البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الشريف المرتضى .. مفسراً ، دراسة تفسيرية منتخبة في كتابه غرر الفوائد ودرر القلائد

الباحث : م.د. محمد كاظم حسين الفتلاوي

اسم المجلة : العقيدة

العدد : 10

السنة : السنة الثالثة - ذي القعدة 1437هـ / 2016م

تاريخ إضافة البحث : August / 29 / 2016

عدد زيارات البحث : 455

حجم ملف البحث : 458.915 KB

 تحميل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين. اما بعد.. لم يكن الشريف المرتضى عالماً بشؤون الفقه واستنباط الحكم الشرعي فحسب، كما لم يكن أديباً ألمعياً فقط، بل إنه برز في كل الفنون والعلوم، ومن جملة هذه العلوم هو علم التفسير.

وقد عكف الباحث في بحثه هذا على ابراز هذا الجانب التفسيري في فكر الشريف المرتضى من خلال آرائه التفسيرية، وقد حصرنا هذا البحث في كتابه الأمالي، إذ يطغى على هذا الكتاب الآراء التفسيرية له، فهو حقاً يُعد مفتاح شخصيته التفسيرية.

وبعد قراءة فاحصه لهذا الكتاب كان الاختيار لنصوص قرآنية محددة منه، لما يعتقد الباحث بشموليتها لجميع القضايا المهمة، ومن خلالها نقف على ابراز الآراء التفسيرية للشريف المرتضى واستجلاء معناها بعد مقارنتها مع الآراء التفسيرية للمفسرين.

وقد عمد الباحث الى مقارنة آراء الشريف المرتضى التفسيرية مع بعض المفسرين، وذلك لإبراز آرائه بوضوحٍ أكبر ودقة أكثر، كذلك قسّم بحثه على مطلبين بعد المقدمة التي تناول فيها أسباب اختيار عنوان البحث وأهميته، فكان في هذين المطلبين آراء الشريف المرتضى التفسيرية مع مقارنتها مع آراء المفسرين المتقدمين، اما المطلب الثاني فقد كان في آراء الشريف المرتضى التفسيرية ومقارنتها مع آراء المفسرين المتأخرين، وذلك في نصوص مختارة من الأمالي. وتبع هذين المطلبين خاتمة ذكرنا فيها أهم نتائج البحث، وقائمة بالمصادر التي اعتمدناها فيه. والحمد لله رب العالمين.

المقدمة

أما بعد.. ففي الصفحات موضوع يتناول (الشريف المرتضى .. مفسراً  -  دراسة تفسيرية منتخبة في كتابه غرر الفوائد ودرر القلائد، وترجع أهمية هذا البحث الى كون الشخصية التي يتناولها، شخصية مفكر ومجتهد مسلم وعالم ومصلح كبير، وتبرز أهمية هذا البحث أيضاً في كون هذه الدراسة أول دراسة متخصصة في التفسير تتناول دراسة الآراء التفسيرية مقارنة مع آراء المفسرين، على الرغم من تعدد الدراسات التي تناولت حياة المؤلف وفكره([1])، إلا إن هذا البحث انفرد ـ كما يرى الباحث ـ بتناول آراءه التفسيرية في كتابه الأمالي دراسة مقارنة.

وحصر الباحث البحث بكتاب الشريف المرتضى الأمالي (غرر الفوائد ودرر القلائد)، لما احتواه من قيمة علميّة منفردة، وكذلك لما التفت إليه جملة من الباحثين بان هذا الكتاب يُعد (مفتاح شخصيته في التفسير والنقد)([2])، فهو على ما فيه من شمولية أدبية وفنون العلوم إلا ان الجانب التفسيري لآيات الكتاب العزيز يكاد (يطغى على ما في كتاب الأمالي من موضوعات، حتى إن القارئ ليعتقد أن الغرض الأساس منه هو تفسير عدد كبير من الآيات)([3])، فنجد كتابه قد (عني بمسائل اللغة والبيان والتمثيل، كما عني بالمسائل العقلية النظرية، فجاء التفسير مزيجاً بين هذا وهذا)([4])، فكان من الباحث ان اختار نماذج معينة وجامعة تناولها في موضوعه، وهذه الاختيارات كانت مبنية على قراءة فاحصة في كتاب الأمالي ومقارنتها بآراء المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، ملتمساً فيها التباين والتوافق في تكوين بحث اكاديمي وفق منهجية علميّة مستفادة منه.

ويعني الباحث بالمتقدمين والمتأخرين من المفسرين قياساً على عصر الباحث نفسه، جاعلاً من وفاة الآلوسي (ت1270هـ) معياراً فارقاً في هذا التشخيص كما افاده من أهل الاختصاص من الباحثين.

فكان منهج البحث وكما هو مقيد في عنوانه المنهج المقارن والذي مؤداه: الطريقة التي يتبعها الباحث في الموازنة بين الأشياء أو هو مقابلة الأحداث والآراء بعضها ببعض لكشف ما بينها من وجوه شبه أو علاقة([5]).

اما خطة البحث فكانت من مقدمة ومطلبين، المطلب الأول بعنوان الآراء التفسيرية للشريف المرتضى دراسة مقارنة مع المتقدمين من المفسرين، والمطلب الثاني بعنوان الآراء التفسيرية للشريف المرتضى دراسة مقارنة مع المتأخرين من المفسرين، متلوات بخاتمة وقائمة بالمصادر.     والحمد لله رب العالمين 

المطلب الأول: الآراء التفسيرية للشريف المرتضى مقارنة مع المفسرين المتقدمين:

سنتاول في هذا المطلب آراء الشريف المرتضى التفسيرية في كتابه الأمالي مع مقارنتها بآراء المفسرين القدامى([6])، وعلى وفق مختارات من نصوص قرآنية ذكرها الشريف المرتضى في كتابه، وجدها الباحث أنموذجاً صالحاً للدراسة المقارنة، وهي على النحو التالي:

اولاً: قال تعالى: Pوَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًاO([7])؛ ذهب المفسرون في فهم هذا النص القرآني مذاهب عديدة وذكروا آراء مختلفة في توجيه مدلوله ومن هذه الوجوه ما يذكره ابن كثير حيث اورد فيما اورد من معانيها هو الجبر في القيام بالأعمال والفرض على الارادة الانسانية فيكون معناها (امرنا مترفيها ففسقوا فيها امراً قدرياً)، كقوله تعالى: Pأَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًاO([8]).

ومن المعلوم ان الله سبحانه وتعالى منزه ان يأمر بالفاحشة، فهو عز وجل يامر بالعدل والاحسان واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن وهو الواضح في قوله  تعالى: Pوَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَO([9])، فالذي يأمر عباده بالابتعاد عن جميع الفواحش حاشا له سبحانه ان يجبر ارادة المترفين على اقترافها .

فان اتضح المنع الالهي في عدم الامر بالفسق وجّه هذا الامر في الآية موضع البحث الى ان (معناه انه سخرهم الى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب)([10])، وهذا تأويل ان كان ينزه الله سبحانه عن الامر بالفواحش والاتيان بها فهو يقر نظرية الجبر والتي حقيقتها (إيجاد الفعل في الخلق من غير ان يكون لهم قدرة على دفعه والامتناع عن وجوده فيه)([11]).

والاخذ بهذا الرأي (الجبر) في تفسير الآية المباركة والإقرار به فيه من العواقب ما فيه كما سيتضح في الاسطر القادمة, مع الاخذ  بنظر الاعتبار ان القول بمسألة (الجبر والتفويض) برز بعد رحيل النبي 9 ([12]).

وخير دليل ما اشار إليه الشريف المرتضى من استدلال حينما ذكر ان شامياً سأل الإمام أمير المؤمنين (ع)  بعد انصرافه من صفين قائلاً: اخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا الى الشام أكان بقضاء من الله تعالى وقدر؟ قال له: (نعم يا اخا الشام ..... ما وَطِئناً موطئاً, ولا هبطنا وادياً, ولا علَونا تلعةً, إلا بقضاء من الله وقدَر). فقال الشاميّ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين، وما أظنّ أنّ لي أجراً في سعيي، إذ كان الله قضاه عليّ وقدّرَه! فقال له   (ع) : (إن الله قد أعظم لكم الأجر على مسيركم وانتم سائرون، وعلى مُقامكم وأنتم مقيمون، ولم  تكونوا في شيء من حالاتكم مُكرَهين، ولا إليها مضطرّين، ولا عليها مجبرين)، فقال الشاميّ: وكيف ذاك والقضاء والقدر ساقانا, وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟ فقال له   (ع) : (يا أخا الشام، لعلّك ظننت قضاءً لازماً وقدَراً حتماً! لوكان ذلك كذلك لَبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والامر من الله والنهي، وما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء، والمسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة عبدة الاوثان, وحزب الشيطان, وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وقدَرّية هذه الأمة ومجوسها، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّفهم يسيراً، إذ أعطى على القليل كثيراً، ولم يُطَع مكرَهاً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يكلِّف عسيراً، ولم يُرسِل الأنبياء لَعِباً، ولم ينزّل الكتب الى عباده عبثاً, ولا خلَقَ السماوات والارض وما بينهما باطلاً, ذلك ظنُّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار!), فقال الشامي: فما القضاء والقدر الذي كان مسيرنا بهما وعنهما؟ قال   (ع)  (الأمر من الله بذلك والحُكم)، ثم تلا قوله تعالى: Pوكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًاO([13])، فقام الشاميّ فِرحاً مسروراً  لّما سمع هذا المقال، وقال: فرجت عني فرّجتَ عني فرّج الله عنك يا أمير المؤمنين)([14]).

وبهذا لا يمكن بشكل من الاشكال حمل الآية على ان مراد (امرنا) هو الجبر وسلب الارادة وان الله سبحانه منزه عن الظلم وهذا ما ذهب إليه الشريف المرتضى بقوله: (ان الإهلاك قد يكون حسناً، وقد يكون قبيحاً فإذا كان ظلماً فتعلُّق الإرادة به لا يقتضي تعلُّقها به على وجه القبيح، ولا ظاهر للآية يقتضي ذلك، وإذا علمنا بالأدلّة تنزُّه القديم تعالى عن القبائح علمنا أن الإرادة لم تتعلّق إلا بالإهلاك الحسن)([15]) .

