو الله أحد وآمن فقد عرف التوحيد»(12).

وسُئل الإمام الرضا (ع)  عن أدنى المعرفة فقال (ع) : «الإقرار بأنه لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير وأنه قديم مثبت موجود غير فقيد وأنه ليس كمثله شيء»(13).

ثانياً: الصفات الإلهية:

اختلف المسلمون في مسألة الصفات إلى اتجاهات شتى، فالبعض ذهب إلى زيادة الصفات على الذات، وقال بقدمها وعليه فلازم قوله تعدد القدماء مع الله تعالى وهو شرك بالله تعالى، والبعض ذهب إلى نفي الصفات عنه تعالى وبذلك جرّد الله تعالى من صفاته الكمالية والجمالية وهؤلاء هم المعطلة، وبعض بالغ في تشبيه الله تعالى بمخلوقاته ونسب إليه تعالى ما لا يليق به عزوجل. أما مدرسة أهل البيت : فقد ذهبت إلى إثبات الصفات ولكن من دون تشبيه وتنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين، وهذا هو التنزيه، وقد ورد عنهم :: «تنزيهه تعالى هو إخراجه عن حد التعطيل وحد التشبيه»(14). أي إثبات الصفات الكمالية ولكن من دون تشبيه بخلقه عزوجل.

ولهذا تذهب مدرسة أهل البيت : إلى ان صفاته عين ذاته أي تكثر في المفاهيم دون المصاديق، وهذا يعني انه تعالى سميع بصير قادر حي... وهذه الصفات متكثرة في المعاني دون الوسائل والمصاديق أي ليس له آلة للسمع أو البصر بل ذاته بسيطة ومتصفة بجميع صفات الكمال والجمال، وإلى هذا المعنى أشار الإمام الرضا (ع) : «لم يزل الله تبارك وتعالى عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً»، فقلت له ـ السائل ـ يابن رسول الله ان قوماً ليقولون إنه عزوجل لم يزل عالماً بعلم وقادراً بقدرة أو حياً بحياة، وقديماً بقدم وسميعاً بسمع، وبصيراً ببصر فقال (ع) : «من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى وليس من ولايتنا على شيء»، ثم قال (ع) : لم يزل الله عزوجل عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً»(15).

أما معالجة الإمام الرضا (ع)  للحديث المشهور عند العامة عن رسول الله9: ان الله خلق آدم على صورته(16) الذي يتنافى مع تنزيه الله تعالى واثبات الصورة له تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فقال الإمام (ع)  في معرض الجواب عن هذه الرواية: «قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث، ان رسول الله 9 مرّ برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبّح الله وجهك ووجه من يشبهك، فقال9 ياعبد الله لا تقل هذا لأخيك فان الله عزوجل خلق آدم على صورته»(17).

وهذا الجواب عين العقل والمنطق الذي ينسجم مع تنزيه الله تعالى لأن الضمير في صورته يرجع على ذلك الإنسان الذي تعرّض للسب لا على الله تعالى، وهو كلام وجيه جداً.

وأيضاً جوابه (ع)  لما ترويه العامة عن رسول الله 9: ان الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا(18)، فقال الإمام الرضا (ع) : «لعن الله المحرّفين الكلم عن مواضعه والله ما قال رسول الله 9 كذلك إنما قال 9: ان الله تبارك وتعالى يُنزّل ملكاً إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟... فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محلّه من ملكوت السماء»(19).

وبهذا فان الإمام قد شخص الخلل في هذه الرواية حيث وقف على مورد التحريف فيها مما جعل الرواية تنسجم مع تنزيهه تعالى عن الحركة والنزول والصعود التي هي صفات من شأن الوجود المادي الجسمي الحادث.

وقد جاء عن الإمام الرضا (ع)  في ردّه على من يقول: ان الله جسم أو صورة، فكتب (ع) : «سبحان من لا يُحد ولا يوصف ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء وهو السميع البصير»(20).

