البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : النبوة في كلام الإمام الرضا (ع)

الباحث : المرجع الديني الشيخ عبدالله جوادي آملي

اسم المجلة : العقيدة

العدد : 10

السنة : السنة الثالثة - ذي القعدة 1437هـ / 2016م

تاريخ إضافة البحث : August / 29 / 2016

عدد زيارات البحث : 400

حجم ملف البحث : 445.142 KB

 تحميل

و فيها فصلان:

الفصل الأوّل

في ضرورة النّبوَّة

و قد تقدم في التوحيد الربوبي إن الله سبحانه رب العالمين وإنّه لارب سواه، فلايمكن أن يترك شيء سدى، ولايمكن أن يدبره موجود غير الله تعالى ومن ذلك الإنسان الذي يحتاج إلى من يدبره.

و تدبير كل موجودٍ بحسبه، فإن كان هناك موجود يعيش بالتفكر والاختيار؛ فلابد من تدبيره بالمعرفة والتزكية، فلابد للإنسان ممّن يعرّفه ويزكّيه. ولايمكن أن يقتصر بما أوتي من العلم القليل في ذلك، لأنّ له مساساً بكثير من الأشياء السَّماويّة والأرضيّة، وهو جاهل بحقيقة جلّها.

و يشهد له تضارب الآراء في معرفتها. وعلى فرض علمه بها، يجعل ذلك العلم ذريعة إلى استخدام غيره وتحميل الضَّيْم عليه، كما هو المشهود من تكالب الجوامع الذين لم يستضيئوا بنور الوحي، ولم يلجأوا إلى ركن النّبوَّة، فَهُم بَعْدُ في أمر مَريجٍ لانظام له.

و إلى ذلك يشير قوله تعالى ﴿رسلاً مبشرين ومنذِرين لِئلّا يكون لِلنّاسِ على اللهِ حجّة بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللهُ عَزيزاً حَكيماً﴾ (1) إذ لو كان العقل الإنساني بما أوتي من العلم الطفيف كافياً في الإهتداء إلى النظام المعقول المُنزَّه عن الجور والفساد لَتَمَّتْ حجَّة الله على الناس، ولَما كان لهم على الله حجَّة، ولَما احتيج إلى الرُّسل المُبشِّرين والمُنْذِرين.

و هكذا قوله تعالى: ﴿وَ ما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (2) وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ (3) وقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (4) وغير ذلك من النصوص القرآنيّة الهادفة؛ بأنّ العقل سراجٌ لاصراط، وأنّه نفسه لو خلّي وفطرته السليمة يدعو إلى النّبوَّة ويدرك ضرورتها.

كذلك أفاد مولانا الرضا (ع)  في قوله: «فإن قال قائل: لِمَ أمَرَ الخلق بالإقرار بالله وبِرُسُله وبِحُججه، وبما جاء من عند الله عزّوجلّ؟ قيل: لِعِلَلٍ كثيرة منها: أنّ مَن لم يُقِر بالله عزّوجلّ؛ لَم يَجْتنب معاصيه، ولَم يَنْتَه عن ارتكاب الكبائر، ولَم يُراقِب أحداً فيما يَشتهي ويَستَلذُّ عن الفساد والظّلم. وإذا فعل الناس هذه الأشياء وارتكب كلّ إنسان ما يَشتهي ويَهواه من غير مُراقبة لأحدٍ؛ كان في ذلك فساد الخلق أجمعين، ووُثُوبُ بعضهم على بعض ، فغصبوا الفُرُوج والأموال، وأباحوا الدّماء والنساء، وقتل بعضهم بعضاً من غير حقٍّ ولاجُرم، فيكون في ذلك خراب الدنيا وهلاك الخلق وفساد الحَرث والنَّسل.

و منها: أنّ الله عزّ وجلّ حكيم، ولايكون الحكيم ولايوصف بالحكمة إلا الذي يَحْظَرُ الفساد ويأمر بالصّلاح ويَزجِرُ عن الظلم وينهى عن الفواحش، ولايكون حظر الفساد والأمر بالصلاح والنهي عن الفواحش إلا بعد الإقرار بالله عزّ وجلّ، ومعرفة الآمر والناهي. ولو تُرِكَ الناس بغير إقرارٍ بالله عزّ وجلّ ولا معرفتِهِ؛ لم يَثبُت أمرٌ بصلاح ولا نهيٌ عن فساد، إذ لا آمر ولا ناهيَ.

و منها: إنّا وجدنا الخلق قد يُفسدون بأمور باطنة مستورة عن الخلق، فلولا الإقرار بالله وخشيته بالغيب؛ لم يكن أحدٌ إذا خلا بِشَهوته وإرادته يُراقب أحداً في ترك معصية، وانتهاك حُرمة وارتكاب كبيرة، إذا كان فَعَلَه ذلك مستوراً عن الخلق غير مُراقب لأحدٍ، فكان يكون في ذلك خلاف الخلق أجمعين. فلم يكن قوام الخلق وصَلاحهم؛ إلّا بالإقرار منهم بعليمٍ خبير يعلم السّر وأخفى، آمرٍ بالصّلاح، ناهٍ عن الفساد، ولا تخفى عليه خافيةٌ، ليكون في ذلك انزجارٌ لهم عمّا يَخْلُون به من أنواع الفساد»(5).

ثمّ إنّ هذه العلل ليست على مساق واحد، إذ مفاد بعضها؛ أنّه لو لاالوحي والنّبوَّة لَلَزم فساد الخلق والحَرث والنَّسل وفي تلك خراب الدنيا كما أشار إليه سبحانه ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِى النّاسِ﴾ (6) ولعلّه يمكن أن يتوهَّم الاكتفاء في الصيانة عن الفساد بنوع من القوانين الموضوعة.

و مفاد بعضها؛ أنّه لولا النّبوَّة لزم أن لايكون الله سبحانه حكيماً، لأنّ الحكمة تقتضي المنع عن الفساد، وتوجب الأمر إلى الصَّلاح، وتهدي الناس أيضاً إلى ما هو خير كثير بمعناه الجامع لأىّ كمال، وهذا برهان تامٌّ على النّبوَّة.

و مفاد بعضها؛ أنّه لولا النّبوَّة الناطقة بأنّه إن تجهر بالقول فإنّه يعلم السرّ وأخفى للزم فساد الباطن المستور عن الخلق، الخارج عن حريم القوانين البشريّة، فلا يبلغ الإنسان كماله السامي الذي خُلِق لأجله من نيل البركات التي لا نفاد لها، حسبما أفاده أيضاً مولانا الرضا (ع)  «إنّه أوحى الله سبحانه إلى نبيّ من الأنبياء إذا أطعتَ رضيتُ، وإذا رضيتُ باركتُ وليس لِبَرَكتي نهاية، وإذا عصيتَ غضبتُ، وإذا غضبتُ لَعَنتُ ولَعنتي تبلغ السّابع من الورى»(7).

و حيث أنّ الإنسان موجود يكدح إلى ربّه كدحاً فَيُلاقيه؛ فلابدّ له من صراطٍ وهادٍ مستقرٍّ على ذلك الصراط، يسلك هو نفسه على ذلك الصراط، ويدعو الناس أيضاً إليه، إذ بدون الصراط لايمكن السلوك إلى الله، وبدون الهادي الذي يسير هو على متن ذلك الصراط الذي يكون أسوة للناس، لايمكن الوصول إليه سبحانه.

و لمّا لم يمكن مشاهدة الله سبحانه، ولايتيسَّر لأحد مشافهته؛ فلابدَّ من رسولٍ بينه وبين خلقه، معصومٍ في جميع مراحل الرسالة؛ من تلقّي الوحي، لأنّه يتلقّاه من لَدُنْ حكيم عليم لامجال للبطلان والشكّ ونحو ذلك هناك، ومن ضبط ما تلقّاه وحفظه بلانسيان، لأنّه مسدَّد بمثل قوله تعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاتَنْسى﴾(8)، ومن إملاء ما تلقّاه وحفظه وإبلاغه بلا نقص ولا زيادة ولا ضَنّة على الغيب، لأنّه مُؤيَّد بمثل قوله تعالى ﴿وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إلّا وَحْىٌ يُوحى﴾(9) وبمثل قوله سبحانه ﴿وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنينٍ﴾ (10)، ومن السيرة العمليّة المصونة عن أيّة زلّة تجاه تلك السيرة العلميّة المعصومة عن أيّ خطأ، لأنّه مُزكّى بمثل قوله تعالى ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ﴾ (11) إذ لو لم يكن معصوماً في شيء من عقلَيْه: النظري والعملي، لَما كان رحمة للعالمين وقدوة لهم.

و إلى ذلك أشار مولانا الرضا (ع)  «فإن قال قائل: فَلِمَ وجب عليهم معرفة الرُّسل والإقرار بهم والإذعان لهم بالطّاعة؟ قيل: لأنّه لمّا أن لم يكن في خلقهم وقواهم ما يُكمِّلون به مصالحهم، وكان الصانع متعالياً عن أن يُرى، وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهراً؛ لم يكن بُدٌّ لهم من رسولٍ بينه وبينهم معصومٍ يُؤدّي إليهم أمره ونهيه وأدبه، ويقفهم على ما يكون به إحراز منافعهم ومضارّهم. فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته، لم يكن لهم في مَجيء الرّسول منفعة ولا سدُّ حاجة، ولكان يكون إتيانه عبثاً لغير منفعة ولا صلاح، وليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شيء»(12). حيث أنّه (ع)  وصف الرّسول بالعصمة المطلقة الشاملة لجميع مراحل الرسالة وشؤونها.