وينفي الشريف المرتضى الرأي الذاهب الى ان المراد (امرنا) في الآية هو الأمر بالفسوق, ويرى أنّ (المأمور به محذوف، وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق، وإن وقع بعده الفسقُ، ويجري هذا مجرى قول القائل: أمرتُه فعصى، ودعوتُه فأبى، والمراد أنني أمرته بالطاعة، ودعوته الى الإجابة والقبول)([16]) .

فنلحظ ان ما ذهب إليه الشريف المرتضى يستقيم مع الصحيح من العقيدة من حيث تنزيه الله عن الأمر بالفسق وكذلك سلبه لإرادة الانسان وجبره على الاتيان بالظلم، وبما تقدم من رأي الشريف المرتضى لا يكون معنى لما روي عن ابن عباس، إذ قال: (سلطنا اشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك اهلكهم الله بالعذاب)([17])، ففي هذه الرواية تصريح واضح بما لا يجوز على الله من تسليط الاشرار على الاخيار وتمكينهم عليهم، ونتيجة هذا التسليط هو الاتيان بالفواحش، وحاشا لله عن ذلك.

ثانياً: في قوله تعالى: Pفَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌO([18])، وقوله تعالى: Pوَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْO([19])، من المعلوم ان لكل نبي مرسل آية مُسدد بها من السماء تكون معجزة له وحجة على قومه، فهي بهذا ظاهرة تعددت وتنوعت وجوهها في حياة الأنبياء : لتكون دليلاً قاطعاً على صدق دعواهم، وهي بهذا المعنى تكون وظيفتها خاصة بمن له مهام متعلقة بمنصب إلهي، وقد عُرفت بتعريفات كثيرة من لدُن القدماء والمحدثين من المفسرين نختار منها تعريف الآلوسي من القدماء بما ينسجم وعنوان هذا المطلب، فقد عرفها الشيخ الالوسي: بانها (الأمر الخارق للعادة يظهر على من يدعي النبوة عند التحدي)([20]).

وهذا المعنى ذاته نلحظه عند السيد المرتضى إذ اشار الى ارتباط المعجزة بالمنصب الإلهي، وإنها وظيفة داعية الى الله سبحانه بعد ان يُعلم ان مدعيها مرتبط بالسماء، فيقول الشريف المرتضى: (وكان لا سبيل الى العلم بكونه رسولاً إلا من جهة المعجز وجبت بعثةُ الرسول وتحِميلُه ما فيه مصلحتُنا من الشرائع، وإظهار المعجز على يده لتعلُّق هذه الأمور بعضها ببعض)([21]).

وبهذا يكون الشريف المرتضى قد حدد وظائف المعجزة، وانها مما يُستدل بها على معرفة الرسول، ومن ثم يتحقق الإيمان الذي يحمل متبعي الرسول على العمل بالتكاليف الشرعية والالتزام بتعاليم السماء التي فيها مصالحنا في الدنيا والآخرة، فيكون الشريف المرتضى سابقاً في إيجاد معنى المعجزة والحاجة منها بالنسبة لمدعي النبوة الرسول الذي يعزز موقفه الإلهي وتسديده من السماء، وانعكاس هذا التسديد على ترسيخ الإيمان عند المؤمنين به وعامل دفع للناس عامة نحو الإيمان.

وقد أورد القرآن المجيد قصصاً تخبر عن المعجزات التي جاءت مصدقة لرسل الله المتقدمين، ومن هؤلاء الانبياء الكرام نبي الله موسى   (ع) ، وفي معجزات عدة كان منها قلب العصا الى حيّة، وفي هذا الانقلاب دلالتان([22]):

إحداهما: دلالة على الله تعالى؛ لأنّه ممّا لا يقدر عليه إلا هو، وليس ممّا يلتبس بإيجاب الطبائع؛ لأنّه اختراع للانقلاب في الحال.

والأُخرى: دلالة على النبوَّة بموافقته الدعوة مع رجوعها الى حالتها الأولى لمَّا قبض عليها .

وفي الآيتين المتقدمتين محل البحث, نلحظ أنّ فيهما صفتان مختلفتان ففي الآية الأولى وصف انقلاب العصا بصورة ثعبان مبين, والثعبان هو الحيّة الكبيرة في الخِلقة, وقد استعمل القرآن الكريم هذا اللفظ بما يدل على شدة عظمتها في الحجم, فكان من هذه العظمة ما ذكره ابن عباس؛ إذ قال: (أنها غرزت ذنبها في الأرض ورفعت رأسها نحو الميل الى السماء، ثمَّ انحطّت فجعلت رأس فرعون بين نابيها,....)([23]).

في حين نلحظ ان صفة الحية في الآية الثانية هي (الجآن)، والجان المراد به هنا هو الصغر في الحجم وبما يوفر لها امكانية السرعة والخفة في الحركة, يقول البغوي (ت510هـ) في صفة (كأنها جان) :(وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركتها)([24]).

وبهذا يكون هناك صفتان لعصا موسى   (ع) ، ولقد وجه المفسرون هاتين الصفتين المختلفتين لحال انقلاب العصا الى حيّة, ما بين صفة الجآن الحيّة الصغيرة، وصفة الثعبان الحيّة الكبيرة، فذهب جملة من المفسرين الى آراء، منها ان أول ما كانت حيّة صغيرة, وبعدها ازداد حجمها حتى صارت ثعباناً مبيناً, أي إنها تدرجت في كبر الحجم من حيّة الى جآن ثم ثعبان, وهذا مما يذكره البيضاوي (ت791هـ) إذ قال: (لما ألقاها انقلبت حيّة صفراء بغلظ العصا ثم تورمت وعظمت فلذلك سمّاها جاناً تارة نظراً الى المبدأ وثعباناً مرة باعتبار المنتهى)([25]).

وذهب جملة من المفسرين الى ذكر رأي آخر مفاده ان العصا بانقلابها حيّة كانت تجمع صفات الحيّة الصغيرة من حيث سرعة الحركة وخفتها فسماها (جان) وذكر الثعبان من حيث ضخامته وقوته فهي بهذا جامعة لهذه الصفات في آن واحد أي ان التوفيق في توجيه ذكر الصفتين المختلفتين لانقلاب العصا هو (انها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان)([26]).

إلا أنّ الشريف المرتضى له رأي مغاير عما ذهب إليه المفسرون في توجيه الآيتين المختلفتين في صفه انقلاب العصا الى حيّة جان مرة وثعبان تارة اخرى, فهو لم يوافق المفسرين في رأيهم الذي يذهب الى التدرج في صفتها من حيّة صغيرة الى صيرورتها ثعبان كبير وكذلك في الجمع في ان الصفتين قد جمعا في نفس الحيّة وفي آن واحد كما تقدم.

وتوجيه الشريف المرتضى هو ان الآيتين لم يكونا في مجلس واحد, أي ان لكل صفه من صفات انقلاب الحيّة قصه تختلف عن الصفة الأخرى, وان أول ما كانت فيه صفة الجان كان في ابتداء نبوة موسى (ع)  وذكر صفة الثعبان كانت في مجلس فرعون ولقاء موسى به يوم الزينة.

وهذا هو الواضح في قول الشريف المرتضى إذ قال: (إن الذي ظنه السائل من كون الآيتين خبراً عن قصة واحدة باطل، بل الحالتان مختلفتان، فالحال التي أخبر عن العصا فيها بصفة الجان كانت في ابتداء النبّوة، وقبل مصير موسى   (ع)  الى فرعون، والحال التي صارت العصا فيها ثعباناً كانت عن لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة؛ والتلاوة تدلّ على ذلك؛ - وينهي قوله ـ وإذا اختلفت القصَّتان فلا مسألة)([27]).

ومن ثم يعقب الشريف المرتضى على من ذهب من المفسرين الى خلاف رأيه، وهو ما تقدم من آرائهم، فيبرر لهم هذه الآراء بقوله: (اما لظنهم ان القصة واحدة، أو لاعتقادهم ان العصا الواحدة، لا يجوز ان تنقلب في حالتين: تارة الى صفة الجان، وتارة الى صفة الثعبان...)([28]) .

ويمكن القول: إنَّ سبب هذا التنقل في صفات انقلاب العصا الى حيّة جآن تارة وثعبان اخرى، هو ان الجان وهو صغير الحجم مما لا يدخل الرعب في نفس الانسان عند المفاجئة في مشاهدته، فكان أول ما رآه موسى (ع)  من عصاه هو صفة الجان, ولما كان التحدي مع السحرة في يوم الزينة ووجود فرعون كان لابد من ان يكون حجم الحيّة اكبر واعظم وبما يدخل الرعب والخشية في قلوب المشاهدين، ولهذا كانت صفتها ثعباناً مبيناً، وهذا ما أرعب فرعون كما تقدم، وكان سبباً مباشراً ايضاً في إيمان السحرة الذين كان لهم تضلعهم في مجال السحر ولولا حجم الافعى وكونها ثعباناً مبيناً تأكل ما يلقون من عصيهم وحبالهم لما دخل الإيمان حينها الى قلوبهم، إذ ايقنوا انها معجزة سماوية وان من يأتي بهكذا آية هو نبي مرسل .

ثالثاً: قال تعالى: Pتَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَO([29]), من الواضح ان النفس وردت على صور متعددة المعاني في آيات قرآنية عدة وأنها في مجموعها وردت في 367 موضعاً, وفي الوقت نفسه ذكرت كلمة النفس في حالات الافراد والتثنية والجمع والاضافة، وأكثر ما تدل على الإنسان، كذلك أتت غالباً للدلالة على ذات الشيء وحقيقته، وقد ذكر منها الشريف المرتضى وجوهاً هي([30]):

أ: النفس بمعنى الروح التي بها الحياة، مثل قولة تعالى: Pكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِO([31])، يقول الشريف المرتضى: (فالنفس نفس الإنسان وغيره من الحيوان، وهي التي إذا فقدها خرج عن كونه حيا)([32]).

ولهذا المعنى اشار الزمخشري بقوله: (وهو ان يسلب ماهي به حية)([33])، فالمقصود هنا هو انتقال الانسان وغيره من الحيوان من هذا العالم الى عالم الاخرة .

ب: النفس ذات الشيء: ولهذا اشار الشريف المرتضى بقوله : والنفس ذات الشيء الذي يخبر عنه كقولهم:  (فعل ذلك فلان نفسُه، إذا تولّى فِعله)([34])، وهذا المعنى نجده في قوله تعالى: Pقَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِيO([35])، فنلحظ هنا ان النفس يُراد منها ذات المتكلم بحسب ما يُفاد من كلام نبي الله موسى (ع) ، فهو (ع)  يعني (لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحبّ واُريد من طاعتك واتباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي)([36])، أي إلا على ذاتي التي هي نفسي .