والإمام الرضا (ع)  يقسّم الناس في التوحيد بلحاظ الصفات إلى ثلاثة مذاهب وهي: إثبات بتشبيه ـ أي إثبات الصفات لله تعالى مع التشبيه بالمخلوق ـ ومذهب النفي ـ أي نفي الصفات عنه تعالى ـ وهو مذهب التعطيل، ومذهب إثبات بلا تشبيه ـ أي إثبات الصفات لله تعالى مع السمع والبصر وغيرها من الصفات من دون تشبيه بالمخلوق ـ وهو المذهب الحق(21).

ثالثاً: إبطال رؤية الله تعالى بالعين الباصرة:

ذهبت العامة(22) إلى ان الله سبحانه وتعالى يُرى بالأبصار من قبل المؤمنين يوم القيامة، وقد أوردوا روايات موضوعة عن رسول الله 9 تشير إلى هذا المعنى ثم انهم تأولوا الآيات المحكمة لصالح الآيات المتشابهة لإثبات رؤية الله تعالى في الآخرة حتى ان الأشاعرة(23) حاولوا إثبات ذلك عن طريق العقل أيضاً وأنَّى لهم ذلك، فالعقل آلة التنزيه لله تعالى والبوصلة التي تعصمنا من الوقوع في التشبيه والتجسيم.

أما مدرسة أهل البيت  والمعتزلة ومن ذهب إلى تنزيه الله تعالى عن هذه الفرية من باقي المسلمين إلى ان الله تعالى لا يدرك بالأبصار ولا تقع عليه الرؤية بالعين الباصرة لا في الدينا ولا في الآخرة لأن الرؤية لا تقع إلا على ما هو جسم ومادي وفي جهة وهذه تتنافى مع الحقيقة الإلهية البسيطة المجردة.

وقد عالج الإمام الرضا (ع)  هذه المسألة من خلال حواره ومناظرته مع أبي قرّة ولأهمية هذه المحاورة سوف أذكرها بتمامها.

عن صفوان بن يحيى قال سألني أبو قرّة المُحدّث أن أدخله على أبي الحسن الرضا (ع)  فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال: إنا روينا أن الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيين فقسّم الكلام لموسى ولمحمد الرؤية فقال أبو الحسن (ع) : «فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس )لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ( (الأنعام: 103)، )وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً((طه: 110)، )لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ ((الشورى: 11)، أليس محمد صلى الله قال»؟ قال: بلى، قال: «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول: )لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ(، )وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً(، )لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ(»، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً وهو على صورة البشر، أما تستحون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر!

قال أبو قرّة: فانه يقول: )وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى((النجم: 13)، فقال أبو الحسن (ع) : «ان بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال تعالى: )ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى( (النجم: 11)، يقول ما كذب فؤاد محمد 9 ما رأت عيناه ثم أخبره بما رأى فقال تعالى: )لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( (النجم: 18)، فآيات  الله عزوجل غير الله، وقد قال تعالى: )وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً( (طه: 110)»، فإذا رأته الأبصار، فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة، فقال أبو قرّة فتكذب بالروايات فقال أبو الحسن (ع) : «إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبت بها وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علم ولا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء»(24).

هذه الآيات القرآنية التي استدل بها الإمام الرضا (ع)  في إنكار رؤية الله تعالى هي آيات صريحة محكمة واضحة الدلالة قويّة المعنى، ثم ان الإمام (ع)  يضع قاعدة مهمة شريفة في التعامل مع الروايات التي تتعارض مع صريح القرآن فيحكم عليها بالكذب وبالتالي يسقطها عن الحجية، ويضرب بها عرض الجدار لأنها مخالفة لصريح القرآن، وهو حكم في غاية الدقة لأن الروايات قد خالطها الضعيف ومن لا أصل له كالإسرائيليات وغيرها، والقرآن قطعي الصدور لا شك ولا ريب فيه عند جميع المسلمين, وعليه فهذه القاعدة مرجع مهم في التعاطي مع الروايات التي لا تنسجم مع تنزيه الله تعالى عن الجسم والصورة والرؤية بالباصرة وغيرها من موارد التشبيه والتجسيم، وعلى أساسها تحل كثير من الشبهات.