وهذا هو البرهان على أصل النّبوَّة وضرورتها، من دون خصيصة لرسولٍ معيّن ولافي مكانٍ محدود أو عصرٍ مشخَّصٍ كما أفاده مولانا الصادق (ع)  بعد إقامة الدليل على ذلك بقوله «ثمَّ ثبت ذلك في كلِّ دهر وزمان ممّا أَتَتْ به الرُّسل والأنبياء من الدِّلائل والبراهين، لِكَيْلا تخلو أرض الله من حُجَّةٍ يكون معه علمٌ يَدلُّ على صدق مقالته وجواز عدالته»(13) لأنّ النّبوَّة الخاصَّة حيث أنّها وصف شخصيٌّ خارجيٌّ؛ لايمكن البرهان الفلسفي عليها، لعدم جريانه في الموجودات الجزئيّة إذ لايؤلّف إلّا من مقدمات ضروريّة ذاتيّة كليّة دائمة .

ثمّ إنّ استيفاء المقال في النّبوَّة والعصمة والإعجاز وضرورة ذلك كلّه، وأنّه لابدَّ من إنسانٍ إلهيٍّ سانٍّ للناس ما يهديهم إلى كمالهم السامي، ولابدَّ من أن يكون معصوماً عن أيّ نقصٍ ضارٍّ في الرسالة والهداية، ولابدَّ من أن يكون له معجزة تدلّ على صدق دعواه، وبيان أنّ المعجزة لاتباين النظام العِلّي وأنّ بين الإعجاز وصدق الدَّعوى ربطاً ضرورياً، وأنّه لايمكن أن يظهر بيد المُتنبّي الكاذب، وأنّه لا يصير مغلوباً لأحدٍ، وغير ذلك من فروع هذا المبحث؛ على ذمّة الفصل الثاني الكافل لها، ونتعرّض له بمنّه تعالى.

الفصل الثاني

في طريق اثبات النّبوَّة لمن يَدَّعيها

إنّ البحث عن النّبوَّة إنّما يتمُّ في بيان أنّها أي النّبوَّة ما هي؟ وأنّها هل هي ؟ وأنّها كيف يمكن أن يصير الإنسان نبيّاً ؟ وأنّها كيف يمكن اثباتها والعلم بتحقّقها خارجاً؟ وغير ذلك ممّا هو المبحوث عنه في باب النّبوَّة، ولسنا الآن بصدد استيفاء المقال فيه.

و قد أُشير إلى تعريفها وإلى ضرورتها تارةً من ناحية العلّة الفاعليّة؛ وهو كون الله سبحانه وتعالى حكيماً أتقن كل شيء حسبما أفاده مولانا الرضا (ع)  (14). واُخرى من ناحية العلّة الغائيّة؛ وهو رجوع الإنسان إلى الله سبحانه وبقاؤه هناك أبداً، حيث أنّ ضرورة المعاد والهدف الغائي توجب ضرورة الطريق الموصِلة إليه وهي الشريعة التي لابدَّ لها من شارع سَماويٍّ فمن اعترف بتلك الغاية لابدَّ من أن يعترف بالصراط المستقيم المنتهي إليها، ومَنْ أنكرها فله انكار الطريق أيضاً، كما هو المأثور عن منكري النّبوَّة القائلين بأنّه ﴿إِنْ هِيَ إلّا حَياتُنَاالدُّنْيا﴾(15).

ولقد تصدّى بحث معرفة النفس من الفلسفة الإلهيّة لبيان أنّ النفس الإنسانية كيف تتكامل بعناية إلهيّة حتى تصل إلى مقام النّبوَّة.

والذي يُهمُّنا الآن هو الكلام في أمرين:

أحدهما: إنّه بماذا يثبت للنّبي أنّه صار نبيّاً، وإنّ ما أُوتيه هو النّبوَّة، وإنّ الذي آتاه إيّاها هو الله سبحانه أو مَلَكٌ من ملائكته بإذنه، وإنّه لايكون من دِعابات قواه الخياليّة والوهميّة، ولا من وساوس الخنّاس الذي يوسوس في صدور النّاس، وإنّ الذي تمثَّل له لا يكون شيطاناً؟ وما إلى ذلك من فروع الضلال وصور الغَىّ.

و ثانيهما: إنّه بماذا يثبت للناس المُرْسَل إليهم إنّ دعوى النّبوَّة والرسالة حقٌّ لاريب فيه، وإنّه نبيٌّ سماويٌّ ولامُتنبّي أرضيٌّ، وإنّه مُخْبِرٌ عن الله سبحانه فيما يقول وليس بِمُفْتِرٍ عليه ولامُتقوِّل؟

و الجامع بين هذين الأمرين؛ هو بيان طريق اثبات النّبوَّة والعلم بها سواء في ذلك الرسول والمُرْسَل إليه إذ يجب على الكلّ أن يؤمنوا بذلك، فكما إنّ الناس المُرْسَل إليهم مكلَّفون بأن يؤمنوا بأنّ ما جاء به ذلك المُدّعي حقٌّ لامِرْيَة فيه، كذلك يجب على نفس المُدِّعي أن يؤمن بما اُنزل عليه. ومن المعلوم إنّ الايمان بشي ء يتوقّف على العلم بأنّه جاء من عندالله فقط، لأنّ الإنسان الموحِّد لايعبد إلّا إيّاه، ولايطيع أحداً سواه إذ لله الدّين واصباً وله الدّين خالصاً وحيث أنّ درجات الايمان بشي ء بحذاء درجات العلم به؛ فأقوى الناس ايماناً بالنّبوَّة هو أعرفهم بها، كما أنّ أجهل الناس بها هو أشدّهم إنكاراً لها. فاتّضح بذلك ضرورة البحث عن طريق اثباتها وهو في ما يلي:

الأمر الأوّل: في أنّه كيف يعلم النّبي إنّه صار نبيّاً؟

كذلك أنّ بعض العلوم الحصولية أوّليٌّ بذاته لايتطرّقه الشك أصلاً، فهو غنيٌّ عن إقامة الدليل عليه، لأنّه الدليل الأساسي والبرهان المبدئي على غيره إذ ليس لغيره من الظهور ما ليس له، حتى يكون ذلك الغير هو المُظهِرَ له كذلك بعض العلوم الحضوريّة مشهود بذاته لا تتطرّقه الشبهة أبداً، فهو في غنىً عن شهوده بغيره إذ ليس لذلك الغير من الشهادة ما ليس له حتى يكون هو الشاهد عليه ففي العلوم الشهودية ما هو المشهود الأوّلي المصون عن الحجاب، ولايمكن الإستشهاد له لغنائه عنه، كذلك لا يمكن الاستدلال المفهومي عليه في منطقة الشهود، إذ لامجال للعلم الحصولي في حوزة العلم الحضوري إذ لاتصوّر هناك ولا تصديق، فلا دليل له ولا برهان عليه مادام الشهود شهوداً وإن يمكن الاستدلال عليه بعد ترجمته بالعلم الحصولي ولُبْسه بلباس المفهوم الذهني. نعم هو بنفسه حجاب نوريٌّ لا يشاهده إلّا الأوحدي من الإنسان المتكامل الذي يخرق بصر قلبه حجب النور، ويصل إلى معدن النّبوَّة، ويصير روحه متّصفاً بها متّحداً معها ؛ فحينئذ لاريب هناك حتى يزول بشهودٍ آخر.

و السّر في ذلك؛ هو إنّ الشّكّ إنّما يتطرّق فيما يكون للباطل هنالك مجالٌ إذ الفرد المشكوك إنّما يردّد أمره بين الحقّ والباطل الذي يشتبه معه فإذا لم يكن للباطل طريق إلى موطن خاصٍّ أصلاً، وكان جميع ما هناك حقّاً لا شريك له ولا شبيه له؛ فأيّ موجود هناك يكون حقّاً، وأيّ شهود هناك يكون شهوداً إلهيّاً، كذلك أنّه لو فرض موطن لا يكون للحقّ هناك مجال لأنّه باطلٌ كلّه فأيّ موجود هناك يكون باطلاً سراباً، ولا وجه للرّيب أصلاً إذ الشّكّ إنّما هو دوران علميٌّ بين ذا وذاك، فالمشكوك شيء يدورأمره بين الحقّ والباطل، فإذا انحصر ما يوجد في موطن خاصٍّ في الحقِّ كما في الفرض الأوّل أو في الباطل كما في الفرض الثاني فلامجال للشّكّ فيه أصلاً، إذ لاثاني حتى يدور الأمر بين الأوّل وبينه.

و حيث أنّ موطن النّبوَّة وحيٌ خاصٌّ ربّانيٌّ له تجردٌّ عقليٌّ ﴿لايَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (16) أصلاً؛ فلامجال للبطلان هنالك الذي لا ولاية فيه إلّا للحقِّ المحض، ولا يمسُّ كرامته يد الخيال والوهم من داخلٍ، ولايد الشيطان المغويِّ من خارج إذ الوهم محجوبٌ عن شهود العقل المجرّد فلايمكن تشيطنه، كما أنّ الشيطان مرجومٌ هناك فلا يمكن أن يستمع شيئاً ويسترق، لأنّ هناك شُهُباً راصدة فمن أراد أن يستمع يجد له شهاباً رَصَداً، ولذا اعترف الشيطان بعجزه عن إغواء المُخْلَصين من عباده فإذا كان هناك مقام مكنون لايمسّه إلّا المطهَّرون فلا مجال فيه للّوث الباطل رأساً، فمعه لا يتطرّق إليه الشك أصلاً، فإذا لم يكن هناك للشّكّ مجالٌ فلا حاجة فيه إلى البرهان إذ لا جهل حتى يرتفع به، ولاشكّ حتى يزول بالدليل فوجوده هو بعينه اثباته. فمن ناله فقد تيقَّن به لأنّ الله سبحانه وهب له كمال الانقطاع إليه فلا يرى إلّا الحقَّ الناشئ من الله تعالى إذ المُفيض لايضلّ ولا ينسى، والمُستفيض معصوم بعصمة لا انفصام لها، فلا يفرض هناك الشك، لأنّ ذلك المقام هو بنفسه ميزانٌ يوزن به الأشياء، فلا يحتاج إلى ميزان آخر فإذا بلغ الإنسان الكامل حدّاً خاصاً يوحى إليه، يصير هو بنفسه متّحداً مع ذلك المقام المحمود، فحينئذٍ لامجال للشّكّ لأنّ ثبوت الشي ء لنفسه وشهوده إيّاها بيِّنٌ لا مِرْيَة فيه إذ ليست النبوَّة وصفا اعتباريّاً يدور أمره مدار الاعتبار كسائر المناصب الاجتماعية، ولا حالاً طارئة تسنح تارة وتغيب أُخرى، بل هو وجود تكوينيٌّ تتحد معه النَّفس النبويّة وتصير هي بعينها إيّاه، فمعه تكون على بيّنةٍ من ربّه بلا حجاب.