ج: النفس بمعنى النزاهة: وهذا المعنى اشار إليه الشريف المرتضى بقوله: (والنفس الأنَفَة([37])، من قولهم ليس لفلان نفسٌ، أي لا أَنَفَة له)([38])، والمراد هنا ظاهراً عند الشريف المرتضى هو الاستكبار عن مقللات الشأن وتوافه الأمور، ونهي النفس عن الهوى وضبطها، ولعلنا نلتمس هذا المعنى في  قوله تعالى: Pوَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىO([39])، فالنفس هنا أنفة عن اتباع الهوى المردي، وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطيد على إيثار الخير([40])  .

د: النفس بمعنى الإرادة: وهنا يعني الشريف المرتضى النفس التي تتذبذب ما بين الإقدام والإحجام, وهذا هو المستشف من استشهاده في إيضاح هذا المعنى، اذ استشهد بقول النمر بن تولب العُكْليّ([41]):

أما خليـــــــــلي فإني لستُ مُعجِلهُ                        حــتى يُؤامِرَ نَفْسَيـهِ كمــا زَعَـــــما

نفـــسٌ لــهُ مِنْ نُفُوسِ القوم صالحِةٌ                      تُعطي الجَـــزيلَ ونفسٌ ترضع الغنما

فيقول الشريف المرتضى شارحاً هذين البيتين: (أراد أنّه بين نفسين: نفس تأمرهُ بالجود، وأخرى تأمره بالبخل، وكنَّى برضَاع الغنم عن البُخل، لأن اللّئيم يرضَعُ اللبن من الشّاة ولا يحلُبها لئلا يسمَع الضيفُ صوت الشَّخْب فيهتدي إليه، ومنه قيل: لئيمٌ راضع)([42]).

وهذا المعنى نجده واضحاً في قوله تعالى: Pَلا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِO([43])، ويعني بالنفس اللوامة النفس المريدة للإحسان المُتقية التي تلوم النفوس، أي النفس التي لا تزال تلوم نفسها وان اجتهدت في الإحسان([44])، وبهذا تكون النفس متذبذبة في ارادتها وان كانت للخير فاعلة.

هـ : النفس بمعنى العقوبة: وهنا التحذير من وقوع العقوبة، يقول الله سبحانه: Pوَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُO([45])، فهذا تهديد من الله سبحانه وتعالى الى من يروم عصيانه ومخالفة اوامره, بأن الله سوف يعاقبه، فالنفس بهذا المعنى هنا انه سبحانه (كأن يحذركم عقوبته)([46])، والى هذا المعنى ذهب جملة من المفسرين، يقول ابن كثير: (أي يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته وعذابه لمن وآلى اعداءه، وعادى أولياءه)([47]) .

و: النفس بمعنى الغيب: وهو ما نلحظه في الآية محل البحث, Pتَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِO([48])، يقول الطبري: (انك تعلم ضمائر النفوس مما لم أنطق به فكيف بما نطقت به,...., ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه, لأني إنما أعلم من الاشياء ما أعلمتنيه)([49])، ويقول الزمخشري: (في نفسي) في قلبي: والمعنى: تعلم معلومي ولا اعلم معلومك)([50]).

وأما سبب تسمية الغيب بأنه نفس، فيرى السيد المرتضى تعليل هذه التسمية: (أنّ نفس الإنسان لما كانت خفيّة الموضع نُزِّل ما يكتمه ويجتهد في ستره منزلتها، وسمِّي باسمها، فقيل إنه نفسه، مبالغةً في وصفه بالكتمان والخفاء)([51])، وهنا يُشير السيد المرتضى الى ما يُكنه الإنسان من نوايا وخلجات تعتري قلبه وضميره الذي لا يمكن ان يدركه غيره من البشر، فهذه أمور لا طاقة للآخرين على العلم بها فهي خاصة به وحده.

وهذا السبب في التسمية لا ينطبق بطبيعة الحال على الذات الإلهية، فالله سبحانه منزه عمّا يتصف به الانسان، فهو سبحانه ليس بشخص كما (تمسكت المجسمة بهذه الآية وقالو: النفس هو الشخص وذلك يقتضي كونه تعالى جسماً)([52])، وإنما قال تعالى مخبراً عن نبيه: (وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) من حيث تقدم قوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ)، ليزدوج الكلام، وهذا ما يراه السيد المرتضى([53])، أي على جهة المشاكلة([54])، وإلا فالله منزه عن أن يكون له نفس أو قلب تحل فيه المعاني.

وأما تقديم ما اخبر به عن نبيه عيسى   (ع)  بان قال: Pتَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَO من باب التأدب في القول والخطاب مع الحضرة المقدسة، يقول السيد المرتضى: (ولهذا لا يحسن ابتداءً أن يقول: أنا لا أعلم ما في نفس الله تعالى)([55])، وهذه التفاته جميلة من لدُن السيد المرتضى الى كيفية خطاب الأنبياء مع الله سبحانه، وتأدبهم في الكلام مع الباري عز وجل، ومن خلال هذا النص المبارك، إذ قدم النبي عيسى   (ع)  علم الله على ما في نفسه مبيناً قدرته سبحانه واطلاعه على خفايا الأمور وما تكنه الأنفس .

المطلب الثاني: الآراء التفسيرية للشريف المرتضى مقارنة مع المفسرين المعاصرين:

بعد جولتنا البحثية في المطلب الأول والمتضمنة للآراء التفسيرية للسيد المرتضى مقارنة مع المفسرين الاقدمين، سنحاول في هذا المطلب عرض الآراء التفسيرية له مع مقارنتها بالآراء التفسيرية للمفسرين المعاصرين، وفق نصوص قرآنية تناولها الشريف المرتضى في أماليه، ومنها:

أولاً: قال تعالى: Pلَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَO([56]), من المعلوم ان الدافع الذي بعث قابيل الى الإقدام بفتح باب القتل وازهاق النفس المحترمة، وتأسيس أول جريمة قتل عرفها تاريخ البشرية كان الحسد وغريزة الحرص والاستعلاء .

فارتكاب قابيل جرم قتل هابيل لم يكن باعثه (من أجل الصراع على البقاء كما يزعم المذهب الدارويني، ولا من أجل الحصول على بنت أجمل كما يزعم المذهب الفرويدي، ولا من أجل سوء التربية وضغوط الاجتماع، أو الصراع الطبقي أو غيرها مما تزعمها المذاهب الاجتماعية المختلفة، كلا، ولكنه قتله لحب الاستعلاء والحسد، وإذا سيطرت البشرية على غريزة الاستعلاء في ذاتها فقد وفقت للعيش بسلام مع بعضها وانتزعت من نفسها فتيل الحرب)([57]).

بعد هذه النظرة العامة في جو الآيتين، يرد علينا سؤالين, أولهما سبب امتناع المقتول عن الدفاع عن نفسه قبال عزم القاتل على قتله, والثاني ما توجيه الاباءة بالإثم في قول المقتول لأخيه القاتل!

في جواب السؤال الأول ذهب ابن عاشور الى تبرير عدم دفاع هابيل عن نفسه ورفع الخطر عنها واستسلامه أمام مراد قابيل في قتله, ان هابيل كان يملك من التقوى ومخافة الله سبحانه ما يجعله يُراعي حدود الله، ومن شدّة فرط معرفة هابيل بقبح الذبح لما كان يرى ذلك على الاغنام التي كان يرعاها، وكذلك حفاظاً على بقاء الجنس البشري فآثر اخاه على نفسه وان كان اخوه ظالماً لما تمتع به هابيل من خُلق حسن وتربية خاصة من ابيه آدم (ع) ، فرأى (في الاستسلام لطالب قتله إبقاء على حفظ النفوس لإكمال مراد الله من تعمير الأرض)([58]).

وفيما تقدم من كلام ابن عاشور نستشف ان المراد هو الابقاء على ظلم الظالم, وعدم مقارعة المعتدي بحجة حُسن الخُلق وكف الاذى مع ان المعتدي مصرح بنية القتل والاعتداء، وجعل الدفاع عن النفس الذي (يفضي الى القتل كان محرّماً)([59]) آنذاك, وهذا رأي في حقيقته يحتاج الى دليل!

ولم يكتف المفسرون بهذا حتى ساقوا الروايات التي تدعم هذا الرأي في الاستسلام والخنوع وعدم الدفاع عن النفس، فقد رووا عن النبي 9 قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار, قالوا: يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)([60])، وفي رواية ثانية عن النبي انه قال 9 لأبي ذر: ( يا أبا ذر أرأيت إن قتل النّاس بعضُهم بعضاً، حتى تغرق حجارة الزيت (موضع كان بالمدينة) من الدِّماء كيف تصنع؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك، قال: فإن لم أترك؟ قال: فأت من أنت منهم فكن منهم، قال: فآخذ سلاحي؟ قال: فإذا تشاركهم فيما هم فيه ولكن إذا خشيت ان يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك)([61])، وغيرها من الروايات التي تحث على تسليم الامر الى المعتدي في القتل وعدم مناجزته في الدفاع عن النفس([62]).

اما توجيه هذه الروايات، فبالإمكان الركون الى جميل ما وجه الجصاص (ت370هـ) الحديث المتقدم والمحتج به في ان القاتل والمقتول في النار الى القول: (فإنما اراد بذلك إذا قصد كل واحد منهما صاحبه ظلماً على نحو ما يفعله اصحاب العصبية والفتنة)([63]) .

وهذا ما نجده واضحاً في رواية اخرى تؤدي نفس المضمون في كون القاتل والمقتول من المسلمين في النار، إلا أنّها تشترط عدم وجود السبب المشرع لهذا القتل، وهذا ما نلحظه جلياً في قول النبي  9: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما على غير سنة فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال لأنه أراد قتلاً)([64]).

فلابد من وجود مسوّغ فقهي يجيز (سنة) قتال المسلم للمسلم وقتله، فليس كل من قتل مسلماً كان هو والمقتول في النار، ولعل الواقع العملي نجده واضحاً في حروب أمير المؤمنين علي   (ع) ، فهي حروب دارت رحاها في مقاتلة المسلمين، وكانت مسوغات القتال مشروعة؛ إذ إن حكم البغاة لم يُعلم إلا من فعل علي (ع)  في مقاتلة الفرق الثلاثة، كما اعترف به الشافعي (ت204هـ) في قوله: (عرفنا حكم البغاة من علي)([65]).