رابعاً: تفسير آيات النسيان والاستهزاء وما شاكلها:

 وردت ألفاظ في بعض الآيات القرآنية تحمل بظاهرها دلالات النقص البشري، وتتنافى مع الكمال الإلهي كما في هذه الألفاظ، (النسيان، الغضب، الاستهزاء، المكر، الخداع...).

وقد عالجها الإمام الرضا (ع)  بطريقة تتلائم مع الكمال الإلهي في تنزيهه عن صفات المخلوقين، فقد ورد عن الإمام الرضا (ع)  عندما سُئل عن قوله تعالى: )نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ((التوبة: 67)، فقال (ع) : «إن الله تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو وإنّما ينسى ويسهو المخلوق المحدث ألا تسمعه عزوجل يقول: )وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا((مريم: 64)، وإنما يجازي من نسيه ونسي لقاءه يومه بان ينسيهم انفسهم كما قال عزوجل  )نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ( (الحشر: 19)، وقوله عزوجل: )فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا( (الأعراف: 51)» (25).

ان العقوبة من جزاء العمل أي كما تركوا الله تعالى فان الله تعالى يتركهم وعليه فالنسيان الترك.

وفي تفسير قوله تعالى: )كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ((المطففين: 15)، فقال الإمام الرضا (ع) : «إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يحل فيه فيحجب عنه فيه عباده ولكنّه يعني: أنهم عن ثواب ربهم لمحجوبون»(26).

وفي تفسير قوله تعالى: )وَجاءَ رَبُّكَ وَالْـمَلَكُ صَفًّا صَفًّا((الفجر: 22)، قال الإمام الرضا (ع) : «ان الله عزوجل لا يوصف بالمجيء والذهاب تعالى عن الانتقال، إنما يعني بذلك وجاء أمرُ ربك والملك صفاً صفاً»(27).

وفي قوله تعالى: )هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْـمَلائِكَةُ((البقرة: 210)، قال الإمام الرضا (ع) : «ان الله تعالى يبعث عليهم ملائكة في ظل من الغمام وليس الله هو الذي يأتي»(28).

وقوله عزوجل: )سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ ((التوبة: 79)، وقوله عزوجل: )اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ((البقرة: 15)، وقوله عزوجل: )وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( (آل عمران: 54)، وقوله عزوجل: )يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ(، فقال الإمام الرضا (ع) : «ان الله تبارك وتعالى لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع ولكنه عزوجل يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً»(29).

وهو توجيه رائع دقيق، ينسجم مع العقل والوجدان ويتلاءم مع الكمال الإلهي اللامحدود واللامتناهي.

خامساً: الجبر والتفويض:

انقسم المسلمون في أفعال الإنسان إلى اتجاهات عدة فمنهم من قال ان الإنسان مجبور في أفعاله والله هو الخالق لها والإنسان كالريشة في مهب الريح وكالشجرة تحركها الرياح وكالماء يجري في النهر وهؤلاء هم المجبرة(30)، واتجاه آخر ذهب إلى ان الإنسان مختار ليس لله دخل في أفعاله وهؤلاء هم المعتزلة(31)، واتجاه آخر ذهب إلى نظرية الكسب والتي مفادها ان الله تعالى هو الخالق للأفعال والإنسان هو الكاسب لها وهؤلاء هم الأشاعرة(32)، وهذه المقولة لا تخرج عن مقولة المجبرة، لأن أفعال الإنسان أيضاً فيها مخلوقة لله تعالى.

أما مقولة أهل البيت : في أفعال الإنسان فهي المعروفة بـ «لاجبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين»(33).