ويؤيّد ذلك كلّه ما رُوي عن مولانا الصادق (ع)  من أنّ الرسول هو «الذي يظهر له المَلَك فيُكلِّمه، والنَّبيُّ هو الذي يَرى في منامه، ورُبّما اجتمعت النبوَّة والرسالة لواحدٍ» إلى أن قال السائل: قلتُ له: كيف يعلم أنّ الذي رأى في النوم حقٌّ وأنّه من المَلَك ؟ قال (ع) : «يُوفَّق لذلك حتى يعرفه»(17).

و لعل سرّ اختصاص السؤال بالنوم؛ هو تَنبّه السائل بأنّ اليقظة مصونة عن الشك، وإنّما المحتمل تطرُّقه حال النوم فأجيب بأنّه واليقظة سواء، لأنّ النّبيّ يقظان دائماً إذ النبوَّة نفسها يقظة كما قال رسول الله 9: «إنّا مَعاشِرَ الأنبياء تَنامُ عُيُوننا ولا تَنام قلوبنا، ونَرى من خلفِنا كما نَرى من بين أيدينا»(18).

و حيث أنّ اليقظان مصون عن الغفلة وسبات العقل المُميِّز، وأمّا النائم فليس كذلك؛ فلذا سئل عن ما يرى في النوم والجواب بأنّه يُوفَّق له أي يحصل له ما يفرق به بين الحقّ والباطل وقد عدّ القرآن التقوى ميزاناً للفرق بينهما، حيث قال سبحانه: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ (19) فكيف بمن هو أتقى الناس وأقدرهم على الفرقان.

وبالجملة الناس نيامٌ إذا ماتوا انْتَبَهُوا، وأمّا الأنبياء : فهم أيقاظٌ دائماً لاتأخذ قلوبهم سِنَةٌ ولانوم وإن كان أبدانهم وعيونهم تنام.

وهكذا يؤيّد ما تقدَّم من صيانة مقام النبوَّة عن الشك مارُوي عن مولانا الصادق (ع) ، إنّ السائل قال: كيف عَلِمَتِ الرُّسل أنّها رسل؟ قال (ع) : «كُشِفَ عنها الغطاء» (20) إذ كشف الغطاء عبارة عن رفع أىّ حجاب نوريٍّ وغيره، فمعه لامجال للشّك. فحينئذ لا احتياج إلى البرهان الحصولي ولا إلى الشهود الحضوري حتى يكون ذاك دليلاً عليه أو هذا شاهداً له، إذ لا حجاب حتى يرتفع بالدليل، ولا غطاء حتى يكشف بالشاهد، ولا غبار عليه حتى يثور بالنَّفخة، وليس ببعيدٍ حتى يقترب بالدليل، وليس بغائبٍ حتى يحضر بالشاهد، ولذا لا يكذب الفؤاد ما رأى، ولا يزيغ البصر ولا يطغى، إذ لايحول بين النبيّ ونبوّته شيء. فكما أنّ النبوَّة نفسها لا تشكّ أنّها نبوّة، كذلك النبيّ لا يشكّ حينئذ في صيرورته نبيّاً.

وكما أنّ المَلَك لايشكّ في أنّ الذي يلقى إليه هو وحىٌ إلهيٌّ، لاهاجسٌ نفساني ولاخاطرٌ شيطاني، لأنّ ذلك المقام السامي فوق أن يتدنَّس بشيء من الهواجس النفسانيّة أو الخواطرالشيطانيّة إذ العالي لانظر له إلى السافل، والسافل لامطمح له في العالي ولذا يفعلون ما يؤمرون بلااحتياجٍ إلى الدليل أو الشاهد، فكذلك النبيّ لايكون أقلّ منه درجة لو لم يكن أفضل منه، كيف؟ والنبوَّة نور إلهيٌّ يسعى بين يدي النبيّ ويمينه، بل الولاية كذلك أيضاً.

ولعلّه لذا قال مولانا أميرالمؤمنين (ع) : «ما شَكَكْتُ في الحقِّ مُذْ اُريتُهُ، لم يوجس موسى (ع)  خيفة على نفسه بل أشفق من غلبة الجُهّال ودُوَلِ الضِّلال» (21) إذ إرائة الحقّ لاتكون إلّا من الله سبحانه إذ الحقُّ من ربّك وليس من غيره أصلاً فيصير مَنْ تلقّاه من الله سبحانه متحقّقاً بنفس ذلك الحقّ المُفاض عليه، فيدور معه حيثما دار، ولاينظر إلّا إليه فيكون نظره حقّاً.

وأمّا سرُّ ايجاس موسى الخوف في نفسه، كما قال سبحانه: ﴿فَأَوْجَسَ في نَفْسِهِ خيفَةً مُوسى﴾ (22) فهو ليس لأنّه (ع)  قد شكّ ثمّ خاف، بل كان على بيّنة من ربّه متيقّناً بأنّ ما أتى به معجزة إلهيَّة، وأنّ ما أتوا به سحرٌ ﴿سَحَرُوا بِه أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرهَبُوهُمْ﴾ ولكنه (ع)  خاف من جهل الناس، حيث أنّه لو اشتبه الأمر عليهم، ولم يقدروا على المَيْز بين الحق والباطل؛ غلب هناك دولة الضلال وظهر دولة الجهالة.

و يؤيّد هذا التفسير الذي ظاهره أنيقٌ وباطنه عميقٌ قوله تعالى: ﴿قُلْنا لاتَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى ٭ وأَلْقِ ما في يَمينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى ٭ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُون ومُوسى﴾ (23) لظهوره في أنّ الخوف كان من غلبة الجهل على العقل والضلال على الهداية، لاعلى نفسه، لأنّ ضياءه (ع)  فيه اليقين، ودليله سمت الهُدى الساعي بين يمينه ويديه، يدور هو معه حيثما دار.

و بذلك يظهر سرّ ما هو دارجٌ في ألسنة الأنبياء والأولياء : «ما كَذِبْتُ ولا كُذِّبْتُ» (24) لأنّ معناه؛ هو إنّ الوحي الإلهي الذي يتلقّاه النبيّ والوليّ، حقٌّ لاباطل فيه، إذ ليس هناك نقصٌ في الفاعل، ولا عيب في القابل، ولا كذب هنالك أصلاً لا كذب خبري ولا كذب مُخْبِري، لأنّ المُخْبِر هو أصدق القائلين، إذ ﴿مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَديثاً﴾، والمُسْتَمِع هو صدِّيقٌ لا يحوم حوله شائبة الكذب، لأنّه ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ﴾ حتى لاتستضيء من الشمس في الغداة ﴿وَ لا غَرْبِيَّةٍ﴾ حتى لاتستنير منها في الآصال، بل ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ من النبيّين والصدّيقين، والشهداء والصالحين.

(فتبيَّن ممّا تقدّم):

أوّلاً: إنّ المشهود العيني كالمفهوم الذهني قد يكون أوّلي الشهود، غنيّاً عن الاستشهاد.

وثانياً: إنّ النبوَّة نفسها نورٌ بين يدي النبيِّ الذي تكون كلتا يديه يميناً.

وثالثاً: إنّ الباطل لايتطرّق إلى التجرد العقلي، إذ ليس للشيطان أزيد من التجرّد الوهمي.

ورابعاً: إنّ الشك لايسنح فيما لامجال للبطلان هناك أصلاً، إذ ليس فيه ما يشبه الحق.

وخامساً: إنّ النبوَّة وجودها اثباتها، فهي الشاهدة على نفسها بدون الحاجة إلى شاهد خارجيٍّ.

وسادساً: إنّ الكلام الإلهي مادام يكون كلاما إلهيّاً مُنْحَفِظ الربط إليه سبحانه، يكون مصوناً عن تطرّق الوهم واستراق الشيطان سواء أكان وحياً بلا واسطة، أم من وراء حجاب، أو بإرسال الرسول الذي يوحي ذلك الرسول ما يشاء بإذنه إذ في جميع هذه المراحل يكون الكلام منسوباً إليه سبحانه بنسبة خارجية قاطعة لتطرّق أيِّ دسٍّ، وسنوح أيِّ تحريفٍ. ولا تفاوت بين هذه الأقسام في أصل الصيانة عن تطرّق الباطل، وفي النزاهة عن الشك، وإن كان بينها ميزٌ في درجة الوجود شدّة وضعفاً.