وقد كان للشريف المرتضى رداً بارعاً على من كان يحسب من المفسرين ان الدفاع عن النفس محرماً آنذاك، أو القول ان سبب الامتناع عن المدافعة سوف يفضي الى القتل العمد ربما من المعتدى عليه على المعتدي وهذا أمر قبيح، فيرى الشريف المرتضى في هذا الرأي (إنه تعالى خبَّر عنه أنه وإن بسط أخوه إليه يده ليقتله لا يبسط يده ليقتله؛ أي وهو مريد لقتله ومخير إليه؛ لأن اللام بمعنى (كي)، وهي منبئة عن الإرادة والغرض؛ ولا شبهة في حظر ذلك وقبحه؛ ولأن المدافع إنما تحسن منه المدافعة للظالم طلباً للتخلص من غير أن يقصد الى قتله أو الإضرار به؛ ومتى قصدَ ذلك كان في حكم المبتدئ بالقتل، لأنه فاعل القبيح, والعقل شاهد بوجوب التخلص من المضرة بأي وجه يمكن منه، بعد ان يكون غير قبيح)([66]).

ومن فهم رأي الشريف المرتضى يتضح انه يخالف الرأي الذاهب الى عدم المدافعة عن النفس، وأنّ الدفاع عن النفس الذي لا يضمر مسبقاً نية القتل من بديهيات العقل في التخلص من المضرة، اما إذا اخذنا بنظر الاعتبار ان المعتدي مصرح بنية القتل وقد شرع بالقتل على المعتدى عليه، فلا معنى لعدم مجابهته ودفع ضره حتى وان ادى الى قتل المعتدي.

هذا الرأي واضح الدلالة في قوله تعالى: Pوَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَO([67])، فمعلوم ان الابتداء بالقتل عمل قبيح, ولكن من شرع بالاعتداء فان الآية الكريمة دلت (على ان من يجب قتاله خصوص من يقاتل و اما من لم يقاتل فلا يقاتل)([68]) .

وأمّا ما احتج به من روايات حاثة على الصبر والتسليم فهي لا تخلو من مناقشة، فهي بعمومياتها تغلق باب الجهاد, في حين ان مبدأ الجهاد من المبادئ الاساسية التي شُرعت لدفع الظلم، وهو من الواجبات العظيمة في الاسلام وقد حُثّ عليه حثاً أكيداً، وجاءت النصوص الكثيرة التي تشيد بالشهادة وتؤكد على منزلتها العظيمة حتى جاء في الحديث الشريف عن النبي  9 قال: ( فوق كلّ ذي برٍّ برٌ حتى يُقتل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله فليس فوقه بر..)([69])، ومعلوم أن الشهادة لا تتحصل إلا في مواجهة الاعداء والتصدي لخطرهم ودفع أذاهم، والاستبسال في قتالهم حتى وإن أدى الى القتل وهو نيل الشهادة، وبهذا ليس المقصود إذاً من الشهادة هنا هو الخنوع للعدو حتى يقع ضرره على المسلم فيقتله! 

وفي موضع آخر جاء في الخطبة المعروفة لأمير المؤمنين   (ع)  في الجهاد، قال: (أمّا بعد فان الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصّة أوليائه, وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنّته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء ...)([70]).

وفي وجوبه في النصوص القرآنية مما لا شبهة فيه([71]), فلا يكون معنى مفهوماً من الروايات التي تحث على الصبر والاستسلام!! إلا القول بأنّها خاصة لقوم في زمن معين, وهذا لا دليل عليه أيضاً فالروايات عامة ولا يمكن توجيهها بهذا النحو فالحق بيّن والباطل بيّن، إلا ان سلمنا بان ليد السلطة الظالمة دور في وضع هكذا احاديث تخدم بها تسلطها على رقاب الناس وتمرير طغيانها وتضمن لها بذلك عدم خروجهم عليها.

إذاً فالآية كما يرى الشريف المرتضى لا تحرم الدفاع عن النفس, وكذلك لا تحمل المجابهة بأكثر من الضرر المتوقع, فإن كان مجرد تهديد ووعيد فهذا أمر لا يحتاج الى اجراء القتل في حق من اعتدى بالكلام فقط, فيقول المرتضى: (أن الآية غير مقتضيه لتحريم المدافعة والانتصاف؛ على ما ذهب إليه قوم؛ لأن قوله: (لأقتلك) يقتضي أن يكون البسط لهذا الغرض؛ والمدافعة لا تقتضي ذلك، ولا يحسن من المدافع أن يجري بها الى ضرر؛ فلا دلالة في الآية على تحريم المدافعة)([72]) .

اما في فهم قوله: Pإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَO، وهو قول المقتول لأخيه القاتل, فقد ذهب جُملة من المفسرين الى القول إن هابيل (المقتول) أراد ان ينصح أخاه ويُذكّره بموعظة حسنة ان الإقدام على قتله سوف يُحمله ذنوب المقتول السالفة وأثمه الماضي؛ وذلك انه سلبه حق الحياة ([73]) .

وقد استشهدوا على هذا الرأي بما مفاده ان آثام المقتول تكون برقبة القاتل يوم القيامة برواية عن النبي  9 انه قال: (يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزداد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه)([74]).

وفي فهم قول المقتول لأخيه في معنى الإباءة وربطه بالحديث النبوي, نلحظ ان ابن عاشور يقول: (فإن كان قد قال هذا عن علم من وحي فقد كان مثل ما شُرع في الإسلام، وإن كان قد قاله عن اجتهاد فقد أصاب في اجتهاده وإلهامه ونطق عن مثل نُبوءة)([75]).

والباحث يرى ان ربط قول هابيل بالرواية المتقدمة تحتاج الى تأمل، ناهيك عن الاستشهاد بها في فهم النص القرآني المختص بقول المقتول, فالرواية حاثة على تجنب الظلم ومن صور الظلم هو القتل بغير حق, ولكن توظيفها بهذا المورد لا يستقيم، لأسباب منها:

ان هابيل معروف بالصلاح والتقوى, فلا معنى لانتفاعه من حسنات قابيل يوم القيامة.

ان كان قابيل لا يملك حسنات فلا معنى لان يؤخذ من سيئات هابيل فتضاف الى قابيل لما تقدم.

ان الحديث المستشهد به يذكر ان هناك قدر مقدور يؤخذ من حسنات الظالم الى المظلوم، فإن انتصف يوحى بان هناك حسنات سوف تبقى للظالم, ولعلها سوف تدخله الجنة، على حين ان آخر ما ذكره المقتول (هابيل) في وعظه لأخيه (القاتل): Pإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَO هو دخول النار بسبب الظلم.

ولعل للحديث الشريف دلالة في نفس ما هو مفهوم منها ولكن ليس موردها في هذا الموضع من كلام هابيل مع اخيه (بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ).

وهنا يركن الباحث في فهم هذا النص القرآني الى ما ذهب إليه الشريف المرتضى برأيه، بان المراد بإثمي هو عقوبة قتل أخيه له وما يوجب من ظلم ومن ثم دخول النار, وان المراد من (إِثْمِكَ) هو ما سلف من أخيه من معصية كان من جراءها عدم قبول قربانه؛ لأنه لم يكن تقياً, بخلاف ما وصف به المقتول (هابيل) من التقوى, فيفهم ان قابيل كانت لديه معصية سالفة غير قتل أخيه موجبه لدخول النار.

وهذا ما يتضح جلياً في تفسير الشريف المرتضى لمعنى الآية, إذ قال: (فالمعنى فيه واضح لأنه أراد بإثمي عقاب قتلك لي وبإثمك إي عقاب المعصية التي اقدمت عليها من قبل، فلم يتقبل قربانك لسببها؛ لأن الله تعالى اخبر عنها بانهما: Pقَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِO، وان العلة في ان قربان احدهما لم يُتقبل انه غير متقٍ)([76]).

وبحسب تتبع الباحث لم يلحظ من المفسرين المعاصرين من ذهب الى هذا الرأي وموافقة الشريف المرتضى إلا الشيخ سعيد حوى، إذ قال: ("بإثمي" أي بإثم قتلي إذا قتلتني، "واثمك" الذي لأجله لم يتقبل قربانك وهو عقوق الأب والحسد والحقد)([77]).

ومما تقدم لا معنى لربط الحديث الشريف في هذا الموضع، كما لا يفهم من معنى (إثمي واثمك) ان تحمل وزر ما لم يقترفه القاتل من اثم المقتول وسيئاته الأُخر، فالآية ليست بهذا الصدد وبحسب جوها العام، فيكون رأي الشريف المرتضى أكثر عمقاً وأدق دلالة مما ذهب إليه غيره من المفسرين المعاصرين إلا من استثنينا.

ثانياً: قال تعالى: Pوَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍO([78])، أمر الله تعالى آدم وزوجه بسكنى الجنة واباح لهما كل ما في الجنة من شجر ونعيم ما عدا شجرة من اشجار الجنة نهاهما عن الاقتراب منها وتناولها.

فتحركت دواعي الشر المتمثلة في ابليس لإخراج آدم وزوجه من نعيمها وسعادتها وأمنهما، وذلك بتزيين الاكل من الشجرة المحرمة فتناولا مما نهيا عنه فأخرجهما الله تعالى مما كانا فيه من نعيم الجنة، وكان منذ حينها الصراع والعداوة في هذه الأرض؛ ولذا كان ارسال الرسل من الأنبياء : لهداية الناس الى طريق الحق والرشاد.

وفي الآية محل البحث نلحظ ان هناك خطاب موجه الى من أُمرا بالهبوط، فهل كان المعنيون بالخطاب آدم وحواء والحيّة؟! أو آدم وحواء فقط؟ أو آدم وحواء وذريتهما؟ أو آدم وحواء وابليس؟ .

وقد ناقش السيد المرتضى هذه الآراء الأربعة، فالرأي الأول الذاهب إلى القول ان الخطاب موجه الى آدم وحواء والحيّة([79])، فقد استبعده الشريف المرتضى، إذ يرى (ان خطاب من لا يفهم الخطاب لا يحسن؛ فلا بد من ان يكون قبيحاً)([80]). إذ إن الحيّة صورة رمزية للشر الذي قد تلبس به ابليس وكناية عن الدنيا أيضاً، فلا معنى لمخاطبة الرموز التي استعملت لإيصال فكرة ما، هذا من جانب ما يراه بعض المفسرين من روايات ربما، ومن جانب آخر يُدل فيه على ان الخطاب موجه الى الحية وهو (انه لم يتقدم للحية ذكر في نص القرآن، والكناية عن غير مذكور لا تحسن إلا بحيث لا يقع لبسْ، ولا يسبق وهم الى تعلق الكناية بغير مكنّى عنه، حتى يكون ذكره كترك ذكره في البيان عن المعنى المقصود)([81]).