وهي المقولة التي حلت جميع الإشكالات في مسائل الجبر والتفويض فالجبر يستلزم نسبة الظلم إلى الله تعالى وهو قبيح والله تعالى منزه عن القبيح، والتفويض يستلزم إخراج الله من سلطانه، وقد وضع الإمام الرضا (ع)  في معالجة هذه المسألة أصلاً مهما تنحل معه جميع الإشكالات والشبهات في مسألة الجبر والتفويض، فيقول الإمام الرضا (ع)  لأتباعه عندما سُئل عن الجبر والتفويض: «ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلا كسرتموه»، قلنا: إن رأيت ذلك، فقال (ع) : «إن الله عزوجل لم يطع بإكراه ولم يعصَ بغلبة ولم يهمل العباد في ملكه، وهو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً ولا منها مانعاً وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه»، ثم قال (ع) : «من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه»(34).

أي ان الإنسان ليس مجبراً على أفعاله، ومن جهة أخرى ليس مفوضا، ليس مختارا مطلقاً لأنه يمارس أعماله بحول وقوّة من الله تعالى ولكن الإنسان هو الذي يباشر أعماله بالحول والقوّة الممنوحة له من الله تعالى فان عاقبه الله على أعماله السيئة فعين العدل، لأن الإنسان هو الفاعل لها وباختياره، وان أثابه على أعماله الصالحة فباستحقاقه لأنّه هو المختار لها ولكن بحول وقوّة من الله تعالى تصدر عنه، فمن جهة هو مختار حر ومن جهة أخرى لم يخرج عن قدرة الله وسلطانه لأن وجوده قائم وفعله صار بحولٍ من الله تعالى وقوّته.

سادساً: قدم القرآن وحدوثه:

وأخيراً نذكر معالجة الإمام الرضا (ع)  لمسألة مهمة حدثت في زمانه وهي مسألة قدم القرآن وحدوثه التي حصلت على أساسها اختلاف بين اتجاهين اتجاه المعتزلة، واتجاه أهل الحديث وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، وقد دخلت الأمة بسببها في محنة وخلاف كبير، وعلى أساسها سفكت دماء، وزج الأبرياء في السجون، وقد تبنت السلطات العباسية في زمن المأمون والواثق والمعتصم آراء المعتزلة في ان القرآن مخلوق، وأخذوا يمتحنون الناس على أساس هذه المقولة، ومن جهة أخرى تبنى المتوكل العباسي فيما بعد اتجاه الحنابلة وأهل الحديث في ان القرآن قديم وغير مخلوق.

وقد عالج الإمام الرضا (ع)  هذه المسألة بطريقة عقلائية رائعة لم ينصر بها أي الاتجاهين المتقدمين حيث قال (ع)  عندما سئل عن القرآن أخالق أو مخلوق؟ فقال (ع) : «ليس بخالق ولا مخلوق ولكنّه كلام الله عزوجل»(35).

وهو رد صريح على أصحاب الاتجاهين وعدم التأييد لأي طرفٍ منهم، فمن جهة الإمام (ع)  يرد مقولة أهل الحديث الذين قالوا بأن القرآن قديم، والقديم لازمه أن يكون خالقاً ولذلك قال الإمام (ع) : «القرآن ليس خالق»، ومن جهة أخرى رد مقولة المعتزلة الذين وصفوا القرآن بكونه مخلوق مع العلم ان الإمام إذا نفى عن القرآن صفة المخلوقية فلا يعني ان القرآن خالق، لأن الإمام (ع)  في مقولته قال: «ليس مخلوق» أي ليس ببالي، ثم ان الإمام (ع)  أشار إلى أنه يكتفى بأن نصف كتاب الله بكلام الله وكفى، ونتوقف من الخوض في وصف القرآن بصفات ليس لها نصيب من القرآن والسنة.