و سابعاً: إنّ حديث وَرَقَة بن نَوْفَل(25) وما يضاهيه، مما يدل على عدم تبيّن وحي النبوَّة لرسول الله 9، وإنّه لم يكن على يقينٍ من أنّ ما اُلقي إليه وشاهده هو المَلَك النازل بالوحي حتى اطمئنّ بقول وَرَقَة بن نَوْفَل أو غيره؛ إفكٌ مُختَلَقٌ، لقيام ضرورة العقل على خلافه.

و ثامناً: إنّ القول بأنّ الأنبياء والأولياء بمعجزاتهم وكراماتهم حجج الله على خلقه وشهداؤه عليهم، ولكنّ البراهين العقلية والأنوار الإلهيّة حجج الله على ذواتهم وبواطنهم، كما قال تعالى: (26)] ﴿وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهيمَ عَلى قَوْمِه﴾(27) لابدّ وأن يرجع إلى ما تقدم من أنّ العلم الحصولي والبرهان العقلي لايتعدّى حدّ النفس ولايبلغ مرحلة العقل المحض، وأنّ المشهود العيني قبل أن يترجم عنه بالمفهوم الحصولي وجودٌ خارجيٌّ لايمكن البرهان المفهومي عليه، وأنه بنفسه بيّنة إلهيّة غنيّة عن الاستشهاد عليه كما أنّه مُستغنٍ عن الاستدلال عليه نعم هو بذاته حجة الله على النبيّ بما أنّه إنسانٌ مكلَّف كغيره من آحاد المكلَّفين .

ولا يتوقَّف ذلك على أن يكون المشهود معجزة بالمعنى المعهود منها، بحيث يتحدّى النبيّ به، ويعجز الناس عن الإتيان بمثله كقلب العصا حيّة بل يمكن ألا يكون ما شاهده النبيّ بادى ء الأمر معجزة إصطلاحيّة، وهو مع ذلك كان على يقينٍ من ربّه نحو ما شاهده رسول الله 9 في بَدو أمره من عدّة آيات من سورة العَلَق، حيث أنّها ليس معجزة يتحدّى بها إذ لم يتحدّ بغير السورة وهو 9 مع ذلك كان على بيّنةٍ من ربّه؛ بأنّ هذا كلام الله بلا ريب.

والسرّ في هذا؛ هو ما تقدّم من أنّ نفس الوحي الإلهي وإن كان آية واحدة فهو في مقامٍ مكنونٍ لا يمسّه إلّا المطهّرون، ولا يتطرّق إليه البطلان أصلاً، فلا يحوم حوله الشك أبداً، لأنّه لا ينظر هنالك إلّا بنور الله الذي هو نورٌ لا ظَلامَ فيه.

وتاسعاً: إنّ الولي يمكن أن يعرف ولايته لله تعالى. وإنّ لحاظ نفسه بعين الاستصغار لا ينافي شهود ولايته. كذلك أنّه ليس من شرطها وفاء العاقبة حتى يناقش بعدم اتّضاحها، بل المدار الوحيد فيها؛ هو معرفة الله واليوم الآخر شهوداً، مع المواظبة على الطاعات وفعل العبادات والاجتناب عن المعاصي واللّذات والإعراض عن الدنيا وما فيها(28).

الأمر الثاني: في أنّه كيف يعرف الناس النبيّ المُرْسَل إليهم؟

قد تقدّم البرهان العقلي على ضرورة النبوَّة وإنّه لابدّ للناس من نبيٍّ معصومٍ يسنّ لهم ما يهديهم إلى صراطٍ مستقيم، ويخرجهم من ظلمات الجهل والجور إلى نور العقل والعدل. وإنّه لابدّ من أن يكون ذلك السانّ إنساناً يباشرهم ويباشرونه ليصير أسوة لهم، وليتأسوا به، فلامحالة يكون معروفاً عندهم كما تقدم عن مولانا الرضا (ع)  ما يدل على لزومه معرفة الرسول والإقرار به.

فمدار الكلام هنا؛ هو كيفية معرفة الرسول بعد وجوبها وإمكانها، إذ لو لم تكن معرفته ممكنة لَما وجبتْ.

ثمّ إنّ طريق المعرفة؛ إمّا الشهود العرفاني، وإمّا البرهان العقلي، وإمّا الدليل النقلي المراد به النقل المتواتر أو الواحد المحفوف بالقرائن القطعية والمهم من هذه الطرق؛ هو البرهان العقلي، إذ النقل وإن كان قطعيّاً لا يجدي إلّا في النّبوّة الخاصّة لا العامّة، إذ لانبيّ مفروغ عنه حتى ينقل عنه، لأنّ البحث هنا في اثبات أصل النّبوّة، لا نبوّة شخصٍ معيّنٍ قد سبقه نبيٌّ آخر مثله.

وأمّا الشهود العرفاني؛ فهو وإن كان ميسوراً للأوحدي من الناس، إلّا أنّه معسورٌ لكافّتهم، إذ قلَّما يتّفق في الاُمّة مَنْ يشاهد ما يشاهده النّبي وينكشف له نبوّته بحيث لايحتاج بعده إلى دليلٍ آخر عقليٍّ أو نقليٍّ، مضافاً إلى أنّ الميزان في تمييز الكشف الصحيح عن غيره، لغير المعصوم ؛ هو العقل. كذلك أنّ معيار اعتبار النقل القطعي؛ هو العقل، لأنّ حجية المتواتر كحجيّة المُجرَّب بالعقل. وليس المتواترات وكذا المُجرَّبات قضايا أوّلية في عرض الأوّليّات العقليّة، بل هي في طولها فتنتهي إليها أي إلى الأوّليّات العقليّة فالعقل هو المعيار الوحيد في المعرفة.

ولعلّه لذا قال مولانا الرضا (ع)  في جواب ابن السِّكّيت؛ فما حجة الله على الخلق اليوم؟ «العقل يُعرف به الصادق على الله فيُصدِّقه، والكاذب على الله فيُكذِّبه»(29) فيلزم البحث عن كيفية معرفة النبيّ بالعقل. وذلك إمّا بقيام البرهان العقلي على صدقه مستقيماً من دون الواسطة، أو بقيامه على صدقه مع الواسطة.

وبيانه بأنّ للنّبيّ أمرين: أحدهما الدَّعوة، والآخر الدَّعوى. أمّا الدَّعوة فحيث أنّه يدعو إلى الله الواحد الخالق البارئ المُصوّر الذي ترجع إليه الأمور، وإلى ملائكته وأنبيائه ورسله، وإلى اليوم الآخر من الجنّة والنار وغيرهما من مواقف القيامة. وهذه هي الدَّعوة.

و أمّا الدَّعوى فحيث أنّه يدّعي النّبوّة، وأنّه يوحى إليه دون غيره، وأنّه يشاهد المَلَك النازل بالوحي، وأنّه رسول يبلِّغ رسالات ربّه من الأحكام والسُّنن.

والعقل إنّما يعرف صحّة الدَّعوة وصدق الإخبار عن الأصول العينيّة والمعارف الكليّة بالبرهان، فإن وافقته، يحكم بصحّتها وصدق الخبر عنها. وإن خالفته؛ يحكم ببطلانها وكذب الخبر عنها. وبهذا يمتاز النّبيّ الصادق عن الله عن المُتنبّي الكاذب المُفتري عليه سبحانه، كما أفاده مولانا الرضا (ع) .

والشاهد على هذا القسم من المعرفة العقليّة؛ هو الحوار العقلي الدّارج بين الأنبياء والاُمم، وإقامة البرهان على صحّة الدَّعوة، ومطالبة البرهان العقلي من المُلْحدين وغيرهم من عَبَدة الأوثان ومنكري المعاد، وغير ذلك ممّا يرجع إلى اُصول الدّين، أو اُمّهات الأخلاق الفاضلة كالعدل والإحسان والتواضع ونحوها.

والذي ينبغي التَّنبُّه له؛ هو إنّ صحة الدَّعوة وصدق الخبر فيما يرجع إلى الاُصول، لايستلزم صحة الادّعاء وصدق المُخبِر فيما يرجع إلى نبوّته وسائر ما يتفرّع عليها من القوانين والأحكام التَّعبّدية، لأنّ العقل في هذا القسم المبحوث عنه؛ إنّما يعرف الخبر الصادق عن الخبر الكاذب، ولا مَساس لذلك بالمُخبر أصلاً، لأنّه يبحث عن طَرَفَى القضيّة من الربط الخاصّ بين محمولها وموضوعها من دون ارتباطٍ لها إلى الخارج عنها، وفي هذا المورد ما يقال: «اُنظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى مَن قال» لأنّ المدار في هذا القسم؛ هو خصوص القول مع غضّ النظر عن قائله كائناً مَنْ كان، لأنّه وإن يكشف عن سوء سريرته، إن كان باطلاً وهو قد تَعمَّد هذا القول الباطل إلّا أنّه لايكشف عن نبوّته، إن كان حقّاً وهو قد جاء به إذ لا تلازم بينهما.

فكما أنّ كلمة الحق في الحكمة العمليّة لاتكشف عن حُسن نيّة قائلها إذ يمكن أن تكون حقّة يراد بها الباطل كذلك كلمة الحق في الحكمة النظريّة لاتكشف عن قداسة عقل قائلها وعصمته، وإنّه تلقّاها من لَدُن حكيمٍ عليمٍ إذ يمكن أن تكون حقّة استرقّها هو من موطنها، وتلجلج بها صدره، فنطق بها وهو لا يعرفها حقّ المعرفة، وأراد أن يصطاد بها الناس.

فالمهمّ هنا؛ هو البرهان العقلي المحض، ولاسهم فيه للمعجزة إلا التأييد. فمن تعقَّل دعوته وشاهد إعجازه؛ فهو من المؤمنين حقّاً الذين لايحرّكهم العَواصف. ومَن لم يتعقَّل دعوته ولم يبرهن على صحتها، بل اكتفى فيها بمجرد الإعجاز؛ فهو على شفا جُرُف الجهالة والارتداد.