والرأي الثاني: هو ان الخطاب لآدم وحواء فقط، وهذا الرأي وان لم ينكره السيد المرتضى، وسببه انه قد يخاطب (الاثنين بالجمع على عادة العرب في ذلك، لأن التثنية أول الجمع)([82])، واستشهد السيد المرتضى على هذا الرأي بقوله تعالى: Pإِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَO([83])، فقال: (اراد لحكم داود وسليمان)([84])، وكانا اثنين فخاطبهما بصيغة الجمع!

ووافقه على هذا الرأي ابن عاشور، إذ قال معللاً سبب جمع الضمير مع ان المراد هو التثنية: (فالذي اراه ان جمع الضمير مراد به التثنية لكراهية توالي المثنيات بالإظهار والإضمار من قوله: Pوكُلا مِنْها رَغَداًO([85]) والعرب يستثقلون ذلك)([86]) .   

والباحث لا يرى هذا الرأي في ان المخاطب آدم وحواء، إذ ان الآية تشير بوضوح الى ما وراء هذا الإهباط عداوة (بعضكم لبعض عدو)، وعموم ما اراده الله سبحانه من الزوجين هو الأنس والرحمة ودلت آيات في ذلك المعنى كقوله تعالى: Pوَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةًO([87])، وهذا الرأي لا ينسجم إذاً مع هذه الغاية والجعل الإلهي.

وما استشهد به السيد المرتضى على ان المخاطب آدم وحواء بقوله تعالى: Pوَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَO([88])، لا يصمد اذا ما علمنا ان المراد Pوَكُنَّا لِحُكْمِهِمْO ان المعني بهذا الخطاب جميع الأنبياء كما يشعرنا جو السورة عموماً، فلا خصوصية لداود وسليمان، وهذا ما ذهب إليه السيد محمد حسين الطباطبائي، إذ قال: ( إن الضمير (لحكمهم) للأنبياء وقد تكرر في كلامه تعالى انه آتاهم الحكم )([89]).

والرأي الثالث: ان المخاطب آدم وحواء وذريتهما، وقد ذكره السيد المرتضى من غير ان ينكره، بل قال معللاً هذا الرأي: (ان الوالدين يدلان على الذرية ويتعلق بهما، ويقوي ذلك قوله تعالى حاكياً عن ابراهيم واسماعيل: Pرَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَناO([90]))([91])، ومن المعلوم (ان العمل الصالح يساهم ايضاً في اصلاح ذرية الفرد)([92])، وكذلك ان خلاف العمل الصالح الصادر من الوالدين له اثره السلبي على الذرية، وهذا المعنى لا يستقيم مع صلاح نبي الله وصفوته آدم (ع)  ولا ريب ولا شك في صلاحه (ع)  وهنا نجد لا مناسبة الى تقدير ذرية آدم بالعداوة وفق الآية التي استدل بها السيد المرتضى، كما ان ذرية آدم لم تكن قد وجدت حين وقوع المخاطبة والإهباط، ومن ثم فلا (حاجة لتقدير ارادة ذرية آدم بالجمع،... فان العداوة في قوله عز وجل: Pبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّO تنافي هذا التقدير)([93]).

الرأي الرابع: ان يكون المعني بالمخاطبة هو آدم وحواء وابليس، وانهم الثلاثة مشتركين جميعاً في امر الهبوط، ويبدو للباحث ان هذا الرأي ما تبناه السيد المرتضى ظاهراً، إذ قال: (وليس لأحد ان يستبعد هذا الجواب من حيث لم يتقدم لإبليس ذكر في قوله تعالى: Pوَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَO([94])، لأنه وان لم يخاطب بذلك فقد جرى ذكره في قوله تعالى: Pفَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِO([95]) فجائز ان يعود الخطاب على الجميع)([96]). خصوصاً وان الجن والإنس هما موضع التكليف في الأرض لا غيرهما.

وبعد استعراض الآراء الأربعة، وبيان نقدها، نجد ان الرأي الأخير هو الظاهر بالقبول، والمنسجم مع تناسب الآيات، وان المخاطب هو آدم وحواء وابليس.

بعد ان اتضح مَن المخاطبين بأمر الهبوط، بقي علينا بيان من المقصود من قوله تعالى: Pبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّO، ومن خلال تتبع الباحث لآراء المفسرين في معرفة المعني بأمر الإهباط الذي يكون حال الهابطين فيه اعداء، وجد ان المفسرين يتقاربون في تشخيصهم الى ان المعني هم ذرية آدم والشيطان، فيكون معنى الآية: (اهبطوا حال كونكم اعداء الشيطان عدوكم، فكونوا اعداء له)([97]).

وكذلك هو رأي السيد المرتضى، إلا ان السيد المرتضى كان أكثر ايضاحاً في بيان حال العداوة ما بين الإنسان والشيطان وعداوة الإنسان المؤمن للكفار والمارقين عن الطريق الحق، وممن نصب العداوة لله سبحانه، أي ان السيد المرتضى قام بإيضاح الأسباب الموجبة لوقوع العداوة وماهيتها، وليس كون هذه العداوة من لوازم الهبوط فحسب، بل ان الانحراف عن تعاليم السماء واتباع الهوى واقتفاء وسوسة الشيطان الذي شغله الشاغل هو عداوة الإنسان، وهذا ما صرح به القرآن المجيد جلياً، إذ قال: Pإِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّاO([98]) .

إذ يقول السيد المرتضى: (اما عداوة ابليس لآدم وذريته فمعروفه مشهورة، واما عداوة آدم (ع)  والمؤمنين من ذريته لإبليس فهي واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفار، المارقين عن طاعة الله تعالى، المستحقين لمقته وعداوته)([99]) . 

وبقي أمر آخر وأخير في الآية محل البحث، هو معرفة الرأي في معنى الهبوط الذي أمروا به! هل هو الهبوط من جنة الخلد الى هذه الأرض؟ أم هبوط من مكان مرتفع الى آخر في هذه الأرض؟ أم هو هبوط منزلة وشأن؟

بهذه الوجوه الثلاثة كان محور آراء المفسرين، ففي ترجيح الرأي الأول يقول الدكتور وهبي الزحيلي: (واجمع أهل السنة على ان جنة الخلد هي التي اهبط منها آدم (ع) )([100]).

ويرى الباحث هنا ليس أهل السنة (مدرسة الصحابة) من اخذ بهذا الرأي، بل نلحظ ان السيد محمد حسين فضل الله (رحمه الله) قد قال به([101]) .

ولعل من ذهب الى هذا الرأي كان معولاً على أصل كلمة (اهبطوا) لأن الهبوط هو (الانحدار على سبيل القهر  كهبوط الحجر)([102])، ففهم ان آدم كان في السماء المكان العال وانزل الى الأرض المكان الاسفل .

وهذا الاحتجاج لا يصمد كثيراً ان علمنا معنى كلمة (الجنة) التي اُسكن فيها آدم هي بمعنى ( كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض)([103])، ومن الاستعمال القرآني ما نلحظه في قوله تعالى: Pلَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالO([104]).

وأما من رأى من المفسرين ان كلمة (اهبطوا) المعنى المتقدم وهو النزول، فهذا دليل لا يصمد أيضاً اذا ما علمنا ان الاستعمال القرآني لهذه الكلمة لم يقتصر على معنى النزول من السماء الى الأرض، بل هو عموم الانتقال وليس في القرآن المجيد ما يُلزم بهذا النزول من السماء الى الأرض، وهذ ما اشار إليه السيد المرتضى بقوله: (وليس في ظاهر القرآن ما يوجب ذلك، لأن الهبوط كما يكون النزول من علو الى سفل فقد يراد به الحلول في المكان والنزول به)([105])، أي قد يكون من مكان مرتفع في الأرض الى مكان انزل منه، وقد استدل السيد المرتضى على هذا المعنى بقوله تعالى: Pاهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْO([106]) .

وبهذا قد تكون الجنة في مكان مرتفع على الأرض وصار النزول منها الى مكان آخر منخفض، وبهذا الرأي ذهب ايضاً السيد محمد رشيد رضا، إذ قال: (ولا يبعد ان تكون تلك الجنة في ربوة فسمى الخروج منها هبوطاً او سمي بذلك؛ لأن ما انتقلوا اليه دون ما كانوا فيه، أو هو كما يقال هبط من بلد الى بلد)([107]) .

وكذلك يمكن القول ان الهبوط يمكن ان يكون حسي وكذلك يمكن ان يكون معنوي، من حيث نزول الشأن والمقام، وبهذا أشار الشريف المرتضى في قوله: (ويحتمل أيضاً ان يريد بالهبوط معنى غير المسافة، بل الانحطاط من منزلة الى دونها، كما يقولون: قد هبط فلان عن منزله، ونزل عن مكانه، اذا كان على رتبة فانحطّ الى دونها)([108])، وهذا هو الرأي الثالث .

والذي يلحظه الباحث هو ان السيد المرتضى كان متبنياً للرأي الثاني، ان الجنة أرضية، وان جنة الخلد الداخل فيها ليس بخارج منها فهي قد اُعدت للمتقين ولا يمكن ان يدنسها وجود ابليس فيها حتى يسوغ له ان يوسوس فيها لآدم (ع) ، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان احوال الانسان في الجنة الموعودة تختلف على ما هو عليه حاله في الحياة الدنيا، وبكل حواسه، وكذلك احوال الدنيا من حيث المعالم الكونية المشاهدة فيها، والى هذا اشار الإمام جعفر الصادق (ع)  عندما سأل عن جنة آدم، فقال: (جنة من جنات الدنيا تطلع عليه فيها الشمس والقمر ولو كانت من جنات الخلد ما خرج منها أبدا)([109]) .