ثم بعد ذلك كتب الإمام علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا: وهو الإمام العاشر من أئمة أهل البيت (ع)  إلى شيعته في بغداد بخصوص هذا الأمر بما يرفع اللبس ويسمي الأشياء بأسمائها جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم عصمنا الله وإياكم من الفتنة فان يفعل فقد أعظم بها نعمة وإن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب فيتعاطى السائل ما ليس له ويتكلف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلا الله عزوجل وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين جعلنا الله وإياكم من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون»(36).

نكتفي بهذه النماذج من معالجات الإمام (ع)  في مسائل التوحيد.

النتائج

لقد توصل البحث إلى نتائج مهمة منها، ان معالجات الإمام الرضا (ع)  تتضمن استدلالات عقلية ومنطقية تتناغم وتتجاوب مع الفطرة والوجدان، مما تجعل الآخر يسلم ويذعن لتلك الاجابات.

والأمر الآخر انحصارية معرفة الله الحقة فيهم لأنهم عدل القرآن، وباب مدينة علم الرسول 9 وباب حطة وصراطه المستقيم، والراسخون في العلم، والمطهرون من الرجس وسفينة النجاة، والذين من عرفهم عرف الله ومن جهلهم جهل الله، وعليه فالتوحيد الحق لا يعرف إلا منهم.

-------------------------------

*  هوامش البحث  *

 شرح نهج البلاغة 6 / 370 ـ 371.

 الماحوزي / كتاب الأربعين / 24.

 الصدوق / التوحيد / 20 / 2.

 المجلسي / البحار / 91 / 243.

 م. ن / 64 / 142.

 م. ن / 95 / 225.

 م. ن.

 الصدوق / التوحيد / 110 / 1.

 م . ن / 31 / 14.

م. ن / 39 / 26.

الكليني / أصول الكافي / 48 / 3.

م. ن/ 55 / 4.

الصدوق / التوحيد / 224 / 1.

ظ: م. ن / 69 / 1.

م. ن / 98/ 3.

عبد الله بن أحمد بن حنبل / السنة / 169 / 907.

الصدوق / التوحيد / 107 / 11.

صحيح البخاري 2 / 47 (باب التهجد في الليل).

الصدوق / التوحيد / 128 / 7.

م . ن/ 66 / 12.

ظ: م. ن/ 66 / 10.

ظ: كريم السراجي / الأسس الدينية للاتجاهات السلفية / 171 ـ 172.

ظ: الايجي / المواقف / 299.

الصدوق / التوحيد / 73 ـ 74 / 9، الكليني/ أصول الكافي / 57 / 2.

الصدوق / التوحيد / 115 / 1.

م. ن / 116 / 1.

م. ن/ 117 / 1 ب 19.

م. ن/ 117 / 1 ب20.

م. ن/ 118/ 1 ب21.

الحلي/ كشف المراد / 424.

م. ن.

م. ن.

الكليني/ أصول الكافي / 90/ 13.

الصدوق / التوحيد / 283/ 7.

م. ن/ 172/ 1.

م. ن/ 172/ 4.

-------------------------------
*  مصادر البحث  *

1- الأسس الدينية للاتجاهات السلفية، د. كريم السراجي، دار الإسلام، بيروت ط1 2010م.

2- أصول الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، (ت 328 هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت ط1 2005م.

3- بحار الأنوار، المجلسي، دار إحياء التراث، بيروت ط3 2008م.

4- التوحيد، الصدوق (ت 381هـ) دار المرتضى، بيروت ط1 2008م.

5- السنة، عبد الله بن أحمد بن حنبل (ت 290 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت ط4 2003م.

6- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي (ت656هـ) دار الجيل، بيروت ط1 1987م.

7- صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل (ت 256هـ) دار الفكر، بيروت 1981م.

8- كتاب الأربعين، الماحوزي (ت 1121هـ) أمير، قم ط1 1417هـ.

9- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، العلامة الحلي (ت 727 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1425 هـ.

10- المواقف، عبد الرحمن الايجي (ت 656 هـ) عالم الكتب، بيروت.