ولذلك ترى غير واحدٍ من أتباع موسى (ع) الذين لم يتعقّلوا قوله ﴿رَبُّنَا الَّذي أَعْطى كُلَّ شيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (30)وغير ذلك من الأقوال البرهانيّة، واكتفوا في قبول دعوته إلى التوحيد بمجرد قلب العصا حيّة تَسعى صاروا من أتباع السامري، وارتدّوا عن التوحيد بمجرد أنّه أخرج لهم عِجْلاً جَسَداً له خُوار. وذلك لأنّ منطقهم الإحساس لا العقل، ولذا قالوا لموسى (ع) : ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ (31)، وقالوا ﴿يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (32) إذ لم يعقلوا إنّ الله سبحانه لا تدركه الأوهام فضلاً عن الأبصار وهو تعالى يعلم خائنة الأعين فضلاً عن أنّه يُدْرِك الأبصار، لأنّه لطيفٌ خبيرٌ ولم يعقلوا إنّ سُنّة الوثنيين بَتراء، لأنّه ﴿مُتَبَّرٌ ما هُمْ فيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (33) كما تقدّم في بيان أمير البيان (ع)  .

فمن تمَّ نصاب البرهان العقلي عنده على المعارف الإلهيّة وآمن بها ؛ فهو مُعتمِدٌ على العقل، ومُستظهرٌ بالوحي، وجامعٌ بين الحُجّتَين الظاهرة والباطنة.

و مَن لم تقم عنده حجة العقل؛ فهو مُعتمِد على ظاهر الوحي، ومُستظهر بالحس، وفاقدٌ للحجَّة الباطنة. وبَيِّنٌ إنّ فاقد البرهان العقلي، لايجد شيئاً يعتمده. وأنّ واجد البرهان العقلي، لايفقد شيئاً يستظهر به، لأنّ العقل سراج وهّاج يهدي العاقل إلى ما جاء به الوحى.

فتحصَّل إنّ البرهان العقلي وإن كان كافياً في إثبات الأمر الأوّل وهو صدق الخبر عن المعارف، وصحّة الدّعوة إليها ولكنّه وحده غير كافٍ لإثبات الأمر الثاني وهو صدق المُخبِر عن النّبوّة، وصحة دعوى الرسالة لعدم قيامه على الشخص الخارجي، ولعدم التلازم بين صدق الخبر وصدق المُخبِر في غير هذا الخبر الذي قام البرهان على صدقه.

فلا يمكن اثبات نبوّة شخص معيّن بمجرد البرهان العقلي القائم على صحة دعوته إلى المعارف النظرية والحِكَم العملية فينحصر طريق معرفة نبّوته في الشهود العرفاني أو مشاهدة المعجزة.

أمّا الشهود العرفاني؛ فقد تقدّم إنّه وإن كان ممكناً لمن رُزِق التّقوى الخالص، حيث أنّه يرزق الفرقان حينئذٍ لقوله تعالى ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ (34) فبنور الاتّقاء يتّضح إنّ ذلك الشخص الخارجي نبّيٌّ أرسله الله للنّاس، لأنّ الذي اتّقاه حقّ تُقاته، ينفتح له ألف باب، فلا يقع في ضيق الجهالة وضَنْك الحيرة أصلاً لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ٭ ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبْ﴾ (35) رزقاً معنوياً أو مادّياً ويسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة. ولعلَّ ايمان عليّ بن أبي طالب (ع)  برسول الله 9، وهكذا ايمان لوط (ع)  بابراهيم (ع) ، وايمان يحيى (ع)  بعيسى (ع)  من هذا القبيل، ويقرب منه ايمان بعض الخواصّ من الصحابة، إلّا أنّ ذلك في غاية القلّة لصعوبة طريقه الوعرة وعقبته الكؤدة.

فالطريقة المعهودة لتشخيص النّبوّة الخاصة؛ هي مشاهدة المعجزة عند انضمامها بمقدّمة عقليّة دالّة على التلازم بين صحّة الدَّعوى والإتيان بالمعجزة المصحوبة بالتحدّي.

فتمام المقال حينئذٍ في جهتين: إحداهما: في أنّ المعجزة ما هي؟ وأخراهما: في التّلازم العقلي بين الإتيان بالمعجزة وصحة دعوى الرسالة، وأنّه يمتنع ظهورها من غير الرسول، وأنّه يستحيل أن لايلازم الرسالة ولايكشف عن صدق دعواها، إذ المفروض امتناع ظهورها عن غيره. كل ذلك باليقين لاالظنّ لأنّه لايُغني من الحق في الاُصول شيئاً فإذا كان ذلك باليقين؛ فَمَن اعترف فقد حَىَّ بالبيّنة، ومَن انكر فقد هَلَك بالبيّنة.

(فتبيَّن ممّا تقدّم):

أوّلاً: إنّ معرفة النّبي ممكنة بل واجبة.

و ثانياً: إنّ طريق المعرفة إمّا شهود عرفانيٌّ، أو برهان عقليٌّ، أو نقل قطعيٌّ منتَهٍ إلى العقل.

وثالثاً: إنّ للنّبيّ أمرين: أحدهما: الدّعوة إلى المعارف، وثانيهما: دعوى الرسالة.

ورابعاً: إنّ صحة الدّعوة يمكن أن تعرف بالشهود أو البرهان، ولكن لا تلازم عقليّ بين صحّتها وصحّة دعوى الرسالة، فلابدّ لإثباتها من دليلٍ آخر.

وخامساً: إنّ صحّة الدّعوى أيضاً يمكن أن تعرف بِتَيْنك الطريقَين؛ الشهود أو البرهان، إلّا أنّ الشهود العرفاني عزيز المنال سيّما في معرفة نبوّة شخصٍ خاصٍّ. والمهمّ هو البرهان العقلي، وذلك بمشاهدة المعجزة.

وسادساً: إنّ معرفة المعجزة وتشخيصها عن غيرها من الصنائع البديعة والفنون الغريبة؛ إنّما هو بالعقل. وإنّ دلالتها على نبوّة مَنْ أتى بها أيضاً بالبرهان العقلي كما سيأتي .

وسابعاً: إنّ الاكتفاء في تصديق النّبي بدعوته ودعواه بمجرد مشاهدة المعجزة، بدون الاستدلال العقلي على دعوته؛ غير سديد لأنّه عرضة للزوال.

وثامناً: إنّ تمام البحث رهين جهتين: إحداهما: ما يبحث عن معنى الإعجاز، وأخراهما: ما يبحث عن الربط الضروري بينه وبين النّبوّة.

الجهة الأولى: في أنّ المعجزة ما هي؟

إنّ المعجزة هي آيةٌ خارجةٌ عن العادة وخارقة لها، لم يعهد مثلها ولا يعادلها شيء فضلاً عن أن يغلب عليها فهي وإن كانت غير معهودة، إلّا أنّها لا تكون غير معقولة؛ بأن لاتكون لها علّة موجبة، أو كانت لها علّة كذلك إلّا أنّه لا ربط ضروريّ بينها وبين علّتها، لأنّ كلّ موجود لايكون وجوده عين ذاته فهو معلولٌ كما تقدّم عن مولانا الرضا (ع)  فلا يُعقل أن يوجد شيء لا يكون وجوده عين ذاته بلا علّة.

وحيث أنّ أصل العلّية مستفاد من العقل لا الحسّ لأنّه كما قال ابن سينا: لا يؤدّي إلّا إلى الموافاة، وليس إذا توافى شيئان، وجب أن يكون أحدهما سبباً للآخر، والإقناع الذي يقع للنفس لكثرة ما يورده الحسّ والتجربة فغير متأكّدٍ(36). فإدا وجد شيء عند شيء لم يكن صدوره عنه معهوداً، أو منع صدوره عن شيء لم يكن انفكاكه عنه معهوداً؛ يكون ذلك خرقاً للعادة لا للعلّية لأنّها أمر عقليٌّ لاينقضه الحسّ.

كذلك أنّ امتناع الترجيح بدون المُرجِّح أمرٌ عقليٌّ لايناقضه الحس من اختيار الهارب إحدى الطريقَين بلامُرجِّح، إذ البرهان العقلي قائمٌ في ذلك كلّه بامتناع صدور المعلول بدون علّة أصلاً، أو عن غير علّته فجميع ما لايكون وجوده عين ذاته، لابدّ وأن يستند إلى علّته المنتهية إلى موجودٍ يكون وجوده عين ذاته؛ وهو الله سبحانه الخالق لكل شيء.

ثمّ إنّ الموجود الخارج عن العادة، الخارق لها؛ إمّا أمر علميٌّ يخضع تجاهه العلماء. وعلى أىّ حال؛ إمّا أن يكون له طريقٌ فكريٌّ قابلٌ للتعليم والتعلّم، وله مبادٍ خاصّة حصولية، يُدركها الذهن ويُحلّلها أو يُركّبها، ويستنتج منها شيئاً خارقاً للعادة أو لا. والأوّل؛ هو ما يُعَدّ من العلوم الغريبة كالسحر والطِّلسم والشعبدة وما إلى ذلك ممّا له طريق فكري دراسي يُدرِّسُ الناس بعضهم بعضاً، وكلٌّ يعمل على شاكلته. والثاني؛ هو ما يُعدّ من العلوم اللَّدُنيّة التي تكون مباديها نفوساًزكية، أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً ولاطريق إليها للفكر الدِّراسي بل هو كشفٌ وراثيٌّ يورثه أولياءالله بعضهم بعضاً. ويتفرع عليه أنّه لايُعارض بالمِثل، ولايغلب بالأقوى منه عند التّحدي، لأنّه بإذن الواحد القهّار وإن كان كل موجودٍ في الخارج فهو بإذنٍ منه، إلّا أنّ المعجزة تصدر من الله الذي يكون بمنزلة العبد في قُرب النّوافل، حيث أنّه سبحانه يصير عينه وسمعه ويده و... فلايفرض أن يوجد لفعله مثلٌ فضلاً عن ضدٍّ قاهرٍ عليه ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلَبَنَّ أَنَا ورُسُلي﴾ (37) ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ (38) ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ ولكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لايَعْلَمُونَ﴾(39).