ومما تجدر الإشارة إليه هنا بعد هذه الجولة في الآية محل البحث وبيان الآراء فيها، والتماس رأي السيد المرتضى، ان كل آية من آيات الذكر الحكيم هي قاصدة لهداية الناس، وليس هي لغرض الترف العلمي والتسلية السلبية، فعندما نقرأ القرآن المجيد نجده لم يتعرض (للزمان كمجموعة من آنات أو احتمالات وجود يمارس فيها الفلاسفة وارباب الكلام الترف الفكري، إنما تعرض له كأوقات مقسمة ما بين عبادة وعمل وراحة وسكون، واذا كان الزمن اطول، فهو مجال يصلح لهلاك أمة، ونشوء أمة اخرى، وتحقيق وعد الله)([110]). فلابد من أن نستلهم من قصص الغابرين وسنن السابقين وما حملت من صراع وتدافع بين دعاة الخير والحق، ودعاة الشر والباطل، نستلهم العبرة وتعزيز الإيمان في النفوس، واخذ الحذر مما حذر منه القرآن المجيد.

ثالثاً: قال تعالى:Pقالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَO([111])، من مواضيع الجدل بين المفسرين وعلماء الكلام ان استند بعضهم إلى هذه الآية في تقرير كون الله سبحانه قد خلق الناس وخلق اعمالهم، وان اعمال الناس غير مكتسبة وانما هي مقدرة محتمة عليهم، بينما انكر ذلك فريق آخر، كما سنلحظه.

ففي تفسيرها يقول الدكتور وهبي الزحيلي: (وفيه دلالة على ان الله خلق الإنسان وخلق اعماله)([112])، ولعل الشيخ عبد الكريم المدرس يذهب إلى هذا الرأي كما يُفهم من قوله، إذ قال في بيانها: (الذي خلقكم وخلق اعمالكم ومن جملتها الأصنام التي تركبونها بالنحت والربط)([113]).

والآية محل البحث جعلها الأشعرية دليلاً على خلق افعال العباد لله تعالى([114])، وان تقولب في مصطلحات أُخر إلا ان مؤداه هو الجبر([115]) .

اما الفريق الآخر من المفسرين فلا يجد في الآية دليلاً على ما تقدم، بل يرى انّها ناظرة الى قول ابراهيم (ع)  الى قومه، أي انه (قال لهم: أتعبدون اصناماً نحتُّموها بأيديكم وصنعتموها بأنفسكم؟ والله جل وعلا خلقكم، وخلق اصنامكم التي تعبدونها؟ فكيف تعبدون المخلوق وتتركون الخالق؟)([116])، فهي هنا منطلقة في تقريع المشركين والاستهزاء بهم في كونهم يعبدون ما يصنعون من تماثيل بأيديهم وبعد ذلك يقعون عليها عابدين، وهذا دليل عقلي التمسه نبي الله ابراهيم (ع)  في محاجة قومه، لعلهم يرشدون الى طريق الحق والمنطق والبرهان.

اما رأي السيد المرتضى فقد وافق هذا الفريق، إذ قال في تفسيره للآية الكريمة: (قد حمل اهل الحق هذه الآية على ان المراد بقوله: (وما تعملون) أي وما تعملون فيه من الحجارة والخشب وغيرهما، مما كانوا يتخذونه اصناماً ويعبدونها)([117]).

إذ ان المقصود (وما تعملون) هو المادة الأولية لما يقع عليه فعل الفاعل، من حجارة او طين التي تكون فيما بعد الصنعة، أي المنحوت وليس النحت، فهو (أراد المعمول فيه دون العمل، وهذا الاستعمال ايضاً سائغ شائع؛ لأنهم يقولون: هذا الباب من عمل النجار، وفي الخلخال: هذا من عمل الصائغ، وان كانت الأجسام التي اشير اليها ليست اعمالاً، وانما عملوا فيها، فحسن اجراء هذه العبارة )([118]).

والاستعمالات القرآنية في ذلك كثيرة، منها ما نلحظه في قوله تعالى: Pفَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَO([119])، فليس المراد ان الحية تلقف نفس الأفك بل اراد العصي والحبال، ومثله قوله تعالى:Pيَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَO([120])، فهي جملة مبنية لجملة (يعمل بين يديه)([121])، أي المعمول فيه من دون العمل .

وقد وافق السيد المرتضى جملة من المفسرين المعاصرين، إلا ان منهم من اضاف تعليقاً اشاروا فيه الى عدم استحالة كون المراد من الآية هو خلق الأعمال أيضاً، وان الأعمال كلها لله سبحانه وبهذا يجدون (لا ضير في نسبة الخلق الى ما عمله الأنسان أو الى عمله؛ لأن ما يريده الإنسان ويعمله من طريق اختياره مراد الله سبحانه من طريق إرادة الإنسان واختياره ولا يوجب هذا النوع من تعلق الإرادة بالفعل بطلان تأثير ارادة الإنسان وخروج الفعل عن الاختيار وصيرورته مجبراً عليه، وهو الظاهر))[122]) .

وهذا الرأي في إجماله منطقي وسليم، ولا خلاف فيه ولكن الآية محل البحث ناظرة الى الاصنام وليس الى أعمال الإنسان كما تقدم بيانه، وأوضحه الشريف المرتضى .

ومما تجدر الإشارة إليه ان الذاهب الى القول ان الآية دالة على سلب الارادة، وهو ما احتج به المجبّرة كما تقدم ذكره، من ان الله خلقكم وخلق عبادتكم، لا يصح هنا معناه؛ ليس عقائدياً فحسب بل ان الآية محل البحث وما قبلها لا تتحمل هذا المعنى فهي ناظرة الى نقد نبي الله إبراهيم (ع)  لقومه وتسخيفهم لما يعبدون من الأصنام التي ينحتونها، بل ان المتأمل في رأيهم يجد ان الآية ملتمسة لهم العذر في عبادتهم للأصنام، وان ساحتهم مقالة العثرة؛ لأن الله سبحانه جبرهم على فعلهم هذا، فلا معنى لتوبيخ ابراهيم (ع)  لهم ولا معنى لإقامة الدليل والبرهان أو التماس البرهان في هديهم.

والى هذا اشار السيد المرتضى في معرض رده لمن قال بهذا الرأي، فقال: (ويصير على ما يذكره المخالف كأنه قال: (اتعبدون ما تنحتون) والله خلقكم وخلق عبادتكم، فأي وجه للتقريع! وهذا الى ان يكون عذراً اقرب من ان يكون لوماً وتوبيخاً، إذا خلق عبادتهم للأصنام، فأي وجه للومهم عليها وتقريعهم بها)([123]) .

وقد ناقش السيد المرتضى الآراء المطروحة على هذه الآية الكريمة، وتناولها من وجوه عدة ([124])، ولكن رعاية لمنهج البحث اكتفي بما يحتاجه المقام هنا.

فلحظنا ان الشريف المرتضى فيما تقدم من بيان رأيه كان ناظراً الى جملة من الآيات المعنية وذات الصلة بموضوع الآية محل البحث، في حين تكرر كثيراً من علماء الكلام والمفسرين لدعم مذهب او رأي أو تأويل حيث يعمد بعضهم الى اقتطاع آية من سلسلة او جملة من آية ويوردونها دليلاً، على حين ان بقية الآية أو بقية  السلسلة في صدد آخر لا تتحمل ما ارادوا  تحميلة لهما مما مرّ .

الخاتمة

بعد هذه الجولة التفسيرية مع النصوص القرآنية من خلال آراء الشريف المرتضى وبعض المفسرين من المتقدمين والمعاصرين، اتضح:

- إن الشريف المرتضى بوصفه فقيهاً واديباً ومتكلماً كان مفسراً بارعاً أيضاً وهو في التفسير لا يقل شأناً عن إمكاناته المتقدمة، فهو في طليعة المفسرين للقرآن المجيد برأي الإمامية لما حازه من أدوات المفسر البارع المتقن.

- لحظنا ان الشريف المرتضى في آراءه التفسيرية يحمل بعض الآيات على غير ظاهرها، وإن هذا الحمل لم يكن دائماً بسبب مخالفة الظاهر لعقيدته، بل إن ظاهر معنى الآية فيه شبهة تقدح في صحته، أو أن ذلك الظاهر يخالف معنى ما تضمنته السورة نفسها من آيات، أو يناقض ما ورد في القرآن عامة.

- إن آراء الشريف المرتضى التفسيرية مُقلّة في الاستشهاد بالنصوص الروائية في إيصال المعنى، ولعل ذلك عائد الى اسلوب الاحتجاج مع المخالف الذي لايُلزم بما لا يلزم نفسه من روايات مدرسة الشريف المرتضى.

- اعتمد الشريف المرتضى على مصادر متنوعة مهمة في فهم النص القرآني كان منها العقل، واللغة والبلاغة بصورة واضحة ويسمى ذلك تأويلاً.

- اعتمد الشريف المرتضى الشاهد القرآني في فهم النص القرآني عند اتحاد العلّة، وهذا مما يُحسب له لما فيه من عمق الاطلاع وغزارة المعرفة القرآنية .

- لحظنا ان الشريف المرتضى لا يكتفي بعرض الخلاف أو تسجيله، وإنما كان يدلي برأيه فيه، فيفاضل بين الآراء.

- حوى كتاب الأمالي مادة تفسيرية علميّة مكثفة كانت في قوامها ومجموعها أصيلة في اللفظ والمعنى والمحتوى والقضايا الثقافية المتنوعة.

- إنَّ آراء الشريف المرتضى التفسيرية المقارنة مع المفسرين المتقدمين تعطينا أنموذجاً فريداً لمفسر مجتهد مجاهد في إحقاق الحق وايضاحه في حقبةٍ زمنية انبرى فيها اصحاب الاعتقادات في تدوين مذاهبهم والتقعيد لها معولين على نصوص القرآن الكريم.

- لحظنا من مقارنة آراء الشريف المرتضى التفسيرية مع المفسرين المتقدمين أنَّ آراءه التفسيرية دفاعية من حيث عرض الرأي الآخر ومن ثم إيجاد الشبهة فيه وبعد ذلك بيان رأيه في التفسير.

- امتازت الآراء التفسيرية للشريف المرتضى المقارنة مع المفسرين المعاصرين بالأصالة العقائدية والدقة في إيراد المضامين التفسيرية، وذلك في كونه قطب من اقطاب الفكر ومرجعاً مهماً في الاعتقاد، وهذا ينطبق على من هم خلاف مدرسته أيضاً من حيث غزارة المعلومة ونضجها.

- أخيراً نستطيع القول ان آراء الشريف المرتضى التفسيرية هي آراء على وفق المنهج العقلي الذي يراه أهل الاختصاص في الوقت الراهن أي (الرأي المحمود)، إلا إنه قد استطاع ان يبتعد عن متاهات الإفراط والتفريط.

ملخص بحث..

الآراء التفسيرية للشريف المرتضى في كتاب الأمالي

-  دراسة مقارنة   -

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين. اما بعد.. لم يكن الشريف المرتضى عالماً بشؤون الفقه واستنباط الحكم الشرعي فحسب، كما لم يكن أديباً ألمعياً فقط، بل إنه برز في كل الفنون والعلوم، ومن جملة هذه العلوم هو علم التفسير.

وقد عكف الباحث في بحثه هذا على ابراز هذا الجانب التفسيري في فكر الشريف المرتضى من خلال آراءه التفسيرية، وقد حصرنا هذا البحث في كتابه الأمالي، إذ يطغى على هذا الكتاب الآراء التفسيرية له، فهو حقاً يُعد مفتاح شخصيته التفسيرية.

وبعد قراءة فاحصه لهذا الكتاب كان الاختيار لنصوص قرآنية محددة منه، لما يعتقد الباحث بشموليتها لجميع القضايا المهمة، ومن خلالها نقف على ابراز الآراء التفسيرية للشريف المرتضى واستجلاء معناها بعد مقارنتها مع الآراء التفسيرية للمفسرين.

وقد عمد الباحث الى مقارنة آراء الشريف المرتضى التفسيرية مع بعض المفسرين، وذلك لإبراز آراءه بوضوح أكثر ودقة كبيرة، كما ان الباحث قسم بحثه على مطلبين بعد المقدمة تناول فيها اسباب اختيار عنوان البحث وأهميته، فكان في هذين المطلبين آراء الشريف المرتضى التفسيرية مع مقارنتها مع آراء المفسرين المتقدمين، اما المطلب الثاني فقد كان في آراء الشريف المرتضى التفسيرية ومقارنتها مع آراء المفسرين المتأخرين، وذلك في نصوص مختارة من الأمالي. وتبع هذين المطلبين خاتمة ذكرنا فيها أهم نتائج البحث، وقائمة بالمصادر التي اعتمدناها فيه. والحمد لله رب العالمين.

--------------------------------

*  هوامش البحث  *

([1]) ينظر على سبيل المثال في هذا الجانب: د. عبد الرزاق محي الدين، أدب المرتضى من سيرته وآثاره، ص63...، د. رؤوف احمد الشمري، الشريف المرتضى متكلماً، ص9...، انتظار خضير القريشي، منهج التأويل في أمالي المرتضى، ص19.. .

([2]) د. عبد الرزاق محيي الدين، أدب المرتضى، ص160.

([3]) د. نعمة رحيم العزاوي، الجهد اللغوي في أمالي الشريف المرتضى، ص34.

([4]) د. محمد حسين الصغير، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم، ص72.

([5]) ظ: د. عبد الهادي الفضلي، أصول البحث، ص62.

[6] - وكما اسلفنا في المقدمة انّ المعني بالمتقدمين هنا هم المفسرون القدامى قياساً على عصر الباحث نفسه.

[7] - سورة الاسراء اية 16.

[8] - تفسير القرآن العظيم، 3/ 36.

[9] - سورة الانفال آية 151.

[10] - ابن كثير , تفسير القرآن العظيم، 3/36.

[11] - المفيد، شرح عقائد الصدوق، ص201 -202 .

[12] - يقول الدكتور رؤوف الشمري: (ان الاتجاه الجبري قد برز بشكل واضح في عهد الامويين الذين شجعوه واحتضنوه ليكون لهم سند في تثبيت حكمهم فقالوا: لا ارادة ولا اختيار لأحد في ذلك). الشريف المرتضى متكلماً، ص 106 .

[13] - سورة الاحزاب الآية: 38  .

[14]- الشريف المرتضى, امالي المرتضى, 1/164- 165, ظ: الكليني, الكافي, 1/155.

[15] - الامالي, 1/29.

[16] - المصدر نفسه، 1/29.

[17] ابن كثير, تفسير القرآن العظيم, 3/36, ظ : القرطبي, الجامع لأحكام القرآن ,6/190.

[18] - سورة الشعراء الآية 32.

[19] - سورة القصص الآية 31.

[20] - روح المعاني , 16/285.

[21] - الامالي , 1/305 .

[22] - ظ: الطوسي، التبيان في تفسير القران ,8/16.

[23] - معالم التنزيل في التفسير والتأويل , 4/200.

[24] - المصدر نفسه، 4/200.

[25] - انوار التنزيل واسرار التأويل، 3/73، وممن ذكر هذا الرأي ظ: القرطبي، الجامع لاحكام القران، 7/332، البغوي, معالم التنزيل, 4/6, الرازي, مفاتيح الغيب ,24/114.

[26] - الزمخشري, الكشاف, 3/60, وممن ذكر هذا الرأي ظ: الطبري, مجمع البيان ,7/244, ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 3/150 عند تفسير آية 20 من سورة طه.

[27] - الامالي,1/52. وممن ذكر هذا الرأي من المفسرين الشيخ الطوسي في البيان ,8/16. إلا ان الفارق ان الشريف المرتضى كان رأيه القاطع هنا والشيخ الطوسي كان رأيه ضمن جملة احتمالات!

[28] - الامالي، 1/52.

[29] - سورة المائدة الآية 116.

[30] - ذكر الشريف المرتضى للنفس معاني عدة وقد عزز من هذه المعاني ثلاث فقط بآيات قرآنية، وهي النفس بمعنى نفس الإنسان (الروح)، والنفس بمعنى العقوبة، والنفس بمعنى الغيب. ظ: الأمالي، 1/317 وما بعدها. وقد عزز الباحث سائر ماذكره السيد المرتضى من معاني النفس بالشاهد القرآني، ماخلا النفس بمعنى العين (الحسد)، والنفس بمعنى الدِّباغ، فلم يجد الباحث شاهد لهما.

    وللنفس في القرآن الكريم معانٍ عدة زيادة لما ذكره السيد المرتضى، انها تأتي كلمة نفس ويراد منها معين، وتشير الى أشخاص معينين، مثل قوله تعالى: Pالَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍO(سورة النساء آية 1)، اي من أصل واحد وهو نفس آدم ابيكم، وتأتي النفس بمعنى الجنس والعشيرة، مثل قوله تعالى: Pوَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًاO (سورة الروم الآية 21), وتأتي النفس بمعنى العقل، والقلب، وهو الواضح في قوله تعالى: Pوَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُO (سورة البقرة الآية 130)، وغيرها من المعاني، للتوسعة ظ : د. محمد كاظم الفتلاوي, المنظور القرآني في بناء الإنسان، ص11 .

[31]- سورة الزمر الاية 42.

[32] - الامالي، 1/317.

[33] - الكشاف، 4/5.

[34] - الامالي, 1/317.

[35] - سورة المائدة، الآية 25.

[36] - الطبري, جامع البيان عن التأويل القران، 6/217

[37] - يقول الفيومي (ت770هـ ): ( انف من الشيء انفا من باب تعب والاسم الأنفة مثل قصبة أي استنكف وهو الاستكبار وانف منه تنزه عنه ). المصباح المنير , ص22 .

[38] - الامالي ,1/317.

[39] - سورة النازعات الآية 40.

[40] - ظ: الزمخشري، الكشاف، 4/698.

[41] - ظ : ابو فرج الاصفهاني، الاغاني ,19/161.

[42] -الامالي، 1/318.

[43] - سورة القيامة، الآيتان 1-2 .

[44] - ظ: الرازي, مفاتيح الغيب,30/191 .

[45] - سورة ال عمران, الآية 28 .

[46] - الشريف المرتضى, الامالي, 1/319 .

[47]- تفسير القرآن العظيم, 1/364, ظ : الطبري, جامع البيان عن التاويل القرآن, 2/212, الطبرسي, مجمع البيان, 2/212.

[48] -  سورة المائدة الآية 116 .

[49] - جامع البيان عن تأويل القران ,7/163.

[50] - الكشاف ,1/726 .

[51] - الامالي ,1/219.

-[52] الرازي، مفاتيح الغيب, 12/112، والمجسمة: (اسم يطلق على عامة الفرق التي قالت بتجسيم الله تعالى ...., - و- ان زبدة كلام المجسمة والمشبهة انهم يشبهون الله بخلقه، ويثبتون له مكاناً), د. محمد جواد شكور, موسوعة الفرق الإسلامية, ص449, ظ: الشهرستاني، الملل والنحل, ص92 .

[53] - ظ: الامالي، 1/319, وذهب الى هذا الرأي البلاغي تجنباً للتشبيه الزمخشري، ظ: الكشاف, 1/726, والطبرسي, ظ: مجمع البيان, 3/368 .

[54] - والمشاكلة: هي ان يذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته تحقيقاً او تقديراً. ظ: السكاكي ابو يعقوب يوسف، مفتاح العلوم, القاهرة , 1937م , ص200 .

[55]- الامالي ,1/319.

[56] - سورة المائدة , الآيتين 28-29 .

[57] - محمد تقي المدرسي, من هدى القرآن, 2/215 .

[58] - ابن عاشور، التحرير والتنوير, 5/83, وما تقدم من رأي ظ: المصدر نفسه .

[59]- المصدر نفسه، 5/83 .

[60] - البخاري, صحيح البخاري, 8/92 .

[61] -  احمد بن حنبل، مسند أحمد، 5/149.

[62] - للتوسعة في هذه الروايات ظ: سعيد حوى، الاساس في التفسير، 3/136.

[63]- احكام القرآن، 2/504.

[64] - الحر العاملي، وسائل الشيعة، 11/113.

[65] - كتاب الأم، دار الفكر، بيروت، ط2، 1983م، 4/ 233.

[66] - الامالي ,2/46.

[67] سورة البقرة 190.

[68] - باقر الايرواني, دروس تمهيدية في تفسير آيات الاحكام,1/242, بل وذهب الفقيه المقداد السيوري(ت 826هـ) الى القول: (انه إذا كان الإنسان بين قوم ودهمهم عدوّ فخشي منه على نفسه جاز قتال ذلك العدوّ ويكون قصده الدفاع عن نفسه لقوله: (َفمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (سورة البقرة الاية194)، كنز العرفان, ص317.

[69] - الحر العاملي, وسائل الشيعة,11/10 .

[70] - محمد عبده, شرح نهج البلاغة,1/67.