و صدور مثل هذا الأمر عن وليّ الله بإذنه؛ إنّما يكون للهداية إلى الفَلاح، لأنّ الله سبحانه وكذا اولياءه المقرَّبين إليه لايريدون إلّا الحقّ. بخلاف غيره من الأمور المُعجِبة الصادرة عن أرباب الفنون الغريبة، لأنّها وإن كانت شبيهة بالمعجزة في المبدأ المادّي أو الصّوري، إلّا أنّها لاتُشبهها في المبدأ الفاعلي والغائي لأنّ المبدأ الفاعلي في الإعجاز؛ هي النّفس الزكيّة المُتقرّبة إلى الله سبحانه بالنوافل التي يكون الله الذي هو دان في عُلّوه، وعال في دُنوّه بصرها وسمعها ويدها و... ولأنّ المبدأ الغائي فيه هو الفلاح المنتهي إلى لقاء الله تعالى.

و أمّا السحر ونحوه من العلوم الغريبة؛ فمباديها الفاعلية هي نفوس شريرة غالباً، ومباديها الغائيّة؛ هي زَهْرَة الحياة الدنيا من التفريق بين المرء وزوجه، وإلقاء الفتنة، والصّد عن سبيل الله و... فهي متشابهات لابدّ من أن تردّ إلى المعاجز التي هي آيات محكمات هي اُمّ الكتاب التكويني الذي ما فرّط الله فيه من شيء.

فبذلك اتّضح تعريف المعجزة بمباديها الأربعة المادّية والصورية والفاعليّة والغائيَّة، وهذا هو أمتن التعاريف، إذ به يؤيّد ما تقدّم من أبحاث النّبوّة ويُصحّح ما يأتي منها.

ثمّ إنّ تفصيل الأمر في خوارق العادات، وتقسيمها إلى المعجزة والكرامة والمعونة والإهانة، وبيان إنّ الأوّل للنبيّ، والثاني للوليّ، والثالث للمؤمن العامّي، والرابع للمُتنبيّ كما نُقل في مُسَيلمة الكذّاب و... موكولٌ إلى محلّه(40).

(فتبيّن ممّا تقدّم):

أوّلاً: إنّ المعجزة آيةٌ خارقةٌ للعادة لالنظام العليّة، وإنّها غير معهودة، لاأنّها غير معقولة.

وثانياً: إنّ العلّية ليست محسوسة حتى يستدلّ عليها بالحس، أو يناقضها الحس أو التجربة.

وثالثاً: إنّ المعجزة العلميّة عند الخواص آثر، وإنّ المعجزة العمليّة عند العوام أنفع.

ورابعاً: إنّ المعجزة لاطريق فكري إليها، بخلاف غيرها من خوارق العادة كالسحر وغيره من العلوم الغريبة.

وخامساً: إنّ المعجزة تُفارق غيرها باقترانها بدعوى الرسالة، مع التّحدّي وطلب المُبارز.

وسادساً: إنّ المعجزة تفترق عن غيرها من حيث المبدأ الفاعلي والغائي، وإن كانت تشترك مع غيرها في الجملة من حيث المبدأ المادّي والصُّوري، كقلب العصا حيَّة تَسعى المشترك ظاهراً بين ما فعله كليم الله وما أتى به السَّحرة، فسحروا أعين الناس واسترهبوهم، ويُخيّل إليهم من سحرهم أنّ تلك الحبال والعِصيّ تَسْعى.

و سابعاً: إنّ المعجزة لا يماثلها شيء فضلاً عن أن يظهر عليها شيء بخلاف غيرها من الخوارق.

وثامناً: إنّ المعجزة هي الآية المحكمة التي لابدّ من أن ترجع إليها المتشابهات رأساً.

الجهة الثانية: في التلازم العقلي بين المعجزة وصحة دعوى الرسالة:

كما أنّ كل موجودٍ خارجيٍّ فهو بهويّته العينيّة؛ آية الرُّبوبية بحيث لايمكن أن يوجد بنفسه، أو يصدر عن غيرالله ربّ العالمين، كذلك كلّ موجودٍ خارجيٍّ خارقٍ للعادة، يكون معجزة؛ فهو آية النّبوّة بحيث لايمكن أن يوجد بنفسه، أو يصدر عن غير النبيّ، وإن كان ما يصدر عنه فهو كغيره من الموجودات الإمكانية مخلوقٌ لله ربّ العالمين.

و لنعم ما عبّر عن المعجزة بالآية أي آية النّبوّة وعلامة الرسالة لأنّها تدلّ بهويّتها العينيّة على أنّ مَن جاء بها نبيٌّ أرسله الله للناس، وليست دلالتها عليها كدلالة الأمارات الجعليَّة والعلائم الاعتباريَّة.

و بيانه؛ بأنّ ما يصحّ على الفرد لما فيه من الطبيعة البشريّة يصح على أصل الطبيعة أيضاً، وكل ما صحّ على الطبيعة البشرية؛ صحّ على جميع الأفراد المندرجة تحت تلك الطبيعة بما هي، ولا يختص بفرد دون غيره. فإن صحّ أمرٌ مّا على الفرد المُعيَّن دون غيره؛ فهو آية عقليّة على أنّ صحة صدور ذلك منه لخصيصة تختصُّ به، لا لأصل الطبيعة السارية فيه وفي غيره من الأفراد، وحيث أنّ تلك الخاصة توجد فيه دون غيره؛ فذلك الأمر إنّما يصحّ منه دون غيره لأنّ المُسبَّب يدور مع السبب حيثما دار .

و لمّا كانت المعجزة صادرة من شخص خاصٍّ بعينه دون غيره ممَّن سبقه زماناً أو قارنه كذلك، بحيث لم يعهد مثلها عن أحد ممّن ليس بنبيٍّ إذ لو كان لَبان، لأنّ المفروض إنّه خارج عن العادة خارق لها، ولأنّ الدّواعي متوافّرة على ضبطها فهذا الانحصار آية عقلية على أنّ صدورها من فرد خاص ليس لأنّه بَشَرٌ يأكل ويمشي في الأسواق حتى يقال له: ﴿ما أَنْتَ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ (41) بل لخصيصة تختصّ به؛ وهي أنّه يوحى إليه دون غيره.

ولا يمكن أن تكون تلك الخاصة هي نبوغه الفكري ورشده العقلي، لما تقدّم من أنّ المعجزة ليست أمراً فكريّاً يمكن تحصيله بالتعقُّل، ولما أشير إليه من إمكان صدورها عن فرد آخر مثله في النبوغ الفكري مع أنّه يمتنع صدورها عن فرد آخر ليس بنبيٍّ، مضافاً إلى أنّ الناس إنّما يؤمنون بالأنبياء : بالمعجزة، ولذا تجهَّزت النّبوّة بها، وخضع الناس لديها، وصدَّقها القرآن، بحيث يدلُّ دلالة واضحة على أنّ المعجزة آية عقلية على النّبوّة، وأنّ بينهما تلازماً عقلياً، فلو كانت صادرة من غير النبيّ بأن يكون الآتي بها رجلاً نابغة لا يعهد مثله في النبوغ فلذا جاء بما لم يعهد مثله؛ للزم أن لاتكون معجزة إذ الصادر من المُتنبّي الشرير أمر صناعيٌّ، له طريق فكريٌّ، كما تقدّم ولكان منافياً لحكمة الله الذي أتقن كل شيء، حيث أنّه كيف يمكن أن يأذن أن يخضع الموجود الخارجي لِمُتنبٍّ ضالٍّ مُضلٍّ يخرج الناس من النور إلى الظلمات ؟

ويصادمه أصل البرهان الذي أقامه مولانا الرضا (ع)  على ضرورة النّبوّة إذ لا طريق إلى معرفتها حينئذ، لأنّ الأمر في مقام معرفتها قد انحصر ظاهراً في المعجزة، وقد فرض صدورها عن أفّاك أثيم، فلا تختصُّ بِمَنْ لا يضلّ ولا يغوى ولا ينطق عن الهوى، فلا تكون آية عقلية للنّبوّة، وهذا باطلٌ عقلاً، كما تقرّر من التلازم العقلي بينهما، ونقلاً كما يستفاد من غير موضع من القرآن بأنّ الربط الضروري بينهما أمرٌ مفروغ عنه. فالمعجزة آيةٌ عقلية على نبوّة مَن أتى بها لمن لم يعرفها بنفسها، حسبما تقدّم من أنّ معرفة النّبي الذي هو خليفة الله يمكن أن تكون على وزان معرفة المُستخلَف عنه.

فكما أنّ معرفة الله سبحانه تقع على وجوه بعضها أعرف من بعض، نحو معرفته تعالى به تعالى بدون الافتقار إلى الواسطة وذلك منهج الصّدّيقين في التوحيد ونحو معرفته تعالى بمعرفة النفس التي هي المرقاة إلى معرفته تعالى وذلك منهج مَنْ يسلك في نفسه ليصل إلى بارئه ونحو معرفته تعالى بمعرفة الموجودات الآفاقيّة التي هي آيات إلهية وذلك منهج مَن يسلك في غيره لينتهي إلى بارئه تعالى كذلك معرفة النّبيّ 9 تقع على وجوه بعضها أتقن من بعض، نحو معرفة نبوّته بنفس النّبوّة؛ بأن يشاهد العارف ما يشاهده النّبي، ويسمع ما يسمعه، إلّا أنّه ليس بنبيّ، كما قال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) : «و لقد كان 9 يجاور في كل سنة بِحَراء، فأراه ولا يَراه غيري، ولم يَجمع بيتٌ واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله 9 وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحى والرسالة، وأشُمُّ ريح النّبوّة، ولقد سمعتُ رَنّة الشيطان حين نزل الوحى عليه 9، فقلتُ: يا رسول الله ما هذه الرَنَّة؟ فقال 9: هذا الشيطان قد آيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمعُ، وترى ما أرى، إلّا أنّك لستَ بنبيٍّ ولكنّك لَوَزير، وإنّك لعَلى خير»(42). هذه هي طريقة الصدّيقين في معرفة النّبوّة.

ويتلوها طريقة مَن يعرفها بمشاهدة الإعجاز في نفسه بأن يتصرف النّبي المأذون من الله في نفسه؛ بأن يرفع حجابه ويكشف غطاءه حتى يسمع تسبيح الحجارة، أو يتصرف فيها بالإحياء بعد موتها، وما إلى ذلك من الآيات النَّفسيّة.

ويتلوها طريقة مَن يعرفها بمشاهدة الإعجاز في موجود خارجيٍّ ؛ من التصرُّف في جرم سماويٍّ كالقمر، أو أرضيٍّ كالبحرو النار والرياح و... حسبما ورد من قوله تعالى ﴿إِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (43) وقوله تعالى ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَريقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ (44) وقوله تعالى ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ (45) وقوله تعالى ﴿يا نارُ كُونى بَرْداً وسَلاماً عَلى إِبْراهيمَ﴾ (46) وقوله تعالى ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأَرْضَ﴾ (47) وغير ذلك مما قاله أميرالمؤمنين (ع)  إنّه قال رسول الله مخاطباً للشجرة: «يا أيّتها الشجرة إن كنتِ تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أنّي رسول الله 9 فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدىَّ بإذن الله، فوالذي بعثه بالحق لانقلعتْ بعروقها، وجاءت ولها دويٌّ شديدو قَصَف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدى رسول الله 9 مُرَفْرِفة، وألقتْ بِغُصْنها الأعلى على رسول الله 9، وببعض أغصانها على مَنكَبي، وكنتُ عن يمينه 9. فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا عُلُواً واستكباراً: فَمُرْها فليأتك نصفها ويبقى نصفها. فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجبِ إقبال وأشدِّه دويّاً، فكادَتْ تَلتفُّ برسول الله 9. فقالوا كُفراً وعُتُوّاً: فَمُر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره 9. فقلتُ أنا: لاإله إلا الله، إنّي أوّل مؤمن بك يا رسول الله 9، وأوّل مَن أقرَّ بأنّ الشجرة فعلتْ ما فعلتْ بأمرالله تعالى تصديقاً بِنُبُوتك وإجلالاً لكَلِمَتك»(48).

ولقد أشار إليها وإلى غيرها من المعاجز، شرف الدّين أبوعبدالله محمّد بن سعيد البُوصيري في قصيدته المُسمّاة ب(الكواكب الدُّريّة في مدح خير البَريّة) المعروفة ب(قصيدةالبُرْدَة):

جاءَتْ لِدعوته الأشجارٌ ساجدةً
كأنّما سَطَرتْ سطراً لِما كَتَبَتْ
مِثْلُ الغَمامَة أنّى سارَ سائرةً
وما حَوى الغارُ من خير ومِن كَرَمٍ
ظنُّوا الَحمامَ وظنُّوا العنكبوت على
وِقاية الله أغنَتْ عن مُضاعَفةٍ
ما سامَني الدَّهر ضَيْماً واسْتَجَرتُ به
ولا التَمَستُ غِنى الدّارَين من يَدهِ
لا تُنْكِر الوحي من رؤياهٌ إنّ له
تبارك الله ما وحيٌ بِمُكتَسَبٍ
كَمْ أبْرَأتْ وَصِباً بالّلمس راحَتُهُ
و أحيَتِ السُّنَّةَ الشَّهْباءَ دَعْوَتُه
بِعارض جادَ أو خِلْتَ البِطاحَ بها

تمشي إليه على ســـــاقٍ بلا قَدَمٍ
فُرُوعها من بديع الخطّ في اللّقم
تَقيه حرّ وَطِيسٍ للهَجير حَمِي
وكل طرف من الكُفّار عنه عَمِي
خير البريّة لَم تَنسَج ولم تَحُم
من الدُّروع وعَنْ عال من الاُطُم
إلاّ وَنِلْتُ جِواراً منه لم يُضَم
إلاّ استَمَلتُ النّدى من خير مِستَلَم
قلباً إذا نامَتِ العَينان لَم ينَمِ
ولانبيّ علي غَيْبٍ بِمُتّهمٍ
وأطلقتْ أرباً من رِبقَة اللَّمِمِ
حـــتى حَكَتْ غُرّةً في الاَعصُر الدُّهُم
سَيْباً من اليَمً أو سَيلاً من العَرِمِ(49)

وبالجملة إنّ المعجزة تلازم النّبوّة عقلاً وتكشف عنها. والاستدلال بها عليها برهان عقليٌّ مورِث لليقين. بعد التنبّه بما مرّ في تفسير المعجزة، وفي بيان التلازم العقلي بينها وبين النّبوّة عارفاً بامتناع صدورها عن غير النّبي سواء أكان في الحال، أم طرفيه من الماضي والغابر القادم .

والذي يدلُّ على ما تقدم ويشرحه وافياً؛ هو ما أفاده مولانا الرضا (ع)  في سِرّ تنوُّّع المعجزة، وإنّ لكلّ نبيٍّ إعجازاً خاصاً، حيث قال ابن السِّكّيت له (ع) : لِماذا بَعَث الله عزّ وجلّ موسى بن عمران بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر، وبعث عيسى بالطّب، وبعث محمّداً 9 بالكلام والخطب؟ فقال له أبوالحسن (ع) : «إنّ الله تبارك وتعالى لَمّا بعث موسى (ع) ، كان الأغلب على أهل عصره السّحر فأتاهم من عند الله عزّ وجلّ بما لم يكن في وُسع القوم مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله تبارك وتعالى بعث عيسى (ع)  في وقتٍ ظَهَرَتْ فيه الزّمانات، واحتاج الناس إلى الطّب، فَأتاهم من عند الله عزّ وجلّ بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى، وأبْراَ لهم الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله تبارك وتعالى بعث محمّداً في وقتٍ كان الأغلب على أهل عصره الخَطب والكلام (و أظنّه قال: والشّعر) فَأتاهم من كتاب الله عزّ وجلّ ومواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم، وأثبتَ به الحجّة عليهم». فقال ابن السِّكّيت: تالله ما رأيتُ مثلك اليوم قطّ(50).

وذلك لأنّ خرق العادة؛ قد يكون بصناعة بديعة لم يُعْهَد مثلها سابقاً، ولكنّها تشيع وتتكامل لاحقاً إلى أن تصل إلى سنامه السامي، ومثل هذا الأمر البديع يصير مبتذلاً عند جهابذة الفنّ وإن كان عزيز المنال لغيرهم من الأوساط. وقد يكون خرق العادة بمعجزة إلهية تشرق من مغرب الصنائع الراقية، وتذهب ببهائها وتصيح عليها صيحة واحدة بهتافها الغيب: )اُدْخُلوا مَسَاكِنَكُم لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمانُ وَجُنُودُه(، بحيث يتبيّن بها الرشد من الغَىّ، لأنّها لا يشبهها شيء من تلك الصنائع الراقية وإن كانت تشتبه بادئ الأمر على مَنْ ليس خِرّيت الصناعة ولا تماثلها هي، إذ ليس كمثلها في خوارق العادات شيء.

فإذا تمّ نصاب صناعة وبلغت ذروة كمالها، فحينئذٍ لو ظهرت آية النّبوّة بيد النّبي؛ أمكن لِمَهَرة تلك الصناعة معرفتها، وإنّها ليست من سوق الطبيعة ومدرسة الفكر، بل هي من مواهب ما وراء الطبيعة ومواريث الغيب، ولا يمكن لهم أن يتجاهلوا عن معرفتها ويتعاموا عن رؤيتها إذ لا يَصْعُبُ تمييز أوج الثُّريّا عن حضيض الثَّرى، ولا يعسر تشخيص الشمس عن السُّها أو الحِرْباء ويشهد له قوله تعالى: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى اَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وعِصِيَّهُمْ وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ * فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدينَ * قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمينَ * رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ (51) لأنّهم كانوا مَهَرة فنّ السّحر وعلموا أنّ ما جاءوا به سحرٌ ﴿وَ لايَفْلَحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ وأنّ ما جاء به موسى آية عقلية على نبوّته فآمنوا به وإن كانت الطُّغاة الذين آثروا الحياة الدُّنيا على الآخرة جحدوا بها واستيقَنَتْها أنفسهم وهلكوا عن بيِّنة كما أنّ هؤلاء المؤمنين على بصيرة نجوا، وحيُّوا عن بيّنة والغرض هو أنّ المعجزة آية عقلية على النّبوة، فيلزم أن تكون دلالتها محكمة لا شبهة فيها.