[71] - للتوسعة في الآيات القرآنية الدالة على وجوب الجهاد ظ: المقداد السيوري، كنز العرفان، ص314.

[72]- الامالي,2/46.

[73] - ظ: ناصر المكارم الشيرازي, الامثل في تفسير كتاب الله المنزل, 3/458, ابن عاشور، التحرير والتنوير,5/84, محمد تقي المدرسي, من هدى القرآن,2/217.

[74] - اغلب من ذهب إلى هذا الرأي احتج بهذا الحديث قديماً وحديثاً, ظ: ابن عاشور, التحرير والتنوير,5 /84 مثلاً, ولم يجد الباحث هذا الحديث في الكتب المختصة بحسب تتبعه, وانما وجدها في مصادر الإمامية ولكن موردها لم يكن يشير الى قضية القاتل والمقتول في الآية محل البحث, بل هي عامة في الظالم والمظلوم من غير الاشارة الى كون المظلوم مقتول والظالم قاتل,         ظ: الكليني, الكافي 8/106.

[75] - التحرير والتنوير,5/84 .

[76] - الأمالي، 2/43، وقد ناقش السيد المرتضى وجوه أُخر اختصرناها بحسب المقام .

[77] - الأساس في التفسير، 2/ 1359 .

 [78] - سورة البقرة : الآية 36 .

 [79] - ظ: ماجد ناصر الزبيدي، التيسير في التفسير للقرآن، دار المحجة البيضاء، بيروت، 2007م، 1/90 .

 [80] - الأمالي، 2/135 .

 [81] - المصدر نفسه ، 2/135.

 [82] - المصدر نفسه، 2/135 .

 [83] - سورة الأنبياء : الآية 78 .

 [84] - المرتضى، الأمالي، 2/ 135 .

 [85] - سورة البقرة : الآية 35 .

 [86] - التحرير والتنوير ، 1/ 420 .

 [87] - سورة الروم : الآية 21 .

 [88] - سورة الأنبياء : الآية 78

 [89] - الميزان في تفسير القرآن، 14/268، وذهب الى هذا  الرأي أيضاً الرازي إلا انه قال: (ان الحكم كما يضاف الى الحاكم فقد يضاف الى المحكوم له، فاذا اضيف الحكم الى المتحاكمين كان المجموع اكثر من الاثنين)، 22/169، والباحث يرى أنّه لا معنى لإضافة المحكوم في الحكم، والرأي ما أثبتناه اعلاه .

 [90] - سورة البقرة : الآية 128 .

[91]- الأمالي ، 2/135 .

[92]- محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن ، 1/ 239 .

 [93] - محمد رشيد رضا ، تفسير المنار، 22/ 245 .

[94]- سورة البقرة : الآية 35.

 [95] - سورة البقرة : الآية 36 .

 [96] - الأمالي ، 2/ 135 .

 [97] - مصطفى الخيري المنصوري، المقتطف من عيون التفاسير،1/71، ظ: ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1/419، أما محمد عزه دروزه فلم يشير في تفسيره الى هذه الآية ضمن سياق تفسيره للآيات ما قبلها وبعدها، ظ: التفسير الحديث، 2/ 152.

[98]- سورة فاطر : الآية 6.

 [99] - الأمالي ، 2/137 .

 [100] - التفسير المنير، 1/153 .

 [101] - ظ: من وحي القرآن، 1/249، وقريب من هذا المعنى ظ : محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، 1/ 84  .

 [102] - الراغب الأصفهاني ، مفردات الفاظ القرآن ، ص 832 .

 [103] - المصدر نفسه ، ص 402 .

 [104] - سورة سبأ : الآية 15 .

 [105] - الأمالي ، 2/ 136 .

 [106] - سورة البقرة : الآية 61 .

 [107] - تفسير المنار، 2/245 .

 [108]- الأمالي، 2/ 136 . ظ : محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 8/ 315 .

 [109] - الصدوق(ت381هـ)، علل الشرائع، 2/600، ظ: الكليني، الكافي، 3/ 247 .

 [110] - د. عبدالله عيسى لحيلح، الجدلية التاريخية في القرآن، ص12 .

 [111] - سورة الصافات : 95 -96 .

 [112] - التفسير المنير، 12 / 124 .

 [113] - مواهب الرحمن  في تفسير القرآن، 6/ 465 .

 [114] - ظ: الحلبي (ت756هـ) احمد بن يونس، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، 9/321، البغدادي(ت429هـ) عبد القاهر، اصول الدين، مطبعة الدولة، استنبول، 1982، ص 135 .

 [115] - القول بنظرية الكسب وهي لا تختلف عن الجبر فـ( المحصلة واحدة، وان اختلافها لا يكون إلا في نطاق المقدمات والصياغات... ).  د. رؤوف  الشمري، الشريف المرتضى متكلماً، ص 109 .

 [116] - محمد علي  الصابوني، التفسير الواضح الميسر، ص1122، ظ: محمد عزة دروزه، التفسير الحديث، 4/224.

 [117] - الأمالي ، 2/ 203 .

 [118] - المرتضى ، الأمالي ، 1/ 203 .

 [119] - سورة الأعراف : الآية 1/203 .

 [120] - سورة سبأ : الآية 13 .

 [121] - سورة سبأ : الآية 12، في تفسيرها ظ : ابن عاشور، التحرير والتنوير ، 22/ 23 .

 [122] - محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 17/133، ظ: ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، 14/260، محمد جواد مغنية ، الكاشف، 6/ 337 .

 [123] - الأمالي ، 2/ 204 .

 [124] - للتوسعة ظ: الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء، ص62، د. رؤوف احمد الشمري، الشريف المرتضى متكلماً، ص120.

--------------------------------

*  مصادر البحث  *

خير ما نبدأ به: القرآن الكريم.

احمد بن حنبل (ت241هـ)، مسند احمد، دار صادر، بيروت، (دت).

انتظار خضير القريشي، منهج التأويل في أمالي المرتضى، رسالة ماجستير، كلية الفقه، جامعة الكوفة، 2006م.

باقر الايرواني، دروس تمهيدية في تفسير آيات الاحكام، دار الفقه للطباعة، قم، ط3، 1428هـ.

البخاري(ت256هـ) ابو عبد الله محمد، صحيح البخاري، دار الفكر للطباعة، بيروت، 1981م.

البغوي (ت510هـ) ابي محمد الحسين، معالم التنزيل في التفسير والتأويل، دار الفكر، بيروت، 2002م.

البيضاوي(ت791هـ) ناصر الدين ابي سعيد عبد الله، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مؤسسة الاعلمي، بيروت، 1990م.

الرازي (ت604هـ) فخر الدين محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 2009م.

الراغب الاصفهاني (ت425هـ)، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم، دمشق، 1425هـ.

رؤوف احمد الشمري(الدكتور)، الشريف المرتضى متكلماً،مجمع البحوث الاسلامية، مشهد،1434هـ.

الزمخشري (ت538هـ)ابي القاسم محمود، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار احياء التراث العربي، بيروت، ط2، 2001م.

سعيد حوى، الأساس في التفسير، دار السلام، مصر، ط2، 1989م.

السكاكي ابو يعقوب يوسف، مفتاح العلوم، القاهرة، 1937م.

الطبرسي(ت538هـ) ابو علي الفضل، مجمع البيان، مكتبة دار المجتبى، النجف الاشرف، 2009م.

الطوسي (ت460هـ) ابي جعفر محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، الاميرة للطباعة، بيروت، 2010م.

ابن عاشور محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، مؤسسة التاريخ، بيروت، (دت).

عبد الله عيسى لحيلح (الدكتور)، الجدلية التاريخية في القرآن الكريم، دار الوسام العربي، الجزائر، 2011م.

عبد الرزاق محي الدين (الدكتور)، أدب المرتضى من سيرته وآثاره، مطبعة المعارف، بغداد، 1957م.

عبد الكريم المدرس، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1988م.

عبد الهادي الفضلي(الدكتور)، أصول البحث، مؤسسة، دار الكتاب الإسلامي، قم، ايران، (دت).

الفيومي(ت770هـ) احمد بن محمد بن علي، المصباح المنير، مكتبة الايمان، المنصورة، 2008م.

القرطبي (ت671هـ) ابي عبد الله محمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: د. مجدي محمد سرور، دار البيان العربي، مصر، 2008م.

ابن كثير (ت774هـ) أبي الفداء عماد الدين، تفسير القرآن العظيم، دار صبح،بيروت،ط4، 2007م.

الكليني (ت329هـ) محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي اكبر الغفاري، دار الكتب الاسلامية، طهران، 1363هـ .ش.

محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن، دار القارئ، بيروت، ط2، 2008م.

محمد جواد مشكور (الدكتور)، موسوعة الفرق الاسلامية، تعريب: علي هاشم، مجمع البحوث الاسلامية، بيروت، 1995م.

محمد جواد مغنيه، التفسير الكاشف، منشورات الرضا، بيروت، 2013م.

محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، دار الكتاب العربي، بغداد، 2009م.

محمد حسين الصغير (الدكتور)، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم، دار المؤرخ العربي، بيروت، 2000م.

محمد حسين فضل الله، تفسير من وحي القرآن، دار الملاك، بيروت، ط3، 2007م.

محمد رشيد رضا، تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير المنار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

محمد عبده (ت1905م)، شرح نهج البلاغة، دار الذخائر، قم، 1412هـ.

محمد عزة دروزة، التفسير الحديث ترتيب السور حسب النزول، دار الغرب الاسلامي،ط2،2000م.

المرتضى الشريف(ت436هـ)، أمالي المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ذوي القربى، قم، ط3، 1435هـ.

ـــــــــــ ، الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء، دار الأضواء، بيروت ، ط2، 1989م.

محمد علي  الصابوني، التفسير الواضح الميسر، دار الافق، بيروت، 2001م.

مصطفى الخيري المنصوري، المقتطف من عيون التفاسير، دار القلم، دمشق، (دت).

المقداد السيوري (ت826هـ)، كنز العرفان في فقه القرآن، قم، 1422هـ.

ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، دار احياء التراث العربي، بيروت، ط2، 2005م.

نعمة رحيم العزاوي (الدكتور)، الجهد اللغوي في أمالي الشريف المرتضى، مجلة المورد، دار الشؤون الثقافية، بغداد، المجلد 22، العدد 2، 1994م.

وهبه الزحيلي (الدكتور)، التفسير المنير، دار الفكر، دمشق، ط2، 2007م.