وذلك إنّما يتمُّ إذا أمكن الاستدلال بها عليها، وهذا يتوقف على أن يكون المُستدلِّ عالِماً بحقيقة ما يحتمل أن يكون ما جاء به مدِّعي النّبوة من ذلك القبيل. وهذا يتفرَّع على بلوغ تلك الصناعة غايتها القُصوى حتى تتمَّ دلالة تلك المعجزة على أنّها آية النّبوة، وليست ممّا نسجته يد الصناعة البشرية، وإلّا لأتوا بمثله مع توفُّر الدواعي عند التحدّي على المبارزة، فإذ لم يأتوا ولن يأتوا بمثله يقطع بأنّها آية إلهيّة على صدق مَن ادَّعى رسالته.

و يؤيّد ما رواه أبوبصير قال: قلتُ لأبي عبدالله (ع) : لأيّ علّةٍ أعطى الله عزّ وجلّ أنبياءه ورسله وأعطاكم المعجزة؟ فقال: «ليكون دليلاً على صدق مَن أتى به، والمعجزة علامةٌ لله لايُعطيها إلا أنبياءه ورسله وحُجَجَهُ، ليعرف به صدق الصادق من كذب الكاذب»(52) لأنّ تماميّة دلالة المعجزة على صدق مدّعي النّبوة ؛ إنّما تتمّ بما تقدّم من المبادئ المستفادة من بيان مولانا الرضا (ع) . فحينئذ يتحقَّق أنّ الاتيان بآية يعجز عن مثلها؛ مقام مكنون لا يمسّه إلا المطهّرون، كما أنّ أصل النّبوّة يكون كذلك.

وكما أنّ الله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته، كذلك هو تعالى أعلم حيث يظهر الإعجاز، ويأذن بالإتيان بآية إذ ﴿ماكانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ (53) فهما متلازمان ثبوتاً وإثباتاً لن يفترقا مادام التكليف باقياً فلامجال للشُّبهات التي أورد الرازي غير واحدٍ منها في البراهين(54)، وأجاب عنها بمبانيه المرضيَّة لديه. ولقد صدَّق مولانا الرضا (ع)  بهذا التلازم العقلي، واعترف به واستدلّ بذلك على النّبوّة العامّة المبحوث عنها، حيث قال (ع)  لرأس الجالوت: «ما الحُجَّة على أنّ موسى (ع)  ثبتتْ نبوّته؟» قال اليهوديُّ: إنّه جاء بما لم يجئ به أحدٌ من الأنبياء قبله. قال له: «مثل ماذا؟» قال: مثل فَلَقِ البحر، وقلبه العصا حيّة تَسْعى، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون، وإخراجه يده بيضاءَ للناظرين وعلامات لايقدر الخلق على مثلها. قال له الرضا (ع) : «صدقتَ إذا كانت حجّته على نبوّته أنّه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله، أفليس كلّ من ادَّعى أنّه نبيٌّ ثم جاء بما لا يقدر الخلق على مثله؛ وجب عليكم تصديقه؟» (55) وقد تقدم ما يصلح لأن يكون شرحاً لهذا التلازم العقلي الذي صحّحه مولانا الرضا (ع)  فراجع.

(فتبيّن ممّا تقدّم):

أوّلاً: إنّ المعجزة آية عقلية على النّبوّة، وملازمةٌ لها.

وثانياً: إنّها لم يعهد مثلها عن غير النبيّ سابقاً، ولن يعهد عن غيره لاحقاً.

وثالثاً: إنّ القرآن قد أمضى ما عليه فطرة الناس؛ من جعل المعجزة شاهدة على صحّة دعوى الرسالة.

ورابعاً: إنّ المعجزة هي الطريقة الوحيدة لمعرفة النبيّ إن لم يعرف بطريق أسدّ وأخصر؛ وهو معرفته شهوداً.

وخامساً: إنّها قد تكون بتصرُّف النبيّ في نفس العارف، وقد تكون بتصرُّفه في موجودٍ خارجيٍّ آخر.

وسادساً: إنّها تنوّع حسب رقيّ العلوم والصنائع لتسهل معرفتها، وإنّ جهابذة الفنون الراقية أعرف بتلك المعجزة المناسبة لفنونهم من غيرهم، وإنّ غيرهم يرجعون إليهم رجوع الجاهل إلى العليم الخبير.

و سابعاً: إنّ المعجزة كأصل النّبوّة مقام مكنون لا يمسّه إلّا المطهّرون، فالله أعلم حيث يأذن بها، كما أنّه سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته.

و ثامناً: إنّ المعجزة إذا كانت أمراً مادّياً متعلقاً بالمادّة نحواً من التعلُّق بأن كان فيها كالصورة أو عليها كالعَرَض، أو معها كالنفس المتحدة مع البدن فلابدّ له من سبب قريب ماديٍّ، وإن كان له سبب بعيد غير ماديًّ حسب ما تقدّم فلايمكن أن يحدث موجودٌ ماديٌّ بدون سبب ماديٍّ.

نعم قد يمكن معرفة ذلك السبب المادّي، وقد لاتمكن. وإليه يرجع ما أفاده بعض مشايخنا 1؛ من أنه قد يكون للمعجزة سبب طبيعيٌّ، وقد لايكون وهذا نحو إحياء الموتى أو إنبات الشجر وتنميته وإثماره سريعاً في دقائق يسيرة (56) لاأنّه قد لايكون لها سببٌ طبيعي أصلاً، إذ كل حادثٍ ماديٍّ فهو مسبوقٌ بمادّة حاملة لاستعداده ومدَّةٍ خاصَّةٍ تكون وعاء لتحقّقه، فكيف يمكن أن يوجد حادثٌ ماديٌّ بلا سببٍ طبيعيٍّ أصلاً، ويرتبط بعالم الغيب بلا واسطةٍ، مع فرض حدوثه الزماني؟

بلغ بحمده تعالى ليلة التَّروية ثامن ذي الحجَّة الحرام عام 12، 1404 شهريور 1363 في عشِّ آل محمد :، قُم المَحْمِيّة.

----------------------------

*  هوامش البحث  *

(1)  سورة النساء، الآية 165.

(2)  سورة الإسراء، الآية 15.

(3)  سورة طه، الآية 134.

(4)  سورة الرعد، الآية 7.

(5)  مسند الإمام الرضا (ع) ، ج 1، ص 45.

(6)  سورة الرو م، الآية 41.

(7)  مسند الإمام الرضا (ع) ، ج 1، ص 48.

(8)  سورة الأعلى، الآية 6.

(9)  سورة النّجم، الآية 4 ـ 3.

(10)  سورة التكوير، الآية 24.

(11)  سورة القلم، الآية 4.

(12)  مسند الإمام الرضا (ع) ، ج 1، ص50.

(13)  الأصول من الكافي، ج 1، ص 168، باب الاضطرار إلى الحجّة، الحديث 1.

(14)  مسند الإمام الرضا (ع)  ، ج 1، ص 51.

(15)  سورة المؤمنون، الآية 37.

(16)  سورة فُصِّلت، الآية 42.

(17)  الأصول من الكافي، ج 1ص 177، باب الفرق بين الرسول والنبي والمُحدِّث، الحديث 4.

(18)  بحار الأنوار، ج 11، ص 55.

(19)  سورة الأنفال، الآية 29.

(20)  بحارالأنوار، ج 11، ص 56.

(21)  نهج البلاغة، ص 51.

(22)  سورة طه، الآية 66.

(23)  سورة طه، الآيات 70 ـ 67.

(24)  نهج البلاغة، ص 502، باب المختار من حكم أمير المؤمنين (ع)   رقم 185.

(25)  السيرة النّبويَّة، لإبن هشام، ج 1، ص 238.

(26)  سورة الأنعام، الآية 83.

(27)  شرح أصول الكافي لصدر المتألهين 1، ص 438.

(28)  مفاتيح الغيب، لصدر المتألهين 1، ص 488.

(29)  علل الشرائع، للشيخ الصدوق، ص 122 ـ 121، الباب 99، الحديث 6.

(30)  الأصول من الكافي، ج 1، ص 25، كتاب العقل والجهل، الحديث 20.

(31)  سورة طه، الآية 50.

(32)  سورة البقرة، الآية 55.

(33)  سورة الأعراف، الآية 138.

(34)  سورة الأعراف، الآية 139.

(35)  سورة الأنفال، الآية 29.

(36)  سورة الطّلاق، الآية 3 ـ 2.

(37)  الإلهيات الشفاء، ص 8، الفصل الأوّل من المقالة الأولى.

(38)  سورة المجادلة، الآية 21.

(39)  سورة آل عمران، الآية 160.

(40)  سورة يوسف، الآية 21.

(41)  مفاتيح الغيب، لصدرالمتألّهين الشيرازي، ص 489 ـ 488.

(42)  سورة الشعراء، الآية 154.

(43)  نهج البلاغة، الخطبة القاصعة، ص 300.

(44)  سورة القمر، الآية 1.

(45)  سورة طه، الآية 77.

(46)  سورة سباء، الآية 12.

(47)  سورة الأنبياء، الآية 69.

(48)  سورة القصص، الآية 81.

(49)  نهج البلاغة، الخطبة القاصعة، ص 301.

(50)  شرح قصيدة البردة، ص 86 ـ 76.

(51)  سورة الشعراء، الآيات 43 ـ 48.

(52)  علل الشرايع، للشيخ الصدوق، ص 122، الباب 100، الحديث 1.

(53)  سورة الرعد، الآية 38.

(54)  البراهين في علم الكلام، لفخر الدين الرازي، ج 2، ص 45 ـ 1.

(55)  توحيد الصدوق، ص 429.

(56)  الترجمة والشرح لكشف المراد لشيخنا الأستاذ الشعراني، ص488.



(*) بحث مستل من كتاب: (الفلسفة الإلهية عند الإمام الرضا (ع) ).